ومن لزمته الشهادة فعليه أن يقوم بها على القريب والبعيد، لا يسعه التخلف عن إقامتها وهو قادر على ذلك. وما أدركه من الفعل نظرا أو سمعه تيقنا،
الشروح عليها
قال: ومن لزمته الشهادة فعليه أن يقوم بها على القريب والبعيد، لا يسعه التخلف عن إقامتها وهو قادر على ذلك. ش: ظاهر هذا أن أداء الشهادة (فرض عين) في الجملة، وهو منصوص أحمد، قاله أبو البركات،
وقال السامري: إنه ظاهر كلامه، وذلك لقوله سبحانه وتعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: ٢٨٢] وقوله سبحانه: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: ٢٨٣] ولأنها أمانة، فلزمه أداؤها كبقية الأمانات، ودليل القاعدة قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: ٥٨] الآية
وقيل: بل أداؤها (فرض كفاية) ، وهذا ظاهر ما جزم به أبو الخطاب في الهداية، وأبو محمد في الكافي والمغني، وحكاه ابن المنجا رواية، مستندا للفظ المقنع، فعلى هذا إذا كان المتحمل جماعة فالأداء متعلق بالجميع،
فإذا قام به من يكفي منهم سقط عن الباقين،
وإذا امتنع الكل أثموا، كسائر فروض الكفايات،
وإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه، كما لو لم يوجد في القرية إلا مؤذن واحد ونحو ذلك،
ولو كان عبدا لم يكن لسيده منعه، من ذلك، كما لا يمنعه من صلاة الفرض فإن دعي بعضهم للفعل مع وجود غيره فهل يتعين عليه ذلك، بحيث يأثم إذا امتنع، نظرا للدعاء، أو لا يأثم، كما لو لم يدع؟ فيه وجهان، حكاهما في المغني،
وفي ذلك بحث، فإن أدى شاهد وأبى الآخر،
وقال: احلف أنت بدلي.
فهل يأثم؟ فيه وجهان، وإنما يأثم الممتنع إذا لم يكن عليه ضرر كما سيأتي بيانه،
أما على الأول فيتعين على كل من المتحملين القيام بالشهادة، كما يجب على جميع المكلفين بالصلاة القيام بها، وسواء كان المشهود عليه نسيبا أو غيره، وهو الذي عبر عنه الخرقي بالقريب والبعيد، ولكن تشترط القدرة على أدائها، كما صرح به الخرقي،
فلو كان عاجزا عن أدائها لحبس أو مرض ونحو ذلك لم يلزمه، إذ جميع التكاليف ملحوظ فيها القدرة، ولا بد مع ذلك أن لا يلحقه ضرر،
فإن كان يلحقه بأدائها ضرر في نفسه أو ماله لم يلزمه، لقول الله سبحانه {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} [البقرة: ٢٨٢] . على أن يكون مبنيا للمفعول.
٣٨٣٤ - كما صرح بذلك ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - في قراءته حيث قرأ (ولا يضارر) بالفتح، ولكن يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل.
٣٨٣٥ - وقد صرح بذلك عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقرأ (ولا يضارر) بالكسر، فيخرج من هذا أن النهي إذا للشاهد عما يطلب منه أو عن التحريف والزيادة والنقصان، انتهى، وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ضرر ولا ضرار» ولأن القاعدة أن الإنسان لا يلزمه أن يضر نفسه لنفع غيره،
ومن ثم قلنا: إذا عجز الشاهد عن المشي فأجرة المركوب والنفقة على رب الشهادة، كما قلنا في نفقة المحرم في الحج ونحوه، أنه على المرأة، وقلنا: إنما يلزمه الأداء إذا كان فيما دون مسافة القصر، إذ مسافة القصر فما زاد يلحق الضرر بالسعي إليه قال ابن حمدان
وقيل: أو ما يرجع فيه إلى منزله ليومه،
قلت: وإبدال أو هنا ببل أظهر.
تنبيهان (أحدهما) الأداء يختص بمجلس الحكم.
