وَإِذَا كَانَ السَّفَرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَالْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ لِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ " حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان يصلي رَكْعَتَيْنِ وَسَافَرْت مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ وَسَافَرْت مَعَ عُمَرَ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ وَسَافَرْت مَعَ عُثْمَانَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ سِتَّ سِنِينَ ثُمَّ أَتَمَّ بِمِنًى " فَكَانَ الِاقْتِدَاءُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ
الشروح عليها
وَإِذَا كَانَ السَّفَرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَالْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ لِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ " حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان يصلي رَكْعَتَيْنِ وَسَافَرْت مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ وَسَافَرْت مَعَ عُمَرَ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ وَسَافَرْت مَعَ عُثْمَانَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ سِتَّ سِنِينَ ثُمَّ أَتَمَّ بِمِنًى " فَكَانَ الِاقْتِدَاءُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ فَإِنْ تَرَكَ الْقَصْرَ وَأَتَمَّ جَازَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ " خَرَجْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمْرَةِ رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ وَصُمْت وَقَصَرَ وَأَتْمَمْت فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْطَرْت وَصُمْت وَقَصَرْتَ وَأَتْمَمْت فَقَالَ أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ " وَلِأَنَّهُ تَخْفِيفٌ أُبِيحَ لِلْمُسَافِرِ فَجَازَ تَرْكُهُ كَالْمَسْحِ علي الخفين ثلاثا (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عِمْرَانَ صَحِيحٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ بِمَعْنَاهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَوْ صَحِيحٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إسْنَادُهُ حَسَنٌ
وَقَالَ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ هُوَ إسْنَادٌ صَحِيحٌ لَكِنْ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ عُمْرَةُ رَمَضَانَ
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْتَمِرْ إلَّا أَرْبَعَ عُمَرَ لَيْسَ مِنْهُنَّ شئ فِي رَمَضَانَ بَلْ كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ فَكَانَ أَحِرَامُهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَفَعَلَهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَقَوْلُهُ) لِأَنَّهُ تَخْفِيفٌ أُبِيحَ لِلسَّفَرِ قَالَ الْقَلَعِيُّ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ تَخْفِيفٌ عَنْ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ نُقْصَانَهَا عَنْ أَرْبَعٍ لَيْسَ لِلتَّخْفِيفِ قَالَ وَقَوْلُهُ أُبِيحَ لِلسَّفَرِ احْتِرَازٌ مِمَّا عَفَى عَنْهُ عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى الدِّيَةِ فَإِنَّهُ تَخْفِيفٌ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ وَبَذْلُ الْقِصَاصِ مِنْهُ هَكَذَا قَالَهُ الْقَلَعِيُّ
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ احْتِرَازٌ مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ تَخْفِيفٌ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّفَرِ وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ احْتِرَازًا مِمَّنْ غُصَّ بِلُقْمَةٍ فَلَمْ يَجِدْ مَا يُسِيغُهَا بِهِ إلَّا خَمْرًا فَإِنَّهُ يَجِبُ
إسَاغَتُهَا وَهُوَ تَخْفِيفٌ لَا لِلسَّفَرِ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَمَذْهَبُنَا جَوَازُ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ فَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَالْأَفْضَلُ الْإِتْمَامُ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُوَافِقِيهِ كَمَا سَبَقَ
وَكَذَا إنْ كَانَ يُدِيمُ السَّفَرَ بِأَهْلِهِ فِي الْبَحْرِ فَلَهُ الْقَصْرُ وَالْأَفْضَلُ الْإِتْمَامُ وَإِنْ بَلَغَ سَفَرُهُ مَرَاحِلَ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ تَرْكُ الْقَصْرِ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَلِأَنَّهُ لَا وَطَنَ لَهُ غَيْرُهُ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا مَنْ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ كَرَاهَةَ الْقَصْرِ لَا رَغْبَةً عَنْ السُّنَّةِ أَوْ شَكًّا فِي جَوَازِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ الْقَصْرُ لِهَذَا أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ بَلْ يُكْرَهُ لَهُ الْإِتْمَامُ حَتَّى تَزُولَ هَذِهِ الْكَرَاهَةُ وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ الرُّخْصِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا وَلَمْ يَكُنْ مُدْمِنَ سَفَرِ الْبَحْرِ وغيره ولا يَتْرُكُ الْقَصْرَ رَغْبَةً عَنْهُ فَهَلْ الْأَفْضَلُ الْإِتْمَامُ أَمْ الْقَصْرُ فِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ (أَصَحُّهَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ الْقَصْرُ أَفْضَلُ (وَالثَّانِي) حَكَاهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَحَكَاهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ فِيهِ قَوْلَانِ وَحَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) الْقَصْرُ أَفْضَلُ (وَالثَّانِي) الْإِتْمَامُ أَفْضَلُ وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْمُزَنِيِّ وَالطَّرِيقُ (الثَّالِثُ) أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْحَنَّاطِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا وَسَنُوضِحُ دَلِيلَ الْمَسْأَلَةِ فِي
فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا صَوْمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ لِمَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْطَارِ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيهِ قَوْلَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) الْفِطْرُ أَفْضَلُ وَسَنُوضِحُ الْمَسْأَلَةَ في كتاب القيام إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* (فَرْعٌ)
فِي بَيَانِ أَقْسَامِ الرُّخْصِ الشَّرْعِيَّةِ هِيَ أَقْسَامٌ (أَحَدُهَا) رُخْصَةٌ وَاجِبَةٌ وَلَهَا صُوَرٌ: مِنْهَا مَنْ غُصَّ بِلُقْمَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُسِيغُهَا بِهِ إلَّا خَمْرًا وَجَبَتْ إسَاغَتُهَا بِهِ وَهِيَ رُخْصَةٌ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى وُجُوبِهِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ: وَمِنْهَا أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ رُخْصَةٌ وَاجِبَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي بَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ (الثَّانِي) رُخْصَةُ تَرْكِهَا أَفْضَلُ وَهُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلِ أَفْضَلُ مِنْهُ وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ بِدَلِيلِهَا فِي بَابِهِ
وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا سَنُوضِحُهُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ إنْ شَاءَ
اللَّهُ تَعَالَى وَمِثْلُهُ التَّيَمُّمُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَهُوَ وَاجِدٌ لَهُ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَيَتَوَضَّأَ وَيَتْرُكَ رُخْصَةَ التَّيَمُّمِ
وَكَذَا الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ لِمَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْفِطْرِ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ
وَكَذَا إتْيَانُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ لِمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ بِعُذْرِ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ (الثَّالِثُ) رُخْصَةٌ يُنْدَبُ فِعْلُهَا وَذَلِكَ صُوَرٌ مِنْهَا الْقَصْرُ وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْقَصْرَ وَالْإِتْمَامَ جَائِزَانِ وَأَنَّ الْقَصْرَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ وَبِهَذَا قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَائِشَةُ وَآخَرُونَ وَحَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ هَؤُلَاءِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُد وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ فِي اثْنَيْ عَشْرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَعَنْ أَنَسٍ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي قِلَابَةَ:
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَآخَرُونَ الْقَصْرُ وَاجِبٌ قَالَ الْبَغَوِيّ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وُجُوبَ الْقَصْرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسِ وَجَابِرٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَقَعَدَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ السَّلَامَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَهُ وَتَقَعُ الْأَخِيرَتَانِ نَفْلًا وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ هَذَا الْقَدْرَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ
* وَاحْتُجَّ لِمَنْ أَوْجَبَ الْقَصْرَ بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ " فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ " قَالَ الزُّهْرِيُّ قُلْت لِعُرْوَةِ فَمَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ قَالَ تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ " صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّيْت مَعَ أَبِي بَكْرٍ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْت مَعَ عُمَرَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الْأَضْحَى رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ
تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِرَكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَجُزْ فِيهَا الزِّيَادَةُ كَالْجُمُعَةِ وَالصُّبْحِ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا يُسْتَعْمَلُ لَا جُنَاحَ إلَّا فِي الْمُبَاحِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا من ربكم) وقَوْله تَعَالَى (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النساء وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خطبة النساء لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ اشتاتا) (فَإِنْ قَالُوا) هَذِهِ اللَّفْظَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ أَيْضًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) وَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ (فَالْجَوَابُ) مَا أَجَابَتْ بِهِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهُوَ ثَابِتٌ عَنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَتْ " أُنْزِلَتْ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا أَسْلَمُوا شَكُّوا فِي جَوَازِ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ كَانَ شِعَارَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ جَوَابًا لَهُمْ
* وَاحْتَجُّوا مِنْ السُّنَّةِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ كَمَا سَبَقَ وَعَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ ويتم ويفطر ويصوم " رواه الدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ
* وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ الْمُتَقَدِّمِ فِي إتْمَامِ عُثْمَانَ وَلَوْ كَانَ الْقَصْرُ وَاجِبًا لَمَا وَافَقُوهُ عَلَى تَرْكِهِ وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ
ثُمَّ إنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعًا قَالَ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا وَإِذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا اقْتَدَى بِمُقِيمٍ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ رَكْعَتَيْنِ حَتْمًا لَمَا جَازَ فِعْلُهَا أَرْبَعًا خَلْفَ مُسَافِرٍ وَلَا حَاضِرٍ كَالصُّبْحِ (فَإِنْ قَالُوا) الصُّبْحُ لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا خَلْفَ الظُّهْرِ عِنْدَنَا (قُلْنَا) فَكَذَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ لَا تُصَحِّحُوا الظُّهْرَ فِي الْمُسَافِرِ خَلْفَ مُتِمٍّ وَلِأَنَّهُ تَخْفِيفٌ أُبِيحَ لِلسَّفَرِ فَجَازَ تَرْكُهُ كَالْفِطْرِ وَالْمَسْحِ ثَلَاثًا وَسَائِرِ الرُّخَصِ: وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ قَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ الْقَصْرُ وَالْإِتْمَامُ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ فِعْلِهِ وَمِنْ إقْرَارِهِ لِعَائِشَةَ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِمَا لَكِنَّ الْقَصْرَ كَانَ أَكْثَرَ فَدَلَّ عَلَى فَضِيلَتِهِ
وَنَحْنُ نَقُولُ بِهَا (وَالْجَوَابُ) عَنْ حَدِيثِ " فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ " أَنَّ مَعْنَاهُ لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْهُ وَأَتَمَّتْ وَتَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ وَتَأْوِيلُهُمَا أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ جَائِزًا هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِهِ وَقَدْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَصِحُّ وَقَدْ أَوْضَحْت فَسَادَهُ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَلِأَنَّ الْمُخَالِفِينَ أَضْمَرُوا فِيهِ أُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ إذَا لَمْ يَقْتَدِ بِمُقِيمٍ وَأَضْمَرْنَا فِيهِ إذَا أَرَادَ الْقَصْرَ وَلَيْسَ أَضِمَارُهُمْ بِأُولَى مِنْ إضْمَارِنَا وَمِمَّا يُوجِبُ تَأْوِيلَهُ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ أَصْلٌ لَا مَقْصُورَةٌ وَإِنَّمَا صَلَاةُ الْحَضَرِ زَائِدَةٌ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي تَسْمِيَتِهَا مَقْصُورَةً وَمَتَى خَالَفَ خَبَرُ الْآحَادِ نَصَّ الْقُرْآنِ أَوْ إجْمَاعًا وَجَبَ تَرْكُ ظَاهِرِهِ
(وَأَمَّا الْجَوَابُ) عَنْ حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ " فَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا
بِخِلَافِ الْحَضَرِ وَقَوْلُهُ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ مَعْنَاهُ تَامَّةُ الْأَجْرِ هَذَا إذَا سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْحَدِيثِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَإِلَّا فَقَدْ أَشَارَ النَّسَائِيُّ إلَى تَضْعِيفِهِ فَقَالَ لَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى مِنْ عُمَرَ وَلَكِنْ قد رواه الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ عن عُجْرَةَ عَنْ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لَكِنْ لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلُهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ
(وَأَمَّا الْجَوَابُ) عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْجُمُعَةِ وَالصُّبْحِ فَالْفَرْقُ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَالصُّبْحَ شُرِعَتَا رَكْعَتَيْنِ مِنْ أَصْلِهِمَا لَا يقبلان تغيبر بحال
بِخِلَافِ صَلَاةِ السَّفَرِ فَإِنَّهَا تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى بِمُقِيمٍ لَزِمَهُ أَرْبَعٌ وَلَيْسَ كذلك الجمعة والصبح والله أعلم *
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.