وَالْأُخْرَى تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَغَيْرِهِ وَتَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ إِسْلَامُهُ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِإِنْكَارِ فَرْضٍ، أَوْ إِحْلَالِ مُحَرَّمٍ، أَوْ جَحْدِ نَبِيٍّ، أَوْ كِتَابٍ، أَوْ إِلَى دِينِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً،
الشروح عليها
مسألة: (وتَوْبَةُ المُرْتَدِّ إسْلامُه، وهو أن يَشْهَدَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه. إلَّا أن تكونَ رِدَّتُه بإنْكارِ فَرْضٍ، أو إحْلالِ مُحَرَّمٍ، أو جَحْدِ نَبِيٍّ أو كِتابٍ، أو إلى دِينِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إلى العَرَبِ خاصَّةً، فلا يَصِحُّ إسْلامُه حتى يُقِرَّ بما جَحَدَه، ويَشْهَدَ أنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إلى العَالمِينَ، أو يَقُولَ: أنا بَرِئٌ مِن كلِّ دِينٍ يُخالِفُ دينَ الإسْلام) مَن ثَبَتَتْ رِدَّتُه بإقْرارٍ أو بَيِّنَةٍ، فتَوْبَتُه أن يَشْهَدَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ،
[وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ]، ولا يُكْشَفُ عن صِحَّةِ ما شُهِدَ به عليه، ويُخَلَّى سَبِيلُه، ولا يُكَلَّفُ الإقْرارَ بما نُسِبَ إليه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا الهَ إلَّا اللهُ. فَإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَموَالهمْ إلَّا بِحَقِّهَا، وحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ». مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّ هذا يَثْبُتُ به إسْلامُ الكافِرِ الأصْلِيِّ، فكذلك إسْلامُ المُرْتَدِّ، ولا حاجَةَ مع ثُبُوتِ إسْلامِه إلى الكَشْفِ عن صِحَّةِ رِدَّتِه.
وهذا يَكْفِي في مَن كانت رِدَّتُه بجَحْدِ الوَحْدانِيَّةِ، أو جَحْدِ رسالةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، أو جَحْدِهما معًا،
فأمَّا مَن كَفَر بغيرِ هذا، فلا يَحْصُلُ إسْلامُه إلَّا بالإقْرارِ بما جَحَده.
فمَن أقَرَّ برسالةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأنْكَرَ أنَّه مَبْعُوثٌ إلى العَالمِينَ، فلا يَثْبُتُ إسْلامُه حتى يَشْهَدَ أنَّ محمدًا [رسولُ اللهِ] بُعِثَ إلى الخَلْقِ أجْمَعِينَ، أو يَتَبَرَّأَ مع الشَّهادَتَين مِن كلِّ دِين يُخالِفُ الاسْلامَ.
فإن زَعَم أنَّ محمدًا رسول مَبْعُوثٌ بَعْدُ غيرَ هذا، لَزِمَه الإقْرارُ بأنَّ هذا المبعوثَ هو رسولُ اللهِ، لأنَّه إذا اقْتَصَر على الشَّهادَتَينِ، احْتَمَلَ أنَّه أرادَ ما اعْتَقَدَه.
وإنِ ارْتَدَّ بجُحودِ فَرْضٍ، لم يُسْلِمْ حتى يُقِرَّ بما جَحَدَه، ويُعِيدَ الشَّهادَتَين؛ لأنَّه كَذَّبَ اللهَ ورسولَه بما اعْتَقَده.
وكذلك إن جَحَد نَبِيًّا، أو آيَةً مِن كتابِ الله تعالى، أو كتابًا من كُتُبِه، أو مَلَكًا مِن مَلائِكَتِه الذين ثَبَت أنَّهم مَلائِكَةُ اللهِ، أو اسْتَباحَ مُحَرَّمًا، فلا بُدَّ في إسْلامِه مِن الإِقْرارِ بما جَحَده.
وأمَّا الكافِرُ بجَحْدِ الدِّينِ مِن أصْلِه، إذا شَهِدَ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ واقْتَصَر على ذلك، ففيه رِوايَتان، إحداهما، يُحْكَمُ بإسْلامِه، لأنَّه رُوِيَ أنَّ يَهُودِيًّا قال: أشْهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ. ثم ماتَ. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». ولأنَّه لا يُقِرُّ برِسالةِ محمدٍ إلَّا وهو مُقِرٌّ بمَن أرسَلَه وبتَوحِيدِه، لأنَّه صَدَّقَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فيما جاءَ به، وقد جاءَ بتَوْحِيدِه. والثانيةُ، إن كان مُقِرًّا بالتَّوْحِيدِ كاليهودِ، حُكِمَ بإسْلامِه؛
لأنَّ تَوْحيدَ اللهِ ثابتٌ في حَقِّه، وقد ضَمَّ إليه الإِقْرارَ برسالةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فكَمَلَ إسْلامُه.
