فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ وَهَلْ يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَى بِشَاهِدَيْنِ أَوْ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ الثَّانِي: الْقِصَاصُ سَائِرُ الْحُدُودِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ حُرَّانِ الثَّالِثُ: مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، غَيْرَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛
الشروح عليها
مسألة: (وهل يَثْبُتُ الإقْرارُ بالزِّنَى بشاهِدَيْنِ، أو لا يَثْبُتُ إلَّا بأرْبَعَةٍ؟ على رِوايتين) وللشافعيِّ فيه قوْلان؛ أحدُهما، يَثْبُتُ بشاهِدَيْن، قِياسًا على سائِرِ الأقَارِيرِ. والثانى، لا يَثْبُتُ إلَّا بأرْبعةٍ؛ لأنَّه مُوجِبٌ لحدِّ الزِّنَى، فأشْبَهَ فِعْلَه. (الثانى، القِصاصُ، وسائِرُ الحُدودِ، فلا يُقْبَلُ فيه إلا رَجُلانِ حُرَّانِ) إلَّا ما رُوِىَ عن عَطاءٍ وحَمَّادٍ أنَّهما قالا: يُقْبَلُ فيه رَجلٌ وامْرأتان، قِياسًا على الشَّهادةِ في الأمْوالِ. ولَنا، أنَّ هذا ممَّا يُحْتاطُ لدَرْئِه وإسْقاطِه، ولهذا يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولا تَدْعُو الحاجَةُ إلى إثْباتِه، وفى شَهادةِ النِّساءِ شُبْهَةٌ، بدَليلِ قولِه تعالى:{أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}.
وأنَّ شَهادَتَهُنَّ لا تُقْبَلُ وإنْ كَثُرْنَ، ما لم يكُنْ مَعَهُنَّ رجلٌ، فوجَبَ أن لا تُقْبَلَ شَهادَتُهُنَّ فيه.
ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على المالِ؛ لِما ذكَرْنا مِن الفَرْقِ. وبهذا الذى ذكَرْناه قال سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ، والزُّهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثورٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. واتَّفَقَ هؤلاءِ كلُّهم على أنَّها تَثْبُتُ بشَهادةِ رَجُلَيْنِ ما خلَا الزِّنَى، إلَّا الحسنَ، فإنَّه قال: الشَّهادةُ على القتلِ، كالشَّهادةِ على الزِّنَى، لا يُقْبَلُ فيها إلَّا أرْبَعَةٌ. ورُوِىَ ذلك عن أبي عبدِ اللهِ؛ لأنَّها شَهادةٌ يَثْبُتُ بها القَتْلُ، فلم تَثْبُتْ إلَّا بأرْبعةٍ، كالشّهادةِ على زِنَى المُحْصَنِ.
ولَنا، أنَّه أحدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فيُقْبَلُ فيه اثْنان، كقَطْعِ الطَّرَفِ، وفارَقَ الزِّنَى؛ فإنَّه مُخْتَصٌّ بهذا، وليستِ العِلَّةُ كوْنَه قَتْلًا، بدليلِ وُجوبِ الأرْبعةِ في زِنَى البِكْرِ، ولا قَتْلَ فيه، ولأنَّه انْفَرَدَ بإيجابِه الحدَّ على الرَّامِي به، والشُّهودِ إذا لم تَكْمُلْ شَهادَتُهُم، فلم يَجُزْ أن يَلْحَقَ به ما ليس مثلَه. فصل: ولا تُقْبَلُ الشَّهادةُ على القَتْلِ إلَّا مع زَوالِ الشُّبْهَةِ في لَفْظِ الشّاهدِ، نحوَ أن يقولَ: ضَرَبَه فَقَتَله. وقد ذكَرْنا ذلك.
فإن كانتِ الشَّهادةُ بالجَرْحِ، فقالا: ضَرَبَه فأوْضحَه. أو: فاتَّضَحَ منه. أو: فوَجَدْناه مُوضَحًا مِن الضَّرْبَةِ. قُبِلَتْ شَهادتُهما.
فإن قالا: ضَرَبَه فاتَّضَحَ رَأْسُه. أو: فَوَجَدْناه مُوضَحًا. أو: فأسالَ دمَه. أو: وجَدْنا في رأْسِه مُوضِحَةً. لم يَثْبُتِ الإِيضاحُ؛ لجَوازِ أن يتَّضِحَ عَقِيبَ ضَرْبِه بسَبَبٍ آخَرَ. ولابدَّ مِن تَعْيِينِ المُوضِحَةِ في إيجابِ القِصاصِ؛ لأنَّه إن كان في رَأْسِه مُوضِحَتان، فيَحْتاجان إلى بَيانِ ما شَهِدا به منهما،
وإن كانتْ واحدةً، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ قد أوْسَعَها غيرُ المشْهودِ عليه، فيَجِبُ أن يُعَيِّنَها الشّاهِدان، فيقولان: هذه.
