وَإِذَا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فِي الْفَرْجِ قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَالْكَفَّارَةُ عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا
الشروح عليها
فصل: ويَجُوزُ للجُنُبِ في اللَّيْلِ أن يُؤخِّرَ الغُسْلَ حتى يُصْبِحَ، ويُتِمُّ صَوْمَه. وهو قولُ علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وزيدٍ، وأبى الدَّرْداءِ، وأبى ذَرٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وعائشةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، في أهلِ الحِجازِ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، في أهلِ العِراقِ، والأوْزاعِىِّ، في أهلِ الشامِ، واللَّيْثِ، في أهلِ مصرَ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وأهلِ الظّاهِرِ. وكان أبو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لا صَوْمَ له. ويَرْوِى ذلك عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم رَجَعَ عنه .
قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: رَجَع أبو هُرَيْرَةَ عن فُتْياه . وحُكِىَ عن الحَسَنِ، وسالِمِ بن عبدِ اللهِ، يُتِمُّ صومَه، ويَقْضِى. وعن النَّخَعِىِّ: يَقْضِى في الفَرْضِ دُونَ التَّطَوُّعِ. وعن عُرْوَةَ، وطاوُسٍ: إن عَلِم بجَنابَتِه في رمضانَ، فلم يَغْتَسِلْ حتى أصْبَحَ، فهو مُفْطِرٌ،
وإن لم يَعْلَمْ، فهو صائِمٌ. وحُجَّتُهم حديثُ أبى هُرَيْرَةَ. ولَنا، ما روَى أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارِثِ بنِ هِشامٍ، قال: ذَهَبْتُ أنا وأبى حتى دَخَلْنا على عائشةَ، فقالَتْ: أشْهَدُ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إن كان ليُصْبِحُ جُنُبًا، مِن جِماع، مِن غيرِ احْتِلامٍ، ثم يَصُومُه. ثم دَخَلْنا على أُمِّ سَلَمَةَ، فقالَتْ مثلَ ذلك، ثم أتَيْنَا أبا هُرَيْرَةَ، فأخْبَرْناه بذلك، فقال: هما أعْلَمُ بذلك، إنَّما حَدَّثَنِيه الفَضْلُ بنُ العباسِ.
مُتَّفَقٌ عليه . قال الخَطّابِىُّ : أحْسَنُ ما سَمِعْتُ في خَبَرِ أبي هريرةَ أنَّه مَنْسُوخٌ؛ لأنَّ الجِماعَ كان مُحَرَّمًا على الصائِمِ بعدَ النَّوْمِ، فلَمّا أباح اللهُ سبحانه الجِماعَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، جاز للجُنُب إذا أصْبَحَ قبلَ أن يَغْتَسِلَ أن يَصُومَ. ورَوَتْ عائشةُ أنَّ رجلًا قال للنبىَّ - صلى الله عليه وسلم -: إنِّى أُصْبِحُ جُنُبًا، وأنا أُرِيدُ الصيامَ. فقالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «وَأَنَا أُصْبِحُ جُنبًا، وَأنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ».
فقالَ له الرجلُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّك لست مِثْلَنا، قد غَفَر اللهُ لك ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تأخَّرَ. فغَضِبَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال:«إنِّى لَأرْجُو أنْ أكُونَ أخْشَاكُمْ للهِ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أتَّقِى». رَواه مسلمٌ، ومالكٌ في «المُوَطَّأ». فصل: وحُكْمُ المرأةِ إذا انْقَطَعَ حَيْضُها مِن اللَّيْلِ وأخَّرَتِ الغُسْلَ حتى أصْبَحَتْ، حُكْمُ الجُنُبِ، يَصِحُّ صَوْمُها، إذا نَوَتْ مِن اللَّيْلِ بعدَ انْقِطاعِه.
