يشترط لها رضا المحيل والمحتال لا المحال عليه في الأصح
الشروح عليها
(يُشْتَرَطُ لَهَا) أَيْ لِصِحَّتِهَا (رِضَا الْمُحِيلِ) لِأَنَّ لَهُ إيفَاءَ الْحَقِّ مِنْ حَيْثُ شَاءَ لِكَوْنِهِ مُرْسَلًا فِي ذِمَّتِهِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِقَضَائِهِ مَحَلٌّ مُعَيَّنٌ (وَالْمُحْتَالِ) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَنْتَقِلُ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ لِتَفَاوُتِ الذِّمَمِ، وَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَصَرْفُهُ عَنْ الْوُجُوبِ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ وَيُعْتَبَرُ لِاسْتِحْبَابِ قَبُولُهَا كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَلِيءٍ وَفِيٍّ، وَكَوْنُ مَالِهِ طَيِّبًا لِيَخْرُجَ الْمُمَاطَلُ،
وَمَنْ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ وَمُرَادُهُ بِالرِّضَا مَا مَرَّ مِنْ الصِّيغَةِ وَتَنْبِيهًا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى الْمُحْتَالِ وَتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ (لَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ) فَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْحَقِّ وَالتَّصَرُّفِ كَالرَّقِيقِ الْمَبِيعِ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُحِيلِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ اسْتِيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ كَمَا لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ رِضَاهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا اسْتِيفَاءٌ
(قَوْلُهُ: لِكَوْنِهِ) أَيْ الْمُحَالِ بِهِ
(قَوْلُهُ: مُرْسَلًا) أَيْ ثَابِتًا فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ: أَيْ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِشَيْءٍ بِخُصُوصِهِ
(قَوْلُهُ: وَالْمُحْتَالُ) وَشَرْطُهُمَا أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ اهـ حَجّ.
وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَوْنِهَا بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّارِحُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ إطْلَاقُ التَّصَرُّفِ فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ تَصِحُّ حَوَالَتُهُ وَالْحَوَالَةُ عَلَيْهِ بِدُيُونِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ
(قَوْلُهُ: وَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ) دَفَعَ بِهِ مَا يُقَالُ اشْتِرَاطُ رِضَا الْمُحْتَالِ يُنَافِي مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ مِنْ وُجُوبِ الْقَبُولِ بِقَوْلِهِ فَلْيَحْتَلْ فَإِنَّ اللَّامَ لِلْأَمْرِ وَمُقْتَضَاهُ الْوُجُوبُ
(قَوْلُهُ: لِاسْتِحْبَابِ قَبُولِهَا) أَيْ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ
(قَوْلُهُ: وَمَنْ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ) أَيْ إنْ سَلِمَ مِنْهَا مَالُ الْمُحِيلِ أَوْ كَانَتْ الشُّبْهَةُ فِيهِ أَقَلَّ
(قَوْلُهُ: مِنْ الصِّيغَةِ) أَيْ لَا الرِّضَا الْبَاطِنِيِّ
(قَوْلُهُ: وَتَنْبِيهًا) أَيْ وَذَكَرَهُ إلَخْ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ) قَالَ وَالِدُ الشَّارِحِ نَقْلًا عَنْ الْمَرْعَشِيِّ: قَدْ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا لَوْ كَانَ شَخْصٌ وَلِيُّ طِفْلَيْنِ وَثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دَيْنٌ فَأَحَالَ الْوَلِيَّ بِالدَّيْنِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى طِفْلِهِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، ثُمَّ قَالَ: وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْحَظُّ فِيهِ
فَلَوْ كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُعْسِرًا أَوْ كَانَ بِالدَّيْنِ رَهْنٌ أَوْ ضَامِنٌ لَمْ يَجُزْ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَتَنْبِيهًا) اُنْظُرْ مَا وَجْهُ نَصْبِهِ وَلَعَلَّ الْوَاوَ زَائِدَةٌ أَوْ أَنَّهُ مَعْمُولٌ لِعَامِلٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ وَلِيُنَبِّهَ تَنْبِيهًا.
(قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا اسْتِيفَاءٌ) أَيْ فَكَأَنَّ الْمُحْتَالَ اسْتَوْفَى مَا كَانَ لَهُ عَلَى الْمُحِيلِ وَأَقْرَضَهُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ وَيَتَعَذَّرُ إقْرَاضُهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ .
(يُشْتَرَطُ لَهَا) أَيْ لِصِحَّتِهَا (رِضَا الْمُحِيلِ) لِأَنَّ الْحَقَّ مُرْسَلٌ فِي ذِمَّتِهِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِقَضَائِهِ مَحَلٌّ مُعَيَّنٌ (وَالْمُحْتَالِ) لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ فَلَا يَنْتَقِلُ لِغَيْرِهِ إلَّا بِرِضَاهُ لِتَفَاوُتِ الذِّمَمِ وَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ لِلنَّدَبِ بَلْ قِيلَ لِلْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُ وَارِدٌ بَعْدَ الْحَظْرِ أَيْ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى امْتِنَاعِ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ إنَّمَا يُعْرَفُ رِضَاهُمَا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَشَرْطُهُمَا أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعُ كَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ وَعَبَّرُوا بِالرِّضَا هُنَا إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ وُجُوبِ قَبُولِهَا الدَّالِّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ لَوْلَا مَا مَرَّ وَتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِمْ (لَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ مَحَلُّ الِاسْتِيفَاءِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ اسْتِيفَاءُ الْمَحَلِّ بِنَفْسِهِ كَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ مُرْسَلٌ فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِشَيْءٍ بِخُصُوصِهِ
(قَوْلُهُ وَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ) أَيْ فِي أَوَّلِ الْبَابِ دَفَعَ بِهِ مَا يُقَالُ اشْتِرَاطُ رِضَا الْمُحْتَالِ يُنَافِي مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ السَّابِقُ مِنْ وُجُوبِ الْقَبُولِ حَيْثُ قَالَ فَلْيَتْبَعْ فَاللَّامُ الْأَمْرِ وَمُقْتَضَى الْأَمْرِ الْوُجُوبُ
(قَوْلُهُ لِلنَّدَبِ) وَيُعْتَبَرُ لِاسْتِحْبَابِ قَبُولِهَا كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَلِيءٍ وَفَّى وَكَوْنُ مَالِهِ طَيِّبًا لِيَخْرُجَ الْمُمَاطِلُ وَمَنْ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي أَيْ إنْ سَلِمَ مِنْهَا مَالُ الْمُحِيلِ أَوْ كَانَتْ الشُّبْهَةُ فِيهِ أَقَلُّ ع ش.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ وَارِدٌ إلَخْ) أَيْ وَالْوَارِدُ بَعْدَهُ لِلْإِبَاحَةِ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ أَغْلَبِيَّةٌ عَلَى أَنَّ نَقْلَ الصَّفِيِّ الْهِنْدِيِّ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِتَقَدُّمِ الْحَظْرِ وَأَنَّ الْأَمْرَ الْوَارِدَ بَعْدَهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَعَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مُعَارَضَةٌ بِقَاعِدَةِ مَا جَازَ بَعْدَ الْمَنْعِ وَجَبَ وَتَحْقِيقُ الْكَلَامِ فِي كِتَابِنَا الْآيَات الْبَيِّنَاتِ. اهـ سم بِاخْتِصَارِ عِبَارَةِ النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي وَصَرْفِهِ عَنْ الْوُجُوبِ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ اهـ.
(قَوْلُهُ بَعْدَ الْحَظْرِ) وَهُوَ «نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ» اهـ كُرْدِيٌّ
(قَوْلُهُ أَيْ لِلْإِجْمَاعِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ حُجِّيَّةُ الْإِجْمَاعِ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْيُحَرَّرْ اهـ سَيِّدُ عُمَرَ أَيْ وَهُوَ خِلَافُ صَرِيحِ كَلَامِهِمْ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْإِجْمَاعِ إلَخْ مُسْتَنَدَهُ.