فإن قالا: أوْضَحَه في مَوْضِعِ كذا مِن رَأْسِه مُوضِحَةً، قَدْرُ مِساحَتِها كذا
وكذا. قُبِلَتْ شَهادَتُهما. وإن قالا: لا نعلَمُ قَدْرَها. أو: مَوْضِعَها . لم يُحْكَمْ بالقِصاصِ؛ لأنَّه يتَعَذَّرُ مع الجهَالَةِ، وتَجِبُ دِ يَةُ المُوضِحَةِ؛ لأنَّها لا تَخْتلِفُ باخْتِلافِها.
وإن قالا: ضَرَبَ رأْسَه، فأسالَ دَمَه. فهى بازلَةٌ.
وإن قالا: فسالَ دَمُه. لم يَثْبُتْ شئٌ؛ لجَوازِ أنْ يَسِيلَ دَمُه بسبَبٍ آخَرَ.
وإن قالا: نَشْهَدُ أنَّه ضَرَبَه، فقَطَعَ يَدَه. ولم يكُنْ أقْطَعَ اليَدَيْن، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، ويَثْبُتُ القِصاصُ؛ لعَدَمِ الاشْتِباهِ.
وإن كان أقْطَعَ اليَدَيْن، ولم يُعَيِّنا المقْطوعَةَ، لم يَجِبْ قِصاصٌ؛ لأنَّهما لم يُعَيِّنا اليَدَ التى يَجِبُ القِصاصُ منها، وتَجِبُ دِيَةُ اليَدِ؛ لأنَّها تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ الأيْدِى.
فصل: فإن شَهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه عَمْدًا، والآخَرُ أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه. ولم يَقُل: عَمْدًا ولا خَطَأً. ثبتَ القتلُ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ قد كَمَلَتْ عليه، ولم تَثْبُتْ صِفتُه، فيُسْألُ المشْهودُ عليه عن صِفَتِه،
فإنْ أنْكَرَ أصْلَ القتلِ، لم يُقْبَلْ إنْكارُه؛ لِقيام البَيِّنَةِ به.
وإن أقَرَّ بقَتْلِ العَمْدِ، ثَبَت بإقْرارِه.
وإن أَقَرَّ بالخَطَأِ، فأنكَر الوَلِيُّ، فالقَوْلُ قَوْلُ القاتِلِ. وهل يُسْتَحْلَفُ على ذلك؟ يُخَرجُ فيه وجْهانِ.
فإن صدَّقَه الوَلِيُّ على الخَطَأِ، ثَبَت عليه.
وإن أقَرَّ بقَتْلِ العَمْدِ، وكَذَّبَه الوَلِيُّ،
وقال: بل كان خَطَأً. لم يَجِبِ القَوَدُ؛ لأنَّ الوَلِىَّ لا يَدَّعِيه، وتَجِبُ دِيَةُ الخَطإِ. ولا تَحْمِلُها العاقِلَةُ في هذه المواضِعِ كُلِّها، ولا شيئًا منها، وتكونُ في مالِه؛ لأنَّها لم تثْبُتْ ببَيِّنَةٍ،
وفي بَعْضِها القاتِلُ مُقِرٌّ بأنَّها في مالِه دونَ مالِ عاقِلَتِه.
وإنْ شَهِدَ أحدُهما أنَّه قتَلَه عَمْدًا، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَتَلَه خَطَأً، [ثَبَت القَتْلُ] دونَ صِفَتِه، ويُطالَبُ بِبَيانِ صِفَتِه على ما ذكرنا؛ لأنَّ الفِعْلَ قد يَعْتَقِدُه أحدُهما خَطَأ، والآخر عَمْدًا، ويكونُ الحُكْمُ؛ لو شَهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه [عَمْدًا، وشَهِدَ الآخر أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه] خَطَأً، أنَّ المشْهودَ عليه يُسْألُ، على ما ذكَرْنا في أوَّلِ الفَصْلِ.
