وَضَرْبٌ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ فِي مُبَاحٍ السَّابِعُ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُمُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ
الشروح عليها
مسألة: (السَّابِعُ، في سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَهُمُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ) هذا الصِّنْفُ السَّابِعُ مِن أصْنافِ الزَّكاةِ. ولا خِلافَ في اسْتِحْقاقِهم، وبَقاءِ حُكْمِهم. ولا خِلافَ في أَنَّهم الغزاةُ؛ لأنَّ سَبيلَ اللَّهِ عندَ الإِطْلاقِ هو الغَزْوُ،
وقالْ اللَّهُ تعالى:{وَقَتِلُواْ فِي سَبيلِ اللَّهِ}. وقال:{وَتُجَهِدُونَ فِىٍ سَبِيلِ اللَّهِ}. وقال:{إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ في سَبِيْلِهِ صَفًّا}. ذَكَر ذلك في غيرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِه العزِيزِ.
فصل: وإنَّما يَسْتَحِقُّ هذا السَّهْمَ الغُزاةُ الَّذين لا دِيوانَ لهم، وإنَّما يَتَطَوَّعُون بالغَزْوِ إذا نَشِطُوا. قال أحمدُ: يُعْطى ثَمَنَ الفَرَسِ، ولا يَتَوَلَّى مُخْرِجُ الزَّكاةِ شِراءَ الفَرَسِ بنَفْسِه؛ لأنَّ الواجِبَ إيتاءُ الزَّكاةِ،
فإنِ اشْتَراها بنَفْسِه فما أعْطىَ إلَّا فَرَسًا.
وكذلكَ الحُكْمُ في شِراءِ السِّلاحِ والمُؤْنَةِ.
وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: إن دَفَع ثَمَنَ الفَرَسِ وثَمَنَ السَّيْفِ فهو أعْجَبُ إلىَّ،
وإنِ اشْتَراه هو رَجَوْتُ أن يُجْزِئَه.
وقال أيضًا: يَشْتَرِى الرجلُ مِن زَكاتِه الفَرَسَ، ويَحْمِلُ عليه، وَالقَناةَ، ويُجَهِّزُ الرجلَ، وذلك لأنَّه قد صَرَف الزَّكاةَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فجاز، كما لو دَفَعَها إلى الغازِى فاشْتَرَى بها.
وقال: ولا يَشْتَرِى مِن الزَّكاةِ فَرَسًا يصيرُ حَبِيسًا في سَبِيلِ اللَّهِ، ولا دارًا، ولا ضَيْعَةً يُصَيِّرُها للرِّباطِ، ولا يَقِفُها على المُجاهِدِين؛ لأنَّه لم يُؤْتِ الزَّكاةَ لأحَدٍ، وهو مَأمُورٌ بإيتائِها. قال: ولا يَغْزُو الرجلُ على الفَرَسِ الَّذى أخْرَجَه مِن زَكاةِ مالِه؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَجْعَلَ نَفسَه مَصْرِفًا لزَكاتِه، كما لا يَحُوزُ أن يَقْضِىَ بها دَيْنَه،
ومتى أخَذَ الفَرَسَ التى اشْتُرِيَتْ بمالِه، صارَ هو مَصْرِفًا لزَكاتِه.
١٠٠٢ -
(وَضَرْبٌ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ فِي مُبَاحٍ) كَمَنِ اسْتَدَانَ فِي نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ أَوْ كُسْوَتِهِمْ، وَقَيَّدَهُ بِالْمُبَاحِ لِيُخْرِجَ مَا اسْتَدَانَ وَصَرَفَهُ فِي مَعْصِيَةٍ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا، وَدَخَلَ فِيهِ مَا إِذَا اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَيُعْطَى قَدْرَهُ مَعَ فَقْرِهِ،
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ فِي ذَوِي الْقُرْبَى، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ احْتِمَالًا بِالْمَنْعِ، وَكَمَا لَا يَدْفَعُ إِلَى الْغَارِمِ الْكَافِرِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "،
وَكَذَا لَا يُقْضَى مِنْهَا دَيْنُ مَيِّتٍ غَرِمَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةٍ لِقَبُولِهَا، كَمَا لَوْ كَفَّنَهُ مِنْهَا، وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَةً بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْغَارِمَ لَا يُشْتَرَطُ تَمْلِيكُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ:{وَالْغَارِمِينَ} ، وَلَمْ يَقُلْ لِلْغَارِمِينَ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَمَنْ تَحَمَّلَ بِسَبَبِ إِتْلَافِ مَالٍ أَوْ نَهْبِ أَحَدٍ مِنَ الزَّكَاةِ،
وَكَذَا إِنْ ضَمِنَ عَنْ غَيْرِهِ مَالًا، وَهُمَا مُعْسِرَانِ، جَازَ الدَّفْعُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا.
