وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ بِالذَّكَاةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو الْمَلِيحِ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ «وَأَنْ يُفْتَرَشَ» . نَجِسَةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ
الشروح عليها
٣٦ - مسألة؛ قال: (ولا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيرِ المَأْكُولِ بالذَّكاةِ) وهذا قولُ الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ، ومالِك: يَطْهُرُ، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «ذَكَاةٌ الأدِيمِ دِبَاغُهُ». شَبَّه الدَّبْغَ بالذَّكاةِ، والدَّبْغُ يُطَهِّرُ الجِلْدَ على ما مَضَى، كذلك الذَّكاةُ. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن افْتِراشِ جُلُودِ السِّباع وركوبِ النُّمورِ، وهو عامٌّ في المُذَكَّى وغيرِه. ولأنَّه ذَبْحٌ لا يُبِيحُ اللَّحْمَ، فلم يُطَهِّرِ الجِلْدَ، كذبحِ المَجُوسِيِّ، والخبرُ قد أجَبْنا عنه فيما مَضَى.
وأما قِياسُ الذّكاةِ على الدَّبغِ فلا يصِحُّ،
فإن الدَّبْغَ أقْوى؛ لأنَّه يُزيلُ الخَبَثَ والرُّطُوباتِ كلَّها، ويُطَيِّبُ الجلدَ، على وجهٍ يَتَهَيَّأُ به للبقاءِ على وجهٍ لا يَتَغَيَّرُ، والذَّكاةُ لا يَحصُلُ بها ذلك، ولا يُسْتَغْنى بها عن الدَّبْغِ، فدَلَّ على أنَّه أقْوَى.
٣٧ - مسألة؛ قال: (وابَنُ المَيتَةِ نَجِسٌ؛ لأنَّه مائِعٌ في وعاءٍ نَجِسٍ فتَنَجَّسَ به، وكذلك إنْفَحَتُها في ظاهِرِ المذهبِ) ؛ لما ذَكَرْنا وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ. ورُوي أنَّها طاهرةٌ، وهو قولُ أبي حنيفةَ، وداودَ؛ لأنَّ الصحابةَ، رضي اللهُ عنهم، أكَلُوا الجُبْنَ لمّا دَخَلُوا المَدائِنَ ، وهو يُعْمَلُ بالإنْفَحَةِ ، وذَبائِحُهم مَيتَةٌ؛ لأنَّهم مَجُوسٌ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه مائِعٌ في وعاءٍ نَجِسٍ، أشْبَهَ ما لو حُلِبَ في إناءٍ نَجِسٍ.
وأمّا المَجُوسُ فقد قِيل: إنَّهم ما كانوا يَذْبَحُون بأنْفُسِهم، وكان جَزّارُوهم اليهودَ والنَّصارَى،
ولو لم يُنْقَلْ ذلك عنهم، كان الاحْتِمالُ باقِيًا ، فإنَّه قد كان فيهم اليهودُ والنَّصارَى، والأصلُ الحِلُّ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ، وقد رُوي أنّ الصحابةَ، رَضِي اللهُ عنهم، لَمّا قَدِمُوا العراقَ كَسَرُوا جيشًا مِن أهلِ فارِسَ، بعدَ أن وَضَعُوا طَعامَهم ليأكُلُوه، فلما فَرَغَ المُسْلِمون منهم جَلَسُوا فأكَلُوا الطَّعامَ، وهو لا يَخْلُو مِن اللَّحْمِ ظاهرًا،
فلو حُكِمَ بنجاسَةِ ما ذُبِحَ في بلدِهم لَما أكَلُوا مِن لَحْمِهم،
وإذا حَكَمْنا بطهارةِ اللحمِ، فالجُبنُ أوْلَى، وعلى هذا لو دخلَ الإنسانُ أرضًا فيها مَجُوسٌ وأهلُ كتابٍ، كان له أكْلُ جُبْنِهم ولَحْمِهم؛ لما ذكرْنا.
فصل: وإن ماتَتِ الدَّجاجَةُ، وفيها بَيضَةٌ قد صَلُبَ قِشْرُها، فهي طاهِرَةٌ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وبعضِ الشّافِعِيَّة، وابنِ المُنْذِرِ. وكَرِهَها عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عُمَرَ، ومالكٌ، واللَّيثُ ، وبعضُ الشافعيةِ؛ لأنَّها جُزءٌ مِن المَيتَةِ. ولَنا، أنَّها بيضةٌ صُلْبَةُ القِشْرَةِ، مُنْفَصِلَةٌ عن المَيتَةِ، أشْبَهَتِ الوَلَدَ إذا خَرَج حيًّا مِن المَيتَةِ، وكَراهِيَةُ الصحابةِ مَحْمُولَةٌ على التَّنْزِيهِ، اسْتِقْذارًا لها.
