لا يصحّ الرّجوع إلّا عند القاض
الشروح عليها
(بَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ) مُنَاسَبَتُهُ لِشَهَادَةِ الزُّورِ ظَاهِرَةٌ وَهُوَ أَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَكُونُ غَالِبًا إلَّا لِتَقَدُّمِهَا عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَتَرْجَمَ لَهُ بِالْبَابِ مُخَالِفًا لِلْهِدَايَةِ الْمُتَرْجَمِ بِكِتَابٍ إذْ لَيْسَ لَهُ أَبْوَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَهُوَ إنْ كَانَ رَفْعًا لِلشَّهَادَةِ لَكِنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَهَا كَدُخُولِ النَّوَاقِضِ فِي الطَّهَارَةِ وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ فِي مَعْنَاهُ لُغَةً
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ وَعَنْ الْأَمْرِ يَرْجِعُ رُجُوعًا وَرَجْعًا وَرُجْعَى وَمَرْجِعًا قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُوَ نَقِيضُ الذَّهَابِ اهـ.
الثَّانِي: فِي مَعْنَاهُ اصْطِلَاحًا فَهُوَ نَفْيُ مَا أَثْبَتَهُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَالثَّالِثُ فِي رُكْنِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّاهِدِ رَجَعْت عَمَّا شَهِدْت بِهِ أَوْ شَهِدْت بِزُورٍ فِيمَا شَهِدْت بِهِ أَوْ كَذَبْت فِي شَهَادَتِي
فَلَوْ أَنْكَرَهَا لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا كَمَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ الرَّابِعُ فِي شَرْطِهِ مَجْلِسُ الْقَاضِي فَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِي غَيْرِهِ وَفَائِدَتُهُ عَدَمُ قَبُولِ الْبَيِّنَةِ عَلَى رُجُوعِهِ وَعَدَمُ اسْتِحْلَافِهِ إذَا أَنْكَرَ كَمَا سَيَأْتِي الْخَامِسُ فِي صِفَتِهِ
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: إنَّهُ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ دِيَانَةً لِأَنَّ فِيهِ خَلَاصًا مِنْ عِقَابِ الْكَبِيرَةِ اهـ.
وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ شَهَادَةَ الزُّورِ وَكِتْمَانَ الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ سَوَاءٌ فَإِذَا شَهِدَ بِزُورٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْجَبَتْ عَلَيْهِ التَّوْبَةَ وَهِيَ لَا تَصِحُّ إلَّا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَا يَمْنَعُهُ عَنْهَا الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ وَفِيهِ تَدَارُكُ مَا أَتْلَفَ بِالزُّورِ اهـ.
السَّادِسُ فِي حُكْمِهِ وَهُوَ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا يَرْجِعُ إلَى مَالِهِ وَالْآخَرُ إلَى نَفْسِهِ فَالْأَوَّلُ وُجُوبُ الضَّمَانِ وَيَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ ثَلَاثَةٍ سَبَبُهُ وَشَرَائِطُهُ وَمِقْدَارُهُ فَسَبَبُهُ إتْلَافُ الْمَالِ أَوْ النَّفْسِ بِهَا فَإِنْ وَقَعَتْ إتْلَافًا انْعَقَدَتْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَإِلَّا فَلَا تَنْزِيلًا لِلسَّبَبِ مَنْزِلَةَ الْمُبَاشَرَةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ مُفَصَّلًا
وَشَرْطُهُ كَوْنُهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَمَجْلِسُ الْقَضَاءِ وَكَوْنُ الْمُتْلَفِ بِهَا عَيْنًا فَلَا ضَمَانَ لَوْ رَجَعَ عَنْ مَنْفَعَةٍ كَالنِّكَاحِ بَعْدَ الدُّخُولِ وَمَنْفَعَةِ دَارٍ شَهِدَا عَلَى الْمُؤَجِّرِ لِلْمُسْتَأْجِرِ بِإِجَارَتِهَا بِأَقَلَّ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهَا ثُمَّ رَجَعَا وَأَنْ يَكُونَ الْإِتْلَافُ بِغَيْرِ عِوَضٍ لِأَنَّهُ بِعِوَضٍ إتْلَافٌ صُورَةً لَا مَعْنًى وَقَدْرُ الْوَاجِبِ عَلَى قَدْرِ الْإِتْلَافِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ وَالْحُكْمُ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْعِلَّةِ
وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إلَى نَفْيِهِ فَنَوْعَانِ: وُجُوبُ الْحَدِّ فِي شَهَادَةِ الزِّنَا سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ لِلْقَذْفِ مِنْهُمْ وَلَوْ بَعْدَ الْإِمْضَاءِ رَجْمًا كَانَ أَوْ جَلْدًا خِلَافًا لِزُفَرَ فِي الرَّجْمِ وَوُجُوبِ الضَّمَانِ وَهُوَ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ إنْ رَجَعُوا بَعْدَ الرَّجْمِ لَا بَعْدَ الْجَلْدِ وَإِنْ مَاتَ مِنْهُ وَالثَّانِي وُجُوبُ التَّعْزِيرِ عَلَيْهِ سِوَى شَهَادَةِ الزِّنَا إنْ تَعَمَّدَ الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ فَظَهَرَ عِنْدَ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ فَلَا ضَمَانَ لَوْ أَتْلَفَا حَقًّا مِنْ الْحُقُوقِ كَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ لَوْ شَهِدَا بِهِ ثُمَّ رَجَعَا أَوْ الرَّجْعَةِ أَوْ تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ أَوْ إسْقَاطِ خِيَارٍ مِنْ الْخِيَارَاتِ كَذَا فِي النُّتَفِ وَلَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ التَّعْزِيرِ بَيْنَ كَوْنِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ لِأَنَّ الرُّجُوعَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ تَوْبَةٌ عَنْ تَعَمُّدِ الزُّورِ إنْ تَعَمَّدَهُ وَالتَّهَوُّرِ وَالْعَجَلَةِ إنْ كَانَ أَخْطَأَ فِيهِ وَلَا تَعْزِيرَ عَلَى التَّوْبَةِ وَلَا عَنْ ذَنْبٍ ارْتَفَعَ بِهَا وَلَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مُقَدَّرٌ اهـ
