فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ١٬١٨٦مختصر الخرقيالحنابلةج ٥ ص ٢٣٥ج ٥ ص ٢٣٥

وإذا عقد المحرم نكاحا لنفسه أو لغيره، أو عقد أحد نكاحا لمحرم، أو على محرمة فالنكاح فاسد. وأي الزوجين وجد بصاحبه جنونا أو جذاما، أو برصا أو كانت المرأة رتقاء أو قرناء أو عفلاء، أو فتقاء، أو الرجل مجبوبا، فلمن وجد ذلك منهما بصاحبه الخيار في فسخ النكاح.

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: وإذا عقد المحرم نكاحا لنفسه أو لغيره، أو عقد أحد نكاحا لمحرم، أو على محرمة فالنكاح فاسد. ش: لا يصح أن يعقد المحرم نكاحا لنفسه. بلا نزاع نعلمه عندنا.

٢٥٧٥ - لما روى عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ينكح المحرم ولا ينكح»

٤٬٧٢٢

وفي رواية ولا يخطب رواه الجماعة إلا البخاري (فإن قيل) : ٢٥٧٦ - فقد روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوج ميمونة وهو محرم» ، رواه البخاري، وأبو داود والترمذي، والنسائي،

٤٬٧٢٣

وإذا فيحمل نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الكراهة، جمعا بين الدليلين.

٢٥٧٧ - قيل: هذا معارض بما روى يزيد بن الأصم، «عن ميمونة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قالت: تزوجني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونحن حلالان بسرف؛» رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي.

٢٥٧٨ - «وعن أبي رافع قال: تزوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما» . رواه أحمد والترمذي وحسنه،

٤٬٧٢٤

وإذا تعارضت الروايتان طلب الترجيح، ولا ريب أن من روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوجها وهو حلال، يترجح بأمور (أحدها) بكثرة رواته، قال أبو عمر النمري: الرواية «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوج ميمونة وهو حلال» ، متواترة عن ميمونة، وعن أبي رافع مولى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وعن سليمان بن يسار مولاها، وعن يزيد بن الأصم وهو ابن أختها انتهى، ولا ريب أن الحمل على الفرد، أولى من الحمل على الجماعة.

٢٥٧٩ - وقد قال أبو داود قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -،

٤٬٧٢٥

وقال أحمد في رواية أبي الحارث: هذا الحديث خطأ، يعني حديث ابن عباس (الثاني) أن ميمونة هي صاحبة القصة، وأبا رافع هو الرسول بينهما، ولا يخفى أنهما أعرف وأخبر بالواقعة من غيرهما، وقد أشار أحمد إلى ذلك في رواية المروذي، لا سيما وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صغير، لا يحضر مثله الوقائع، فلعله روى عن غيره.

٢٥٨٠ - مع أنه قد قيل: إن من مذهب ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن من قلد الهدي صار محرما، فلعله رأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قلد الهدي، فاعتقد أنه محرم (الثالث) أن رواية ميمونة توافق رواية عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وعمل الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.

٢٥٨١ - فعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه فرق في ذلك، رواه مالك الموطأ.

٢٥٨٢ - وعن ابنه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه نهى عن ذلك وقال: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن ذلك. رواه أحمد، وهو قول زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (الرابع) أنه متى تعارض دليلا الحظر والإباحة كان دليل الحظر مقدما، ثم لو قدر التعارض في فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فيسلم نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في رواية عثمان وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ثم لو سلم ترجيح رواية ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فهي فعله، وذاك قوله، والقول مقدم على الفعل، لا سيما وهو - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد اختص في النكاح بخصائص لم يشاركه فيها غيره، فلعل هذا منها، ثم لو سلم عدم الاختصاص فلعل فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وارد على مباح الأصل،

٤٬٧٢٦

ولا يلزم نسخ قوله، ودعوى أن المراد بالنهي الكراهة مخالف لظاهر النهي، ولعمل الصحابة،

٤٬٧٢٧

ويلزم منه أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعل المكروه، ولا يقال فعله لتبيين الجواز، لأنا نقول تبيينه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله، ولا يقال: المراد بلا ينكح لا يطأ، ولا ينكح لا يمكن من الوطء، لأنا نقول: غالبا استعمال الشرع للعقد، فيحمل عليه، مع أن قوله في الحديث «ولا يخطب» قرينة على ذلك.

٢٥٨٣ - ثم في الدارقطني عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يتزوج المحرم ولا يزوج» وهذا نص ويؤيده أن الصحابة فهمت ذلك.