وإن لم تَكْمُلِ البَيضَةُ، فقال بعضُ أصحابِنا: ما كان قِشْرُها أبْيَضَ فهو طاهِرٌ، وما لم يَبْيَضَّ فهو نَجِسٌ؛ لأنَّه ليس عليه حائِلٌ حَصِينٌ. واختارَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّها لا تَتَنَجَّسُ؛ لأنَّ البَيضَةَ عليها غاشِيَةٌ رَقِيقَةٌ، كالجلْدِ، وهو القِشْرُ قبلَ أن يَقْوَى، فلا يَتَنَجَّسُ منها إلَّا ما لَاقَى النجاسةَ، كالسَّمْنِ الجامِدِ إذا ماتتْ فيه فأْرةٌ، إلَّا أنَّ هذه تَطْهُر إذا غُسِلتْ؛ لأنَّ لها مِن القُوَّةِ ما يَمْنَعُ دُخولَ أجْزاءِ النجاسةِ فيها،
بخلافِ السَّمْنِ. واللهُ أعلمُ.
(وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ بِالذَّكَاةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو الْمَلِيحِ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ «وَأَنْ يُفْتَرَشَ» . وَلِأَنَّهُ ذَبْحٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، فَلَمْ يُفِدْ طَهَارَةَ الْجِلْدِ، كَذَبْحِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ، لِأَنَّ عِنْدَنَا كُلُّ ذَبْحٍ لَا يُفِيدُ إِبَاحَةَ اللَّحْمِ لَا يُفِيدُ طَهَارَةَ الْمَذْبُوحِ، قَالَ الْقَاضِي: جُلُودُ السِّبَاعِ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا قَبْلَ الدَّبْغِ وَلَا بَعْدَهُ، وَهَلْ يُبَاحُ لُبْسُ جِلْدِ الثَّعْلَبِ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ، أَوْ لَا، أَوْ يُبَاحُ لُبْسُهُ فَقَطْ، أَوْ يُبَاحَانِ مَعَ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ؛
فِيهِ رِوَايَاتٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ: إِنَّهُ يُلْبَسُ إِذَا دُبِغَ بَعْدَ تَذْكِيَتِهِ.
[لَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا وَعَظْمُهَا وَقَرْنُهَا] (وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ مُخَفَّفَةً - ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَيُقَالُ أَيْضًا: مِنْفَحَةٌ (نَجِسَةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) هَذَا هُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنِ الْجُبْنِ يُصْنَعُ فِيهِ أَنَافِحُ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوهُ،
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا تَأْكُلُوا مِنَ الْجُبْنِ إِلَّا مَا صَنَعَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ مِثْلُهُ، وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ حُلِبَ فِي إِنَاءٍ نَجِسٍ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُمَا طَاهِرَانِ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ فَتَحُوا بِلَادَ الْمَجُوسِ، وَأَكَلُوا مِنْ جُبْنِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِنَجَاسَةِ ذَبَائِحِهِمْ، لِأَنَّ الْجُبْنَ إِنَّمَا يُصْنَعُ بِهَا، وَاللَّبَنُ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ إِذْ لَا حَيَاةَ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ فِي صِحَّةِ مَا نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ نَظَرًا،
وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ يَهُودُ وَنَصَارَى يَذْبَحُونَ لَهُمْ، فَلَا يَتَحَقَّقُ الْقَوْلُ بِالنَّجَاسَةِ،
وَفِي " الْكَافِي "، و" الشَّرْحِ " أَنَّ الْجُبْنَ نَجِسٌ، وَالْخِلَافُ فِي الْإِنْفَحَةِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا،
وَقِيلَ: هُمَا فِي مَحَلِّهِمَا نَجِسَانِ، وَبَعْدَ أَخْذِهِمَا طَاهِرَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا صُلِّبَ قِشْرُ بَيْضَةٍ فَطَاهِرَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ أَشْبَهَ مَا لَوْ غُمِسَتْ فِي مَاءٍ نَجِسٍ،
وَإِنْ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيْضَةُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: مَا كَانَ قِشْرُهَا أَبْيَضَ، فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ نَجِسٌ، لِأَنَّ الْحَاجِزَ غَيْرُ حَصِينٍ،
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَنْجُسُ، لِأَنَّ جُمُودَهَا، وَغِشَاوَتَهَا الَّذِي هُوَ كَالْجِلْدِ مَعَ لِينِهِ يَمْنَعُ نُفُوذَ النَّجَاسَةِ إِلَيْهَا، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، فَعَلَى النَّجَاسَةِ إِنْ صَارَتْ فَرْخًا فَهُوَ طَاهِرٌ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.