وإن كان غيرَ مُوَحِّدٍ، كالنَّصارَى والمَجُوسِ وعَبَدَةِ الأوْثانِ، لم يُحْكَمْ بإسْلامِه حتى يشهدَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ. وبهذا جاءتْ أكثرُ الأخْبارِ، وهو الصَّحِيحُ، لأنَّ مَن يَجْحَدُ شَيئَين لا يزولُ جَحْدُهما إلَّا [بإقْرارِه بهما] جميعًا.
وإن قال: أشْهَدُ أنَّ النبيَّ رسولُ اللهِ. لم يُحْكَمْ بإسْلامِه، لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه يُريدُ غيرَ نَبِيِّنا.
وإن قال: أنا مؤمنٌ. أو: أنا مسلمٌ. فقال القاضي: يُحْكَمْ بإسْلامِه بهذا،
وإن لم يَأْتِ بلَفْظِ الشَّهادَتينِ؛ لأنَّهما اسمان لشيءٍ مَعْلومٍ معروفٍ وهو الشَّهادَتان،
فإذا أخْبَرَ عن نفْسِه بما تَضَمَّنَ الشَّهادَتين، كان مُخْبِرًا بهما. ورَوَى المِقْدَادُ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إن لَقِيتُ رجلًا من الكُفَّارِ، فقاتَلَنِي، فضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بالسَّيفِ، فقَطَعَها ، ثم لاذَ مِنِّي بشَجَرَةٍ، فقال: أسْلَمْتُ. أفأقْتُلُه يا رسولَ اللهِ بعدَ أن قالها؟ قال:«لَا تَقْتُلْه، فَإنْ قَتَلْتَهُ، فَإنَّه بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلَه، وإنَّكَ بمَنْزِلَتِه قَبْلَ أنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالها». وعن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، قال: أَصابَ المسلمون رجلًا مِن بَني عُقيلٍ، فأتَوْا به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا محمدُ، إنِّي مسلمٌ.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ كُنْتَ قُلْتَ وأنْتَ تَمْلِكُ أمْرَكَ، أفْلَحْتَ كُلَّ الفَلَاحِ». رَواهُما مسلمٌ . ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا في الكافرِ الأصْلِيِّ، أو مَن جَحَد الوَحْدانِيَّةَ،
أمَّا مَن كَفَر بجَحْدِ نَبِيٍّ أو كتابٍ أو فَرِيضَةٍ أو نحو هذا، فإنَّه لا يَصِيرُ مسْلِمًا بذلك؛ لأنَّه رُبَّما اعْتَقَد أنَّ الإِسْلامَ ما هو عليه،
فإنَّ أهلَ البِدَعِ كلَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم هم المسلمون، ومنهم مَن هو كافِرٌ. ٤٥٩٢ -
(وَالْأُخْرَى تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَغَيْرِهِ) وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، زِنْدِيقًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ،
وَقَالَ: إِنَّهُ أَوْلَى عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " الرِّعَايَةِ "، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَمْ أُؤْمَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَجَّحَ هَذَا فِي " الشَّرْحِ "، وَأَجَابَ عَنْ قَتْلِ ابْنِ النَّوَّاحَةِ: بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَتَلَهُ لِظُهُورِ كَذِبِهِ فِي تَوْبَتِهِ، لِأَنَّهُ أَظْهَرَهَا، وَمَا زَالَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ،
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ فِي الزِّنْدِيقِ لَا يُسْتَتَابُ، قَالَ أَحْمَدُ: كُنْتُ أَقُولُ ذَلِكَ أَيْضًا، ثُمَّ هِبْتُهُ،
قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَجَعَ،
فَلَوْ زَعَمَ أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا فَقَدْ سَبَّ اللَّهَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، إِخْبَارًا عَنْ رَبِّهِ:«يَشْتِمُنِي ابْنُ آدَمَ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي، أَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنَّ لِي وَلَدًا» وَلَا شَكَّ أَنَّ تَوْبَتَهُ مَقْبُولَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ،
فَإِذَا قُبِلَتْ تَوْبَةُ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى،
فَمَنْ سَبَّ نَبِيَّهُ أَوْلَى أَنْ تُقْبَلَ،
وَالصَّحِيحُ الْأُولَى، لِأَنَّ أَدِلَّتَهَا خَاصَّةٌ، وَالثَّانِيَةَ عَامَّةٌ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ.