٢٥٨٤ - ففي الموطأ عن أبي غطفان المري أن أباه طريفا تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نكاحه.

٢٥٨٥ - وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: من تزوج وهو محرم نزعناها منه، ولم نجز نكاحه.

٢٥٨٦ - وعن مولى زيد بن ثابت أنه تزوج وهو محرم، ففرق زيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بينهما، رواهما أبو بكر النيسابوري. والله أعلم.

وهل له أن ينكح لغيره، كما إذا كان وليا أو وكيلا في النكاح؟ فيه روايتان، أشهرهما لا، لعموم الحديث (والثانية) نعم، اختارها أبو بكر، كما لو حلق المرحم رأس حلال ونحوه،

٤٬٧٢٨

وقيل: إن أصل هذه الرواية من قول أحمد: إن زوج المحرم لم أفسخ النكاح.

٤٬٧٢٩

وقيل: هذا لا يثبت به رواية، لاحتمال أنه منع الفسخ للاختلاف فيه، ولهذا قال: هو والإمام مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه. انتهى. فعلى المذهب إذا أحرم الإمام الأعظم منع من تزويج أقاربه، وهل يمنع من التزويج بالولاية العامة؟ فيه احتمالان، (المنع) نظرا للعموم، فعلى هذا يزوج خلفاؤه، قاله القاضي، دفعا للحرج، ولأنهم لا ينعزلون بموته على الأشهر (والجواز) واختاره ابن عقيل، لأن ولاية الحكم يجوز فيها ما لا يجوز بولاية النسب، بدليل الكافرة يزوجها الإمام، لا وليها المناسب المسلم، واعلم أن القاضي قال: إنه لا يعرف الرواية عن أصحابنا في هذا الفرع، إذ إحرامه بالنسبة إلى النكاح كموته، انتهى،

٤٬٧٣٠

وإذا عقد أحد سواء كان حلالا أو محرما نكاحا لمحرم، أو على محرمة، فالنكاح فاسد، لأنه يصدق على المحرم أنه نكح وتزوج، فيدخل في الحديث.

وقد خرج من كلام الخرقي ما إذا وكل المحرم حلالا، فلم يعقد له النكاح حتى حل أنه يصح، ودخل في كلامه ما إذا وكله وهو حلال، فلم يعقد له حتى أحرم أن النكاح لا يصح، وهو صحيح، صرح به أبو محمد، فالاعتبار بحال العقد وهو المشهور، والله أعلم.

[العيوب التي توجب الخيار في النكاح] قال: وأي الزوجين وجد بصاحبه جنونا أو جذاما، أو برصا أو كانت المرأة رتقاء أو قرناء أو عفلاء، أو فتقاء، أو الرجل مجبوبا، فلمن وجد ذلك منهما بصاحبه الخيار في فسخ النكاح.

٤٬٧٣١

ش: أما ثبوت الخيار بالجنون والجذام والبرص لكل من الزوجين.

٢٥٨٧ - فلما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: أيما امرأة غر بها رجل بها جنون أو جذام أو برص فلها مهرها بما أصاب منها، وصداق الرجل على من غره، رواه مالك في الموطأ والدارقطني،

٤٬٧٣٢

وفي لفظ للدارقطني قضى عمر في البرصاء، والجذماء، والمجنونة، إذا دخل بها فرق بينهما، ولها الصداق بمسيسه إياها وهوله عليها.

٢٥٨٨ - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه قال: أربع لا يجري في بيع ولا نكاح، المجنونة، والمجذومة، والبرصاء، والقلفاء، رواه الدارقطني.

٢٥٨٩ - وفي المسند عن كعب بن زيد أو زيد بن كعب «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوج امرأة من بني غفار، فلما دخل عليها ووضع ثوبه، وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضا، فانحاز عن الفراش، ثم قال: «خذي عليك ثيابك» ولم يأخذ مما آتاها شيئا» ، ورواه سعيد في سننه عن زيد بن كعب بن عجرة، ولم يشك، ورده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لها فسخ للنكاح، لا يقال: يحتمل أنه طلقها أو كنى بالرد عن الطلاق، لأنا نقول: لم ينقل في الحديث طلاق، والرد صريح في الفسخ، فالحمل عليه أولى،

٤٬٧٣٣

وإذا ثبت هذا في أحد الزوجين ثبت في الآخر، والمعنى في ذلك أن الجنون تنفر النفس منه، وتخاف جنايته، والجذام والبرص يخشى تعديهما إلى الولد وإلى النفس، ويثيران نفرة تمنع القربان،

