وَأَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ
الشروح عليها
(وَ) الثَّانِي: الْمُوَالَاةُ؛ وَهُوَ (أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا) فُرْقَةً طَوِيلَةً؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ الْمُتَابِعَةُ وَالْمُقَارِنَةُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ التَّفْرِيقِ الطَّوِيلِ،
وَظَاهِرُهُ اشْتِرَاطُ تَقْدِيمِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ؛ وَهُوَ كَذَلِكَ لِتَكُونَ الثَّانِيَةُ تَابِعَةً؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ وَقْتُهَا، وَسَوَاءٌ جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأَشْهَرِ،
وَقِيلَ: يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ؛ لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا هُنَا تَبَعٌ لِاسْتِقْرَارِهَا، كَالْفَوَائِتِ (إِلَّا بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ؛ وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَهُمَا مِنْ مَصَالِحِ الصَّلَاةِ،
وَظَاهِرُهُ تَقْدِيرُ الْيَسِيرِ بِذَلِكَ، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّ مَرْجِعَهُ إِلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ،
وَيُشْتَرَطُ فِي الْوُضُوءُ أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا،
فَإِنْ طَالَ، بَطَلَ الْجَمْعُ، وَاسْتَثْنَى مَعَهُمَا جَمَاعَةَ الذِّكْرِ الْيَسِيرِ، كَتَكْبِيرِ عِيدٍ.
فَإِنْ صَلَّى السُّنَّةَ بَيْنَهُمَا، بَطَلَ الْجَمْعُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ وَهُوَ ظَاهِرُ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ، فَبَطَلَ، كَمَا لَوْ قَضَى فَائِتَةً، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَبْطُلُ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَمْ يَقَعِ الْفَصْلُ بِأَجْنَبِيٍّ، كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ،
وَفِي " الِانْتِصَارِ " يَجُوزُ تَنَفُّلُهُ بَيْنَهُمَا، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَطَّوَّعَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُطِلِ الصَّلَاةَ،
فَإِنْ أَطَالَهَا، بَطَلَ الجَمْعُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً،
فَإِنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ، جَازَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْجَمْعَ يَبْطُلُ بِالتَّفْرِيقِ الْيَسِيرِ، وَاعْتَبَرَ فِي " الْفُصُولِ " الْمُوَالَاةَ. قَالَ: وَمَعْنَاهَا أَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ وَلَا كَلَامٍ، لِئَلَّا يَزُولَ مَعْنَى الِاسْمِ؛ وَهُوَ الْجَمْعُ.
وَقَالَ: إِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الثَّانِيَةِ، وَقُلْنَا: تَبْطُلُ بِهِ فَتَوَضَّأَ، أَوِ اغْتَسَلَ وَلَمْ يَطُلْ، فَفِي بُطْلَانِ جَمْعِهِ احْتِمَالَانِ.
وأنْ لا يُفَرِّقَ بينَهما إلَّا بقدْرِ الإِقامَةِ والوضُوءِ. اعلمْ أنَّ الصحيحَ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به أكثرُهم؛ أنَّه تُشْتَرَطُ المُوالاةُ فى الجَمْع فى وقتِ الأُولَى. واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ عدمَ اشْتِراطِ المُوَالاةِ. وأخذَه مِن روايَةِ أبِى طالِبٍ، والمَرُّوذِىِّ، للمُسافرِ أنْ يصَلِّىَ العِشاءَ قبل مَغيبِ الشَّفَقِ. وعلَّلَه الإِمامُ أحمدُ؛ بأنَّه يجوزُ له الجمْعُ. وأخذَه أَيضًا، مِن نَصِّه فى جَمْعِ المطَرِ، إذا صلَّى إحْداهما فى بَيْتِه، وِالصَّلاةَ الأُخْرى فى المسْجدِ، فلا بأسَ.
تنبيه: قوله: وأنْ لا يُفرِّقَ بينَهما إلَّا بقَدْرِ الإقامةِ والوُضوءِ. هكذا قال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كثيرٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهم صاحِبُ «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ» , و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ»، وغيرُهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. زادَ جماعةٌ، فقالوا: لا يُفَرِّقُ بينَهما، إلَّا بقدْرِ الإقامةِ، والوضُوءِ إذا أحْدَث، والتَّكْبيرِ فى أيَّامِ العيدِ، أو ذِكْرٍ يسيرٍ؛ منهم صاحِبُ «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ» فيها. وهو قوْلٌ فى «الرِّعايَةِ».
وقال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، والشَّارِحُ: المرجِعُ فى اليسيرِ والكثيرِ إلى العُرْفِ، لا حد له سوى ذلك. قال: وقدَّره بعضُ أصحابِنا بقدْرِ الإِقامَةِ، والوضُوءِ.
