فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

(لآدَمِىِّ. فهو كالقِصاصِ) وجملةُ ذلك، أنَّ كتابَ القاضى إلى القاضى يُقْبَلُ في المالِ، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه، ولا يُقْبَلُ في الحُدُودِ لحَقِّ اللهِ تعالى. وهل يُقْبَلُ فيما عدا هذا؟ على وَجْهَيْن. وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْىِ.

٣٨٬١٢٥

وقال أصْحَابُ الشافعىِّ: يُقْبَلُ في كلِّ حَق لآدَمِىِّ، مِن الجِراحِ وغيرِها، وهل يُقْبَلُ في الحُدودِ التى للهِ تعالى؟ على قَوْلَيْن؛ أحَدُهما، يُقْبَلُ. وهو قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ. وحَدُّ القَذْفِ يَنْبَنِى على الخِلافِ فيه، على ما ذَكَرْنا. ولَنا، على أنَّها لا تُقْبَلُ في الحُدُودِ، أنَّها مَبْنِيَّةٌ على السَّتْرِ، والدَّرْءِ بالشُّبُهاتِ، والإِسْقاطِ بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ، وكتابُ القاضى [شهادةٌ على شهادةٍ]، وفيها شُبْهَةٌ، فإنَّه يَتَطَرَّقُ إليها احْتِمالُ الغَلَطِ و السَّهْوِ في شُهودِ الفَرْعِ ، مع احْتمالِ ذلك في شُهودِ الأصْلِ، وهذا احْتمالٌ زائدٌ، لا يُوجَدُ في شَهادةِ الأصْلِ، وهو مُعْتَبَرٌ، بدليلِ أنَّها لا تُقْبَلُ مع القُدْرَةِ على شُهودِ الأصْلِ، فوَجَبَ أن لا تُقْبَلَ فيما يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّ كتابَ القاضى إلى القاضى إنَّما يُقْبَلُ للحاجَةِ، ولا حاجةَ إلى ذلك في الحَدِّ؛

لأنَّ سَتْرَ صاحِبِه أوْلَى مِن الشَّهادةِ عليه، ولأنَّه لا نَصَّ في ذلك،

٣٨٬١٢٦

ولا يَصحُّ قِياسُه على الأمْوالِ؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ [في الحاجةِ والتَّساهُلِ فيها]. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ كتابَ القاضى إلى القاضى لا يُقْبَلُ في القِصاصِ أيضًا، ولا حَدِّ القَذْفِ؛ لأنَّه قال: إنَّما يجوزُ في الحُقوقِ،

٣٨٬١٢٧

أمَّا الدِّماءُ والحَدُّ فلا. وهذا قولُ أبى حنيفةَ . وظاهِرُ كلام الخِرَقِىِّ، أنَّه يُقْبَلُ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ. ولَأنَّه حَقُّ آدمىِّ، لا يَسْقُطُ بالرُّجوعِ عن الإقْرارِ به، أشْبَهَ الأمْوالَ. وذَكَر أصْحابُنا هذا عن أحمدَ رِوايَة؛ [لأنَّ سُفْيانَ] قال: شَهادةُ رجل في الطَّلاقِ جائِزَةٌ. قال أحمدُ: ما أحْسَنَ ما قال. فجعَلَه أصْحابُنا رِوايَةً في القِصاصِ. قال شيْخُنا : وليس هذا برِوايَةٍ؛

٣٨٬١٢٨

فإنَّ الطَّلاقَ لا يُشْبِهُ القِصاصَ،

٣٨٬١٢٩

والمذهبُ أنَّها لا تُقْبَلُ فيه؛ لأنَّه عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ، تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وتُبْنَى على الإِسْقاطِ، فأشْبَهَتِ الحُدودَ .

٣٨٬١٣٠

فأمَّا ما عَدا الحُدودَ [والقِصاصَ] والأمْوالَ؛ كالنِّكاحِ والطَّلاقِ، وسائرِ ما لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، فنَصَّ أحمدُ على قَبُولِها في الطَّلاقِ والحُقُوقِ، فدَلَّ على [قَبُولِها في جَميعِ هذه الحُقوقِ]. وهو قولُ الخِرَقِىِّ.

٣٨٬١٣١

وقال ابنُ حامدٍ: لا تُقْبَلُ في النِّكاحِ. ونحوُه قولُ أبى بكرٍ.

فعلَى قولِهما، لا تُقْبَلُ الشَّهادَةُ على الشهادةِ إلَّا في المالِ، وما يُقْصَدُ به. وهو قولُ أبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّه حَقٌّ لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، فأشْبَهَ حَدَّ القَذْفِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه حَقُّ لا يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فيَثْبُتُ بالشَّهادةِ على الشَّهادةِ، كالمالِ، وبهذا فارقَ الحُدُودَ. وكتابُ القاضى إلى القاضى حُكْمُه حُكْمُ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ؛ لأنَّه شَهادةٌ على شهادةٍ.