فإن شَهِدَ أحدُهما أنَّه قتلَه غُدْوِةً، والآخر أنَّه قتلَه عَشِيَّةً، أو شَهِدَ أحدُهما أنَّه قَتَلَه بسَيْفٍ،
وقال الآخر: قَتَلَه بِعَصًا. لم تَتِمَّ الشَّهادةُ. ذكرَه القاضى؛ لأنَّ كُلّ واحدٍ منهما يُخالِفُ صاحِبَه ويُكَذِّبُه. وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وقال أبو بكر: يثْبُتُ القتلُ؛ لاتِّفاقِهما عليه، واخْتِلافِهما في الصِّفَةِ، فيَثْبُتُ القتلُ, كما لو شَهِد أحدُهما بقَتْلِ العَمْدِ، والآخر بقَتْلِ الخَطَأ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ القَتْلَ غُدْوةً غيرُ القَتْلِ عَشِيَّة، ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقتَلَ غُدْوَةً ثم يُقتَلَ عَشِما ، ولا أنْ يُقْتَلَ بسَيْفٍ، ثم يُقْتَلَ بِعَصًا،
بخِلافِ الخَطَأ والعَمْدِ؛ فإنَّ الفِعْلَ واحدٌ، والخِلافُ في نِيَّته وقَصْدِه، وقد يَخْفَى ذلك على أحَدِهما دُونَ الآخَرِ.
وإنْ شَهِدَ أحدُهما أَّنه قتلَه، وشَهِدَ الآخر أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه، ثَبَت القَتْلُ. نَصَّ عليه أحمدُ. واخْتارَه أبو بكر. واخْتارَ القاضىِ أنَّه لا يثْبُتُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ أحدَهما شَهِدَ بغيرِ ما شَهِدَ به الآخر، فلم تَتَّفِقْ شَهادَتُهما على فِعْل واحِدٍ. ولَنا، أنَّ الذى أقَرَّ به هو القَتْلُ الذى شَهِدَ به الشّاهِدُ، فلا تَنافِىَ بينَهما، فيَثْبُتُ بشهادَتِهما، كما لو شَهِدَ أحدُهما بالقَتْلِ عَمْدًا، وشَهِدَ الآخر بالقَتْلِ خَطَأً، أو كما لو شَهِدَ أحدُهما أنَّ له عليه ألفًا، وشَهِدَ الآخر أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ.
فصل: إذا قُتِلَ رَجُل عَمْدًا قَتْلًا يُوجِبُ القِصاصَ، فشَهِدَ أحدُ الوَرَثَةِ على واحدٍ منهم أنَّه عَفَى عن القِصاصِ، سَقَط القَوَدُ، سَواءٌ كان الشَّاهِدُ عَدْلًا أو فاسِقًا؛ لأنَّ شَهادتَه تَضَمَّنَتْ سُقُوطَ حَقِّه مِن القِصاصِ، وقوْلُه مَقْبولٌ في ذلك؛
فإنَّ أحدَ الوَلِيين إذا عَفَا عن حَقِّه، سَقَط القِصاصُ كلُّه. ويُشْبِهُ هذا ما لو كان عبدٌ بينَ شَرِيكَيْن، فشَهِدَ أحَدُهما أنَّ شَرِيكَه أعْتَقَ نَصِيبَه وهو مُوسِرٌ، عَتَقَ نَصِيبُ الشَّاهِدِ وإن أنْكَرَه الآخر.
فإن كان الشّاهِدُ بالعَفْوِ شَهِدَ بالعَفْوِ عن القِصاصِ والمالِ، لم يَسْقُطِ المالُ؛ لأنَ الشَاهِدَ اعْتَرفَ أنَ نَصِيبَه سَقَط بغيرِ اخْتِيارِه،
فأمّا نَصِيبُ المشْهودِ عليه، فإن كان الشّاهِدُ ممَّن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه، فالقَوْلُ قَوْلُ المشْهودِ عليه مع يَمِينه،
فإذا حَلَفَ ثَبَتَتْ حِصَّتُه مِن الدِّيَةِ،
وإن كان مَقبولَ القَوْلِ، حَلَفَ الجانِى مَعه، وسَقَط حَقُّ المشْهودِ عليه، ويَحْلِفُ الجانِى أنَّه عَفا عن الدِّيَةِ، ولا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ العَفْوِ عن القِصاصِ؛ لأنَّه قد سَقَط بشَهادَةِ الشَّاهِدِ، فلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِه في اليَمِينِ؛ ولأنه إنَّما يَحْلِفُ على ما يُدعَى عليه، ولا يُدَّعَى عليه غيرُ الديةِ.
فصل: إذا جُرِحَ رَجُل، فشَهِدَ له رَجُلانِ مِن وَرَثَتِه غيرِ الوَالِدين والمَوْلُودِين، وكانتِ الجِراحُ مُنْدَمِلَةً، قُبِلَتْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما لا يَجُرَّانِ إلى أنْفُسِمهما نَفْعًا،
وإنْ كانت غيرَ مُنْدَمِلَةٍ، لم يُحْكَمْ بشَهادَتِهما، وقد ذَكرْناه.
