وإن كان عبدا لم يكن له أن يذبح. وكان عليه أن يصوم عن كل مد من قيمة الشاة يوما.
الشروح عليها
قال: وإن كان عبدا لم يكن له أن يذبح. ش: العبد لا يلزمه هدي، لأنه في حكم المعسر، إذ لا مال له، بل هو أسوأ حالا منه، لأنه لا يملك،
ولو ملك على ما عليه الفتيا، ولهذا قال الخرقي: إنه ليس له الذبح مطلقا، بناء على قاعدته، من أنه لا يملك، والتكفير إنما يكون بما يملكه، إذ ذلك محنة، ولا محنة بما لا يملك،
أما على الرواية الأخرى التي نقول فيها: إنه يملك، فمتى ملكه سيده مالا، وأذن له في التكفير فله ذلك، لوجود المقتضي وانتفاء المانع، هذا هو الجادة عند القاضي ومن بعده، وذهب كثير من متقدمي الأصحاب أن له التكفير بإذن سيده وإن لم نقل بملكه، بناء على أحد القولين من أن الكفارة لا يلزم أن تدخل في ملك المكفر عنه، أو أنه يثبت له ملك خاص [بقدر ما يكفر] كما نقوله في التسري، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وحيث جاز له التكفير بإذن السيد، فهل يلزمه ذلك؟ قال القاضي، وابن عقيل - وتبعه أبو محمد هنا - باللزوم، لأنه واجب،
فيدخل تحت قَوْله تَعَالَى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: ١٩٦] ، لا تحت قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} [المائدة: ٨٩] .
وقال أبو محمد في الكفارات على كلتي الروايتين: لا يلزمه التكفير،
وإن أذن له سيده، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك بما هو أبسط من هذا.
(تنبيه) : الحكم في كل دم لزم العبد في الإحرام حكم ما تقدم، والله أعلم. قال: وكان عليه أن يصوم عن كل مد من قيمة الشاة يوما. ش: إذا انتفى الهدي في حق العبد انتفى الإطعام أيضا، إذ المعنى فيهما واحد،
وإذا يتعين في حقه الصوم، ويصوم عن كل مد من قيمة الشاة يوما، جريا على قاعدة الخرقي من أن اليوم يقابل المد، وقد تقدم أن المذهب أنه يقابل المد من البر،
أما من غيره فنصف الصاع.
وقال أبو محمد: الأولى أن يكون الواجب هنا من الصوم عشرة أيام كصوم المتعة، اقتداء بقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المتقدم لهبار، والله أعلم.
[مَسْأَلَةٌ الْعَبْدُ لَا يَلْزَمُهُ هَدْيٌ] (٢٧٠٣) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَذْبَحَ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ يَوْمًا، ثُمَّ يُقَصِّرُ وَيَحِلُّ) يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَلْزَمُهُ هَدْيٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الْهَدْيِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَالْمُعْسِرِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْهَدْيِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُهْدِيَ، وَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا الصِّيَامُ وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمْ فِي الصَّيْدِ. وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا كُلُّ دَمٍ لَزِمَهُ فِي الْإِحْرَامِ لَا يُجْزِئُهُ عَنْهُ إلَّا الصِّيَامُ.
وَقَالَ غَيْرُ الْخِرَقِيِّ: إنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ هَدْيًا، وَأَذِنَ لَهُ فِي ذَبْحِهِ خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ. إنْ قُلْنَا: إنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ. لَزِمَهُ أَنْ يُهْدِيَ، وَيُجْزِئُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْهَدْيِ، مَالِكٌ لَهُ، فَلَزِمَهُ كَالْحُرِّ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ. لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا الصِّيَامُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْمِلْكِ، فَصَارَ كَالْمُعْسِرِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِ الصِّيَامِ.
وَإِذَا صَامَ فَإِنَّهُ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ يَوْمًا. وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصَّيْدِ،
وَمَتَى بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهَا أَقَلُّ مِنْ مُدٍّ صَامَ عَنْهُ يَوْمًا كَامِلًا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَيَجِبُ تَكْمِيلُهُ، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ، لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمٍ كَامِلٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ مِنْ الصَّوْمِ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، كَصَوْمِ الْمُتْعَةِ،
كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِهَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ: فَإِنْ وَجَدْت سَعَةً فَأَهْدِ،
فَإِنْ لَمْ تَجِدْ سَعَةً، فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعْت، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، فِي " مُسْنَدِهِ " عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ. وَأَحْمَدُ ذَهَبَ إلَى حَدِيثِ عُمَرَ، وَاحْتَجَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَجَبَ لِحِلِّهِ مِنْ إحْرَامِهِ قَبْلَ إتْمَامِهِ، فَكَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ كَصَوْمِ الْمُحْرِمِ. وَالْمُعْسِرُ فِي الصَّوْمِ كَالْعَبْدِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ لِهَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ: إنْ وَجَدْت سَعَةً فَأَهْدِ،
فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَصُمْ. وَيُعْتَبَرُ الْيَسَارُ وَالْإِعْسَارُ فِي زَمَنِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ فِي سَنَةِ الْقَضَاءِ إنَّ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ، أَوْ فِي سَنَةِ الْفَوَاتِ إنَّ قُلْنَا لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ:" ثُمَّ يُقَصِّرُ وَيَحِلُّ ". يُرِيدُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَحْلِقُ هَاهُنَا، وَلَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ إزَالَةُ الشَّعْرِ الَّذِي يَزِيدُ فِي قِيمَتِهِ وَمَالِيَّتِهِ، وَهُوَ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ إزَالَتُهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إزَالَتُهُ. كَغَيْرِ حَالَةِ الْإِحْرَامِ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الْحَلْقِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِحَقِّهِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.