فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (وإن زَنَى الحُرُّ غيرُ المُحْصَنِ، جُلِدَ مِائَةً، وغُرِّبَ عامًا إلى مَسافَةِ القَصْرِ) [وإن كان ثَيِّبًا]. ولا خِلافَ في وُجُوبِ الجَلْدِ على الزَّانِى إذا لم يَكُنْ مُحْصَنًا، وقد جاء بَيانُ ذلك في كتابِ اللَّهِ تعالى، بقولِه سبحانه وتعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}. وجاءتِ الأحاديثُ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُوافِقَةً لِما جاء به الكتابُ.

٣٤٬٦٩٦

ويجبُ مع الجَلْدِ تَغْرِيبُه عامًا، في قولِ الجُمْهورِ. رُوِىَ ذلك عن الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، وعن أُبَىٍّ، وأبى ذَرٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وإليه ذَهَب عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وابنُ أبى لَيْلى، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.

٣٤٬٦٩٧

وقال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ: يُغَرَّبُ الرَّجلُ دونَ المرأةِ؛ لأَنَّ المرأةَ تَحْتاجُ إلى حِفْظٍ وصِيانةٍ، ولأنَّها لا تَخْلُو مِن التَّغْرِيبِ بمَحْرَمٍ أو بغيرِ مَحْرَمٍ، لا يجوزُ بغيرِ محْرَمٍ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، إلَّا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ» . ولأَنَّ تَغْرِيبَها بغيرِ مَحْرَم إغْراءٌ لها بالفُجُورِ، وتضْيِيعٌ لها،

٣٤٬٦٩٨

وإن غُرِّبَتْ بمَحْرَمٍ، أفْضَى إلى تَغْرِيبِ مَن ليس بزانٍ، ونَفْىِ مَن لا ذَنْبَ له،

٣٤٬٦٩٩

وإن كُلِّفَتْ أُجْرَتَه، ففى ذلك زيادةٌ على عقوبَتِها بما لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، كما لو زادَ ذلك على الرجلِ، والخبرُ الخاصُّ في التَّغْرِيبِ إنَّما هو في حَقِّ الرجلِ،

٣٤٬٧٠٠

وكذلك فَعَل الصحابةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، والعامُّ يجوزُ تخْصِيصُه؛ لأنَّه يَلْزَمُ مِن العملِ بعُمُومِه مُخالفةُ مَفْهُومِه، فإنَّه دَلَّ بمَفْهُومِه على أنَّه ليس على الزَّانِى أكثرُ من العُقُوبَةِ المَذْكُورَةِ فيه، وإيجابُ التَّغْرِيبِ على المرأةِ، يَلْزَمُ منه الزِّيادةُ على ذلك، وفَواتُ حِكْمَتِه ؛ لأَنَّ الحَدَّ وَجَب زَجْرًا عن الزِّنَى ، وفى تَغْريبِها إغْراءٌ به، وتَمْكِينٌ منه، مع أنَّه قد يُخَصَّصُ في حَقِّ الثَّيِّبِ بإسْقاطِ الجَلْدِ في قولِ الأَكْثَرِين، فتَخْصِيصُه ههُنا أوْلَى.

٣٤٬٧٠١

وقال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: لا يَجِبُ التَّغْرِيبُ؛ لأَنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: حَسْبُهما مِن الفِتْنَةِ أن يُنْفيا . وعنِ ابنِ المُسَيَّبِ، أنَّ عمرَ غَرَّبَ رَبِيعةَ ابنَ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ في الخمرِ إلى خيْبَرَ ، فلَحِقَ بهِرَقْلَ فتَنَصَّرَ، فقال عُمَرُ: لا أُغَرِّبُ مسلمًا بعدَ هذا أبدًا . ولأَنَّ اللَّهَ تعالى أمَر بالجَلْدِ دُونَ التَّغْرِيبِ، فإيجابُ التَّغْرِيبِ زيادةٌ على النَّصِّ. ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ».

ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، وزيدُ ابنُ خالدٍ، أنَّ رجلَيْن اخْتَصَما إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال أحدُهما: إنَّ ابنى كان عَسِيفًا على هذا، فَزنَى بامْرأتِه، وإنَّنِى افْتَدَيْتُ منه بمائةِ شاةٍ ووَلِيدَةٍ، فسألتُ رِجالًا مِن أهلِ العلمِ، فقالوا: إنَّما على ابْنِكَ جلدُ مائةٍ وتَغْرِيبُ عام، والرَّجْمُ على امْرَأةِ هذا. فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بكِتَابِ اللَّهِ، عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ». وجَلَد ابنَه مِائَةً ، وغرَّبَه عامًا، وأمَر أُنَيْسًا الأَسْلَمِىَّ يأتِى امْرَأةَ الآخَرِ،

٣٤٬٧٠٢

فإنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَها، فاعْتَرَفَتْ، فرَجَمَها. مُتَّفَقٌ عليه . وفى الحديثِ: فسألْتُ رجالًا مِن أهلِ العلمِ، فقالُوا: إنَّما على ابْنِكَ جَلْدُ مِائةٍ وتَغْرِيبُ عام. وهذا يَدُلُّ على أنَّ هذا كان مَشْهُورًا عندَهم، مِن حُكْمِ اللَّهِ، وقَضاءِ رسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-. وقد قِيلَ: إنَّ الَّذى قال له هذا أبو بكرٍ وعُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. ولأَنَّ التَّغْرِيبَ فَعَله الخلفاءُ الراشدون، ولا نعْرفُ لهم في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فكان إجْماعًا، ولأَنَّ الخبَرَ يَدُلُّ على عُقوبَتَين في حَقِّ الثَّيِّبِ، فكذلك في حَقِّ البِكْرِ، وما رَوَوْه عن علىٍّ لا يَثْبُتُ؛

لضَعْفِ رُواتِه وإرْسالِه. وقولُ عمرَ: لا أُغَرِّبُ بعدَه مسلمًا. فلَعَلَّه أرادَ تَغْرِيبَه في الخمرِ الَّذى أصابَتِ الفِتْنَةُ رَبيعةَ فيه. قال شيخُنا : وقولُ مالكٍ يُخالِفُ عُمُومَ الخبرِ والقِياسَ؛ لأَنَّ ما كان حَدًّا في الرجلِ، يكونُ حَدًّا في المرْأةِ، كسائِرِ الحُدودِ، وقولُ مالكٍ فيما يَقَعُ لى، أصَحُّ الأقْوالِ وأعْدَلُها، وعُمومُ الخبرِ مَخْصُوصٌ بخبرِ النَّهْى عن سَفَرِ المرأةِ بغيرِ مَحْرَمٍ، والقياسُ على سائِرِ الحُدُودِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَسْتَوى الرجلُ والمرأةُ في الضَّرَرِ الحاصلِ بها،

٣٤٬٧٠٣

بخِلافِ هذا الحَدِّ، ويُمْكِنُ قَلْبُ هذا القياسِ، بأنَّه حَدٌّ، فلا تُزادُ فيه المرأةُ على ما على الرجلِ، كسائرِ الحُدودِ.

فصل: ويُغَرَّبُ البِكْرُ الزَّانِى حَوْلًا،

٣٤٬٧٠٤

فإن عاد قبلَ مُضِىِّ الحَوْلِ، أُعِيدَ تَغْرِيبُه حتَّى يُكْمِلَ الحَوْلَ مُسافِرًا، ويَبْنِى على ما مَضَى. ويُغَرَّبُ الرجلُ إلى مَسافَةِ القَصْرِ؛ لأَنَّ ما دُونَها في حُكْمِ الحَضَرِ، بدليلِ أنَّه لا يَثْبُبُ في حَقِّه أحْكامُ المُسافِرِين، ولا يَسْتَبِيحُ شيئًا من رُخَصِهم.

٤٤٠٣ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَإِنْ زَنَى الْحُرُّ غَيْرُ الْمُحْصَنِ جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ) وَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ، نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ وَالْمَيْمُونِيُّ، قَالَهُ فِي الِانْتِصَارِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} الْآيَةَ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَيَخْرُجُ مِنْهُ الرَّقِيقُ كَمَا يَأْتِي، وَالْمُحْصَنُ لِمَا سَبَقَ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ، وَلِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ بِالْحُرِّ غَيْرِ الْمُحْصَنِ، وَانْتَشَرَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ (وَغُرِّبَ عَامًا) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ (إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ) لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَضَرِ،

٢٢٬٠٠٣

فَإِنْ عَادَ قَبْلَ الْحَوْلِ، أُعِيدَ تَغْرِيبُهُ، وَيُبْنَى عَلَى مَا مَضَى، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، بَلْ يُنْفَى مِنْ عَمَلِهِ إِلَى عَمَلِ غَيْرِهِ،

٢٢٬٠٠٤

وَإِنْ زَنَى فِي الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ إِلَيْهِ غُرِّبَ مِنْهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ،

٢٢٬٠٠٥

وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَرَّبُ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، لِوُجُوبِهِ كَالدَّعْوَى

الإنصافالمرداوي

وإنْ زَنَى الحُرُّ غيرُ المُحْصَنِ، جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وغُرِّبَ عامًا إلى مَسافَةِ القَصْرِ. وهذا المذهبُ؛ سواءٌ كان المُغَرَّبُ رجُلًا أوِ امْرأةً. قال فى «الفُروعِ»: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

هذا المذهبُ. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه». وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِهم.