(قَوْلُهُ وَشَرْطُهُمَا إلَخْ) أَيْ الْمُحِيلُ وَالْمُحْتَالُ وَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَهُ عَلَى قَوْلِهِ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ إلَخْ عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَطَرِيقُ الْوُقُوفِ عَلَى تَرَاضِيهمَا إنَّمَا هُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ وَعَبَّرَ كَغَيْرِهِ هُنَا بِالرِّضَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَالِ الْقَبُولُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ وَعَبَّرُوا) إلَى قَوْلِهِ أَوْ عَكْسِهِ فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ الدَّالَّ إلَيَّ وَتَوْطِئَةً
(قَوْلُهُ لَوْلَا مَا مَرَّ) أَيْ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ حَقَّهُ إلَخْ
(قَوْلُهُ وَتَوْطِئَةً) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إشَارَةً إلَخْ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ وَارِدٌ بَعْدَ الْحَظْرِ) أَيْ وَالْوَارِدُ بَعْدَهُ لِلْإِبَاحَةِ كَمَا قَرَّرَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ يُجَابُ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ أَكْثَرِيَّةٌ لَا كُلِّيَّةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي نَقَلَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِتَقَدُّمِ الْحَظْرِ وَأَنَّ الْأَمْرَ الْوَارِدَ بَعْدَهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَعَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مُعَارَضَةٌ بِقَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ مَا جَازَ بَعْدَ الْمَنْعِ وَجَبَ وَلِلتَّاجِ السُّبْكِيّ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ يُرَاجَعُ وَلَنَا فِيهِ كَلَامُهُمْ بِهَامِشِ حَوَاشِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْكَمَالِ وَتَحْقِيقُهُ فِي كِتَابِنَا الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
بَابُ الْحَوَالَةِ] ِ هِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا، وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ: الِانْتِقَالُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: حَالَ عَنْ الْعَهْدِ: إذَا انْتَقَلَ عَنْهُ وَتَغَيَّرَ.
وَفِي الشَّرْعِ: عَقْدٌ يَقْتَضِي نَقْلَ دَيْنٍ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ، وَيُطْلَقُ عَلَى انْتِقَالِهِ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى أُخْرَى، وَالْأَوَّلُ هُوَ غَالِبُ اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أَتْبَعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلِيَتْبَعْ» بِإِسْكَانِ التَّاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: أَيْ فَلِيَحْتَلْ كَمَا رَوَاهُ هَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ.
وَيُسَنُّ قَبُولُهَا عَلَى مَلِيءٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَصَرَفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَخَبَرُ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» وَيُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِحْبَابِ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمَلِيءُ وَافِيًا وَلَا شُبْهَةَ فِي مَالِهِ، وَالْمَلِيءُ بِالْهَمْزَةِ: الْغَنِيُّ، وَالْمَطْلُ إطَالَةُ الْمُدَافَعَةِ،
وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يُعْتَبَرْ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ،
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ رِبَوِيَّيْنِ، فَهُوَ بَيْعٌ لِأَنَّهَا إبْدَالُ مَالٍ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَلَكَ بِهَا مَا لَمْ يَمْلِكْ، فَكَأَنَّ الْمُحِيلَ بَاعَ الْمُحْتَالَ مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِمَا لِلْمُحْتَالِ فِي ذِمَّتِهِ،
وَقِيلَ اسْتِيفَاءٌ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ، فَكَأَنَّ الْمُحْتَالَ اسْتَوْفَى مَا عَلَى الْمُحِيلِ، وَأَقْرَضَهُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: وَالتَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِ الْبَيْعِ لَمْ أَرَهُ مُسْتَمِرًّا. وَأَرْكَانُهَا سِتَّةٌ: مُحِيلٌ، وَمُحْتَالٌ، وَمُحَالٌ عَلَيْهِ، وَدَيْنٌ لِلْمُحْتَالِ عَلَى الْمُحِيلِ، وَدَيْنٌ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَصِيغَةٌ، وَكُلُّهَا تُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ الْآتِي،
وَإِنْ سُمِّيَ بَعْضُهَا شَرْطًا كَمَا قَالَ. (يُشْتَرَطُ لَهَا) لِتَصِحَّ (رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ) ؛ لِأَنَّ لِلْمُحِيلِ إيفَاءَ الْحَقِّ مِنْ حَيْثُ شَاءَ، فَلَا يَلْزَمُ بِجِهَةٍ، وَحَقُّ الْمُحْتَالِ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ، فَلَا يَنْتَقِلُ إلَّا بِرِضَاهُ؛ لِأَنَّ الذِّمَمَ تَتَفَاوَتُ وَالْأَمْرُ الْوَارِدُ لِلِاسْتِحْبَابِ كَمَا مَرَّ،
وَقِيلَ: لِلْإِبَاحَةِ، وَطَرِيقُ الْوُقُوفِ عَلَى تَرَاضِيهِمَا إنَّمَا هُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ، وَعَبَّرَ كَغَيْرِهِ هُنَا بِالرِّضَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَالِ الرِّضَا بِالْحَوَالَةِ، وَتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: (لَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ) فَلَا يُشْتَرَطُ رِضَاهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْحَقِّ وَالتَّصَرُّفِ كَالْعَبْدِ الْمَبِيعِ؛ وَلِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُحِيلِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِغَيْرِهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ غَيْرَهُ بِالِاسْتِيفَاءِ.
وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ رِضَاهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءٌ، وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْحَوَالَةِ، بَلْ هُوَ أَوْ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ كَنَقَلْت حَقَّكَ إلَى فُلَانٍ، أَوْ جَعَلْتُ مَا أَسْتَحِقُّهُ عَلَى فُلَانٍ لَك، أَوْ مَلَّكْتُكَ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ بِحَقِّكَ، وَقَوْلُهُ: أَحِلْنِي كَبِعْنِي فِي الْبَيْعِ، فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ، وَلَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ مُرَاعَاةً لِلَّفْظِ،
وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ مُرَاعَاةً لِلْمَعْنَى كَالْبَيْعِ بِلَفْظِ السَّلَمِ،
وَلَوْ قَالَ: أَحَلْتُكَ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا وَلَمْ يَقُلْ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ، قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: فَهُوَ كِنَايَةٌ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي أَحَلْتُكَ الْوَكَالَةَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَ شَيْخِي: إنَّهُ صَرِيحٌ، لَكِنْ يَقْبَلُ الصَّرْفَ كَغَيْرِهِ مِنْ الصَّرَائِحِ الَّتِي تَقْبَلُهُ
بَابُ الْحَوَالَةِ هِيَ أَنْ تُحِيلَ مَنْ لَهُ عَلَيْكَ دَيْنٌ عَلَى مَنْ لَك عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَتَقُولُ: أَحَلْتُكَ بِعَشْرَتِكَ عَلَيَّ عَلَى فُلَانٍ بِعَشْرَتِي عَلَيْهِ فَيَقُولُ احْتَلْت وَالْأَصْلُ فِيهَا حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ:«مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ:«وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» . وَأُتْبِعَ بِسُكُونِ التَّاءِ أُحِيلَ فَلْيَتْبَعْ بِسُكُونِهَا فَلْيَحْتَلْ (يَشْتَرِطُ لَهَا) لِتَصِحَّ (رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ) ؛ لِأَنَّهُمَا عَاقِدَاهَا فَهِيَ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ فِي الْأَصَحِّ جَوَّزَهَا الشَّارِعُ لِلْحَاجَةِ (لَا الْمُحَالُ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ) ؛
لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْحَقِّ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِغَيْرِهِ.
وَالثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءُ حَقٍّ كَأَنَّ الْمُحْتَالَ اسْتَوْفَى مَا كَانَ لَهُ عَلَى الْمُحِيلِ وَأَقْرَضَهُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ. وَيَتَعَذَّرُ إقْرَاضُهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ
قَوْلُهُ: (أَحَلْتُكَ) وَمِثْلُهُ أَتْبَعْتُكَ أَوْ مَلَّكْتُكَ أَوْ نَقَلْت حَقَّكَ أَوْ جَعَلْت حَقَّكَ إلَى فُلَانٍ، أَوْ حَقِّي عَلَيْهِ لَكَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ يُشْتَرَطُ فِي الصَّرَاحَةِ أَنْ يَقُولَ: بِحَقِّك عَلَيَّ إلَخْ. مُرَادُهُ صَرِيحٌ لَا يَقْبَلُ الصَّرْفَ كَمَا يَأْتِي آخِرَ الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (مَطْلُ) هُوَ إطَالَةُ الْمُدَافَعَةِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، فَهُوَ حِينَئِذٍ كَبِيرَةٌ مُفَسِّقٌ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالظُّلْمِ فِي الْحَدِيثِ وَدُونُهَا حَرَامٌ غَيْرُ مُفَسِّقٍ.