٤٬٧٣٤

وأما ثبوت الخيار للرجل إذا كانت المرأة رتقاء أو قرناء أو عفلاء أو فتقاء، فلأن ذلك يمنع معظم المعقود عليه في النكاح، وهو الاستمتاع فأثبت الخيار كالعنة، إذ المرأة أحد الزوجين، فيثبت الخيار بالعيب فيها كالرجل،

٤٬٧٣٥

وأما ثبوت الخيار للمرأة إذا كان الرجل مجبوبا، فلأن ذلك يمنع المقصود من النكاح وهو الاستمتاع، أشبه العنة بل أولى للإياس من زواله،

٤٬٧٣٦

بخلاف العنة، ودليل الأصل قول الصحابة - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -.

وقد دخل في كلام الخرقي ما إذا وجد أحدهما بصاحبه عيبا به مثله، كأن كان مجذوما وهي جذماء ونحوه، وهو أحد الوجهين، نظرا إلى أن الإنسان يعاف عيب غيره، ولا يعاف عيب نفسه (والثاني) لا يثبت خيار والحال هذه، لتساويهما، ويدخل في كلامه أيضا ما إذا حدث العيب بعد العقد،

٤٬٧٣٧

وكذا حكاه عنه القاضي، معتمدا على قوله بعد: فإن جب قبل الدخول فلها الخيار في وقتها، وهذا اختيار القاضي في تعليقه الجديد، والشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، والشيرازي، لأنه معنى يثبت به الخيار مقارنا، فيثبت به طارئا، كالإعسار بالنفقة وكالرق، واختار أبو بكر في الخلاف، وابن حامد، والقاضي في التعليق القديم، والمجرد، وابن البنا أن الخيار لا يثبت والحال هذه، لأنه عيب حدث بالمعقود عليه بعد لزوم العقد، فلم يثبت الخيار، كالحادث بالمبيع المعين بعد البيع، وفرق بأن النكاح يستوفى شيئا فشيئا، فهو في معنى الإجازة،

٤٬٧٣٨

بخلاف المبيع.

وظاهر كلام الخرقي أن الخيار لا يثبت بغير هذه، فلا يثبت بالبخر في الفم، ولا في الفرج، ولا بالقروح السيالة في الفرج، ولا بالباسور ولا بالناصور، ولا بالاستحاضة، ولا باستطلاق البول أو النجو، ولا بالخصاء، وهو قطع الخصيتين، ولا بالوجاء وهو رضهما، ولا بالسل وهو سلهما، ولا بكون أحدهما خنثى غير مشكل، وهو أحد الوجهين في الجميع، ولا يثبت الخيار بما عدا ذلك كالعمى، والعرج، وقطع اليد، أو الرجل، وكون المرأة نضوة الخلق يخاف عليها الجناية بالجماع، وكون الذكر كبيرا والفرج صغيرا ونحو ذلك، على المذهب بلا ريب، واختار ابن عقيل ثبوت الخيار بنضو الخلق كالرتق، واختار ابن حمدان في كبر الذكر وصغر الفرج ثبوت الخيار، وعن أبي البقاء العكبري ثبوت الخيار بكل عيب يرد به في البيع وهو غريب.

(تنبيهان) أحدهما (الجنون) معروف وهو زوال العقل، ولا فرق فيه بين المطبق أي الدائم، والخانق أي الذي يخنق في وقت دون وقت،

٤٬٧٣٩

فإن زال العقل بمرض فهو إغماء، لا يثبت به خيار،

٤٬٧٤٠

فإن دام بعد المرض فهو جنون، (والجذام والبرص) داآن معروفان، نسأل الله العافية منهما ومن كل داء،

٤٬٧٤١

فإن ظهر أمرهما فواضح، وإن أشكل كأن يتفرق شعر الحاجب، أو يكون به بياض يحتمل أنه برص أو بهق، فمع الاتفاق من الزوجين لا كلام، ومع الاختلاف القول قول المنكر، نظرا للأصل،

٤٬٧٤٢

فإن أقام المدعي بما ادعاه شاهدين حكم بذلك، وخرج قبول واحد كالموضحة،

٤٬٧٤٣

فإن أقام كل منهما بينة بدعواه تعارضتا ولا فسخ، (والجب) القطع، والحكم هنا مرتب على قطع الذكر، أو على قطع بعضه بحيث لا يمكن الجماع بالباقي (والرتق) بفتح الراء والتاء مصدر رتقت بكسر التاء، ترتق رتقا، بفتح التاء فيهما - التحام الفرج، قاله الجوهري (والقرن) مصدر قرنت المرأة بكسر الراء تقرن قرنا بفتحها فيهما، إذا كان في فرجها قرن بسكون الراء، وهو عظم أو غدة تمنع من ولوج الذكر، (والعفل) نتنة تخرج في فرج المرأة وحيا الناقة شبيه بالأدرة التي للرجال في الخصية، والقاضي في الخلاف جعل هذه الثلاثة لحما ينبت في الفرج،