٣٦٬٩٦٣

وَعَنْهُ، أنَّ الْمَراة تُنْفَى إِلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.

٣٦٬٩٦٤

وعنه، أنَّ المرْأةَ تُنْفَى إلى دُونِ مسافةِ القَصْرِ. جزَم به فى «الوَجيزِ». وقدَّمه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».

٣٦٬٩٦٥

وعنه، تُغَرَّبُ المرأةُ مع مَحْرَمِها لمَسافةِ القَصْرِ، ومع تعَذُّرِه لدُونِها.

٣٦٬٩٦٦

وعنه، يُغَرَّبان أقلَّ مِن مَسافةِ القَصْرِ.

٣٦٬٩٦٧

وعنه، لا يجبُ غيرُ الجَلْدِ. نقَلَه أبو الحارِثِ، والمَيْمُونِىُّ. قالَه فى «الانْتِصارِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ».

٣٦٬٩٦٨

وقال فى «عُيونِ المسائلِ»، عنِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يُجْمَعُ بينَهما، إلَّا أَنْ يَرَاه الإِمامُ تعْزِيرًا. قال الزَّرْكَشِىُّ: وَيَخْرُجُ مَعَهَا مَحْرَمُهَا،

٣٦٬٩٦٩

فَإِنْ أَرَادَ أُجْرَةً، بُذِلَتْ مِنْ مَالِهَا،

٣٦٬٩٧٠

فَإِنْ تُنْفَى المرْأةُ إلى مَسافَةِ القَصْرِ مع وُجودِ المَحْرَمِ، ومع تعَذُّرِه هل تُنْفَى كذلك، أو إلى ما دُونَها؟ فيه رِوايَتان. هذه طريقةُ القاضى، وأبى محمدٍ فى «المُغْنِى»، وجعَل أبو الخَطَّابِ فى «الهِدايَةِ» الرِّوايتَيْن فيها مُطْلَقًا، وتبِعَه أبو محمدٍ فى «الكافِى»، و «المُقْنِعِ». وعكَس المَجْدُ طريقةَ «المُغْنِى»، فجعَل الرِّوايتَيْن فيما إذا نُفِيَتْ مع مَحْرَمِها،

٣٦٬٩٧١

أمَّا بدُونِه فإلى ما دُونَها، قوْلًا واحدًا، كما اقْتَضاه كلامُه. انتهى.

٣٦٬٩٧٢

فائدة: لو زَنَى حالَ التَّغْريبِ، غُرِّبَ مِن بلَدِ الزِّنَى، قإنْ عادَ إليه قبلَ الحَوْلِ، مُنِعَ،

٣٦٬٩٧٣

وإنْ زَنَى فى الآخَرِ، غُرِّبَ إلى غيرِه.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (وإن زنى الحر غير المحصن جلد مائة جلدة وغرب عاماً إلى مسافة القصر. وعنه: أن المرأة تنفى إلى دون مسافة القصر) .

١٤٬٣٤٣

أما كون من ذكر يجلد مائة ويغرب عاماً؛ فلأن الله تعالى قال:{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة}.

١٤٬٣٤٤

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«البكرُ بالبكرِ جلدُ مائةٍ وتغريبُ عام». رواه مسلم.

١٤٬٣٤٥

فإن قيل: الأدلة المذكورة عامة في الحر والعبد والمحصن وغير المحصن.

قيل: يخرج من ذلك العبد؛ لما يأتي، والمحصن؛ لما تقدم. ويبقى فيما عداهما على مقتضاه.

ولأن الخلفاء الراشدين فعلوا ذلك بالحر غير المحصن وانتشر، ولم يعرف لهم مخالف. فكان إجماعاً.

١٤٬٣٤٦

وأما كون تغريب الرجل إلى مسافة القصر؛ فلأن ما دون ذلك في حكم الحضر.

١٤٬٣٤٧

وأما كون تغريب المرأة كذلك على المذهب؛ فلما ذكر في الرجل.

١٤٬٣٤٨

وأما كونها تنفى إلى دون مسافة القصر على روايةٍ؛ فلتقرب من أهلها فيحفظوها.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.