وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُهُ وَالْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ وَفِي الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ
الشروح عليها
(لا يُجْزِئُه) وهو قول أبي حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى قوتَ يومٍ مِن كفَّارَةٍ، فلم يَجُزِ الدَّفْعُ إليه ثانيًا، كما لو دَفَعَها إليه مِن كفَّارةٍ واحدةٍ. فعلى هذه الروايَةِ، يُجْزِئُه عن إحْدَى الكفَّارَتَين. وهل له الرُّجُوعُ في الأُخْرَى؟ يُنْظَر؛
فإن كان أعْلَمَه أنَّها عن كفَّارَتَين ، فله الرُّجُوعُ، وإلَّا فلا. وَيَتَخَرَّجُ أن لا يَرْجِع بشيءٍ، على ما ذَكَرْنا في الزَّكاةِ. والرِّوايَة الأولَى أقْيَسُ وأصحُّ،
فإنَّ اعْتِبارَ عَدَدِ المساكينِ أَوْلَى مِن اعْتِبارِ عَددِ الأيَّامِ،
ولو دَفَعَ إليه ذلك في يَومَين أجْزَأه، ولأنَّه لو كان الدَّافِعُ اثْنَين، أجْزَأ عنهما، فكذلك إذا كان الدَّافِعُ واحدًا.
ولو دَفَعَ سِتِّينَ مُدًّا إلى ثلاثين مسكينًا مِن كفَّارَةٍ واحدةٍ، أجْزَأه من ذلك ثلاثون، ويُطْعِمُ ثلاثين آخَرِين،
فإن دَفَعَ السِّتِّينَ مِن كفَّارَتَين، خُرِّجَ على الرِّوايَتَين في المسْأَلةِ قبلَها، وهي إذا أطْعَمَ مسكينًا واحدًا مُدَّين مِن كفَّارَتَين في يومٍ واحدٍ.
٣٧٧٩ - مسأَلة: (والمُخْرَجُ في الكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ في الفِطْرَةِ) وهو البُرُّ، والشَّعِيرُ، والتَّمْرُ، وَالزَّبِيبُ، سَواءٌ كان قُوتَ بَلَدِه أو لم يَكُنْ. وما عداها، فقال القاضي: لا يُجْزِئُ إخْراجُه، سواءٌ كان قُوتَ بَلَدِه أو لم يكُنْ؛ لأنَّ الخبَرَ وَرَدَ بإخْراجِ هذه الأصْنافِ على ما جاءَ في الأحاديثِ التي نَذْكُرُها، ولأنَّه الجِنْسُ المُخْرَجُ في الفِطْرَةِ، فلم يُجْزِئُ غيرُه، كما لو لم يكُنْ قُوتَ بَلَدِه.
٣٧٨٠ - مسألة: (وفي الخُبْزِ رِوايَتان) إحداهما، يُجْزِئُ. اخْتارَها الخِرَقِيُّ. ونصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ الأثْرَمِ، فإنَّه قال: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: رجُلٌ أخَذَ ثلاثةَ عشَرَ رَطْلًا وثُلُثًا دَقِيقًا، وهو كفَّارَةُ اليَمِينِ، فخَبَزَه للمساكينِ، وقَسَمَ الخُبْزَ على عشَرةِ مَساكِينَ، أيُجْزِئُه ذلك؟ قال: ذلك أعْجَبُ إليَّ، والذي جاءَ فيه الحَدِيثُ أن يُطْعِمَهُم مُدَّ بُرٌّ، وهذا إن فَعَلَ فأرْجُو أن يُجْزِئَه.
قلتُ: إنَّما قال اللهُ تعالى: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}. فهذا قد أطْعَمَهم، وأوْفَاهم المُدَّ. قال: أرْجُو أن يُجْزِئَه. وهذا قولُ بعْضِ أصحابِ الشافعيِّ. ونَقَلَ الأثْرَمُ، في موضِعٍ آخَرَ، أنَّ أحمدَ سألَه رجلٌ عن الكفَّارَةِ، قال: أُطْعِمُهم خُبْزًا وتَمْرًا؟ قال: ليس فيه تَمْرٌ. قال: فخُبْزٌ؟ قال: لا، ولكن بُرًّا أو دَقِيقًا بالوَزْنِ، رَطْلٌ وثُلُثٌ لكُلِّ مِسْكينٍ. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُجْزِئُه. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه خرَجَ عن حالةِ الكَمَالِ والادِّخارِ، فأَشْبَه الهَرِيسَة.
قال شيخُنا : والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال:{إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. وهذا مِن أوْسَطِ ما يُطْعِمُ أهْلَه، وليس الادِّخارُ مقْصُودًا في الكفَّارَةِ، فإنَّها مُقَدَّرَة بما يَقُوتُ المسكينَ في يومِه، فيدُلُّ ذلك على أنَّ المقْصُودَ كفَايَتُه في يومِه، وهذا قَد هَيَّأَه للأكْلِ المُعْتادِ لِلاقْتِياتِ، وكَفاهم مُؤْنَتَه، فأشْبَهَ ما لو نَقَّى الحِنْطَةَ وغَسَلَها.
