فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: ومن أراد الإحرام فجاوز الميقات غير محرم رجع فأحرم من الميقات، فإن أحرم من موضعه فعليه دم وإن رجع محرما إلى الميقات. ش: يجب على المريد للنسك أن يحرم من الميقات، اقتداء بفعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبقوله «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة» الحديث، ولأنه ميقات للعبادة، فلم يجز تجاوزه كميقات الصلاة،

١٬٧٣٥

فإن أحرم فبها ونعمت، وإن جاوزه غير محرم فقد أثم إن كان عالما، ووجب عليه الرجوع إن أمكنه، ليأتي بالواجب،

١٬٧٣٦

فإن رجع فأحرم من الميقات فلا دم عليه،

١٬٧٣٧

وإن لم يرجع وأحرم من مكانه فعليه دم لتركه الواجب.

١٤٥٨ - وقد روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال «من ترك نسكا فعليه دم» روي موقوفا ومرفوعا وسواء رجع محرما إلى الميقات أو لم يرجع، إذ بالإحرام دون الميقات حصل ترك الواجب فوجب الدم، والأصل عدم سقوطه.

وقول الخرقي: ومن أراد الإحرام. مفهومه أن من لم يرد الإحرام ليس حكمه كذلك، فلا يخلو غير المريد للإحرام

١٬٧٣٨

إما أن يريد الحرم أو دونه،

١٬٧٣٩

فإن كان مراده دون الحرم فلا إحرام عليه بلا نزاع، لحديث ابن عباس، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى بدرا مرتين ولم يحرم،

تعليق

ثم إن بدا له الإحرام أحرم من موضعه ولا شيء عليه، على ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي محمد، اعتمادا على ظاهر حديث ابن عباس، وعن أحمد: يلزمه الرجوع إلى الميقات. انتهى.

١٬٧٤٠

وإن كان مراده الحرم فلا يخلو من ثلاثة أحوال: .

(أحدها) أن يكون قصده لذلك لحاجة تتكرر، كالاحتشاش والاحتطاب، ونحوهما، أو لقتال مباح، أو خوف، فيجوز له الدخول بغير إحرام، لظاهر حديث ابن عباس، ويخص القتال والخوف ونحوهما.

١٤٥٩ - بما روى جابر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام» . رواه مسلم، والنسائي.

١٤٦٠ - وفي الصحيح «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل مكة [عام الفتح] وعلى رأسه المغفر» ، الحديث قال مالك: ولم يكن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يومئذ محرما، ويخص من تكررت حاجته لأن في وجوب الإحرام عليه إذا حرجا ومشقة، وهما منتفيان شرعا. الحال الثاني: أن يكون ممن لم يتعلق به الوجوب، كالصبي والعبد والكافر، فهؤلاء لا إحرام عليهم، لحديث ابن عباس ثم [أيضا] إن بلغ الصبي، وعتق العبد، وأرادا النسك وجب عليهما الإحرام من موضعهما، ولا شيء عليهما، لتعلق الوجوب بهما إذا،

١٬٧٤١

وكذلك الكافر يسلم على إحدى الروايتين، واختيار أبي محمد، نظرا إلى أن الإسلام يجب ما قبله، فحكم الخطاب إنما تعلق إذا (والرواية الثانية) : يجب عليه الرجوع إلى الميقات ليحرم منه،

١٬٧٤٢

فإن أحرم من موضعه فعليه دم، اختاره أبو بكر، والقاضي، وأبو الخطاب في خلافه الصغير وغيرهم، بناء على مخاطبته بالفروع على المذهب،

١٬٧٤٣

ومن هنا يمتنع تخريج أبي محمد الرواية للصبي والعبد.

(الحال الثالث) من عدا ما تقدم، كالداخل لتجارة، أو زيارة ونحو ذلك، ففيه روايتان، أنصهما - وهو اختيار جمهور الأصحاب - وجوب الإحرام، لأنه من أهل فرض الحج، وحاجته لا تتكرر، أشبه مريد النسك.

والثانية: وهو ظاهر كلام الخرقي - لا إحرام عليه، وهو ظاهر النص.

١٤٦١ - وحكاه أحمد عن ابن عمر فعلى الأولى إذا دخل طاف وسعى وحلق وحل، نص عليه أحمد، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَة جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ غَيْرَ مُحْرِمٍ] (٢٢٧٧) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ، فَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَانِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ رَجَعَ مُحْرِمًا إلَى الْمِيقَاتِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ لِيُحْرِمَ مِنْهُ، إنْ أَمْكَنَهُ، سَوَاءٌ تَجَاوَزَهُ عَالِمًا بِهِ أَوْ جَاهِلًا، عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ.

٩٬٣٣٣

فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ، فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. وَبِهِ يَقُولُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي أُمِرَ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ.

