وإذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أبي. أو أنت علي حرام. لم تكن مظاهرة، ولزمها كفارة الظهار، لأنها قد أتت بالمنكر من القول والزور.
الشروح عليها
قال: وإذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أبي. أو أنت علي حرام. لم تكن مظاهرة، ولزمها كفارة الظهار، لأنها قد أتت بالمنكر من القول والزور.
ش: أما كون المرأة لا تكون مظاهرة بذلك فهذا هو المعروف
والمشهور، والمجزوم به عند كثير من الأصحاب، حتى أن القاضي
قال في الروايتين: رواية واحدة؛ لتخصيص الله سبحانه الظهار بالرجال قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ} [المجادلة: ٣] الآية، ولأنه قول يوجب تحريما في الزوجة، يملك الزوج رفعه، فاختص به الرجال كالطلاق، وحكى ابن شهاب، وأبو يعلى ابن أبي حازم رواية أخرى أنها تكون مظاهرة، وقالا: اختارها أبو بكر، وزاد ابن أبي حازم: والقاضي، والشريف؛ لأن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قضوا في ذلك بكفارة الظهار، وسببها الظهار، فدل على أنها تكون مظاهرة، وقياسا لأحد الزوجين على الآخر، وعلى هذا تجب كفارة الظهار بلا ريب،
أما على المذهب (فعنه) - وهو المشهور، واختيار الخرقي والقاضي، وجماعة من أصحابه كالشريف، وأبي الخطاب والشيرازي، وابنه أبي الحسين - يلزمها كفارة ظهار.
٢٧٧١ - قال أحمد مثل حديث عائشة بنت طلحة، وهو ما روى الأثرم بإسناده عن إبراهيم، أن عائشة بنت طلحة قالت: إن تزوجت مصعب بن الزبير فهو علي كظهر أبي. فسألت أهل المدينة، فرأوا عليها الكفارة. ٢٧٧٢ - وروى علي بن مسلم، عن الشيباني، قال: كنت جالسا في المسجد أنا وعبد الله بن معقل المزني، فجاء رجل حتى جلس إلينا، فسألته من أنت؟ فقال: مولى لعائشة بنت طلحة التي أعتقتني عن ظهارها، خطبها مصعب بن الزبير، فقالت: هو علي كظهر أبي إن تزوجته.
ثم رغبت فيه بعد، فاستفتت أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهم يومئذ كثير، فأمروها أن تعتق رقبة وتتزوجه، فأعتقتني وتزوجته؛ رواهما سعيد مختصرين.
(وعنه) - وهو اختيار أبي محمد -: عليها كفارة يمين، لأنه ليس بظهار، فلا يوجب كفارته كسائر المنكر من القول، وتجب كفارة يمين، لأنه تحريم مباح، أشبه تحريم سائر الحلال
(وعنه) لا شيء عليها، لأنه ليس بظهار فتجب فيه كفارته، ولا يمين فتجب كفارتها،
وإذا قلنا بوجوب الكفارة عليها فإنما تجب بالحنث، وهو الوطء إن قلنا تجب كفارة يمين،
وكذلك إن قلنا كفارة ظهار فلا تكون مظاهرة، صرح بذلك القاضي وغيره، بشرط أن لا تكون مكرهة،
وإن قلنا تكون مظاهرة، فقيل: بالعزم على التمكين، حكاه ابن أبي حازم فيما أظن، قال ابن عقيل: رأيت بخط أبي بكر: العود التمكين.
(تنبيه) عليها التمكين قبل التكفير، قاله الشيخان، لأن ذلك حق عليها، فلا يسقط بيمينها، قال أبو محمد: وحكي عن أبي بكر أنها لا تمكنه قبل التكفير كالرجل، قال: وليس بجيد. لأن ظهار الرجل صحيح، وظهارها غير صحيح،
قلت: قول أبي بكر جار على قوله من أنها تكون مظاهرة،
وقال أبو البركات: إنها ليس لها ابتداء القبلة والاستمتاع، مع قوله: إنها تمكنه، وإنها غير مظاهرة، وذلك لأنه الذي في يدها، وهي قد منعت نفسها منه.
[تكرر الكفارة بتكرار الظهار]
[مَسْأَلَة قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي] (٦٢٢٦) مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَإِذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي. لَمْ تَكُنْ مُظَاهِرَةً، وَلَزِمَتْهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَتَتْ بِالْمُنْكَرِ مِنْ الْقَوْلِ وَالزُّورِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي. أَوْ قَالَتْ: إنْ تَزَوَّجْت فُلَانًا، فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي. فَلَيْسَ ذَلِكَ بِظِهَارٍ. قَالَ الْقَاضِي: لَا تَكُونُ مُظَاهِرَةً، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: هُوَ ظِهَارٌ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، إلَّا أَنَّ النَّخَعِيّ قَالَ: إذَا قَالَتْ ذَلِكَ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَ، فَلَيْسَ بِشَيْءِ. وَلَعَلَّهمْ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ظَاهَرَ مِنْ الْآخَرِ، فَكَانَ مُظَاهِرًا كَالرَّجُلِ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} . فَخَصَّهُمْ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ تَحْرِيمًا فِي الزَّوْجَةِ، يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَفْعَهُ، فَاخْتَصَّ بِهِ الرَّجُلُ، كَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ الْحِلَّ فِي الْمَرْأَةِ حَقٌّ لِلرَّجُلِ، فَلَمْ تَمْلِكْ الْمَرْأَةُ إزَالَتَهُ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْكَفَّارَةِ، فَنَقَلَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ: عَلَيْهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ. لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ، أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ قَالَتْ: إنْ تَزَوَّجْت مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي. فَسَأَلَتْ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَرَأَوْا أَنَّ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةَ.
وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيّ، فَجَاءَ رَجُلٌ حَتَّى جَلَسَ إلَيْنَا، فَسَأَلْتُهُ مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا مَوْلًى لِعَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، الَّتِي أَعْتَقَتْنِي عَنْ ظِهَارِهَا، خَطَبَهَا مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَتْ: هُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي إنْ تَزَوَّجْتُهُ. ثُمَّ رَغِبَتْ فِيهِ بَعْدُ، فَاسْتَفْتَتْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ يَوْمئِذٍ كَثِيرٌ، فَأَمَرُوهَا أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً وَتَتَزَوَّجَهُ، فَأَعْتَقَتْنِي وَتَزَوَّجَتْهُ.
وَرَوَى سَعِيدٌ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ مُخْتَصَرَيْنِ، وَلِأَنَّهَا زَوْجٌ أَتَى بِالْمُنْكَرِ مِنْ الْقَوْلِ وَالزُّورِ، فَلَزِمَهُ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ كَالْآخَرِ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَاسْتَوَى فِيهَا الزَّوْجَانِ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَيْسَ عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُنْكَرٌ وَزُورٌ، وَلَيْسَ بِظِهَارٍ، فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً، كَالسَّبِّ وَالْقَذْفِ. وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ لَيس بِظِهَارٍ، فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ، كَسَائِرِ الْأَقْوَالِ، أَوْ تَحْرِيمٌ مِمَّا لَا يَصِحُّ مِنْهُ الظِّهَارُ، فَأَشْبَهَ الظِّهَارَ مِنْ أَمَتِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: عَلَيْهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ. قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ ذَهَبَ عَطَاءٌ مَذْهَبًا حَسَنًا، جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِثْلَ الطَّعَامِ وَمَا أَشْبَهَ.
وَهَذَا أَقْيَسُ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَأَشْبَهُ بِأُصُولِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ، وَمُجَرَّدُ الْقَوْلِ مِنْ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْكَذِبِ، وَالظِّهَارِ قَبْلَ الْعَوْدِ، وَالظِّهَارِ مِنْ أَمَتِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ، وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَا يُثْبِتُ التَّحْرِيمَ فِي الْمَحَلِّ، فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ، كَتَحْرِيمِ سَائِرِ الْحَلَالِ. وَلِأَنَّهُ ظِهَارٌ مِنْ غَيْرِ امْرَأَتِهِ، فَأَشْبَهَ الظِّهَارَ مِنْ أَمَتِهِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، فِي عِتْقِ الرَّقَبَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إعْتَاقُهَا تَكْفِيرًا لَيَمِينِهَا،
فَإِنَّ عِتْقَ الرَّقَبَةِ أَحَدُ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا؛ لِكَوْنِ الْمَوْجُودِ مِنْهَا لَيْسَ بِظِهَارٍ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةٍ الْأَثْرَمِ، لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، إنَّمَا قَالَ: الْأَحْوَطُ أَنْ تُكَفِّرَ.
وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْأَحْوَطَ التَّكْفِيرُ بِأَغْلَظِ الْكَفَّارَاتِ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْرِيمٌ لِلْحَلَالِ مِنْ غَيْرِ ظِهَارٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَرَّمَ أَمَتَهُ، أَوْ طَعَامَهُ. وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(٦٢٢٧) فَصْلٌ: وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا حَتَّى يَطَأَهَا وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ،
فَإِنْ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وَطْئِهَا، أَوْ إكْرَاهِهَا عَلَى الْوَطْءِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ، فَلَا تَجِبُ كَفَّارَتُهَا قَبْلَ الْحِنْثِ فِيهَا، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ.
وَلَا يَجِبُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ، كَكَفَّارَاتِ سَائِرِ الْأَيْمَانِ،
وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا لِذَلِكَ، وَعَلَيْهَا تَمْكِينُ زَوْجِهَا مِنْ وَطْئِهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ عَلَيْهَا، فَلَا يَسْقُطُ بِيَمِينِهَا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْرِيمٌ لَحَلَالٍ، فَلَا يُثْبِتُ تَحْرِيمًا، كَمَا لَوْ حَرَّمَ طَعَامَهُ.
وَحُكِيَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا لَا تُمَكِّنُهُ قَبْلُ التَّكْفِيرِ، إلْحَاقًا بِالرَّجُلِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ الظِّهَارُ مِنْهُ صَحِيحٌ،
وَلَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّ الْحِلَّ حَقُّ الرَّجُلِ، فَمَلَكَ رَفْعَهُ، وَالْحِلُّ حَقٌّ عَلَيْهَا، فَلَا تَمْلِكُ إزَالَتَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.