قُلْتُ: إنَّ رُجُوعَهُ قَدْ يَكُونُ لِقَصْدِ إتْلَافِ الْحَقِّ وَلِجَوَازِ كَوْنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ غَرَّهُ بِمَالٍ لَا لِمَا ذَكَرَهُ وَلَكِنَّهُ خَاصٌّ بِمَا قَبْلَ الْقَضَاءِ
وَأَمَّا بَعْدَهُ فَقَدْ يَظُنُّ بِجَهْلِهِ أَنَّهُ إتْلَافٌ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ مَعَ أَنَّهُ إتْلَافٌ لِمَالِهِ بِالْغَرَامَةِ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَّا عِنْدَ الْقَاضِي) لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِلشَّهَادَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ تَوْبَةٌ وَهِيَ عَلَى حَسَبِ الْجِنَايَةِ فَالسِّرُّ بِالسِّرِّ وَالْإِعْلَانُ بِالْإِعْلَانِ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ الْقَاضِيَ الْمَشْهُودَ عِنْدَهُ وَغَيْرَهُ فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الرُّجُوعُ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي وَلَوْ شُرْطِيًّا كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَادَّعَى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ رُجُوعَهُمَا وَأَرَادَ يَمِينَهُمَا لَا يَحْلِفَانِ
وَكَذَا لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ ادَّعَى رُجُوعًا بَاطِلًا حَتَّى لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ رَجَعَ عِنْدَ قَاضِي كَذَا وَضَمَّنَهُ الْمَالَ تُقْبَلُ لِأَنَّ السَّبَبَ صَحِيحٌ وَلَوْ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ رَجَعَ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ صَحِيحٌ وَإِنْ أَقَرَّ بِرُجُوعٍ بَاطِلٍ لِأَنَّهُ يُجْعَلُ إنْشَاءً لِلْحَالِ وَفِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ إذَا رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا وَأَشْهَدَا بِمَالٍ عَلَى أَنْفُسِهِمَا لِأَجْلِ الرُّجُوعِ ثُمَّ جَحَدَا ذَلِكَ فَشَهِدَ عَلَيْهِمْ الشُّهُودُ بِالْمَالِ مِنْ قَبْلِ الرُّجُوعِ وَالضَّمَانِ لَا تُقْبَلُ إذَا تَصَادَقَا عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ الْإِقْرَارَ بِهَذَا السَّبَبِ فَالْقَاضِي لَا يُلْزِمُهُمَا الضَّمَانَ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ ادَّعَى رُجُوعَهُمَا عِنْدَ الْقَاضِي وَلَمْ يَدَّعِ الْقَضَاءَ بِالرُّجُوعِ وَالضَّمَانِ لَا تُسْمَعُ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ وَلَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَصِحُّ وَلَا يَصِيرُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ إلَّا بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ كَالشَّهَادَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَتَرْجَمَ لَهُ بِالْبَابِ مُخَالِفًا لِلْهِدَايَةِ) أَقُولُ: يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ التَّرْجَمَةُ بِالْكِتَابِ مُوَافِقًا لِلْهِدَايَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّ تَحْتَهُ أَبْوَابًا مُتَعَدِّدَةً لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ بَعْضَهَا وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْبَابِ أَوْ الْفَصْلِ وَتَرَكَ بَعْضًا كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ وَشَأْنُ الْمُتُونِ الِاخْتِصَارُ وَلِذَا تَرْجَمَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة بِالْكِتَابِ وَذَكَرَ تَحْتَهُ سِتَّةَ عَشَرَ فَصْلًا سَاقَهَا عَلَى نَسَقٍ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا وُجِّهَ بِهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُشِيرًا بِهِ إلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْهِدَايَةِ
(قَوْلُهُ التَّعْزِيرُ) الْمُرَادُ بِالتَّعْزِيرِ التَّشْهِيرُ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَصِحُّ وَلَا يَصِيرُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ إلَّا بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ)