وإن شَهِدَ وارثا المَرِيضِ له بمالٍ، ففى قَبُولِ شَهَادَتِهم وَجْهان؛ أظْهَرُهما، قَبُولُها, كما لو شَهِدَا له وهو صَحِيح. والثانى، لا تُقْبَلُ؛ لأنَّه متى ثَبَت المالُ للمَرِيضِ، تَعلقَ حَقُّ ورَثَتِه به، ولهذا لا يَنْفُذُ تَبَرُّعُه فيه فيما زادَ على الثُّلُثِ.
وإن شَهِدَ للمجروحِ بالجرْحِ مَن لا يَرِثُه، لكَوْنِه مَحْجُوبًا، كالأخَوَيْن يَشْهدَانِ لأخِيهِما، وله ابنٌ، سُمِعَتْ شَهادَتُهما،
فإن ماتَ ابنُه، نَظرتَ؛ فإن كان الحاكمُ حَكَمَ بشَهادَتِهما، لم يُنْقَضْ حُكْمُه؛ لأنَّ ما يَطْرأُ بعدَ الحُكْمِ بالشَّهادةِ لا يُؤثِّرُ فيها، كالفِسْقِ،
وإن كان ذلك قبلَ الحُكْمِ بالشَّهادَةِ، لم يُحْكَمْ بها؛ لأنَّهما صَازا مُسْتَحِقَّيْنِ، فلا يُحْكَمُ بشَهادَتِهما , كما لو فَسَقَ الشّاهِدَان قبلَ الحُكْمِ بشَهادَتِهما.
وإن شُهِدَ على رَجُلٍ بالجُرْحِ المُوجِبِ للدِّيَةِ على العاقِلَةِ، فَشَهِدَ بعْضُ عَاقِلَةِ المشْهُودِ عليه بجَرْحٍ الشُّهُودِ، لم تُقْبَلْ شَهادَتُه وإن كان فَقِيرًا؛ لأنَّه قد يكونُ ذا مالٍ وقت العَقْلِ، فيَكُونُ دافِعًا عن نَفْسِه. ويَحْتَمِلُ أن تُقْبَلَ؛ لأنهما لا يَحْمِلانِ شيئًا مِن الدِّيَةِ.
وإن كان الجرْحُ ممَّا لا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، كجِرَاحَةِ العَمْدِ، [أو العبدِ]، سُمِعَتْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما لا يَدْفَعان عن أنْفُسِهما ضَرَرًا،
وإن كان الشَّاهِدان شَهِدَا على إقرارِه بالجُرْحِ، قُبِلَتْ ؛ لأنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ الاعْتِرافَ.
وإنْ كانتْ شَهادَتُهما بجُرْحٍ عَقْلُه دونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ خَطَأ، وكانتْ شَهادَتُهما بالجرْحِ قبلَ الانْدِمالِ، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّها ربَّما صارتْ نفسًا فتَحْمِلُها،
وإن كان بعدَه، قُبِلَتْ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ ما دونَ ذلك.
فصل: وإذا شَهِدَ رَجُلان على رَجُلَيْن، أنَّهما قَتَلا رَجُلًا، ثم شَهِدَ المشْهُودُ عليهما على الأوَّلَيْن أنَّهما اللَّذانِ قَتَلاه، فصَدَّقَ الوَلِىُّ الأوَّلَيْن، وكَذبَ الآخِرَيْن، وجبَ القتلُ عليهما؛ لأنَّ الوَلِىَّ يُكَذِّبُهما، وهما يَدْفَعانِ بِشَهادَتِهما عن أنْفُسِهما ضَرَرًا.
[وإن صَدَّقَ الآخِرَيْن وحدَهما، بطَلَتْ شَهادةُ الجميعِ؛ لأنَّ الأوَّلَين بَطَلَتْ شهادَتُهما لتَكْذِيبِه لهما، ورُجُوعِه عمَّا شَهِدَا له به، والآخِران لا تُقْبَلُ شهادتُهما؛ لأنَّهما عَدُوَّان للأوَّلَين] , [ولأنهما يَدْفَعان عن أنْفُسِهما ضَرَرًا]،
وإنْ صَدَّقَ الجميعَ، بَطَلَتْ شَهادَتُهم أيضًا؛ لأنَّه بتَصْديقِ الأوَّلَيْن مُكَذِّب للآخِرَيْن، وتَصْدِيقُه الآخِرَيْنِ تَكْذِيب للأوَّلَيْن، وهما مُتَّهمان، لِما ذكَرْناه.