مَسَائِلُ: مِنْهَا: إِذَا اجْتَمَعَ الْغُرْمُ وَالْفَقْرُ، أُعْطِيَ بِهِمَا،
فَإِنْ أُعْطِيَ لِلْفَقِيرِ، فَلَهُ صَرْفُهُ فِي الدَّيْنِ،
وَإِنْ أُعْطِيَ لِلْغُرْمِ، لَمْ يَصْرِفْهُ فِي غَيْرِهِ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ.
وَمِنْهَا: إِذَا دَفَعَ الْمَالِكُ إِلَى الْغَرِيمِ بِلَا إِذْنِ الْفَقِيرِ، فَعَنْهُ يَصِحُّ، كَدَفْعِهَا لِلْفَقِيرِ،
وَعَنْهُ: لَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الْغَارِمِ، فَلَا يَصِحَّ قَضَاؤُهُ إِلَّا بِتَوْكِيلِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَهَذَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ،
فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ دَافِعُهَا لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى وَكَالَةٍ لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ فِي إِيفَائِهِ، وَلِهَذَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ إِذَا امْتَنَعَ.
وَمِنْهَا: إِذَا أَبْرَأَ رَبُّ الْمَالِ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ لَمْ تَسْقُطْ، نَصَّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْرَجُ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا، وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجٌ لِقَوْلِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ فِي أَنَّهَا تَسْقُطُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ أَمْ لَا؛
وَقِيلَ: تُجْزِئُهُ مِنْ زَكَاةِ دَيْنِهِ؛ لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، وَلَا يَكْفِي الْحَوَالَةُ بِهَا، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ، بِنَاءً عَلَى الْحَوَالَةِ وَفَاءٌ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ، وَإِلَّا كَانَ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.
[فِي سَبِيلِ اللَّهِ] (السَّابِعُ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لِلنَّصِّ (وَهُمُ الْغُزَاةُ) ؛ لِأَنَّ السَّبِيلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ الْغَزْوُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ، وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِهِمْ وَبَقَاءِ حُكْمِهِمْ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونُوا مُتَطَوِّعَةً، وَهَذَا مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ (الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ) أَيْ: لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الدِّيوَانِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ رِزْقٌ رَاتِبٌ يَكْفِيهِ، فَهُوَ مُسْتَغْنٍ بِهِ، فَيُدْفَعُ إِلَيْهِمْ كِفَايَةُ غَزْوِهِمْ وَعَوْدِهِمْ،
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنَ الزَّكَاةِ فَرَسًا يَصِيرُ حَبِيسًا فِي الْجِهَادِ، وَلَا دَارًا وَضِيعَةً لِلرِّبَاطِ أَوْ يَقِفُهَا عَلَى الْغُزَاةِ، وَلَا غَزْوُهُ عَلَى فَرَسٍ أَخْرَجَهُ مِنْ زَكَاتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ،
لَا إِذَا اشْتَرَى الْإِمَامُ بِزَكَاةِ رَجُلٍ فَرَسًا، فَلَهُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ يَغْزُو عَلَيْهَا، كَمَا لَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ زَكَاتَهُ لِفَقْرِهِ،
السَّابِعُ، فى سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَهُمُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ. فلَهم الأخْذُ منها بلا نِزاعٍ، لكِنْ لا يصْرِفُون ما يأْخُذُون إلَّا لجِهَةٍ واحدَةٍ. كما تقدَّم فى المُكاتَبِ والغارِمَ.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: وهمُ الذين لا دِيوانَ لهم. أنَّه لو كان يأْخُذُ مِنَ الدِّيوانِ، لا يُعْطَى منها. وهو صَحيحٌ، لكِنْ بشَرْطِ أنْ يكونَ فيه ما يَكْفِيه،
فإنْ لم يكُنْ فيه ما يكْفِيه، فله الأخْذُ، تَمامَ ما يَكْفِيه. قالَه فى «الرِّعايَةِ» وغيرِها. وَلَا يُعْطَى مِنْهَا فى الْحَجِّ.