٤٬٧٤٤

وفي المجرد جعل الرتق السد، والقرن والعفل اللحم، وتبعه على ذلك أبو الخطاب وابن عقيل، وأبو حفص فسر العفل برغوة في الفرج كزبد البعير،

٤٬٧٤٥

وإذا في ثبوت الخيار به وجهان (والفتق) انخراق ما بين السبيلين،

٤٬٧٤٦

وقيل انخراق ما بين مخرج البول والمني،

٤٬٧٤٧

وإذا في ثبوت الخيار به وجهان.

(الثاني) يفتقر الفسخ في هذه إلى حكم حاكم، لأنه أمر مختلف فيه، فاحتاج إلى حاكم، كالفسخ للإعسار بالنفقة، وفارق خيار المعتقة، للاتفاق عليه، ولا يرد خيار المعتقة بعد ثلاث، والمعتقة تحت حر، وخيارات البيع، فإنها وإن اختلف فيها فإن أصلها متفق عليه، والمراد بحكم الحاكم أن يحكم بالفسخ، أو يأذن فيه أو يفسخ، ولا يختار إلا بطلب من له الفسخ، وحيث يقع الفسخ كان فسخا وليس بطلاق، نص عليه، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ عَقَدَ الْمُحْرِمُ نِكَاحًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ] (٥٤٩٦) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا عَقَدَ الْمُحْرِمُ نِكَاحًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ عَقَدَ أَحَدٌ نِكَاحًا لِمُحْرِمٍ أَوْ عَلَى مُحْرِمَةٍ، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا تَزَوَّجَ لِنَفْسِهِ، أَوْ عَقَدَ النِّكَاحَ لِغَيْرِهِ، كَكَوْنِهِ وَلِيًّا أَوْ وَكِيلًا، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

٢٧٬٠٤٥

وَإِنْ عَقَدَ الْحَلَالُ نِكَاحًا لَمُحْرِمٍ، بِأَنْ يَكُونَ وَكِيلًا لَهُ، أَوْ وَلِيَّا عَلَيْهِ، أَوْ عَقَدَهُ عَلَى مُحْرِمَةٍ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ، لِأَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ لَهُ وَكِيلُهُ فَقَدْ نَكَحَ وَحَكَى الْقَاضِي فِي كَوْنِ الْمُحْرِمِ وَلِيًّا لِغَيْرِهِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا تَصِحُّ. وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَالثَّانِيَةُ، تَصِحُّ. وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ النِّكَاحَ حُرِّمَ عَلَى الْمُحْرِمِ، لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْوَطْءِ الْمُفْسِدِ لِلْحَجِّ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِيهِ بِكَوْنِهِ وَلِيًّا فِيهِ لِغَيْرِهِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛

لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَصِحُّ لِلْمُحْرِمِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ كَشِرَاءِ الصَّيْدِ. وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْحَجِّ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ.

[مَسْأَلَةٌ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ] [فَصْلُ خِيَارَ الْفَسْخِ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ لِعَيْبِ يَجِدُهُ فِي صَاحِبِهِ] (٥٤٩٧) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَأَيُّ الزَّوْجَيْنِ وَجَدَ بِصَاحِبِهِ جُنُونًا، أَوْ جُذَامًا، أَوْ بَرَصًا، أَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ رَتْقَاءَ، أَوْ قَرْنَاءَ، أَوْ عَفْلَاءَ، أَوْ فَتْقَاءَ، أَوْ الرَّجُلُ مَجْنُونًا، فَلِمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ:(٥٤٩٨) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ خِيَارَ الْفَسْخِ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ لِعَيْبِ يَجِدُهُ فِي صَاحِبِهِ فِي الْجُمْلَةِ.

رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: لَا تُرَدُّ الْحُرَّةُ بِعَيْبِ. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِعَيْبِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا،

٢٧٬٠٤٦

فَإِنَّ لِلْمَرْأَةِ الْخِيَارَ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْفِرَاقَ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا بِطَلْقَةِ، وَلَا يَكُونُ فَسْخًا؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْعَيْبِ لَا يَقْتَضِي فَسْخَ النِّكَاحِ، كَالْعَمَى وَالزَّمَانَةِ وَسَائِرِ الْعُيُوبِ وَلَنَا أَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ عَيْبٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ، كَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي عَقَدَ النِّكَاحِ، فَجَازَ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ، كَالصَّدَاقِ، أَوْ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، فَجَازَ رَدُّهُ بِالْعَيْبِ، أَوْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ بِالْعَيْبِ فِي الْآخَرِ كَالْمَرْأَةِ.