وقال الأوْزاعِىُّ، والحسنُ بنُ حَىٍّ، وعبدُ المَلك بنُ الماجشُون: تَقْضِى، فَرَّطَت في الاغْتِسالِ، أو لم تُفَرَّطْ؛ لأنَّ حَدَثَ الحَيْضِ يَمْنَعُ الصومَ،
بخِلافِ الجَنابَةِ. ولَنا، أنَّه حَدَثٌ يُوجِبُ الغُسْلَ، فتَأْخِيرُ الغُسْلِ منه إلى أن يُصْبِحَ لا يَمْنعُ صِحَّةَ الصومِ، كالجَنابَةِ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ،
فإنَّ مَن طَهُرَتْ مِن الحَيْضِ غيرُ حائِضٍ، وإنَّما عليها حَدَثٌ مُوجِبٌ للغُسْلِ، فهي كالجُنُبِ،
فإنَّ الجِماعَ المُوجِبَ للغُسْلِ لو وُجِد في الصومِ أفْسَدَه، كالحَيْضِ، وبَقاءُ وُجُوبِ الغُسْلِ منه، كبقَاءِ وُجُوبِ الغُسْلِ مِن الحَيْضِ. واللهُ أعْلَمُ. (فصل: وإذا جامَعَ في نَهارِ رمضانَ في الفَرْجِ، قُبُلًا كان أو دُبُرًا، فعليه القَضاءُ والكَفّارَةُ، عامِدًا كان أو ساهِيًا. وعنه، لا كَفّارَةَ عليه مع الإكراهِ والنِّسْيانِ) هذه المسألةُ تَشْتَمِلُ على خَمْسَةِ أُمُورٍ؛ أحَدُها، أنَّ مَن جامَعَ في نَهارِ رمضانَ في الفَرْجِ، فأنْزَلَ. أو لم يُنْزِلْ، أو دُونَ الفَرْجِ فأنْزَلَ عامِدًا، فَسَد صَوْمُه بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، وقد دَلَّتِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ على ذلك.
الثانِى، أنَّه يَجِبُ عليه القَضاءُ في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وقال الشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَجِبُ القَضاءُ على مَن لَزِمَتْه الكَفّارَةُ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَأْمُرِ الأعْرابِىَّ بالقَضاءِ . وحُكِىَ عن الشافعىِّ أنَّه قال: إن كَفَّرَ بالصيامِ فلا قَضاءَ عليه؛ لأنَّه صام شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال للمُجامِعِ:«وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ». رَواهُ أبو داودَ بإسْنادِه، وابنُ ماجه، والأثْرَمُ . ولأَنَّه. أفْسَدَ يَوْمًا مِن رمضانَ، فلَزِمَه قَضاؤُه، كما لو أَفْسَدَه بالأكْلِ، ولأنَّه صومٌ واجِبٌ أفْسَدَه بالجِماعِ، فوَجَبَ عليه القَضاءُ، كغيرِ رمضانَ.
فصل: فإن جامَعَ في غيرِ صومِ رمضانَ عامِدًا، أفْسَدَه،
ويَجِبُ عليه القَضاءُ إن كان واجِبًا، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
وإن كان نَفْلًا ففيه اخْتِلافٌ. نَذْكُرُه إن شاء الله تعالى. الثالثُ، أنَّ مَن جامَعَ في الفَرْجِ في رمضانَ عامِدًا، تَجِبُ عليه الكَفّارَةُ، أنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. وعن الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: أنَّه لا كَفارَةَ عليه؛ لأنَّها عِبادَةٌ لا تَجِبُ الكَفّارَةُ بإفْسادِ قَضائِها، فلم تَجِبْ في إفْسادِ أدائِها، كالصلاةِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: بَيْنا نحن جُلُوسٌ عندَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، إذ جاءَه رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، هَلَكْتُ، قال:«مَا لَكَ؟».
قال: وَقَعْتُ على امرأتِى وأنا صائِمٌ. فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟». قال: لا. قال:«فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟». قال: لا. قال:«فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟». قال: لا. قال: فمَكَثَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، فبَيْنا نحن على ذلك أُتِىَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - بعَرَقٍ فيه تَمْرٌ. والعَرَقُ: المِكْتَل . فقالَ:«أيْنَ السَّائِلُ؟». فقالَ: أنا. فقالَ:«خُذْ هذَا فتَصَدَّقْ بِهِ».