وأمَّا الهَرِيسَةُ والكَبُولا ونَحْوُهما، فلا يُجْزِئُ؛ لأنَّهما خرُجَا عن الاقْتِياتِ المُعْتادِ إلى حَيِّزِ الإدام.
وأمَّا السَّويقُ، فيَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئ؛ لذلك. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئ؛ لأَنَّه يُقْتاتُ في بعضِ البُلْدانِ، ولأنَّ السَّويقَ يُجْزِئُ في الفِطْرَةِ، فأجْزَأ ههُنا.
٣٧٨١ -
(وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُهُ) ، لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى قُوتَ يَوْمٍ مِنْ كَفَّارَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ ثَانِيًا كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ، فَعَلَى هَذَا يُجْزِئُهُ عَنْ إِحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ وَيَرْجِعُ فِي الْأُخْرَى إِنْ كَانَ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَإِلَّا فَلَا، وَيَتَخَرَّجُ أَلَّا يَرْجِعَ بِشَيْءٍ كَالزَّكَاةِ. وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَأَصَحُّ،
فَإِنَّ اعْتِبَارَ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ عَدَدِ الْأَيَّامِ.
وَإِنْ دَفَعَ إِلَى السِتِّينَ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ فَرِوَايَتَانِ [الْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ] (وَالْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ) وَهُوَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَنَحْوُهَا. وَإِخْرَاجُ الْحَبِّ أَفْضَلُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، وَهِيَ حَالَةُ كَمَالِهِ ; لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ وَيُهَيَّأُ لِمَنَافِعِهِ كُلِّهَا،
بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: التَّمْرُ، وَالدَّقِيقُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا سِوَاهُمَا.
وَفِي " التَّرْغِيبِ " التَّمْرُ أَعْجَبُ إِلَى أَحْمَدَ،
فَإِنْ أَخْرَجَ دَقِيقًا جَازَ ; لِأَنَّهُ أَجْزَاءُ الْحَبِّ. وَقَدْ كَفَاهُمْ مُؤْنَتَهُ، وَهَيَّأَهُ لَهُمْ،
بِخِلَافِ الْهَرِيسَةِ فَإِنَّهَا تَفْسَدُ عَنْ قُرْبٍ،
وَفِي السَّوِيقِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، (وَفِي الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ) . الْمَنْصُوصُ الْإِجْزَاءُ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} . وَالْمُطْعِمُ لِلْخُبْزِ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ، وَلِأَنَّهُ مُهَيَّأٌ لِلْأَكْلِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَالِ الْكَمَالِ، وَالِادِّخَارِ، أَشْبَهَ الْهَرِيسَةَ. قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: الْأَوْلَى الْجَوَازُ،
وَفِي " الْمُغْنِي " هُوَ أَحْسَنُ، وَهَذَا مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ وَلَيْسَ الِادِّخَارُ مَقْصُودًا فِي الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِمَا يُقَوِّتُ الْمِسْكِينَ فِي يَوْمِهِ، وَهَذَا مُهَيَّأٌ لِلْأَكْلِ الْمُعْتَادِ لِلِاقْتِيَاتِ بِهِ،
وَأَمَّا الْهَرِيسَةُ، فَإِنَّهَا خَرَجَتْ عَنِ الِاقْتِيَاتِ الْمُعْتَادِ إِلَى خُبْزِ الْإِدَامِ.
والمُخْرَجُ في الكَفَّارَةِ ما يُجْزِئُ في الفِطْرَةِ. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. واقْتَصَرَ الخِرَقِيُّ على البُرِّ والشَّعِيرِ والتَّمْرِ. وإخْراجُ السَّويقِ والدَّقيقِ هنا مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وفي الخُبْز رِوايَتان. وكذا السَّويقُ. واطْلَقهما في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «الهادِي»، و «البُلْغةِ»، و «الشرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «نَظْمِ المُفْرَداتِ»، و «المَذْهَبِ الأحمدِ»؛ إحْداهما، لا يُجْزِئُ. وهو المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ». وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ».
وَإنْ كَانَ قُوتُ بَلَدِهِ غَيرَ ذَلِكَ، أَجْزَأَهُ مِنْهُ؛ لِقَوْلِ الله تِعَالى:{مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}.
وَقَال الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يُجْزِئُ. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ. قال المُصَنِّفُ: وهذه أحْسَنُ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وصححه في «التَّصْحيحِ». وجزَم به الأدَمِيُّ في «مُنْتَخَبِه». قال الزَّرْكَشِيُّ: اخْتارَه القاضي وأصحابُه. ذكَره في بابِ الظِّهارِ.
وقال في بابِ الكفَّاراتِ: اخْتارَه القاضي، وعامَّةُ أصحابِه،
وقال: يَقْرُبُ مِنَ الإِجْماعِ. وذكَر المُصَنِّفُ على الإجْزاءِ احْتِمالًا، أن الخُبْزَ أفْضَلُ المُخْرَجاتِ. وما هو ببعيدٍ. واخْتارَ المُصَنِّفُ أنَّ أفْضَلَ المُخْرَجِ هنا البُرُّ، قال: للخُروجِ مِن الخِلافِ.
والمذهبُ أنَّ التَّمْرَ أفْضَلُ. قال الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: التَّمْرُ أعْجَبُ إليَّ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.