٢٧٬٠٤٧

وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الْعُيُوبِ، فَلَا يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَهُوَ الْوَطْءُ،

٢٧٬٠٤٨

بِخِلَافِ الْعُيُوبِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فَإِنْ قِيلَ: فَالْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ. قُلْنَا: بَلْ يَمْنَعُهُ؛

٢٧٬٠٤٩

فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ نَفْرَةً تَمْنَعُ قُرْبَانَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَمَسَّهُ، وَيُخَافُ مِنْهُ التَّعَدِّي إلَى نَفْسِهِ وَنَسْلِهِ، وَالْمَجْنُونُ يُخَافُ مِنْهُ الْجِنَايَةُ، فَصَارَ كَالْمَانِعِ الْحِسِّيِّ.

[فَصْلُ الْعُيُوبِ الْمُجَوِّزَةِ لِفَسْخِ النِّكَاح] الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي عَدَدِ الْعُيُوبِ الْمُجَوِّزَةِ لِلْفَسْخِ، وَهِيَ فِيمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ثَمَانِيَةٌ: ثَلَاثَةٌ يَشْتَرِكُ فِيهَا الزَّوْجَانِ؛ وَهِيَ: الْجُنُونُ، وَالْجُذَامُ، وَالْبَرَصُ. وَاثْنَانِ يَخْتَصَّانِ الرَّجُلَ؛ وَهُمَا الْجَبُّ، وَالْعُنَّةُ. وَثَلَاثَةٍ تَخْتَصُّ بِالْمَرْأَةِ؛ وَهِيَ الْفَتْقُ، وَالْقَرْنُ، وَالْعَفَلُ وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ سَبْعَةٌ. جَعَلَ الْقَرْنَ وَالْعَفَلَ شَيْئًا وَاحِدًا، وَهُوَ الرَّتْقُ أَيْضًا، وَذَلِكَ لَحْمٌ يَنْبُتُ فِي الْفَرْجِ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْأَدَبِ، وَحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَذَكَرَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ.

٢٧٬٠٥٠

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَرْنُ عَظْمٌ فِي الْفَرْجِ يَمْنَعُ الْوَطْءَ.

٢٧٬٠٥١

وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَكُونُ فِي الْفَرْجِ عَظْمٌ، إنَّمَا هُوَ لَحْمٌ يَنْبُتُ فِيهِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَفْصٍ، أَنَّ الْعَفَلَ كَالرَّغْوَةِ فِي الْفَرْجِ، يَمْنَعُ لَذَّةَ الْوَطْءِ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَيْبًا نَامِيًا وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الرَّتْقُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْجُ مَسْدُودًا. يَعْنِي أَنْ يَكُونَ مُلْتَصِقًا لَا يَدْخُلُ الذَّكَرُ فِيهِ. وَالْقَرْنُ وَالْعَفَلُ لَحْمٌ يَنْبُتُ فِي الْفَرْجِ فَيَسُدّهُ، فَهُمَا فِي مَعْنَى الرَّتْقِ، إلَّا أَنَّهُمَا نَوْعٌ آخِرُ.

٢٧٬٠٥٢

وَأَمَّا الْفَتْقُ فَهُوَ انْخِرَاقُ مَا بَيْنَ مَجْرَى الْبَوْلِ وَمَجْرَى الْمَنِيِّ.

٢٧٬٠٥٣

وَقِيلَ: مَا بَيْنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ.

وَذَكَرَهَا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ سَبْعَةً، أَسْقَطُوا مِنْهَا الْفَتْقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا سِتَّةً، جَعَلَ الْقَرْنَ وَالْعَفَلَ شَيْئًا وَاحِدًا. وَإِنَّمَا اخْتَصَّ الْفَسْخُ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ الْمَقْصُودَ بِالنِّكَاحِ،

٢٧٬٠٥٤

فَإِنَّ الْجُذَامَ وَالْبَرَصَ يُثِيرَانِ نَفْرَةً فِي النَّفْس تَمْنَعُ قُرْبَانَهُ، وَيُخْشَى تَعَدِّيهِ إلَى النَّفْسِ وَالنَّسْلِ، فَيَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ، وَالْجُنُونُ يُثِيرُ نَفْرَةً وَيُخْشَى ضَرَرُهُ، وَالْجَبُّ وَالرَّتْقُ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْوَطْءُ، وَالْفَتْقُ يَمْنَعُ لَذَّةَ الْوَطْءِ وَفَائِدَتَهُ،