والصَّحيحُ؛ أنَّه لا حدَّ له. وقدَّم ما قالَه المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «حَواشِى ابنِ مُفْلحٍ». قال المَجْدُ فى «شَرْحِه»، وتَبِعَه فى «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»: والمرجِعُ فى طُولِه إلى العُرْفِ، وإنَّما قرب تحديدَه بالإقامَةِ، والوضُوءِ؛ لأنَّ هذا هو مَحَلُّ الإِقامَةِ، وقد يحتاجُ إلى الوضُوءِ فيه. وهما مِن مصالحِ الصَّلاةِ، ولا تدْعُو الحاجَةُ غالِبًا إلى غيرِ ذلك، ولا إلى أكثرَ مِن زَمَنِه. انْتَهَيا. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابن عَبْدُسٍ».
قال ابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه»: وهو. أقْيَسُ.
وقال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: وإنْ فرَّق بينَهما عُرْفًا، أو أزْيدَ مِن قَدْرِ وضوءٍ مُعْتادٍ، أو إقامَةِ صلاةٍ، بطَل. واعْتبرَ ابنُ عَقِيلٍ فى «الفُصولِ» المُوالاةَ.
وقال: مَعْناها أنْ لا يفْصِلَ بينَهما بصلاةٍ ولا كلام؛ لِئَلَّا يزولَ معنى الاسمِ، وهو الجَمْعُ.
وقال أَيضًا: إنْ سبَقَه الحَدَثُ فى الثَّانيةِ، وقُلْنا: تبْطُلُ به، فتوضَّأ أوِ اغْتَسَل ولم يُطِلْ، ففى بُطْلانِ جَمْعِه احْتِمالان. وحكَى القاضى فى «شَرْحِه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّغِيرِ» وجْهًا؛ أنَّ الجَمْعَ يُبْطِلُه التَّفْريقُ اليسيرُ. فعلى الأوَّلِ، قال فى «النُّكَتِ»: هذا إذا كان الوُضوءُ خفِيفًا،
فأمَّا مَن طالَ وُضوءُه، بأن يكونَ الماءُ منه على بُعْدٍ، بحيثُ يطولُ الزَّمانُ، فإنَّه يَبْطُلُ جَمْعُه. انتهى. وفى كلامِ «الرِّعايَةِ» المُتَقَدِّمِ إيماءٌ إليه. وقطَع به الزَّرْكَشِىُّ وغيرُه.
فإنْ صلَّى السُّنَّةَ بينَهما، بطَل الجَمْعُ فى إحْدى الرِّوايتَيْن. وهى المذهبُ. صحَّحَه فى «التَّصْحيحِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «النَّظْمِ»، و «مَجْمعِ البَحْرَيْن»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِىّ». وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «الإفاداتِ»، و «المُنَوِّرِ». وقدمه فى «الفُروعِ»، و «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «حَواشِى ابنِ مُفْلِحٍ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا تبْطُلُ كما لو تَيَمَّم. قال الطُّوفِىُّ فى «شَرْحِ الخِرَقِىِّ»: أظْهرُ القولِ دليلًا على عَدَمِ البُطْلانِ، إلْحاقًا للسُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ بجُزْءٍ مِنَ الصَّلاةِ لتأكُّدِها.
وأمَّا صلاةُ غيرِ الرَّاتِبَةِ، فيَبْطُلُ الجَمْعُ عندَ الأكثرِ، وقطَعوا به.
وقال فى «الانْتِصَارِ»: يجوزُ التَنَفُّلُ أَيضًا بينَهما. ونقلَ أبو طالِبٍ، لا بأسَ أنْ يتطوَّعَ بينَهما. قال القاضى فى «الخِلافَ»: رِوايةُ أبى طالبٍ تدُلُّ على صِحَّةِ الجمْعِ،
وإنْ لم تحصُلِ المُوالاةُ. وتقدَّم أنَّ الشَّيْخَ تَقِىَّ الدِّين لا يَشْتَرِطُ المُوالاةَ فى الجمْع. وأطْلَقَ الرِّوايتَيْن فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِى»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغةِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «الرِّعايَتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. .
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ، إذا لم يُطِلِ الصَّلاةَ،
فإنْ أطالَها، بطَل الجَمْعُ، رِوايةً واحدةً. قالَه الزَّرْكَشِىُّ، وغيرُه. وتقدَّم نظِيرُه فى الوضوءِ.
فائدة: يصلِّى سُنَّةَ الظُّهرِ بعدَ صلاةِ العَصْرِ، مِن غيرِ كراهةٍ. قالَه أكثرُ الأصحابِ.
وقيل: لا يجوزُ. وقيل: إنْ جمَع فى وقتِ العَصْرِ، لم يَجُزْ، وإلَّا جازَ؛ لبَقاءِ الوقْتِ إذَنْ. ويصلِّى فى جَمْع التَّقْديمِ سُنَّةَ العِشاءِ بعدَ سُنَّةِ المغْرِبِ. على الصَّحيحِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: الأشْبَهُ عندى، أنْ يؤخِّرَها إلى دُخولِ وقْتِ العِشاءِ. وذكَر الأوَّلَ احْتِمالًا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.