وَيُقْبَلُ حُكْمًا مَعَ قُرْبِ احْتِمَالِ مِنْ ظَاهِرِ وتَوَسُّطِهِ فَيُقَدِّمُ عَلَى عُمُومِ لَفْظِهِ
الشروح عليها
(وَيُقْبَلُ حُكْمًا) دَعْوَى إرَادَةِ مَا ذَكَرَهُ (مَعَ قُرْبِ احْتِمَالِ) مَنْوِيِّهِ (مِنْ ظَاهِرِ) لَفْظِهِ. (وَ) مَعَ (تَوَسُّطِهِ) أَيْ الِاحْتِمَالِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا (فَيُقَدِّمُ) مَا نَوَاهُ (عَلَى عُمُومِ لَفْظِهِ) لِأَنَّهُ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ وَيَسُوغُ لُغَةً التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْهُ فَانْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَيْهِ وَالْعَامُّ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} فَالنَّاسُ الْأَوَّلُ أُرِيدَ بِهِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ.
وَالنَّاسُ الثَّانِي أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ وَكَقَوْلِهِ:{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} وَلَمْ تُدَمِّرْ السَّمَاءَ وَلَا الْأَرْضَ وَلَا مَسَاكِنَهُمْ وَالْخَاصُّ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ}{لَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا}- {فَإِذَنْ لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} وَالْقِطْمِيرُ لُفَافَةُ النَّوَاةِ وَالْفَتِيلُ مَا فِي شِقِّهَا وَالنَّقِيرُ النَّقْرَةُ الَّتِي فِي ظَهْرِهَا وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ بَلْ كُلَّ شَيْءٍ وَحَيْثُ احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ وَجَبَ صَرْفُ الْيَمِينِ إلَيْهِ بِالنِّيَّةِ لِحَدِيثِ «إنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَلِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ يُحْمَلُ عَلَى مَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَتِهِ بِهِ فَكَذَا كَلَامُ غَيْرِهِ
وَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ أَصْلًا كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا وَقَالَ أَرَدْت لَا أَدْخُلُ بَيْتًا فَلَا أَثَرَ لَهُ لِأَنَّهَا نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ لَا يَحْتَمِلُهَا لَفْظُهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَاهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَإِنْ بَعُدَ الِاحْتِمَالُ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى إرَادَتِهِ حُكْمًا وَيَدِينُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّأْوِيلِ
(و) حيث ادعى نية شيء من ذلك ولم يكن ظالمًا بيمينه فإنه (يُقبل) منه ذلك (حُكمًا) أي: في الحكم (مع قُرب احتمالٍ من ظاهر) أي: من ظاهر. لفظه. (و) على الأصح: ومع (توسُّطه) أي: توسط الاحتمال من الظاهر بأن لم يكن قريبًا منه ولا بعيدًا.
أما ما لا يحتمله اللفظ أصلاً؛ كما لو حلف لا يأكل خبرًا ويدعي انه عنى بذلك أن لا يدخل بيتًا فإن يمينه لا تنصرف إلى ما يدعي أنه عناه بغير خلاف؛ لأنها نية مجردة لا يحتملها لفظه. أشبه ما لو نوى ذلك بغير يمين. (فيُقدَّم) ما يُقبل منه مما يدعي نيته (على عموم لفظه) .
فمن حلف لا يأكل لحمًا وأراد لحمًا بعينه تقيّد حلفه به، أو حلف على فعل شيء أو تركه ونوى فعله أو تركه في وقت معّين تقيّد به.
وكذا من أراد بلفظه الخاص العام؛ كمن حلف لا يشرب لفلإن ماء من عطش يريد قطع منّته ونحو ذلك فإنه يحنث بكل ما فيه منّة عليه؛ كقبول هديته، واستعارة دابته، وكل ما فيه المنة. وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا عبرة بالنية فيما يخالف لفظه؛ لأن الحنث مخالفة ما وقعت عليه اليمين واليمين لفظه.
فلو أحنثناه على ما سواه لأحنثناه على ما نواه لا على ماحلف.
ولأن النية بمجردها لا تنعقد بها اليمين فكذلك لا يحنث بمخالفتها.
ولنا: أنه نوى بكلامه ما يحتمله ويسوغ في اللغة التعبير به عنه. فتنصرف يمينه إليه؛ كالمعارض. وبيان احتمال اللفظ له: أنه يسوغ في كلام العرب التعبير بالخاص عن العام. قال الله سبحانه وتعالى: (ما يملكون من قطمير) ، (ولا تظلمون فتيلا) ، (فإذا لا يؤتون الناس نقيرا) . والقِطْمير: لفافة النواة، والفتيل: ما في شقها. والنقير: النقرة التي في ظهرها. ولم يرد ذلك بعينه، بل نفي كل شيء.
وقال الحطيئة يهجو بني العجلان:
ولا يظلمون الناس حبة خردل ولم يرد الحبة بعينها، إنما أراد لا يظلمونهم شيئًا.
وقد يذكر العام ويراد به الخاص؛ كقوله سبحانه وتعالى: (الذين قال لهم الناس) - أراد رجلاً واحداً- (إن الناس قد جمعوا لكم) يعنى: أبا سفيان.
وقال سبحانه وتعالى: (تدمر كل شئ بأمر ربها) ولم تدمر السماء والأرض ولا مساكنهم.
وإذا احتمله اللفظ وجب صرف اليمين إليه إذا نواه؛
لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
" وإنما لكل امرئ ما نوى " ولأن كلام الشارع يحمل على مراده به إذا ثبت ذلك بالدليل فكذلك كلام غيره.
وقولهم: إن الحنث مخالفة ما وقعت عليه اليمين.
قلنا: وهذا كذلك، لأن اليمين إنما انعقدت على ما نواه، ولفظه مصروف إليه، وليست هذه نية مجردة، بل لفظ منوي به ما يحتمله.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.