٩٬٣٣٤

وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، سَوَاءٌ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَلَبَّسَ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، كَالْوُقُوفِ، وَطَوَافِ الْقُدُومِ، فَيَسْتَقِرُّ الدَّمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ مُحْرِمًا فِي الْمِيقَاتِ قَبْلَ التَّلَبُّس بِأَفْعَالِ الْحَجِّ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مِنْهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ، فَلَبَّى، سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ،

٩٬٣٣٥

وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ، لَمْ يَسْقُطْ. وَعَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ: لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْمِيقَاتَ.

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَا حَجَّ لِمَنْ تَرَكَ الْمِيقَاتَ. وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ» . رُوِيَ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا. وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ دُونَ مِيقَاتِهِ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الدَّمُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ، أَوْ كَمَا لَوْ طَافَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يُلَبِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِأَنَّهُ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ مِيقَاتِهِ، فَلَزِمَهُ الدَّمُ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ الدَّمَ وَجَبَ لِتَرْكِهِ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَلَا يَزُولُ هَذَا بِرُجُوعِهِ وَلَا بِتَلْبِيَتِهِ، وَفَارَقَ مَا إذَا رَجَعَ قَبْلَ إحْرَامِهِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ الْإِحْرَامَ مِنْهُ، وَلَمْ يَهْتِكْهُ.

٩٬٣٣٦

[فَصْل لَوْ أَفْسَدَ الْمُحْرِم مِنْ دُون الْمِيقَات حَجّه لَمْ يَسْقُط عَنْهُ الدَّم] (٢٢٧٨) فَصْلٌ: وَلَوْ أَفْسَدَ الْمُحْرِمُ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ حَجَّهُ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.

٩٬٣٣٧

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ. وَلَنَا، أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِمُوجِبِ هَذَا الْإِحْرَامِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ، كَبَقِيَّةِ الْمَنَاسِكِ، وَكَجَزَاءِ الصَّيْدِ.

٩٬٣٣٨

[فَصْل الْمُجَاوِز لِلْمِيقَاتِ مِمَّنْ لَا يُرِيد النُّسُك] (٢٢٧٩) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُجَاوِزُ لِلْمِيقَاتِ، مِمَّنْ لَا يُرِيدُ النُّسُكَ، فَعَلَى قِسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُرِيدُ دُخُولَ الْحَرَمِ، بَلْ يُرِيدُ حَاجَةً فِيمَا سِوَاهُ، فَهَذَا لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ الْإِحْرَامِ، وَقَدْ أَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ بَدْرًا مَرَّتَيْنِ، وَكَانُوا يُسَافِرُونَ لِلْجِهَادِ وَغَيْرِهِ، فَيَمُرُّونَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَلَا يُحْرِمُونَ، وَلَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا. ثُمَّ مَتَى بَدَا لِهَذَا الْإِحْرَامُ، وَتُجَدَّدَ لَهُ الْعَزْمُ عَلَيْهِ، أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ.

وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي الرَّجُلِ يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ، فَجَاوَزَ ذَا الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ أَرَادَ الْحَجَّ، يَرْجِعُ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَيُحْرِمُ. وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ. وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَلَزِمَهُ الدَّمُ، كَاَلَّذِي يُرِيدُ دُخُولَ الْحَرَمِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَكَلَامُ أَحْمَدَ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً» .

وَلِأَنَّهُ حَصَلَ دُونَ الْمِيقَاتِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ. فَكَانَ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، كَأَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ.

وَلِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُفْضِي إلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ، إذَا خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ، ثُمَّ عَادَ إلَى مَنْزِلِهِ، وَأَرَادَ الْإِحْرَامَ، لَزِمَهُ الْخُرُوجُ إلَى الْمِيقَاتِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ.

٩٬٣٣٩

وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ، فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ) .

الْقِسْمُ الثَّانِي، مَنْ يُرِيدُ دُخُولَ الْحَرَمِ،

٩٬٣٤٠

إمَّا إلَى مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا، فَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحَدُهَا، مَنْ يَدْخُلُهَا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ، أَوْ مِنْ خَوْفٍ، أَوْ لِحَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ، كَالْحَشَّاشِ، وَالْحَطَّابِ، وَنَاقِلِ الْمِيرَةِ وَالْفَيْحِ،

٩٬٣٤١

وَمَنْ كَانَتْ لَهُ ضَيْعَةٌ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ وَخُرُوجُهُ إلَيْهَا، فَهَؤُلَاءِ لَا إحْرَامَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مَكَّةَ حَلَالًا وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ،

٩٬٣٤٢

وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْهُمْ أَحْرَمَ يَوْمَئِذٍ،

٩٬٣٤٣

وَلَوْ أَوْجَبْنَا الْإِحْرَامَ عَلَى كُلِّ مَنْ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ، أَفْضَى إلَى أَنْ يَكُونَ جَمِيعَ زَمَانِهِ مُحْرِمًا، فَسَقَطَ لِلْحَرَجِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.