فقالَ الرجلُ: على أفْقَرَ مِنِّى يا رسولَ اللهِ؟ فواللهِ ما بينَ لَابَتَيْها أهْلُ بَيْتٍ أفْقَرُ مِن بَيْتِى. فضَحِكَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حتى بَدَتْ أنْيابُه، ثم قال:«أَطعِمْهُ أهْلَكَ». مُتَّفَقٌ عليه .
ولا يَجُوزُ اعْتِبارُ الأداءِ في ذلك بالقَضاءِ؛ لأنَّ الأداءَ يَتَعَلَّقُ بزَمَنٍ مَخْصُوصٍ يَتَعَيَّنُ به، والقَضاءُ مَحَلُّه الذِّمَّةُ، والصلاة، يَدْخُلُ في جُبْرانِها المالُ،
بخِلافِ مسألتِنا. الرابعُ، أنَّ مَن جامَعَ ناسِيًا، فحُكْمُه حُكْم العامِدِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ عَطاءٍ، وابنِ الماجِشُونَ. وروَى أبو داودَ، عن أحمدَ، أنَّه تَوَقَّفَ عن الجَوابِ،
وقال: أجْبُنُ أن أقولَ فيه شَيْئًا. وفيه رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يَجِبُ عليه القَضاءُ دُونَ الكَفّارَةِ. وهذا قولُ مالكٍ، والأوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ؛ لأنَّ الكَفّارَةَ لرَفْعِ الإِثْمِ، وهو مَحْطُوطٌ عن النّاسِى. وفيه رِوايَةٌ ثالثةٌ، نَقَلها عنه ابن القاسِمِ، أنَّه قال: كلُّ أمْرٍ غُلِب عليه الصّائِمُ، فليس عليه قَضاءٌ ولا غيرُه. وهذا يَدُلُّ على إسْقاطِ القَضاء والكَفّارَةِ عن المُكْرَهِ والنّاسِى. وهو قول الحسنِ، ومُجاهِدٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه مَعْنًى حَرَّمَه الصَّوْمُ،
فإذا وُجِد منه مُكْرَهًا أو ناسِيًا، لم يُفْسِدْه، كالأكْلِ. ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ الذي قال: وَقَعْتُ على امرأتِى. بالكَفّارَةِ، ولم يَسْتَفْصِلْه،
ولو افْتَرَقَ الحالُ لسَألَ واسْتَفْصَلَ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، ولأنَّه يَجِبُ التَّعْلِيلُ بما تَنَاوَلَه لَفْظُ السّائِلِ، وهو الوُقُوعُ على المرأةِ في الصومِ، ولأنَّ السُّؤالَ كالمُعادِ في الجَوابِ، فكأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: مَن وَقَع على أهْلِه في نَهارِ رمضانَ فلْيُعْتِقْ رَقَبَةً.
فإن قيلَ: ففي الحديثِ ما يَدُلُّ على العَمْدِ، وهو قَوْلُه: هلكْتُ. ورُوِىَ: احْتَرَقتُ. قُلْنا: يَجُوزُ أن يُخْبِرَ عن هَلَكَتِه لِما يَعْتَقِدُه في الجِماعِ مع النِّسْيانِ، وخَوْفِه مِن غيرِ ذلك، ولأنَّ الصومَ عِبادَةٌ تُحَرِّمُ الوَطْءَ، فاسْتَوَى فيها عَمْدُه وسَهْوُه، كالحَجِّ، ولأنَّ إفْسادَ الصومِ ووُجُودَ الكَفّارَةِ حُكْمان يَتَعَلَّقان بالجِماعِ، لا تُسْقِطُهُما الشُّبْهَةُ، فاسْتَوَى فيهما العَمْدُ والسَّهْوُ، كسائِرِ أحْكامِه. الخامسُ، أنَّه لا فَرْقَ بينَ كوْنِ الفَرْجِ قُبُلًا أو دُبُرًا، مِن ذَكَرٍ أو أُنْثَى.
وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ، في أَشْهَرِ الرِّوايَتَيْن: لا كَفّارَةَ بالوَطْءِ في الدُّبُرِ؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به الإحْلالُ، ولا الإحْصانُ، فلا يُوجِبُ الكَفّارَةَ، كالوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ. ولَنا، أنَّه أَفْسَدَ صومَ رمضانَ بجِماعٍ في الفَرْجِ، فأوْجَبَ الكَفّارَةَ، كالوَطْءِ في القُبُلِ.
وأمّا الوَطْءُ دُونَ الفَرْجِ، فلنا فيه مَنْعٌ،
وإن سَلَّمْنا؛ فلأنّ الجِماعَ دُونَ الفَرْجِ لا يُفْسِدُ الصومَ بمُجَرَّدِه،
بخِلافِ الوَطْءِ في الدُّبُرِ. ١٠٧٠ -
(وَإِذَا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فِي الْفَرْجِ قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَالْكَفَّارَةُ عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا)
وَفِيهِ أُمُورٌ:
الْأُولَى: أَنَّ الْجِمَاعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ مُفْسِدٌ لَهُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ} الْآيَةَ، فَدَلَّتْ أَنَّ الصِّيَامَ الْمَأْمُورَ بِإِتْمَامِهِ تَرْكُ الْوَطْءِ وَالْأَكْلِ،
فَإِذَا وُجِدَ فِيهِ الْجِمَاعُ، لَمْ يَتِمَّ فَيَكُونُ بَاطِلًا، وَالْمُكْرَهُ كَالْمُخْتَارِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ،
وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بِذَكَرٍ أَصْلِيٍّ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ مَيِّتٍ، أَنْزَلَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ فِي مَظِنَّةِ الْإِنْزَالِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ كَالدُّبُرِ
فَلَوْ أَوْلَجَ خُنْثَى مُشْكِلٌ ذَكَرَهُ فِي قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ أَوْ قُبُلِ امْرَأَةٍ، أَوْ أَوْلَجَ رَجُلٌ ذَكَرَهُ فِي قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا أَنْ يُنْزِلَ كَالْغُسْلِ،
وَكَذَا إِذَا أَنْزَلَ مَجْبُوبٌ أَوِ امْرَأَتَانِ بِمُسَاحَقَةٍ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِثْلَهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْمُجَامِعِ:«وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْأَثْرَمُ، وَكَمَا لَوْ أَفْسَدَهُ بِالْأَكْلِ.
الثَّالِثَةُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ،
وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ قَضَائِهَا، فَلَمْ تَجِبْ بِإِفْسَادِ أَدَائِهَا كَالصَّلَاةِ.
وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْأَدَاءَ يَتَعَلَّقُ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ يَتَعَيَّنُ بِهِ، وَالْقَضَاءُ مَحَلُّهُ الذِّمَّةُ، وَالصَّلَاةُ لَا يَدْخُلُ فِي جُبْرَانِهَا الْمَالُ بِخِلَافِهِ هُنَا. الرَّابِعَةُ: السَّاهِي كَالْعَامِدِ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَسْتَفْصِلِ الْأَعْرَابِيَّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ سَاهِيًا أَوْ عَامِدًا،
وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ لَاسْتَفْصَلَهُ، وَبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ، وَالسُّؤَالُ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ كَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا وَاقَعْتَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، فَكَفِّرْ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِيهَا، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ، وَسَهْوُهُ كَالْحَجِّ.
فَصْلٌ: وَإذَا جَامَعَ في نَهَارِ رَمَضَانَ في الْفَرْجِ، قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، [٥٧ ظ] فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، عَامِدًا كَانَ أو سَاهِيًا.
وَعَنْهُ، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مَعَ الإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ. وإذا جامَعَ في نَهارِ رَمَضانَ في الفَرجِ، قُبُلًا كان أو دُبُرًا - يعنى، بفَرْجٍ أصْلِىٍّ في فرْجٍ أصْلِىٍّ - فعليه القَضاءُ والكَفارَةُ، عامِدًا كان أو ساهِيًا. لا خِلافَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في وجُوبِ القَضاءِ والكفَّارةِ على العامِدِ،
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ النَّاسِىَ كالعامِدِ في القَضاءِ والكفَّارَةِ. نقَلَه الجماعَةُ عنِ الإِمامِ أحمدَ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال الزَّرْكَشِىُّ: هو المَشْهورُ عنه،
والمُخْتارُ لعامَّةِ أصحابِه. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وعنه، لا يُكَفَّرُ. اخْتارَها ابنُ بَطَّةَ. قال الزَّرْكَشِىُّ: ولعَلَّه مَبْنِىٌّ على أنَّ الكفَّارَةَ ماحِيَةٌ، ومع النِّسْيانِ، لا إثْمَ يَنْمَحِى.