(الثاني) الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - لم يتعرض لحكم التحمل، وهو فرض كفاية في الجملة، لأن الحاجة العامة تدعو إليه، فهو كالقضاء ونحوه، ثم هل ذلك مطلقا، وهو ظاهر إطلاق أبي محمد وغيره، ولذلك أورده ابن حمدان مذهبا مطلقا، أو يختص بالمال، وكل حق لآدمي، وبه قطع أبو البركات؟ فيه قولان، وقد تقدم التفريع على القول بفرض الكفاية، والله أعلم. قال: وما أدركه من الفعل نظرا أو سمعه تيقنا، وإن لم ير المشهود عليه شهد به.
ش: ملخص هذا أن ما عمله الشاهد شهد به، وما لا فلا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: ٨٦] .
قال علماء التفسير: من شهد بالحق وهو توحيد الله، وهو يعلم ما يشهد به عن بصيرة وإيقان، وجوزوا في الاستثناء الانقطاع، على معنى: لكن من شهد بالحق.
والاتصال، لأن من جملة ما يدعون من دون الله الملائكة، وقوله سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: ٣٦] أي لا تتبع ما لا علم لك به.
٣٨٣٦ - وقد فسره ابن الحنفية بشهادة الزور. ٣٨٣٧ - وقد روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الشهادة قال: «ترى الشمس؟» قال: نعم.
قال: «على مثلها فاشهد أو دع» رواه الخلال.
إذا تقرر هذا فمدرك العلم الذي تحصل به الشهادة الرؤية بالبصر، والسماع بالسمع دون ما عداهما من مدارك العلم، وهو اللمس، والذوق، والشم، وقد أشار الله سبحانه إلى ذلك حيث قال: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: ٣٦] فخص سبحانه الثلاثة بالسؤال، لأن العلم بالفؤاد وهو القلب، ومستنده السمع والبصر، انتهى.
فالرؤية تختص بالأفعال، كالقتل والغصب، والسرقة والزنا، وشرب الخمر، والصفات المرئية كالعيوب في المبيع ونحو ذلك، والسماع ضربان سماع من جهة الاستفاضة وسيأتي وسماع من المشهود عليه، كالإقرار والعقود، والطلاق ونحو ذلك، ولا يعتبر في ذلك عندنا رؤية المشهود عليه، بل المعتبر تيقن صوت المشهود عليه، وقد شهد لذلك جواز رواية الأعمى، ورواية من روى عن أزواج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غير محارمهن، وقول الخرقي: شهد به.
ظاهره اللزوم وهو يرشح أن مذهبه أن الأداء فرض عين، ثم كلامه يشمل وإن كان المشهود عليه غائبا، وهو كذلك إذا عرف المشهود عليه باسمه وعينه ونسبه، فإن لم يعرفه إلا بعينه لم يشهد عليه إلا بحضرته، نص عليه في رواية مهنا، وسأله عن رجل يشهد لرجل بحق له على رجل، وهو لا يعرف اسم هذا ولا اسم هذا، إلا أنه يشهد له فقال: إذا قال: أشهد أن لهذا على هذا، وهما شاهدان جميعا فلا بأس، وإذا كان غائبا فلا يشهد حتى يعرف اسمه.
انتهى.
وظاهر كلام أحمد الاكتفاء بمعرفة الاسم، وقد يقال إذا حصل به التمييز فلا حاجة إلى معرفة النسب والله أعلم.
[مَسْأَلَة حُكْم أَدَاءَ الشَّهَادَةِ] (٨٣٤٨) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِهَا عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، لَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ إقَامَتِهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ،
فَإِنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، بِأَنْ لَا يَتَحَمَّلَهَا مَنْ يَكْفِي فِيهَا سِوَاهُ، لَزِمَهُ الْقِيَامُ بِهَا.
وَإِنْ قَامَ بِهَا اثْنَانِ غَيْرُهُ، سَقَطَ عَنْهُ أَدَاؤُهَا. إذَا قَبِلَهَا الْحَاكِمُ،
فَإِنْ كَانَ تَحَمَّلَهَا جَمَاعَةٌ، فَأَدَاؤُهَا وَاجِبٌ عَلَى الْكُلِّ، إذَا امْتَنَعُوا أَثِمُوا كُلُّهُمْ كَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ. وَدَلِيلُ وُجُوبِهَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} . وقَوْله تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} .
وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:{كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} . وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَمَانَةٌ، فَلَزِمَهُ أَدَاؤُهَا عِنْدَ طَلَبِهِ، كَالْوَدِيعَةِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} .