٢٧٬٠٥٥

وَكَذَلِكَ الْعَفَلُ، عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَهُ بِالرَّغْوَةِ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الْعَيْبِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بِجَسَدِهِ بَيَاضٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَهَقًا أَوْ مِرَارًا، وَاخْتَلَفَا فِي كَوْنِهِ بَرَصًا، أَوْ كَانَتْ بِهِ عَلَامَاتُ الْجُذَامِ، مِنْ ذَهَابِ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ، فَاخْتَلَفَا فِي كَوْنِهِ جُذَامًا،

٢٧٬٠٥٦

فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَالثِّقَةِ، يَشْهَدَانِ لَهُ بِمَا قَالَ، ثَبَتَ قَوْلُهُ، وَإِلَّا حَلَفَ الْمُنْكِرُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» .

٢٧٬٠٥٧

وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عُيُوبِ النِّسَاءِ، أُرِيتَ النِّسَاءَ الثِّقَاتِ، وَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ،

٢٧٬٠٥٨

فَإِنْ شَهِدَتْ بِمَا قَالَ الزَّوْجُ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ

٢٧٬٠٥٩

وَأَمَّا الْجُنُونُ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، سَوَاءٌ كَانَ مُطْبِقًا أَوْ كَانَ يُجَنُّ فِي الْأَحْيَانِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَسْكُنُ إلَى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا يُغْمَى عَلَيْهِ، ثُمَّ يَزُولُ، فَذَلِكَ مَرَضٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ خِيَارٌ.

٢٧٬٠٦٠

فَإِنْ زَالَ الْمَرَضُ، وَدَامَ بِهِ الْإِغْمَاءُ، فَهُوَ كَالْجُنُونِ، يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ،

٢٧٬٠٦١

وَأَمَّا الْجَبُّ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَكَرِهِ مَقْطُوعًا، أَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا مَا لَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ،

٢٧٬٠٦٢

فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ مَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ، وَيَغِيبُ مِنْهُ فِي الْفَرْجِ قَدْرُ الْحَشَفَةِ، فَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُمْكِنُ.

٢٧٬٠٦٣

وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ يَضْعُفُ بِالْقَطْعِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوَطْءِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْوَطْءَ فِي الْعُنَّةِ، وَلِأَنَّ لَهُ مَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِمِثْلِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَهُ ذَكَرٌ قَصِيرٌ (٥٥٠٠) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَا يُخْشَى تَعَدِّيهِ، فَلَمْ يُفْسَخْ بِهِ النِّكَاحُ، كَالْعَمَى وَالْعَرَجِ، وَلِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ، وَلَا نَصَّ فِي غَيْرِ هَذِهِ وَلَا إجْمَاعَ،

٢٧٬٠٦٤

وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى هَذِهِ الْعُيُوبِ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ. وَأَبُو حَفْصٍ: إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَمْسِكُ بَوْلَهُ وَلَا خَلَاءَهُ فَلِلْآخَرِ الْخِيَارُ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ بِهِ الْبَاسُورُ، وَالنَّاصُورُ، وَالْقُرُوحُ السَّيَّالَةُ فِي الْفَرْجَ، لِأَنَّهَا تُثِيرُ نَفْرَةً، وَتَتَعَدَّى نَجَاسَتُهَا، وَتُسَمَّى مَنْ لَا تَحْبِسُ نَجَوْهَا الشَّرِيمَ،

٢٧٬٠٦٥

وَمَنْ لَا تَحْبِسُ بَوْلَهَا الْمَشُولَةَ،

٢٧٬٠٦٦

وَمِثْلُهَا مِنْ الرِّجَالِ الْأَفِينُ قَالَ أَبُو حَفْصٍ: وَالْخِصَاءُ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا وَعَارًا، وَيَمْنَعُ الْوَطْءَ أَوْ يُضْعِفُهُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ ابْنَ سَنَدِرُّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ خَصِيٌّ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَعْلَمْتهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَعْلِمْهَا، ثُمَّ خَيِّرْهَا.

٢٧٬٠٦٧

وَفِي الْبَخَرِ، وَكَوْنِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ خُنْثَى، وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَثْبُتُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْرَةً وَنَقْصًا وَعَارًا، وَالْبَخَرُ: نَتِنُ الْفَمِ.