فإن قيل: فكيف تُتَصَوَّرُ هذه المْسَألةُ، والشَّهادةُ إنَّما تكونُ بعدَ الدَّعْوَى، فكيفَ يُتَصَوَّرُ فَرْضُ تَصْدِيقِهم وتَكْذِيبِهم؛ قُلْنا: يُتَصَوَّرُ أنْ يَشْهَدَا قبلَ الدَّعْوَى، إذا لم يَعْلَمِ الوَلِىُّ مَن قَتَلَه، ولهذا رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«خَيْرُ الشُّهَدَاءِ الَّذِى يَأتِى بشَهَادَتِه قبلَ أنْ يُسْألهَا». وهذا مَعْنى ذلك. (الثالثُ، ما ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ به المالُ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالِبِ الأحْوالِ، غيرُ الحُدودِ والقِصاصِ) كالنكاحِ
(فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ) عُدُولٍ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ حَدِّ الزِّنَى (وَهَلْ يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَى بِشَاهِدَيْنِ أَوْ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) .
إِحْدَاهُمَا: لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِحَدِّ الزِّنَى، فَأَشْبَهَ الْفِعْلَ، وَالْمُرَادُ الْإِقْرَارُ الْمُعْتَبَرُ وَهُوَ أَرْبَعُ.
الثَّانِيَةُ: يُقْبَلُ عَدْلَانِ كَسَائِرِ الْأَقَارِبِ،
فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ أَعْجَمِيًّا، فَفِي التَّرْجَمَةِ وَجْهَانِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ تُرْجُمَانَانِ.
وَمَنْ عَزَّرَ بِوَطْءِ فَرْجٍ، ثَبَتَ بِرَجُلَيْنِ، قَدَّمَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ،
وَقِيلَ: أَرْبَعَةٌ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: مَعَ الْبَيِّنَةِ وَاثْنَيْنِ مَعَ الْإِقْرَارِ، وَتَثْبُتُ الْمُبَاشَرَةُ دُونَ الْفَرْجِ وَمَا أَوْجَبَ تَعْزِيرًا بِعَدْلَيْنِ، أَشْبَهَ ظُلْمَ النَّاسِ.
[الْقِصَاصُ وَسَائِرُ الْحُدُودِ] (الثَّانِي: الْقِصَاصُ سَائِرُ الْحُدُودِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ حُرَّانِ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ،
وَعَنْهُ: لَا يُقْبَلُ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ إِلَّا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَحَمَّادٍ: يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْأَمْوَالِ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْقِصَاصِ فَيُقْبَلُ فِيهِ اثْنَانِ، كَقَطْعِ الطَّرَفِ
بِخِلَافِ الزِّنَى، وَهَذَا مِمَّا يَحْتَاطُ لِدَرْئِهِ وَيَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى إِثْبَاتِهِ.
لَا يُقَالُ: الْقَتْلُ أَعْظَمُ مِنَ الزِّنَى، وَاشْتُرِطَ فِيهِ أَرْبَعَةٌ كَانَ الْقَتْلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ فِيهِ حَقُّ آدَمِيٍّ.
وَفِي اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعَةِ إِسْقَاطٌ لَهُ،
بِخِلَافِ الزِّنَى، وَفِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ شُبْهَةٌ، «رَوَى الزُّهْرِيُّ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ.
»
وَعَنْهُ: جَوَازُ شَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ بَيْنَهِنَّ فِي الْحَمَّامَاتِ،
وَفِي اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ خِلَافٌ سَبَقَ،
وَإِنْ أَقَرَّ بِقَتْلٍ عَمْدٍ ثَبَتَ إِقْرَارُهُ بِمَرَّةٍ،
وَعَنْهُ: أَرْبَعَ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: يَرُدُّهُ وَيَسْأَلُ عَنْهُ لَعَلَّ بِهِ جُنُونًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
[مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ] (الثَّالِثُ: مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، غَيْرَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛ كَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالْوَكَالَةِ فِي غَيْرِ الْمَالِ، وَالْوَصِيَّةِ إِلَيْهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) ؛ كَالظِّهَارِ وَالِاسْتِيلَاء وَالنِّكَاحِ
الثَّاني، القِصاصُ، وسائِرُ الحُدُودِ، فلا يُقْبَلُ فيه إلَّا رَجُلان حُرَّان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُقْبَلُ في القِصاصِ وسائرِ الحُدودِ رَجُلان. وعليه الأصحابُ.
وعنه، لا يُقْبَلُ في القِصاصِ إلَّا أرْبَعَةٌ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: قولُه: حُرَّان. مَبْنِىٌّ على ما تقَدَّم، مِن أنَّ شَهادَةَ العَبْدِ لا تُقْبَلُ في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحُدودِ والقِصاصِ. وتقَدَّم أنَّ الصَّحيحَ مِن المذهبِ تُقْبَلُ فيهما. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: يَثْبُتُ القَوَدُ بإقْرارِه مَرَّة. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وعنه، أرْبَعٌ. نقَل حَنبل، يُرَدِّدُه، ويَسْألُ عنه، لعَل به جُنونا أو غيرَ ذلك، على ما ردد النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - . الثّالِثُ، مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ المَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِى غَالِبِ الأحْوَالِ، غَيْرُ الْحُدُودِ والْقِصَاصِ؛ كَالطَّلَاقِ، وَالنَّسَبِ، وَالْوَلَاءِ، وَالْوَكَالَةِ فِى غَيْرِ الْمَالِ، وَالوَصِيَّةِ الَيْهِ، وَمَا أشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ.