قَوْلُهُ: (مَلِيءٍ) هُوَ بِالْهَمْزِ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (بِسُكُونِهَا) وَجَوَّزَ ابْنُ حَجَرٍ تَشْدِيدَهَا وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ خِلَافُ الصَّوَابِ وَمُقْتَضَى الْحَدِيثِ، وُجُوبُهَا، وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بِنَدْبِهَا أَوْ جَوَازِهَا قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ خُرُوجَهَا عَنْ الْمُعَاوَضَاتِ يَقْتَضِي عَدَمَ قِيَاسِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: صَرَفَهَا عَنْ الْوُجُوبِ وُرُودُهَا بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (يُشْتَرَطُ إلَخْ) فَالرِّضَا لَيْسَ رُكْنًا وَإِنَّمَا الرُّكْنُ الصِّيغَةُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ مَعَ اعْتِبَارِ الصِّيغَةِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الدَّالَّ غَيْرُ الْمَدْلُولِ وَإِنْ تَلَازَمَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا) أَيْ الْمُحِيلُ وَالْمُحْتَالُ فَهُمَا رُكْنَانِ،
وَإِنْ اتَّحَدَا فِي الْخَارِجِ كَإِحَالَةِ الْوَلِيِّ نَفْسَهُ عَلَى طِفْلِهِ وَعُكِسَ،
وَيَجُوزُ أَنْ يُحِيلَ الْوَلِيَّ عَلَى دَيْنِ مَحْجُورِهِ لِمَصْلَحَةٍ،
وَأَنْ يَحْتَالَ بِهِ عَلَى مَلِيءٍ بَاذِلٍ فَإِنْ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ بَطَلَتْ، وَعُلِمَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْتَالَ وَلِيٌّ بِدَيْنِ مَحْجُورِهِ مِنْ وَلِيٍّ عَلَى دَيْنِ مَحْجُورِهِ مَعَ الْمَصْلَحَةِ، وَنَاظِرُ الْوَقْفِ كَالْوَلِيِّ فِيمَا ذُكِرَ،
وَيَجُوزُ أَنْ يُحِيلَ الْوَلِيُّ أَحَدَ طِفْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ.
قَوْلُهُ: (فَهِيَ بَيْعٌ) وَلَا تَصِحُّ بِلَفْظِهِ كَمَا مَرَّ نَظَرًا لِقَوْلِ الِاسْتِيفَاءِ،
وَمِنْ هَذَا وَمَا مَرَّ فِي التَّصْوِيرِ يُعْلَمُ أَنَّ أَرْكَانَهَا سِتَّةٌ مُحِيلٌ وَمُحْتَالٌ، وَمُحَالٌ عَلَيْهِ وَدَيْنَانِ وَصِيغَةٌ، وَلِلْمُحْتَالِ أَنْ يُحِيلَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَلِلْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يُحِيلَ الْمُحْتَالَ عَلَى غَيْرِهِ وَهَكَذَا، كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (جَوَّزَهَا إلَخْ) وَلِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا قَبْضُ أَحَدِ الدِّينَيْنِ وَإِنْ اتَّحَدَا فِي عِلَّةِ الرِّبَا.
قَوْلُهُ: (لَا الْمُحَالُ عَلَيْهِ) وَلِذَلِكَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى ذِمَّةِ الْمَيِّتِ وَتَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ إنْ كَانَتْ وَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى التَّرِكَةِ،
فَإِنْ كَانَتْ دُيُونًا. نَعَمْ تَصِحُّ مِنْ الْوَارِثِ عَلَى التَّرِكَةِ إنْ كَانَتْ دَيْنًا، وَتَصِحُّ عَلَيْهِ إنْ تَصَرَّفَ فِي التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَالدَّعْوَى عَلَى الْمَيِّتِ كَالْحَوَالَةِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَعَذَّرُ إلَخْ) وَيَرُدُّ بِبُطْلَانِهَا فِي إحَالَةِ الْبَائِعِ مَعَ الرَّدِّ، كَمَا سَيَأْتِي وَلَوْ كَانَتْ قَرْضًا لَمْ تَبْطُلْ.