٢٧٬٠٦٨

وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: هُوَ نَتِنُ فِي الْفَرْجِ، يَثُورُ عِنْدَ الْوَطْءِ. وَهَذَا إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يُسَمَّى أَيْضًا بَخَرًا وَيُثْبِتُ الْخِيَارَ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لَهُ،

٢٧٬٠٦٩

فَإِنَّ نَتِنَ الْفَمِ يُسَمَّى بَخَرًا، وَيَمْنَعُ مُقَارَبَةَ صَاحِبِهِ إلَّا عَلَى كُرْهٍ وَمَا عَدَا هَذِهِ فَلَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ، وَجْهًا وَاحِدًا، كَالْقَرَعِ، وَالْعَمَى، وَالْعَرَجِ، وَقَطْعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ، وَلَا يُخْشَى تَعَدِّيهِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ قَالَ: إذَا وَجَدَ الْآخَرَ عَقِيمًا يُخَيَّرُ. وَأَحَبَّ أَحْمَدُ أَنْ يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ،

٢٧٬٠٧٠

وَقَالَ: عَسَى امْرَأَتُهُ تُرِيدُ الْوَلَدَ وَهَذَا فِي ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ،

٢٧٬٠٧١

فَأَمَّا الْفَسْخُ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ،

٢٧٬٠٧٢

وَلَوْ ثَبَتَ بِذَلِكَ لَثَبَتَ فِي الْآيِسَةِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ،

٢٧٬٠٧٣

فَإِنَّ رِجَالًا لَا يُولَدُ لَأَحَدِهِمْ وَهُوَ شَابٌّ، ثُمَّ يُولَدُ لَهُ وَهُوَ شَيْخٌ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مِنْهُمَا.

٢٧٬٠٧٤

وَأَمَّا سَائِرُ الْعُيُوبِ فَلَا يَثْبُتُ بِهَا فَسْخٌ عِنْدَهُمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلُ أَصَابَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالْآخِرِ عَيْبًا وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ] (٥٥٠١) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إذَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا بِالْآخِرِ عَيْبًا، وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَالْأَبْرَصِ يَجِدُ الْمَرْأَةَ مَجْنُونَةً أَوْ مَجْذُومَةً، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ؛ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، إلَّا أَنْ يَجِدَ الْمَجْبُوبُ الْمَرْأَةَ رَتْقَاءَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُمَا خِيَارٌ؛ لِأَنَّ عَيْبَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَانِعَ لَصَاحِبِهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِعَيْبِ نَفْسِهِ وَإِنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ عَيْبًا بِهِ مِثْلُهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا خِيَارَ لَهُمَا؛

لِأَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ، وَلَا مَزِيَّةَ لَأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبهِ، فَأَشْبَهَا الصَّحِيحَيْنِ.

٢٧٬٠٧٥

وَالثَّانِي، لَهُ الْخِيَارُ؛ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غُرَّ عَبْدٌ بِأَمَةٍ.

٢٧٬٠٧٦

[فَصْلٌ حَدَثَ الْعَيْبُ بِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الْعَقْدِ] (٥٥٠٢) فَصْلٌ: وَإِنْ حَدَثَ الْعَيْبُ بِأَحَدِهِمَا بَعْدَ الْعَقْدِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَثْبُتُ الْخِيَارُ.

٢٧٬٠٧٧

وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ لِأَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ جُبَّ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَهَا الْخِيَارُ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ فِي النِّكَاحَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ مُقَارِنًا، فَأَثْبَتَهُ طَارِئًا، كَالْإِعْسَارِ وَكَالرِّقِّ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ إذَا قَارَنَ، مِثْلُ أَنْ تَغِرَّ الْأَمَةُ مِنْ عَبْدٍ، وَيُثْبِتُهُ إذَا طَرَأَتْ الْحُرِّيَّةُ، مِثْلُ إنْ عَتَقَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ الْعَبْدِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ، فَحُدُوثُ الْعَيْبِ بِهَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ، كَالْإِجَارَةِ.

٢٧٬٠٧٨

وَالثَّانِي، لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ لِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ، أَشْبَهَ الْحَادِثَ بِالْمَبِيعِ. وَهَذَا يَنْتَقِضُ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ فِي الْإِجَارَةِ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ حَدَثَ بِالزَّوْجِ، أَثْبَتِ الْخِيَارَ،

٢٧٬٠٧٩

وَإِنْ حَدَثَ بِالْمَرْأَةِ، فَكَذَلِكَ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْآخَرِ، لَا يُثْبِتُهُ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يُمْكِنُهُ طَلَاقُهَا،

٢٧٬٠٨٠

بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ. وَلَنَا، أَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِيمَا إذَا كَانَ الْعَيْبُ سَابِقًا، فَتَسَاوَيَا فِيهِ لَاحِقًا، كَالْمُتَبَايِعِينَ.