وعنه، ولا يَقْضى أيضًا. اخْتارَه الآجُرِّىُّ، وأبو محمدٍ الجَوْزِىُّ، والشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، وصاحِبُ «الفائقِ».
تنبيهات؛ الأوَّلُ، قوْلُه: قُبُلًا كان أو دُبُرًا. هو المذهبُ، وعليه الأصحابُ. ووَجَّهَ في «الفُروعِ» تخْريجًا مِنَ الغُسْلِ والحَدِّ، لا يَقْضِى، ولا يُكَفَّرُ إذا جامَعَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الدُّبُرِ، لكنْ إنْ أنْزَلَ فسَد صَوْمُه. وقد قاسَ جماعَةٌ عليهما. الثَّانِى، شَمِلَ كلامُ المُصَنِّفِ، رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى، الحَىَّ والمَيِّتَ مِنَ الآدَمِىِّ. وهو الصَّحيحُ، وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»: إنْ أوْلَجَ في آدَمِىًّ مَيِّتٍ، ففى الكفَّارَةِ وَجْهان. وأطْلقَهما في «الرِّعايَةِ لصُّغْرَى»، و «الحَاوِيَيْن». ويأْتِى حُكْمُ وَطْءِ البَهِيمَةِ المَيِّتةِ. الثَّالثُ، شمِلَ كلامُ المُصَنِّفِ أيضًا، المُكْرَهَ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، ونصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وسَواء أُكْرِهَ حتى فعَلَه، أو فُعِلَ به؛ مِن نائمٍ وغيرِه.
وعنه، لا كفَّارةَ عليه مع الإِكْراهِ والنِّسْيانِ. واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ، أنَّه لا كفَّارَةَ على مَن فُعِلَ به مِن نائمٍ ونحوِه.
وعنه، كلُّ أمْرٍ غُلِبَ عليه الصَّائمُ، فليس عليه قَضاءٌ ولا غيرُه. قال أكثرُ الأصحابِ كما قال المُصَنِّفُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا يدُلُّ على إسْقاطِ القَضاءِ والكفَّارَةِ مع الإِكراهِ والنِّسْيانِ. قال ابنُ عَقيلٍ في «مُفْرَداتِه»: الصَّحيحُ في الأكْلِ والوَطْءِ، إذا غُلِبَ عليهما لا يُفْسِدان. قال: فأنا أُخَرِّج في الوَطْءِ رِوايَةً مِنَ الأَكْلِ، وفى الأَكْلِ رِوايةً مِنَ الوَطْءِ. ونفَى القاضى في «تَعْلِيقِه» هذه الرِّوايةَ،
وقال: يجبُ القَضاءُ رِوايَةً واحِدَةً.
وكذا قال الشِّيرَازِىُّ وغيرُه. واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، أَنَّه لا قَضاءَ مع الإِكْراهِ، واخْتارَه في «الفَائقِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: يَقْضِى مَن فعَل بنَفْسِه، لا مَن فُعِلَ به مِن نائمٍ وغيرِه.
وقيل: لا قَضاءَ مع النَّوْمِ فقط. وذكَر بعضُهم نصَّ أحمدَ، لعدَمِ حُصولِ مَقْصُودِه.