قَوْلُهُ: (فَتَقُولُ أَحَلْتُكَ) أَيْ جَعَلْتُك مُحْتَالًا أَيْ مُنْتَقِلًا.
قَوْلُهُ: (جَوَّزَهَا الشَّارِعُ) يُرِيدُ أَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ كَالْقَرْضِ لِمَكَانِ الْحَاجَةِ، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُمَاكَسَةً وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، أَنَّ الْمُحِيلَ بَاعَ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ،
وَقِيلَ: بَيْعُ عَيْنٍ بِعَيْنٍ فِرَارًا مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، أَيْ فَنَزَلَ اسْتِحْقَاقُ الدَّيْنِ مَنْزِلَةَ اسْتِحْقَاقِ مَنْفَعَةٍ تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الشَّخْصِ.
قَوْلُهُ: (فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ) كَمَا لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (اسْتِيفَاءُ حَقٍّ) اسْتَنَدَ مَنْ جَعَلَهَا اسْتِيفَاءً إلَى عَدَمِ جَوَازِ الْحَوَالَةِ بِالشَّيْءِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ، إذَا لَمْ يَكُنْ رِبَوِيًّا وَعَدَمُ وُجُوبِ التَّقَابُضِ فِي الرِّبَوِيِّ،
وَلَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَوَجَبَ كُلُّ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَاعْتَرَضَ تَقْدِيرُ الْقَرْضِ، بِأَنَّ الْبَائِعَ إذَا احْتَالَ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ،
وَلَوْ كَانَتْ قَرْضًا لَمْ تَبْطُلْ كَمَا لَوْ قَبَضَ الثَّمَنَ وَأَقْرَضَهُ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ وَاخْتَارَ أَنَّهَا اسْتِيفَاءٌ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ عَلَى رَجُلٍ مِائَةٌ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ مِائَةٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَهُ الْمِائَةَ الَّتِي عَلَيْهِ بِالْمِائَةِ الَّتِي عَلَى الرَّجُلِ لَمْ يَجُزْ. وَلَكِنْ إذَا أَحَالَهُ عَلَى الرَّجُلِ جَازَ، وَلَيْسَ بَيْعًا وَإِنَّمَا هُوَ حَوَالَةٌ وَالْحَوَالَةُ غَيْرُ بَيْعٍ اهـ. قَالَ فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهَا بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
* * * [باب الحوالة] هي بفتح الحاء وحكى الجيلي كسرها: مشتقة من التحويل والانتقال، يقال: حال فلان عن العهد، أي: انتقل عنه.
وهي في الشرع: نقل الحق من ذمة إلى ذمة، فكأن الحق حول من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ويطلع على العقد الذي يحصل به الانتقال، وهو الذي يستعمله الفقهاء غالبًا.
والأصل فيها: ما روى الشيخان [خ٢٢٨٧ - م١٥٦٤] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مطل الغني ظلم،
وإذا أتبع أحدكم على مليء .. فليتبع)
وفي رواية لأحمد [٢/ ٤٦٣] والبيهقي [٦/ ٧٠]: (وإذا أحيل أحدكم على مليء .. فليحتل) وهو الذي في (المحرر).
وألف (أتبع) مضمومة، وتاء (فليتبع) مشددة.
و (المليء) بالهمز: من الامتلاء.
وهذا الأمر عندنا وعند جمهور العلماء للندب،
فمن أحيل على مليء .. استحب له القبول.
وقال الماوردي: للإباحة، لوروده بعد الحظر وهو:(نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الدين بالدين) كقوله: {وإذا حللتم فاصطادوا}.
وقال أبو ثور وداوود: واجب. وللعلماء اختلاف في أن المماطل يفسق بمطله مرة واحدة، أو لابد من التكرر؛ لأن المطل إطالة المدافعة.
قال المصنف: ومقتضى مذهبنا: اشتراط التكرر.
قال الشيخ: بل مقتضاه: عدم اشتراط التكرر؛ لأن منع الحق بعد طلبه وانتفاء العذر عن أدائه يشبه الغصب، والغصب كبيرة، وأيضًا تسمية النبي صلى الله عليه وسلم له ظلمًا تشعر بكونه كبيرة، والكبيرة لا يشترط فيها التكرر، لكن لا يحكم عليه بذلك حتى يظهر عدم عذره؛ لأنه قد يكون معذورًا في الباطن.