٤٩٢٩ - مسألة: (ويَجُوزُ كِتابُ القاضى فيما حَكَم به ليُنْفِذَه في المسافَةِ القريبَةِ ومَسافَةِ القَصْرِ،

٣٨٬١٣٢

ويَجُوزُ فيما ثَبَت عندَه ليَحْكُمَ به في المسافَةِ البَعِيدَةِ دُونَ القريبةِ) وجملةُ ذلك، أنَّ كتابَ القاضى على ضَرْبَيْن؛ أحدُهما، أن يَكْتُبَ بما حَكَم به، وذلك مثلُ أن يَحْكُمَ على رجلٍ بحَقٍّ، [فيتَغَيَّبَ قبلَ وَفائِه]، أو يَدَّعِىَ حَقُّا على غائِبٍ، ويُقِيمَ به بَيِّنَةً، ويَسْألَ الحاكِمَ الحُكْمَ عليه، فيَحْكُمَ عليه، ويسْألَه أن يَكْتُبَ له كِتابًا بحُكْمِه إلى قاضى البلدِ الذى فيه الغائِبُ، فيكتبَ له إليه، أو تقومَ البَيِّنَةُ على حاضِرٍ ، فيَهْرُبَ قبلَ الحُكْمِ عليه، فيسْألَ صاحِبُ الحقِّ الحُكْمَ عليه،

٣٨٬١٣٣

وأنْ يَكْتُبَ له كتابًا بحُكْمِه. ففى هذه الصُّوَرِ الثَّلاثِ، يَلْزَمُ الحاكمَ إجابَتُه إلى الكتابَةِ،

٣٨٬١٣٤

ويَلْزَمُ المكتوبَ إليه قبولُه ، سَواءٌ كانت بينهما مَسافةٌ قريبةٌ أو بعيدَةٌ، حتى لو كانا في جَانِبَىِ البلدِ أو مجلسِ الحاكمِ، لَزِمَه قَبولُه وإمْضاؤُه، وسواءٌ كان حُكْمًا على حاضرٍ أو غائبٍ. لا نعلمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّ حُكْمَ الحاكمِ يجبُ إمْضاؤُه على كلِّ حاكمٍ. الضَّرْبُ الثانى، أن يَكْتُبَ [يُعْلِمُه بشَهادَةِ] شاهِدَيْن عندَه بحقٍّ لفُلانٍ، مثلَ أن تقومَ البَيِّنَةُ عندَه بحَقٍّ لرجلٍ على آخَرَ، ولم يَحْكُمْ به، فيَسْألَ صاحِبُ الحَقِّ أن يَكْتُبَ له كتابًا بما حَصَل عندَه، فإنَّه يَكْتُبُ له أيضًا.

قال القاضى: ويكونُ في كِتابِه: شَهِد عندى فُلانٌ وفُلانٌ بكذا؛ ليكونَ المكْتوبُ إليه هو الذى يَقْضِى به، ولا يَكْتُبُ: ثَبَت عندى؛ لأنَّ قوْلَه: ثَبَت عندى.

حُكْمٌ بشَهادَتِهما، فهذا لا يَقْبَلُه المكتوبُ إليه إلَّا في المسافةِ البَعيدةِ، التى هى مَسافَةُ القَصْرِ، ولا يَقْبَلُه فيما دُونَها؛ لأنَّه نَقْلُ شَهادةٍ، فاعْتُبِرَ فيه ما يُعْتَبَرُ في الشَّهادةِ على الشهادةِ. ونحوُ هذا قولُ الشافعىِّ.

٣٨٬١٣٥

وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يجوزُ أن يَقْبَلَه في بَلَدِه. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ مثلُ هذا.

٣٨٬١٣٦

وقال بعضُ المتأخِّرين مِن أصحابه: الذى يَقْتَضِيه مَذْهَبُه أنه لا يجوزُ، كما لا يجوزُ ذلك في الشهادة على الشهادة. واحْتَجَّ مَن أجازَه بأنَّه كتابُ الحاكمِ بما ثَبَت عندَه، فجاز قبولُه مع القُرْبِ، ككتابِ حُكْمِه. ولَنا، أنَّ ذلك نَقْلُ الشهادةِ إلى المَكْتُوبِ إليه، فلم يَجُزْ مع القُرْب، كالشَّهادةِ على الشهادةِ، ويُفارِقُ كتابَة بالحُكْمِ، فليس هو نَقْلًا، إنَّما هو خَبَرٌ.

فضل: ويُقْبَلُ [الكتابُ مِن قاضى مِصرٍ] إلى قاضى مِصرٍ، وإلى قاضى قريةٍ،

٣٨٬١٣٧

ومِن قاضى قَرْيةٍ إلى قاضى قريةٍ، وإلى قاضى مِصرٍ. ٤٩٣٠ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ لِآدَمِيٍّ فَهُوَ كَالْقِصَاصِ) جَزَمَ فِي الْوَجِيزِ بِثُبُوتِهِ فِيهِ.

٢٤٬٥١٢

تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْحَابَ ذَكَرُوا أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي حُكْمُهُ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ; لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ. وَذَكَرُوا فِيمَا إِذَا تَغَيَّرَتْ حَالُهُ أَنَّهُ أَصْلٌ،

٢٤٬٥١٣

وَمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَرْعٌ، فَلَا يُسَوَّغُ نَقْضُ الْحُكْمِ بِإِنْكَارِ الْقَاضِي الْكَاتِبِ. وَلَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَةِ الْبَيِّنَةِ، بَلْ يَمْنَعُ إِنْكَارَهُ الْحُكْمَ، كَمَا يَمْنَعُ رُجُوعَ شُهُودِ الْأَصْلِ الْحُكْمَ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ

٢٤٬٥١٤

فَرْعٌ لِمَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ، وَأَصْلٌ لِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ.

[

الإنصافالمرداوي

لا يتكلم على هذه المسألة.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (فأما حد القذف فإن قلنا: هو لله تعالى فلا يقبل فيه. وإن قلنا: لآدمي فهو كالقصاص) .

١٦٬٣٣٣

أما كون القذف لا يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي إذا قيل: هو لله تعالى؛ فلما ذكر في كل حدٍّ لله تعالى.

١٦٬٣٣٤

وأما كونه كالقصاص إذا قيل: لآدمي؛ فلأنه حينئذ يساوي القصاص؛ لاشتراكهما في كون كل واحدٍ منهما حقاً لآدمي.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.