فوائد؛ الأُولَى، حيثُ فسَد الصَّوْمُ بالإِكراهِ، فهو في الكفَّارَةِ كالنَّاسِى، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: يرْجِعُ بالكفَّارَةِ على مَن أكْرَهَه.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقيل: يُكَفَّرُ مَن فعَل بالوَعيدِ دُونَ غيرِه. الثَّانيةُ، لو جامَعَ يعْتَقِدُه ليْلًا، فَبانَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَهارًا، وجَب القَضاءُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: جزمَ به الأكثرُ. وذكَر في «الرِّعايَةِ» رِوايةً، أنَّه لا يَقْضِى. واخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُكَفِّرُ. اخْتارَه الأصحابُ. قالَه المَجْدُ، وأنَّه قياسُ من أوجَبَها على النَّاسِى وَأَوْلَى. انتهى. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وعنه، لا يُكَفِّرُ. وأْطلقَهما في «الفُروعِ». فعلى الثَّانيةِ، إنْ علِمَ في الجِماعِ أنَّه نَهارًا، ودامَ عالِمًا بالتَّحْريمِ، لَزِمَتْه الكفَّارَةُ بِناءً على مَن وَطِئَ بعدَ فَسادِ صَوْمِه. الثَّالثةُ، لو أَكَل وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأةَ كَفَّارَةٌ مَعَ الْعُذْرِ. وَهَل يَلْزَمُهَا مَعَ عَدَمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
ناسِيًا، أو اعْتقَدَ الفِطْرِيَّةَ، ثم جامَعَ، فَحُكْمُه حُكْمُ النَّاسِى والمُخْطِئ، إلَّا أنْ يعْتَقِدَ وجُوبَ الإمْساكِ، فيُكَفِّرَ، على الصَّحيحِ، على ما يأْتِى.
فصل [فيمن جامع نهار رمضان] قال المصنف رحمه الله: (وإذا جامع في نهار رمضان في الفرج قبلاً كان أو دبراً فعليه القضاء والكفارة عامداً كان أو ساهياً. وعنه لا كفارة عليه مع الإكراه والنسيان. ولا يلزم المرأة كفارة مع العذر، وهل يلزمها مع عدمه؟ على روايتين. وعنه كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا غيره، وهذا يدل على إسقاط القضاء والكفارة مع الإكراه والنسيان) .
أما كون من جامع في نهار رمضان في الفرج عليه القضاء فلأن في حديث المجامع في نهار رمضان الآتي ذكره بعد في بعض ألفاظه:«وصم يوماً مكانه» رواه الأثرم.
وفي بعض ألفاظه:«ويصوم يوماً مكانه» رواه ابن ماجة.
وأما كونه عليه الكفارة فلما روى أبو هريرة قال: «بينما نجن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! هلكت قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم. فبينما نحن على ذلك أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق من تمر. والعَرَق المكتل. فقال: أين السائل؟ فقال: أنا. [قال]: فخذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله! فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه. ثم قال: أطعمه أهلك» .
متفق عليه.
وأما كون الدبر كالقبل في ذلك فلأن الدبر أحد الفرجين أشبه الآخر.
وأما كون الساهي كالعامد والمكره كالمختار على المذهب فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل الأعرابي ولو افترق الحال لوجب الاستفصال.
ولأنه يجب التعليل بما تناوله لفظ الحديث وهو المجامعة في حال الصوم وهي موجودة في السهو والإكراه.
وأما كونه لا كفارة عليه مع الإكراه والنسيان في رواية فلقوله عليه السلام:«عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
وأما كون المرأة لا يلزمها الكفارة مع العذر كالمكرهة والناسية لصومها فلأنها معذورة.
ولأنها تدخل فيما تقدم من قوله عليه السلام:«عفي لأمتي ... الحديث».
وأما كونها يلزمها مع عدمه كالمطاوعة الذاكرة لصومها على روايةٍ فلأنها هتكت صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها الكفارة كالرجل.
وأما كونها لا يلزمها على روايةٍ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر حكم المرأة لمّا أمر الأعرابي، ولا أوجب عليها شيئاً.
وأما كون الصائم ليس عليه قضاء ولا غيره في كل أمر غُلب عليه على روايةٍ فلعموم ما تقدم من قوله عليه السلام:«عفي لأمتي ... الحديث».
ولذلك قال المصنف رحمه الله عقيب ذلك فهذا يدل على إساقط القضاء ... إلى آخره.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.