فَرْعٌ: الْخِلَافُ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ إِنَّمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا مِنْ تَرْكِ قِتَالِهِمْ وَثُبُوتِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِمْ،
وَأَمَّا قَبُولُهَا فِي الْبَاطِنِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ حَيْثُ صَدَقَ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَجَمَاعَةٌ،
وَفِي إِرْشَادِ ابْنِ عَقِيلٍ رِوَايَةُ: " لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ زِنْدِيقٍ بَاطِنًا "، وَضَعَّفَهَا،
وَقَالَ: كَمَنْ تَظَاهَرَ بِالصَّلَاحِ إِذَا أَتَى مَعْصِيَةً، فَتَابَ مِنْهَا،
وَإِنْ قَتَلَ عَلِيٌّ زِنْدِيقًا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهَا، كَتَوْبَةِ قَاطِعِ طَرِيقٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ رِوَايَةً: لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ دَاعِيَةٍ إِلَى بِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ، اخْتَارَهَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا،
وَفِي " الرِّعَايَةِ ": مَنْ كَفَرَ بِبِدْعَةٍ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
[تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ] (وَتَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ) وَكُلِّ كَافِرٍ (إِسْلَامُهُ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا يَثْبُتُ بِهِ إِسْلَامُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، فَكَذَا الْمُرْتَدُّ، وَلَا يُحْتَاجُ مَعَ ثُبُوتِ إِسْلَامِهِ إِلَى الْكَشْفِ عَنْ صِحَّةِ رِدَّتِهِ، وَهَذَا يُمْكِنُ لِمَنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ بِجَحْدِ الْوَحْدَانِيَّةِ، أَوْ جَحْدِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -،
وَظَاهِرُهُ: لَا يُغْنِي قَوْلُهُ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ،
وَعَنْهُ: بَلَى، قَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، «لِأَنَّ يَهُودِيًّا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا مُحْتَجًّا بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ إِلَّا وَيُقِرُّ بِمَنْ أَرْسَلَهُ،
وَعَنْهُ: مِنْ مُقِرٍّ بِهِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَبِهَذَا جَاءَتِ الْأَخْبَارُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئَيْنِ لَا يَزُولُ جَحْدُهُ إِلَّا بِإِقْرَارِهِمَا جَمِيعًا،
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: يَكْفِي التَّوْحِيدُ مِمَّنْ لَا يُقِرُّ بِهِ كوثني لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ، وَلِخَبَرِ أُسَامَةَ وَقَتْلِهِ الْكَافِرَ الْحَرْبِيَّ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. لِأَنَّهُ مَصْحُوبٌ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، وَمُسْتَلْزِمٌ لَهُ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ،
فَلَوْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ النَّبِيَّ رَسُولُ اللَّهِ، لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إِلَّا أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِإِنْكَارِ فَرْضٍ، أَوْ إِحْلَالِ مُحَرَّمٍ، أَوْ جَحْدِ نَبِيٍّ، أَوْ كِتَابٍ، أَوْ إِلَى دِينِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، فَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ) لِأَنَّ رِدَّتَهُ بِجَحْدِهِ،
فَإِذَا لَمْ يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ بَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الرِّدَّةِ الْمُوجِبَةِ لِتَكْفِيرِهِ،
فَإِذَا كَانَتْ رِدَّتُهُ بِاعْتِقَادِ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلَى الْعَرَبِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ
وتَوْبَةُ المُرْتَدِّ إسْلامُه؛ وهو أنْ يَشْهَدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُه - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، فَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ، وَيَشْهَدَ أَنَّ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ إِلَى الْعَالمِينَ، أَوْ يَقُولَ: أنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الإسْلَامِ.
ورَسُولُه. إلَّا أنْ تكُونَ رِدَّتُه بإنْكارِ فَرْضٍ، أو إحْلالِ مُحَرَّم، أو جَحْدِ نَبيٍّ، أو كِتابٍ، أو انتَقَلَ إلى دِينِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إلى العرَبِ خاصَّةً، فلا يَصِحُّ إسْلامُه حتَّى يُقِرَّ بما جَحَدَه، ويَشْهَدَ أنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إلَى الْعالمِينَ، أوْ يَقُولَ: أنا بَرِئُ مِن كُلِّ دِينٍ يُخالِفُ دينَ الاسْلامِ. يعْنِي، يأْتِي . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . .
بذلك مع الإتْيانِ بالشَّهادَتَين، إذا كانَ ارْتِدادُه بهذه الصِّفَةِ وهذا المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وعنه، يُغْنِي قوْلُه: محمدٌ رَسُولُ اللهِ. عن كَلِمَةِ التَّوْحيدِ.
وعنه، يُغْنِي ذلك عن مُقِرٍّ بالتَّوْحيدِ. اخْتارَه المُصَنِّفُ.
