الثَّالِثُ: أَنْ يَثْبُتَ الزِّنَا وَلَا يَثْبُتُ وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ وَيُصَرِّحُ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ
الشروح عليها
لا يتكلم على هذه المسألة.
(الثَّالِثُ: أَنْ يَثْبُتَ الزِّنَا وَلَا يَثْبُتُ) زِنَاهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ (إِلَّا بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقِرَّ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ:«أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْأَسْلَمِيَّيْنِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلْ أُحْصِنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ: بِمَجْلِسٍ، سَأَلَهُ الْأَثْرَمُ: بِمَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ؟ قَالَ: الْأَحَادِيثُ لَيْسَتْ تَدُلُّ إِلَّا عَلَى مَجْلِسٍ، إِلَّا عَنْ ذَاكَ الشَّيْخِ بَشِيرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَذَاكَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ،
وَقَالَ الْحَكَمُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَكْفِي الْإِقْرَارُ مَرَّةً، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» . وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ، وَجَوَابُهُ: مَا سَبَقَ، وَبِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْحَدُّ بِمَرَّةٍ لَمْ يُعْرِضْ عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ حَدٍّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى، «وَرَوَى نُعَيْمُ بْنُ هُزَالٍ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قُلْتَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَالَ: نَعَمْ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ) حُرٌّ وَعَبْدٌ، مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ أَوْ لَا، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْمُكْرَهَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَدٌّ،
وَكَذَا النَّائِمُ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ، وَالسَّكْرَانُ سَبَقَ حُكْمُهُ،
وَفِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: لَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِهِ، لَكِنَّ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالْقَذْفِ، إِذَا فَعَلَهُ حَالَ سُكْرِهِ، لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ،
فَأَمَّا الْأَخْرَسُ إِنْ لَمْ تُفْهَمْ إِشَارَتُهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ إِقْرَارٌ،
وَإِنْ فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهَا،
فَإِنْ أَقَرَّ الْعَاقِلُ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَكَذَّبَتْهُ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ دُونَهَا، لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (وَيُصَرِّحُ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ) لِتَزُولَ التُّهْمَةُ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمَاعِزٍ:«لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَنِكْتَهَا؟ لَا يُكَنِّي، قَالَ: نَعَمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْهُ: وَبِمَنْ زَنَى بِهَا، وَفِي الرِّعَايَةِ: وَهِيَ أَظْهَرُ، وَأَطْلَقَ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ الْخِلَافَ
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَنْ يَثْبُتَ الزِّنَى، وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَيْئَيْنِ؛ تُحَدُّ العاقِلَةُ بتَمْكِينِها المَجْنونَ مِن وَطْئِها، بلا نِزاعٍ.
وإنْ مكَّنَتْ صغيرًا، بحيثُ لا يُحَدُّ لعَدَمِ تكْليفِه، فعليها الحدُّ. على الصَّحيحِ. قدَّمه فى «الفُروعِ». واخْتارَه المُصَنِّفُ.
وقيل: إنْ كانَ ابنَ عَشْرٍ حُدَّتْ، وإلَّا فلا. اخْتارَه القاضى. وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ». وتقدَّم ما اخْتارَه المُصَنِّفُ أيضًا.
فائدة: لو مكَّنَتْ مَن لا يُحَدُّ لجَهْلِه، أَوْ مكَّنَتْ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمِنًا، أوِ اسْتَدْخَلَتْ ذكَرَ نائمٍ، فعليها الحدُّ. ولا يَثْبُتُ إلَّا بشَيْئَيْن -أىْ بأحَدِ شيْئَيْن- أَحَدُهما، أَنْ يُقِرَّ به أرْبَعَ مَرَّاتٍ، فى مَجْلِسٍ أَوْ مَجالِسَ. هذا المذهبُ. نصَّ عليه. وجزَم به فى أحَدُهمَا، أَنْ يُقِرَّ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، فى مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ، وَيُصَرِّحَ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ، وَلَا يَنْزِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يَتِمَّ الْحَدُّ.
«الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِى»، و «الكافِى»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، و «إِدْراكِ الغايَةِ»، و «تَجْريدِ العنايَةِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . .
«المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ». وفى «مُخْتَصَرِ ابنِ رَزِينٍ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُقِرُّ بمَجْلِسٍ واحِدٍ. وسألَه الأَثْرَمُ: بمَجْلِسٍ أَوْ مَجالِسَ؟. قال: الأحادِيثُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ليستْ تدُلُّ إلَّا على مَجْلِسٍ، إلَّا عن ذلك الشَّيْخِ بَشِيرِ بنِ المُهاجِرِ، عن ابنِ بُرَيْدَةَ، عن أبِيه، وذلك مُنْكَرُ الحديثِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهو بالِغٌ عاقِلٌ. فلا يصِحُّ إقْرارُ الصَّبِىِّ والمَجْنونِ. وفى مَعْناهما مَن زالَ عقْلُه بنَوْمٍ أَوْ إغْماءٍ، أَوْ شُرْبِ دَواءٍ،
وكذا بمُسْكِر. قطَع به المُصَنِّفُ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشَّارِحُ، وغيرُهما. وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. ومُقْتضَى كلامِ المَجْدِ وغيرِه جَريانُ الخِلافِ فيه. ويأْتِى حُكْمُ إقْرارِه بما هو أعَمُّ مِن ذلك، فى كتابِ الإِقْرارِ. ويُلْحَقُ أيضًا بهما الأَخْرَسُ فى الجُمْلَةِ.
فإنْ لم تُفْهَمْ إشارَتُه، لم يصِحَّ إقْرارُه،
وإنْ فُهِمَتْ إشارَتُه، فقطَع القاضى بالصِّحَّةِ. وجزَم به فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى». وذكَر المُصَنِّفُ احْتِمالًا بعدَمِها. ويلْحَقُ أيضًا بهما المُكْرَهُ، فلا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يصِحُّ إقْرارُه، قوْلًا واحدًا.
تنبيه: ظاهِرُ قولِه: ويُصَرِّحُ بذِكْرِ حَقِيقَةِ الوَطْءِ. أنَّه لا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ مَن زَنَى بها. وهو ظاهرُ كلامِ غيرِه. وهو المذهبُ. قدَّمه فى «الفُروعِ». وجزَم به فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ».
وعنه، يُشْترَطُ أَنْ يَذْكُرَ مَن زَنَى بها. قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: وهى أظْهَرُ. وأطْلَقَهما فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ». وأَطْلقَ فى «التَّرْغيبِ» وغيرِه رِوايتَيْن. قالَه فى «الفُروعِ». وصاحبُ «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى» إنَّما حكَيَا الخِلافَ فيما إذا شَهِدَ على إقْرارِه أرْبعَةُ رِجالٍ، هل يُشْترَطُ أَنْ يُعَيِّنَ مَن زَنَى بها أم لا؟ وصاحبُ «الفُروعِ» حكَى كما ذكَرْتُه أوَّلًا.
فائدة: لو شَهِدَ أرْبعَةٌ على إقْرارِه أرْبَعًا بالزِّنَى، ثَبَتَ الزِّنَى، بلا نِزاعٍ. ولا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَثْبُتُ بدُونِ أرْبَعَةٍ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وعنه، يثْبُتُ باثْنَيْن. ويأْتِى هذا فى أقْسامِ [المَشْهودِ به].
ولو شَهِدَ أرْبَعَةٌ [على إقْرارِه أرْبَعًا]، فأنْكَرَ، أَوْ صدَّقَهم مبرَّةً، فلا حدَّ عليه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو رُجوعٌ. وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، وغيرهم.
وعنه، يُحَدُّ. وقال فى «التَّرْغيبِ»: لو صدَّقَهم، لم يُقْبَلْ رُجوعُه. وأَطْلَقَهما فى «الفُروعِ».
تنبيه: قَوْلِى: وصدَّقَهم مرَّةً. هكذا قال فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقال النَّاظِمُ: إذا صدَّقَهم دُونَ أرْبَعِ مَرَّاتٍ. وهو مُرادُ غيرِه، ولذلك قالوا: لو صدَّقَهم أرْبَعًا، حُدَّ. فعلى المذهبِ، لا يُحَدُّ الشُّهودُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ». وذكَر فى «التَّرْغيبِ» رِوايَةً إنْ أنْكرُوا، أنَّه لو الثَّانِى، أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُولٍ يَصِفُونَ الزِّنَى، وَيَجِيئُونَ فى مَجْلسٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ أَوْ مُجْتَمِعِينَ.
صدَّقَهم، لم يُقْبَلْ رُجوعُه.
فصل [الشرط الثالث] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن يثبت الزنى. ولا يثبت إلا بشيئين: أحدهما: أن يقر به أربع مرات في مجلس أو مجالس وهو بالغ عاقل، ويصرح بذكر حقيقة الوطء، ولا ينزع عن إقراره حتى يتم الحد) .
أما كون الثالث من شروط وجوب الحد أن يثبت الزنى؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«واغدُ يا أنيسُ إلى امرأةِ هذا فإن اعترفتْ فارجمها».
وقال عمر رضي الله عنه:«إن الرجمَ حقٌ واجبٌ على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينةُ، أو كان الحبلُ، أو الاعتراف».