وَعَنْهُ فِى النِّكَاحِ، الثالِثُ، ما ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ به المالُ، ويَطلِعُ عليه الرِّجالُ فى غالِبِ الأحْوالِ، غيرُ الحُدُودِ والقِصاصِ؛ كالطَّلاقِ، والنَّسَبِ، والوَلاءِ، والوَكالَةِ وَالرَّجْعَةِ، وَاِلْعِتْقِ، أنَهُ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُل وَامْرأتيْنِ.
وَعَنْهُ فِى الْعِتْقِ، أنَهُ يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينُ المُدَّعِى.
وَقَالَ القَاضِى: النِّكَاحُ وَحُقُوقُهُ؛ مِنَ الطَّلَاقِ، وَالْحُلْعِ، وَالرَّجْعَةِ، لَا يَثْبُتُ [٣٥١ و] إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَالْوَكَالَةُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالْكِتَابَةُ، وَنَحْوُهَا، تُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فى غيرِ المَالِ، والوصِيَّةِ إليهِ، وما أشْبَهَ ذلك - كالنِّكاحِ، والرَّجْعَةِ، والخُلْعِ، والعِتْقِ، والكِتابَةِ، والتَّدْبيرِ - فلا يُقْبَلُ فيه إلَّا رجلانِ. وهو الصحيحُ مِن المذهبِ. وجزَم به فى «الوَجِيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس»، وغيرِهم. قال القاضى: هذا المُعَوَّلُ عليه فى المذهبِ. واقْتَصَرَ عليه فى «المُغْنِى». قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا المذهبُ؛ قال الخِرَقِىُّ. واخْتارَه الشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ فى «خِلافَيْهما» فى العِتْقِ. قال ابنُ عَقِيل فيه: هو ظاهِرُ المذهبِ. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم، إلَّا فى العِتْقِ والكتابةِ والتَّدْبيرِ.
وصحَّحه النَّاظِمُ وغيرُه [فى غيرِها].
وعنه فى النِّكاحِ، والرَّجْعَةِ، والعِتْقِ، أنَّه يُقْبَلُ فيه شَهادَةُ رجُل وامْرَأتَيْن. قَالَ أحمَدُ فِى الرَّجُلِ يُوَكِّلُ وَكِيلًا، وَيُشْهدُ عَلَى نَفْسِهِ رَجُلًا وَامْرَأتيْنِ: إِنْ كَانَتْ فِى الْمُطَالَبَةِ بِدَيْن،
فَأما غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا.
وعنه فى العِتْقِ، أنَّه يُقْبَلُ فيه شاهد ويَمِينُ المُدَّعِى. وجزَم به الخِرَقِىُّ، وناظِمُ «المُفْرَداتِ». واخْتارَه أبو بَكْرٍ، وابنُ بَكْروسٍ. قالَه فى «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ». وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. واخْتَلَفَ اخْتِيارُ القاضى؛ فَتَارَةً اخْتارَ الأوَّلَ، وتارةً اخْتارَ الثَّانِىَ. قال القاضى فى «التَّعْليقِ»: يَثْبُتُ العِتْقُ بشاهدٍ ويَمِينٍ فى أصحٍّ الرِّوايتَيْن. وعلى قِياسِه الكِتابَةُ والوَلاءُ. ونصَّ عليه فى رِوايةِ مُهَنَّا. قال الزَّرْكَشِىُّ: ومنْشَأ الخِلافِ، أنَّ مَنْ نظَرَ إلى أنَّ العِتْقَ إتْلافُ مالٍ فى الحَقِيقَةِ، قال بالثَّانى، كبَقِيَّةِ الإتْلافاتِ،
ومَنْ نظَرَ إلى أنَّ العِتْقَ نفْسَه ليسَ بمالٍ، وإنَّما المَقْصودُ منه تكْمِيلُ الأحْكامِ، قال بالأوَّلِ، وصارَ ذلك كالطَلاقِ والقِصاصِ ونحوِهما. انتهى. وأطْلَقَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِلافَ فى العِتْقِ والكتابَةِ والتَّدْبيرِ فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ». وأَطلَقهما فى «المُحَرَّرِ» فى العِتْقِ.