وأجمع المسلمون على جواز الحوالة في الجملة،
ومن جهة المعنى ما فيها من الارتفاق؛
فإن الإنسان قد يستحق دينًا وعليه مثله فيشق عليه الاستيفاء والإيفاء .. فجوزت لدفع هذه الكلفة، وإلا .. فالقياس: أنها لا تجوز؛ لأنها بيع دين بدين وقد نهي عنه.
وفي حقيقتها أوجه، وقيل: قول ووجهان.
الأظهر المنصوص: أنه بيع دين بدين جوز للضرورة.
فعلى هذا: تجوز الإقالة منها كما صرح به الخوارزمي في (الكافي).
والثاني -واختاره الشيخ وجماعة-: أنها استيفاء حق، كأن المحتال استوفى ما كان له من الحق في ذمة المحيل وأقرضه من المحال عليه.
والثالث -وهو اختيار القاضي والإمام ووالده-: أنها مركبة من المعاوضة والاستيفاء.
قال القاضي الطبري: وليس لهذا الخلاف
فائدة إلا ثبوت خيار المجلس إن قلنا: بيع .. ثبت، وإلا .. فلا وهو الأصح، وليس كذلك، بل له فوائد كثيرة تأتي في الباب، منها: اشتراط الضمان والرهن وظهور المحال عليه مفلسًا عند الحوالة، والترجيح فيها مختلف.
قال: (يشترط لها: رضا المحيل) ؛ لأن له قضاء الحق من حيث يشاء، ولا يتعين قضاؤه من محل معين، كما لو طلب منه الوفاء من كيس بعينه.
وقيل: يصح من غير رضاه حكاه في (الكفاية) عن بعض الشارحين قال: وصوره بما إذا قال: أحلتك على نفسي بالدين الذي لك على فلان فيقول المحتال: قبلت.
وأجاب الشيخ عنه بأن هذا ضمان لا حوالة.
قال: (والمحتال) ؛ لأن حقه في ذمة المحيل، فلا ينتقل إلا برضاه؛ لأن الذمم متفاوتة.
وقال صلى الله عليه وسلم:(إن لصاحب الحق يدًا ومقالًا).
ويعتبر في المحيل والمحتال من أهلية التصرف ما يعتبر في سائر المعاملات.
وعلم من اشتراط الرضا -وهو لا علم إلا بالإيجاب والقبول_ أنه لابد منهما كما في البيع، وإنما اقتصر الأصحاب هنا على لفظ (الرضا)؛ ليتكلموا على أن المحال عليه لا يشترط رضاه، ولينبهوا على أن الرضا للمحتال غير واجب عليه، بل موكول إلى خيرته، وحملوا الأمر الوارد في الحديث المتقدم على الاستحباب.
وتنعقد بلفظ الحوالة وما في معناها كقوله: أحلتك على فلان، أو حولت ما في ذمتي إلى ذمته، أو نقلت أو أتبعتك عليه بما لك علي كما اقتضاه الخبر، وما أشبه ذلك فيقول: قبلت أو احتلت أو اتبعت وما أشبهه.
ولو قال المحتال: أحلني، فقال: أحلتك .. فعلى الخلاف في الاستحباب والإيجاب في البيع.
وقيل: ينعقد مطلقًا؛ لأن الحوالة تسومح فيها،
وفي انعقادها بلفظ البيع خلاف مبني على مراعاة اللفظ أو المعنى كالبيع بلفظ السلم.
قال: (لا المحال عليه في الأصح) ؛ للحديث، ولأن الحق عليه فلا يعتبر رضاه، كما لا يعتبر رضا العبد المبيع، وهذا نص عليه في (المختصر)، وبه قال مالك وأحمد.
والثاني: يشترط؛ لأنه أحد أركان الحوالة، فأشبه المحيل، وهذا منصوص (الأم)، وبه قال أبو حنيفة والإصطخري، وبُني الخلاف على أنها معاوضة فلا يشترط، أو استيفاء فيشترط، والخلاف قولان، فكان ينبغي التعبير بالأظهر.
ولو كان لأحد الطفلين على أخيه مال فأحاله الأب بماله على أخيه على نفسه، أو على ابن له آخر صغير .. جاز.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.