ولأنه حق. فلا يترتب عليه موجبه بغير ثبوت؛ كسائر الحقوق.
وأما كون الزنى لا يثبت إلا بشيئين هما إقرار وشهادة؛ فلأنه يترتب عليه حكم شرعي. فلا يثبت إلا بذلك؛ كسائر الأشياء.
وأما كون أحد الشيئين اللذين يثبت بهما الزنى أن يقر بالزنا؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب الرجم على الإقرار حيث قال:«فإن اعترفتْ فارجمها»،
وفي حديث عمر:«أو كان الاعتراف».
وأما كون الإقرار أربع مرات؛ فلما روى أبو هريرة قال: «أتى رجلٌ من الأسلميين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقال: يا رسول الله! إني زنيتُ. فأعرضَ عنه فتنحّى تلقاء وجهه. فقال: يا رسول الله! إني زنيتُ. فأعرضَ عنه فتنحّى تلقاء وجهه. فقال: يا رسول الله! إني زنيتُ. فأعرضَ عنه حتى ثنَّى ذلك عليه أربع مرات. فلما شهدَ على نفسه أربعَ شهادات دعاهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبكَ جنون؟ قال: لا. قال: فهل أحصنتَ؟ قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجموه» متفق عليه.
ولو وجب الحد بأقل من أربع شهادات لرتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجم عليه؛ لأنه لا يجوز ترك حد لله تعالى.
وفي حديث نُعيم بن هزَّال:«أنه قالها أربع مرات. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكَ قُلتَها أربعَ مرات». رواه أبو داود.
وهذا يدل على أن الإقرار الأربعة هي الموجبة.
وفي حديث أبي بردة الأسلمي أن أبا بكر الصديق قال له عند النبي صلى الله عليه وسلم: [«إن أقررتَ أربعاً رجمكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم»] . وفيه وجهان من الدلالة:
أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ما ذكره ولم ينكره. فكان بمنزلة قوله؛ لأنه لا يُقر على الخطأ.
وثانيهما: أنه إنما قال ذلك؛ لأنه علمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لو لم يعلم لما تجاسر على مثل قوله بين يديه.
فإن قيل: فقد تقدم قوله عليه السلام: «فإن اعترفتْ فارجمها»،
وفي حديث عمر:«أو الاعتراف». والاعتراف يحصل بالمرة. قيل: الاعتراف مصدر يقع على المرة والمرات. فيجب حمله على المرات المقدم ذكرها؛ لما فيه من الجمع بين الحديثين.
وأما كون الإقرار أربع مرات يُثبت الزنى في مجلس كان أو مجالس؛ فلعموم ما تقدم.
وأما كون المُقر يُقر وهو بالغ عاقل؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم:«رُفعَ القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلُغ، وعن المجنون حتى يُفيق ... »،
وفي قصة ماعز أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين أقر:«أبكَ جنون؟ قال: لا»،
وفي حديث ابن عباس قال: «أتي عمر رضي الله عنه بمجنونة قد زنتْ فاستشارَ فيها أناساً. فأمر بها عمر رضي الله عنه أن ترجم. فمرّ بها على ابن أبي طالب قال: ما شأنُ هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلان أمرَ بها عمر أن تُرجم. فقال: أرجعوها. ثم أتاهُ فقال: يا أمير المؤمنين! أما علمتَ أن القلمَ قد رُفع عن ثلاثة؟ عن المجنون حتى يُفيق قال: بلى. قال: فما بالُ هذه؟ [قال: لا شيء] قال: فأرسِلْها. قال: فجعل يكبِّر» .
رواه أبو داود.
وأما كونه يصرّح في إقراره بذكر حقيقة الوطء؛ فلأن الزنى يعبر به عما ليس بموجب للحد. فلم يكن بد من ذكر حقيقة الزنى؛ لتزول الشبهة النافية لوجوب الحد.
وفي حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز:«لعلك قبّلتَ أو غمزتَ أو نظرتَ. قال: لا. قال: أفنِكتَها؟ لا يكْني. قال: نعم. قال: فعندَ ذلك أمر برجمه»،
وفي روايةٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أفنِكتَها؟ قال: نعم. قال: حتى غابَ ذلك منكَ في ذلك منها. قال: نعم. قال: كما يغيبُ المِرْودُ في المكحلة والرشاء في البئر. قال: نعم. قال: هل تدري ما الزنا؟ قال: نعم. أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً ... وذكر الحديث» . رواه أبو داود.
وأما كونه لا ينزع عن إقراره حتى يتم الحد؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه لما هرب ماعز: هلاّ تركتمُوه».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.