وقال القاضى: النِّكاحُ وحقُوقُه؛ مِنَ الطلاق، والخُلْعِ، والرجْعَةِ، لا يَثْبُتُ إلا بشاهِدَيْن، رِوايةً واحدةً، والوَصِيَّةُ، والكِتابَةُ، ونحوُهما، تُخَرَّجُ على رِوايتَيْن. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الإمامُ أحمدُ، رحِمَه الله تُعالَى، فى الرَّجُلِ يُوَكِّلُ وَكِيلًا، ويُشْهِدُ على نفْسِه رجُلًا وامْرَأتَيْن: إنْ كانَ فى المُطالَبَةِ بدَيْن،
فأمَّا غيرُ ذلك، فلا .
وعنه، يُقْبَلُ فيه رجُلٌ ويمينٌ. ذكَرَها المُصَنِّفُ وغيرُه. واخْتارَها الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله. قال فى «الفُروعِ»: ولم أرَ مُسْتَندَها عندَ الإمامِ اْحمدَ، رحِمَه الله. وجزَم ناظِمُ «المُفْرَداتِ» بأنَّ الوَكالةَ تَثْبُتُ بشاهد مع يَمِين. وهو منها. وجزَم به فى «نِهايةِ ابنِ رَزِينٍ»، فى آخِرِ الوَكالَةِ.
وقيل: هاتَانِ الرِّوايَتَان فى غيرِ النِّكاحِ والرَّجْعَةِ.
وقال فى «عُيونِ المَسائلِ» فى النِّكاحِ: لا يَسُوغُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيه الاجْتِهادُ بشاهدٍ ويَمِين. وقال فى «الانْتِصارِ»: يَثْبُتُ إحْصانُه برَجُلٍ وامْرَأتَيْن.
وعنه، فى الإعْسارِ ثلاَثةً. وتقدم ذلك فى أوائلِ بابِ الحَجْرِ. وتقدَّم فى بابِ ذِكْرِ أهْلِ الزكاةِ، أن مَنِ ادَّعَى الفَقرَ، وكان معروفًا بالغِنَى، لا يجوزُ له أخْذُ الزَّكاةِ إلا ببَيِّنَةِ ثلاَثةِ رِجالٍ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
فائدتان؛ إحْداهما، يُقْبَلُ قولُ طَبِيبٍ واحدٍ وبَيْطارٍ؛ لعدَمِ غيرِه ، فى معْرِفَةِ داءِ دابَّةٍ ومُوضحَةٍ ونحوِه. وهذا المذهبُ. نصَّ عليه. [وعليه] الأصحابُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجزَم به فى «الكافِى»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «النُّكَتِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، وغيرِهم. ولا يُقْبَلُ مع عدَمِ التعَذُّرِ إلَّا اثْنانِ ، الرَّابع، الْمَالُ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ؛ كَالْبَيْعِ، وَالقَرْضِ، وَالرهْنِ، وَالْوَصِيَّةِ لَهُ، وَجِنَايَةِ الْخَطَأَ، تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرأتَيْنِ، وَشَاهِدٌ وَيَمِينُ المُدَّعِى. وَهَلْ تُقْبَلُ فِى جِنَايَةِ الْعَمْدِ المُوجِبَةِ لِلْمَالِ دُونَ القِصَاصِ، كَالْهَاشِمَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ، شَهَادَةُ رَجُل وَامْرَأتَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقطَعُوا به. وأطْلَقَ فى «الرَّوْضَةِ» قَبُولَ قولِ الواحدِ.
وظاهِرُه، سواءٌ وُجِدَ غيرُه أمْ لا.
الثَّانيةُ، لو اخْتَلَفَ الأطِباءُ أو البَياطِرَةُ، قدِّمَ قولُ المُثْبِتِ.
قال: (الثاني: القصاص وسائر الحدود. فلا يُقبل فيه إلا رجلان حران) .
أما كون ما ذكر لا يُقبل فيه إلا رجلان؛ فلأن المرأة ضعيفة العقل قليلة الأمانة غالباً، وذلك يقتضي أن الثقة بقولها فيما عداهما على مقتضاه.
وأما كونهما حرين؛ فلأن في شهادة العبيد خلافاً في الجملة. فلم يثبت القصاص وسائر الحدود بشهادتهم؛ كالشهادة على الزنا.
فإن قيل: القتل أعظم من الزنا فإذا اشترط في الزنا أربعة. فلأن يشترط في القتل الأربعة بطريق الأولى.
قيل: القتل فيه حق آدمي وفي اشتراط الأربعة إسقاط له
بخلاف الزنا.
قال: (الثالث: ما ليس بمال ولا يُقصد به المال ويَطَّلعُ عليه الرجال في غالب الأحوال غير الحدود والقصاص؛ كالطلاق والنسب والولاء والوكالة في غير المال والوصيةُ إليه وما أشبه ذلك: فلا يُقبل فيه إلا رجلان.