٢٧٬٠٨١

[فَصْلٌ مِنْ شَرْطِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ بِعُيُوبِ النِّكَاح أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا بِهَا وَقْتَ الْعَقْدِ وَلَا يَرْضَى بِهَا بَعْدَهُ] (٥٥٠٣) فَصْلٌ: وَمِنْ شَرْطِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ، أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا بِهَا وَقْتَ الْعَقْدِ، وَلَا يَرْضَى بِهَا بَعْدَهُ،

٢٧٬٠٨٢

فَإِنْ عَلِمَ بِهَا فِي الْعَقْدِ، أَوْ بَعْدَهُ فَرَضِيَ، فَلَا خِيَارَ لَهُ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ، فَأَشْبَهَ مُشْتَرِيَ الْمَعِيبِ.

٢٧٬٠٨٣

وَإِنْ ظَنَّ الْعَيْبَ يَسِيرًا فَبَانَ كَثِيرًا، كَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْبَرَصَ فِي قَلِيلٍ مِنْ جَسَدِهِ، فَبَانَ فِي كَثِيرٍ مِنْهُ، فَلَا خِيَارَ لَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا رَضِيَ بِهِ،

٢٧٬٠٨٤

وَإِنْ رَضِيَ بِعَيْبٍ، فَبَانَ بِهِ غَيْرُهُ، فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَلَا بِجِنْسِهِ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، كَالْمَبِيعِ إذَا رَضِيَ بِعَيْبٍ فِيهِ، فَوَجَدَ بِهِ غَيْرَهُ.

٢٧٬٠٨٥

وَإِنْ رَضِيَ بِعَيْبٍ، فَزَادَ بَعْدَ الْعَقْدِ، كَأَنْ بِهِ قَلِيلٌ مِنْ الْبَرَصِ، فَانْبَسَطَ فِي جِلْدِهِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِهِ رِضًى بِمَا يَحْدُثُ مِنْهُ.

[فَصْلٌ خِيَارُ عَيْبِ النِّكَاح ثَابِتٌ عَلَى التَّرَاخِي] (٥٥٠٤) فَصْلٌ: وَخِيَارُ الْعَيْبِ ثَابِتٌ عَلَى التَّرَاخِي، لَا يَسْقُطُ، مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى بِهِ، مِنْ الْقَوْلِ، أَوْ الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ الزَّوْجِ، أَوْ التَّمْكِينِ مِنْ الْمَرْأَةِ.

٢٧٬٠٨٦

هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ: فَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ عِنِّينٌ، فَسَكَتَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ، ثُمَّ طَالَبَتْ بَعْدُ، فَلَهَا ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَمَتَى أَخَّرَ الْفَسْخَ مَعَ الْعِلْمِ وَالْإِمْكَانِ، بَطَلَ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ، كَاَلَّذِي فِي الْبَيْعِ. وَلَنَا، أَنَّهُ خِيَارٌ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَخِيَارِ الْقِصَاصِ، وَخِيَارُ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ يَمْنَعُهُ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ضَرَرَهُ فِي الْمَبِيعِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ مَالِيَّتَهُ أَوْ خِدْمَتَهُ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ عَيْبِهِ.

وَهَاهُنَا الْمَقْصُودُ الِاسْتِمْتَاعُ، وَيَفُوتُ ذَلِكَ بِعَيْبِهِ.

٢٧٬٠٨٧

وَأَمَّا خِيَارُ الْمُجْبَرَةِ وَالشُّفْعَةِ وَالْمَجْلِسِ، فَهُوَ لِدَفْعِ ضَرَرٍ غَيْرِ مُتَحَقِّقٍ (٥٥٠٥) فَصْلٌ: وَيَحْتَاجُ الْفَسْخُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَهُوَ كَفَسْخِ الْعُنَّةِ، وَالْفَسْخِ لِلْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ. وَيُخَالِفُ خِيَارَ الْمُعْتَقَةِ؛ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

[مَسْأَلَة إذَا فَسَخَ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَا مَهْرَ] [الْفَصْلُ الْأَوَّلُ الْفَسْخَ إذَا وُجِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ] (٥٥٠٦) مَسْأَلَةٌ؛

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.