وَعَنْهُ، يُعْطى الْفَقِيرُ مَا يَحُجُّ بِهِ الْفَرْضَ أوْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِيهِ.
فائدة: لا يجوزُ للمُزَكِّى أنْ يَشْتَرِىَ له الدَّوابَّ والسِّلاحَ ونحوَهما. على الصَّحيِح مِنَ المذهبِ. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا أشْهَرُ الرِّوايتَيْن. فيَجِبُ أنْ يدْفَعَ إليه المالَ. قال فى «الفُروعِ»: الأشْهَرُ المَنْعُ مِن شِراءِ ربِّ، المالِ ما يحْتاجُ إليه الغَّازِى، ثم صَرْفُه إليه. اخْتارَه القاضى وغيرُه. ونقَلَه حيث صالِحٌ وعبدُ اللَّهِ،
وكذا نقَلَه ابنُ الحَكَمِ، ونقَل أيضًا، يجوزُ.
وقال: ذكَر أبو حَفْصٍ فى جَوازِه رِوايتَيْن.
قال: (السابع: في سبيل الله وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم. ولا يعطى منها في الحج. وعنه: يعطى الفقير ما يحج به الفرض أو يستعين به فيه) .
أما كون سبيل الله من الأصناف الثمانية؛ فلأن الله تعالى ذكره في الآية المتقدمة فقال:{وفي سبيل الله}.
وأما كون السبيل هم الغزاة فلأن السبيل عند الإطلاق هو الغزو، قال الله تعالى:{قاتلوا في سبيل الله}،
وقال تعالى:{يجاهدون في سبيل الله} وذكر ذلك في غير موضع من كتابه.
فعلى هذا يعطون ما يشترون به السلاح والدواب وما يحتاجون إليه من نفقة ونحو ذلك.
وأما كون الغزاة من لا ديوان لهم؛ فلأن من له ديوان يستغني بديوانه عن أخذ الزكاة.
وأما الإعطاء منها في الحج ففيه روايتان:
أحدهما: لا يعطى منها فيه لأن السبيل عند الإطلاق ينصرف إلى الجهاد.
ولأن كلما في القرآن ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد فوجب حمل هذه الآية على ذلك.
والرواية الثانية: يعطى فيه لأنه من السبيل؛ لما روي «أن رجلاً جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأته الحج. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اركبيها فإن الحج من سبيل الله».
وعن ابن عمر قال:«الحج من سبيل الله». وهذه الرواية هي أصح الروايتين. قاله القاضي.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله: أن الصحيح أنه ليس من السبيل ولذلك قدم أنه لا يعطى فيه.
وقال في المغني: الرواية الثانية أحسن يعني كونه ليس من السبيل لأن سبيل الله عند الإطلاق لا يتناول إلا الغزو.
ولأن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين: إما محتاج كفقير ومسكين ومكاتب وغارم،
وإما من يحتاج إليه المسلمون كعامل وغاز وغارم لإصلاح ذات البين، والحاج لا نفع للمسلمين فيه ولا يحتاج صاحبه إليه لأنه إنما يدفع إليه مع الفقر، والفقير لا فرض في ذمته فيسقط،
وإن أراد التطوع به فتوفير ما يحج به على ذوي الحاجات من سائر الأصناف أولى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.