قال في «الفُروع»: ويتوَجَّهُ احْتِمالٌ، يكفِي التَّوْحيدُ ممَّنْ لايُقِرُّ به، كالوَثَنِيِّ؛ لظاهرِ الأخْبارِ، ولخَبَرِ أُسامَةَ بنِ زَيدٍ، رَضِيَ اللهُ عنهما، وقَتْلِه الكافِرَ الحَرْبيِّ، بعدَ قوْلِه: لا إلَهَ إلَّا اللهُ . لأنِّه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مصْحُوبٌ بما يتَوقَّفُ على الإسْلامِ، ومُسْتَلْزِمٌ له. وذكرَ ابنُ هُبَيرَةَ في «الإفْصاحِ»، يكْفِي التَّوْحيدُ مُطْلَقًا. ذكَره في حديثِ جُنْدَبٍ وأُسامَةَ، قال فيه: إنَّ الإِنْسانَ إذا قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ. عصَم بها دَمَه،
ولو ظَنَّ السَّامِعُ أنَّه قالها فَرَقًا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن السَّيفِ بعدَ أنْ يكونَ مُطْلَقًا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ الأُولَى، نقَل أبو طالبٍ، في اليَهُودِي إذا قال: قد أسْلَمْتُ. أو: أنا مُسْلِمٌ.
وكذا قولُه: أنَا مُؤْمِنٌ. يُجْبَرُ على الإِسْلامِ، قد علِم ما يُرادُ منه. وقاله القاضي أبو يَعْلَى، وابنُ البَنَّا، وغيرُهما مِن الأصحابِ. وذكرَ في «المُغْنِي» احْتِمالًا، أنَّ هذا في الكافرِ الأصْلِيِّ ومَن جحَدَ الوَحْدانِيَّةَ،
أمَّا مَن كفَر بجَحْدِ نَبِيٍّ أو كتابٍ أو فريضَةٍ أو نحو هذا، فإنَّه لا يضُرُّ مُسْلِمًا بذلك.
وفي مُفْرَداتِ أبي يَعْلَى الصَّغيرِ: لا خِلافَ أنَّ الكافِرَ لو قال: أنا مُسْلِمٌ ولا أنْطِقُ بالشَّهادَةِ. يُقْبَلُ منه ولا يُحْكَمُ بإسْلامِه.
الثَّانيةُ، لو أُكْرِهَ ذمِّيٌّ على إقْرارِه به، لم يصِحَّ؛ لأنَّه ظُلْمٌ.
وفي «الانْتِصارِ» احْتِمالٌ، يصِحُّ. وفيَه أيضًا، يصِيرُ مُسْلِمًا بكِتابَةِ الشَّهادَةِ.
الثَّالثةُ، لا يُعْتَبَرُ، في أصحِّ الوَجْهَين، إقْرارُ مُرْتَدٍّ بما جحَدَه، لصِحَّةِ الشَّهادَتَين مِن مُسْلِم ومنه،
بخِلافِ التَّوْبَةِ مِن البِدْعَةِ. ذكرَه فيها جماعَةٌ. ونقَل المَرُّوذِيُّ، في الرَّجُلِ يُشْهَدُ عليه بالبِدْعَةِ، فيَجْحَدُ، ليستْ له تَوْبَةٌ، إنما التَّوْبَةُ لمَنِ اعْتَرفَ،
فأمَّا مَن جحَدَ، فلا.
الرَّابعَةُ، يكْفِي جَحْدُه لرِدَّتِه بعدَ إقْرارِه بها. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. كرُجوعِه عن حدٍّ، لا بعد بَيِّنَةٍ، بل يُجدِّدُ إسْلامَه. قال جماعة: يأْتِي بالشَّهادَتَين.
وفي «المُنْتخَبِ» الخِلافُ. [نقَل ابنُ الحَكَمِ] في مَن أسْلَمَ، ثم تهَوَّدَ أو وَإذَا مَاتَ الْمُرْتَدُّ، فَأَقامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الرِّدَّةِ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ.
تنَصَّرَ، فشَهِدَ عليه عُدُولٌ، فقال: لم أفْعَلْ وأنا مُسْلِمٌ. قُبلَ قوْلُه، هو أبَرُّ عندِي مِنَ الشُّهودِ.
وإنْ ماتَ المُرْتَدُّ، فأقامَ وارِثُه بَيِّنَةً أَنَّه صَلَّى بَعْدَ الرِّدَّةِ، حُكِمَ بإسْلامه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[هذا المذهبُ. وعليه الأصحابُ. وتقدَّم ذلك مُسْتَوْفِّى، في كتابِ الصَّلاةِ] وَلَا يَبْطُلُ إِحْصَانُ الْمُسْلِمِ بِرِدَّتِهِ، وَلَا عِبَادَاتُهُ الَّتى فَعَلَهَا في إِسْلَامِهِ إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.