٩٬٣٤٤

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ لَأَحَدٍ دُخُولُ الْحَرَمِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، إلَّا مَنْ كَانَ دُونَ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلْحَرَمِ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ إحْرَامٍ كَغَيْرِهِ. وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَخَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» .

٩٬٣٤٥

وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

٩٬٣٤٦

وَمَتَى أَرَادَ هَذَا النُّسُكَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَفِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا فِيهِ. النَّوْعُ الثَّانِي: مَنْ لَا يُكَلَّفُ الْحَجَّ كَالْعَبْدِ، وَالصَّبِيِّ، وَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ، أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَأَرَادُوا الْإِحْرَامَ، فَإِنَّهُمْ يُحْرِمُونَ مِنْ مَوْضِعِهِمْ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ. وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ فِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ، وَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ، وَقَالُوا فِي الْعَبْدِ: عَلَيْهِ دَمٌ وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي جَمِيعِهِمْ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَمٌ.

وَعَنْ أَحْمَدَ، فِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ، كَقَوْلِهِ. وَيَتَخَرَّجُ فِي الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ كَذَلِكَ، قِيَاسًا عَلَى الْكَافِرِ يُسْلِمُ؛ لِأَنَّهُمْ تَجَاوَزُوا الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَأَحْرَمُوا دُونَهُ، فَلَزِمَهُمْ الدَّمُ، كَالْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ.

وَلَنَا، أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، فَأَشْبَهُوا الْمَكِّيَّ،

٩٬٣٤٧

وَمَنْ قَرْيَتُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ إذَا أَحْرَمَ مِنْهَا، وَفَارَقَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ إذَا تَرَكَهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْمُكَلَّفُ الَّذِي يَدْخُلُ لِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا حَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.

٩٬٣٤٨

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ دَخَلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ. وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَرَمَيْنِ، فَلَمْ يَلْزَمْ الْإِحْرَامُ لِدُخُولِهِ، كَحَرَمِ الْمَدِينَةِ، وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ مِنْ الشَّارِعِ إيجَابُ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ دَاخِلٍ، فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ. وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ دُخُولَهَا، لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ،

٩٬٣٤٩

وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يَجِبْ بِنَذْرِ الدُّخُولِ، كَسَائِرِ الْبُلْدَانِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَتَى أَرَادَ هَذَا الْإِحْرَامَ بَعْدَ تَجَاوُزِ الْمِيقَاتِ، رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ،

٩٬٣٥٠

فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، كَالْمُرِيدِ لِلنُّسُكِ.

٩٬٣٥١

[فَصْل مِنْ دَخَلَ الْحَرَم بِغَيْرِ إحْرَام مِمَّنْ يَجِب عَلَيْهِ الْإِحْرَام] (٢٢٨٠) فَصْلٌ: وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.

٩٬٣٥٢

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ،

٩٬٣٥٣

فَإِنْ أَتَى بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي سَنَتِهِ، أَوْ مَنْذُورَةٍ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَجْزَأَهُ عَنْ عُمْرَةِ الدُّخُولِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ مُرُورَهُ عَلَى الْمِيقَاتِ مُرِيدًا لِلْحَرَمِ يُوجِبُ الْإِحْرَامَ،

٩٬٣٥٤

فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ وَجَبَ قَضَاؤُهُ، كَالْمَنْذُورِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِتَحِيَّةِ الْبُقْعَةِ،

٩٬٣٥٥

فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ سَقَطَ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.

٩٬٣٥٦

فَإِنْ قِيلَ: تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ. قُلْنَا: إلَّا أَنَّ النَّوَافِلَ الْمُرَتَّبَاتِ تُقْضَى، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَضَاءُ لِمَا ذَكَرْنَا،

٩٬٣٥٧

فَأَمَّا إنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَرَجَعَ وَلَمْ يَدْخُلْ الْحَرَمَ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، سَوَاءٌ أَرَادَ النُّسُكَ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ.

٩٬٣٥٨

[فَصْل مِنْ كَانَ مَنْزِله دُون الْمِيقَات خَارِجًا مِنْ الْحَرَم] فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ، فَحُكْمُهُ فِي مُجَاوَزَةِ قَرْيَتِهِ إلَى مَا يَلِي الْحَرَمَ، حُكْمُ الْمُجَاوِزِ لِلْمِيقَاتِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَهُ مِيقَاتُهُ، فَهُوَ فِي حَقِّهِ كَالْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ فِي حَقِّ الْآفَاقِيِّ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.