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا، أَوْ تَضَرَّرَ بِهَا، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} .
[فَصْلٌ أَخْذُ الْجَعْلِ عَلَى الشَّهَادَةِ] (٨٣٤٩) فَصْلٌ: وَمَنْ لَهُ كِفَايَةٌ، فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ أَدَاءُ فَرْضٍ،
فَإِنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ وَقَعَ مِنْهُمْ فَرْضًا.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ كِفَايَةٌ، وَلَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ حَلَّ لَهُ أَخْذُهُ؛ وَالنَّفَقَةَ عَلَى عِيَالِهِ فَرْضُ عَيْنٍ، فَلَا يَشْتَغِلُ عَنْهُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ،
فَإِذَا أَخَذَ الرِّزْقَ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
وَإِنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ، احْتَمَلَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِئَلَّا يَأْخُذَ الْعِوَضَ عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ عَيْنٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ لِمَنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[مَسْأَلَة الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِمَا عَلِمَهُ] (٨٣٥٠) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَا أَدْرَكَهُ مِنْ الْفِعْلِ نَظَرًا، أَوْ سَمِعَهُ تَيَقُّنًا، وَإِنْ لَمْ يَرَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، شَهِدَ بِهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِمَا عَلِمَهُ؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى:{إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . وقَوْله تَعَالَى:{وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا} . وَتَخْصِيصُهُ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالسُّؤَالِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْفُؤَادِ، وَهُوَ يَسْتَنِدُ إلَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ؛
وَلِأَنَّ مَدْرَكَ الشَّهَادَةِ الرُّؤْيَةُ وَالسَّمَاعُ، وَهُمَا بِالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ:«سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الشَّهَادَةِ، قَالَ: هَلْ تَرَى الشَّمْسَ؟ . قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ، فِي " الْجَامِعِ " بِإِسْنَادِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ مَدْرَكَ الْعِلْمِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ الشَّهَادَةُ اثْنَانِ، الرُّؤْيَةُ وَالسَّمَاعُ، وَمَا عَدَاهُمَا مِنْ مَدَارِكِ الْعِلْمِ كَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَاللَّمْسِ، لَا حَاجَةَ إلَيْهَا فِي الشَّهَادَةِ فِي الْأَغْلَبِ.
فَأَمَّا مَا يَقَعُ بِالرُّؤْيَةِ، فَالْأَفْعَالُ؛ كَالْغَصْبِ، وَالْإِتْلَافِ، وَالزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَسَائِرِ الْأَفْعَالِ،
وَكَذَلِكَ الصِّفَاتُ الْمَرْئِيَّةُ؛ كَالْعُيُوبِ فِي الْمَبِيعِ، وَنَحْوِهَا، فَهَذَا لَا تُتَحَمَّلُ الشَّهَادَةُ فِيهِ إلَّا بِالرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ قَطْعًا، فَلَا يُرْجَعُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا السَّمَاعُ فَنَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، مِثْلُ الْعُقُودِ؛ كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَقْوَالِ، فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَلَا تُعْتَبَرُ رُؤْيَةُ الْمُتَعَاقِدِينَ، إذَا عَرَفَهُمَا وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ كَلَامُهُمَا. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَاللَّيْثُ، وَشُرَيْحٌ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، إلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ حَتَّى يُشَاهِدَ الْقَائِلُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تَشْتَبِهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، كَالْخَطِّ. وَلَنَا، أَنَّهُ عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَقِينًا، فَجَازَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ رَآهُ.
وَجَوَازُ اشْتِبَاهِ الْأَصْوَاتِ كَجَوَازِ اشْتِبَاهِ الصُّوَرِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ لِمَنْ عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَقِينًا، وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالسَّمَاعِ يَقِينًا، وَقَدْ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ بِتَجْوِيزِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَلِهَذَا قُبِلَتْ رِوَايَةُ الْأَعْمَى، وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ مَحَارِمِهِنَّ.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي، فَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِي هَذَا. (٨٣٥١) فَصْلٌ: إذَا عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَعَيْنِهِ وَنَسَبِهِ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ، حَاضِرًا كَانَ أَوْ غَائِبًا،
وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ مَعَ غَيْبَتِهِ، وَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ حَاضِرًا بِمَعْرِفَةِ عَيْنِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ لَرَجُلٍ بِحَقِّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ اسْمَ هَذَا، وَلَا اسْمَ هَذَا، إلَّا أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ، فَقَالَ: إذَا قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ لِهَذَا عَلَى هَذَا. وَهُمَا شَاهِدَانِ جَمِيعًا، فَلَا بَأْسَ،
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، فَلَا يَشْهَدُ حَتَّى يَعْرِفَ اسْمَهُ. (٨٣٥٢) فَصْلٌ: وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، فِي أَنَّهُ إذَا عَرَفَهَا وَعَرَفَ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا مَعَ غَيْبَتِهَا.
وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا، لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهَا مَعَ غَيْبَتِهَا. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ: لَا تَشْهَدْ إلَّا لِمَنْ تَعْرِفُ، وَعَلَى مَنْ تَعْرِفُ، وَلَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى امْرَأَةٍ قَدْ عَرَفَهَا،
وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ قَدْ عَرَفَ اسْمَهَا، وَدُعِيَتْ، وَذَهَبَتْ، وَجَاءَتْ، فَلْيَشْهَدْ، وَإِلَّا فَلَا يَشْهَدْ،
فَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْرِفْهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ غَيْبَتِهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى عَيْنِهَا إذَا عَرَفَ عَيْنَهَا، وَنَظَرَ إلَى وَجْهِهَا. قَالَ أَحْمَدُ وَلَا يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ، حَتَّى يَنْظُرَ إلَى وَجْهِهَا. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ مَعْرِفَتَهَا.
فَأَمَّا مَنْ تَيَقَّنَ مَعْرِفَتَهَا، وَتَعَرَّفَ بِصَوْتِهَا يَقِينًا، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا إذَا تَيَقَّنَ صَوْتَهَا، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا.
فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، فَعَرَفَهُ عِنْدَهُ مَنْ يَعْرِفُهُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ إلَّا بِمَعْرِفَتِهِ لَهَا.
وَقَالَ: لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِلرَّجُلِ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ فُلَانَةُ. وَيَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ بِتَعْرِيفِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، لِتَجْوِيزِهِ الشَّهَادَةَ بِالِاسْتِفَاضَةِ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ الْمَنْعُ مِنْهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ إلَّا بِأُذْنِ زَوْجِهَا. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا بَيْتَهَا لِيَشْهَدَ عَلَيْهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَالَ:«نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُسْتَأْذَنَ عَلَى النِّسَاءِ إلَّا بِإِذْنِ أَزْوَاجِهِنَّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " مُسْنَدِهِ ".
فَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا فَجَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهَا صَحِيحٌ، وَتَصَرُّفَهَا إذَا كَانَتْ رَشِيدَةً صَحِيحٌ، فَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا بِهِ.
[فَصْل عَرَفَ الشَّاهِدُ خَطَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ شَهِدَ بِهِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ] (٨٣٥٣) فَصْلٌ: وَإِذَا عَرَفَ الشَّاهِدُ خَطَّهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ شَهِدَ بِهِ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، فِي مَنْ يَرَى خَطَّهُ وَخَاتَمَهُ وَلَا يَذْكُرُ الشَّهَادَةَ، قَالَ: لَا يَشْهَدُ إلَّا بِمَا يَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: يَشْهَدُ إذَا عَرَفَ خَطَّهُ، وَكَيْفَ تَكُونُ الشَّهَادَةُ إلَّا هَكَذَا؟ .
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إذَا عَرَفَ خَطَّهُ، وَلَمْ يَحْفَظْ، فَلَا يَشْهَدْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا عِنْدَهُ، مَوْضُوعًا تَحْتَ خَتْمِهِ وَحِرْزِهِ، فَيَشْهَدُ،
وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ. وَقَالَ أَيْضًا: إذَا كَانَ رَدِيءَ الْحِفْظِ، فَيَشْهَدُ وَيَكْتُبُهَا عِنْدَهُ. وَهَذِهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدُ إذَا كَانَتْ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ بِخَطِّهِ فِي حِرْزِهِ، وَلَا يَشْهَدُ إذَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، إذَا وَجَدَ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَ خَتْمِهِ أَمْضَاهُ، وَلَا يُمْضِيه إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.