وعنه في النكاح والرجعة والعتق: أنه يُقبل فيه شهادة رجل وامرأتين.
وعنه في العتق: أنه يُقبل فيه شاهدٌ ويمين المدعي.
وقال القاضي: النكاحُ وحقوقه من الطلاق والخلع والرجعة لا يثبتُ إلا بشاهدين رواية واحدة، والوكالة والوصية والكتابة ونحوها تُخَرَّج على روايتين. قال أحمد رحمه الله في الرجل يُوكل وكيلاً ويشهد على نفسه رجلاً وامرأتين: إن كانت في المطالبة بدين
فأما غير ذلك فلا).
أما كون ما ليس بمال ولا يُقصد به المال ويَطَّلعُ عليه الرجال في غالب الأحوال؛ كالطلاق لا يُقبل فيه إلا رجلان رواية واحدة؛ فلأن الشرع متشوفٌ إلى عدمه.
وأما كون النكاح والرجعة والعتق لا يُقبل فيهما إلا ذلك على المذهب؛ فبالقياس على الطلاق.
وأما كونهما يقبل فيهما شهادة رجلٍ وامرأتين على روايةٍ؛ فلأنهما لا يسقطان بالشبهة.
والأول أصح؛ لأن إلحاق النكاح بالطلاق أولى من إلحاقه بالمال، ولذلك قال القاضي: لا يثبتان إلا بشهادة رجلين رواية واحدة.
وأما كون العتق لا يُقبل فيه إلا رجلان على روايةٍ؛ فلأنه إزالة ملكٍ لا على وجه المعاوضة. فلم يقبل فيه إلا ذلك؛ كالنكاح.
وأما كونه يُقبل فيه شهادة رجل وامرأتين على روايةٍ؛ فلأن العبد مالٌ. فقبل في عتقه شهادة رجل وامرأتين؛ كسائر الأموال.
وأما كونه يُقبل فيه شهادة واحد ويمين العبد على روايةٍ؛ فلأن في الشرع تشوفاً إلى العتق،
وفي قبول شاهد ويمين المعتق توسعة في ثبوت المعتق.
وأما كون ما عدا ذلك من الصور التي ذكرها المصنف رحمه الله وما في معناها لا يُقبل فيه إلا رجلان على المذهب؛ فبالقياس على الطلاق.
وأما كون النكاح وحقوقه من الطلاق والخلع والرجعة لا يثبتُ إلا بشاهدين رواية واحدة، والوكالة والوصية والكتابة ونحوها تخرج على روايتين على قول القاضي؛ فلأن النكاح وحقوقه يحتاط له.
بخلاف بقية ما ذكر.
قال: (الرابع: المال وما يقصد به المال؛ كالبيع والقرض والرهن والوصية له، وجناية الخطأ: يُقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وشاهد ويمين المدعي. وهل تُقبل في جناية العمد الموجبة للمال دون القصاص؛ كالهاشمة والمنقلة شهادة رجل وامرأتين؟ على روايتين).
أما كون المال يُقبل فيه شهادة رجلٍ وامرأتين؛
فبالكتاب والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ... -إلى أن قال-: واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان}.
وأما الإجماع فأجمع أهل العلم على قبول شهادة النساء في الأموال.
وأما كون ما يقصد منه المال كالصور التي ذكرها المصنف رحمه الله يُقبل فيها شهادة رجل وامرأتين؛ فلأن المقصود منها المال. أشبهت الشهادة بنفس المال.
وأما كون المال يُقبل فيه شاهد ويمين المدعي؛ فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«استشرتُ جبريلَ في القضاء باليمين مع الشاهد فأشار عليّ بذلك في الأموال لا تعدو ذلك». رواه أحمد بإسناده.
وعن عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قضَى بالشاهدِ واليمين. قال عمرو: في الأموال».
وعن أبي هريرة قال:«قضَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم باليمينِ مع الشاهدِ الواحد». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
ولأن اليمين يشرع في حق من ظهر صدقه، ولذلك شرعت في حق صاحب اليد وفي حق المنكر، والمدعي هاهنا ظهر صدقه بشاهده. فوجب أن يشرع اليمين في حقه.
وأما كون ما يقصد منه المال يُقبل فيه ذلك؛ فلأن ذلك كالمال نفسه في شهادة المرأتين. فكذلك في القضاء باليمين مع الشاهد.
وأما كون جناية العمد الموجبة للمال دون القصاص؛ كالهاشمة والمنقلة على روايتين؛ فلأن النظر إلى أن موجبها المال تشبه الجناية خطأ وهي تثبت برجل وامرأتين، والنظر إلى أنها جناية عمد تشبه القتل وهو لا يثبت إلا برجلين.
والأول المذهب. قاله صاحب المغني فيه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.