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَزَادَ جَمَاعَةٌ فِي صِحَّةِ الرُّجُوعِ أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي بِرُجُوعِهِمَا وَيُضَمِّنَهُمَا الْمَالَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ وَنُقِلَ هَذَا عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَاسْتَبْعَدَ بَعْضٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ تَوَقُّفَ صِحَّةِ الرُّجُوعِ عَلَى الْقَضَاءِ بِالرُّجُوعِ أَوْ بِالضَّمَانِ وَتَرَكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مُصَنِّفِي الْفَتَاوَى هَذَا الْقَيْدَ وَذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَهُ تَعْوِيلًا عَلَى هَذَا الِابْتِعَادِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الشَّهَادَةَ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} وقَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَاتِمُ الشَّهَادَةِ كَشَاهِدِ الزُّورِ» وَشَهَادَةُ الزُّورِ مِنْ الْكَبَائِرِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الشَّاهِدُ بِالزُّورِ لَا يَرْفَعُ قَدَمَيْهِ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى تَلْعَنَهُ مَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ، وَالْأَرْضِ» فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ الِاجْتِنَابُ عَنْهَا،
وَإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ، وَالتَّوْبَةُ عَنْهَا لَا تَصِحُّ إلَّا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَا يَمْنَعُهُ عَنْهَا الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ النَّاسِ وَخَوْفُ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ الْخَالِقِ أَوْلَى مِنْ الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ الْمَخْلُوقِ وَفِيهِ تَدَارُكُ مَا أَتْلَفَهُ بِالزُّورِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ مَقْبُولٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ،
وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي ثُمَّ رُكْنُ الرُّجُوعِ أَنْ يَقُولَ رَجَعْت عَمَّا شَهِدْت بِهِ أَوْ شَهِدْت بِزُورٍ فِيمَا شَهِدْت
وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَحُكْمُهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ التَّعْزِيرُ، وَالضَّمَانُ وَقَبْلَهُ التَّعْزِيرُ فَقَطْ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَّا عِنْدَ الْقَاضِي) ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِلشَّهَادَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَا تَخْتَصُّ بِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ أَيِّ حَاكِمٍ كَانَ كَالْفَسْخِ فِي بَابِ الْبَيْعِ حَيْثُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ مِنْ قِيَامِ الْمَبِيعِ وَرِضَا الْمُتَبَايِعَيْنِ وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الشَّهَادَةِ تَوْبَةٌ عَمَّا اُرْتُكِبَ مِنْ قَوْلِ الزُّورِ، وَالتَّوْبَةِ بِحَسَبِ الْجِنَايَةِ عَلَى مَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «السِّرُّ بِالسِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ».
فَإِذَا كَانَتْ الْجَرِيمَةُ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ تَوْبَتُهَا كَذَلِكَ،
فَإِذَا كَانَ الرُّجُوعُ عِنْدَ غَيْرِهِ غَيْرَ صَحِيحٍ
فَلَوْ أَقَامَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمَا بَيِّنَةً بِأَنَّهُمَا رَجَعَا عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي أَوْ طَلَبَ يَمِينَهُمَا لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَلَا يَحْلِفَانِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى رُجُوعًا بَاطِلًا
بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ أَنَّهُمَا رَجَعَا عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي حَيْثُ يَصِحُّ إقْرَارُهُمَا،
وَإِنْ أَقَرَّا بِرُجُوعٍ بَاطِلٍ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُمَا بِهِ يُجْعَلُ رُجُوعًا مِنْهُمَا فِي الْحَالِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمَا رَجَعَا عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي كَانَ قَضَى بِالْحَقِّ حَيْثُ تُقْبَلُ هُنَاكَ بَيِّنَتُهُ؛
(قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ) قَالُوا وَيُعَزَّرُ الشُّهُودُ سَوَاءٌ رَجَعُوا قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ تَوْبَةٌ عَنْ تَعَمُّدِ الزُّورِ إنْ تَعَمَّدَ أَوْ التَّهَوُّرِ وَالْعَجَلَةِ إنْ كَانَ أَخْطَأَ فِيهِ وَلَا تَعْزِيرَ عَلَى التَّوْبَةِ وَلَا عَلَى ذَنْبٍ ارْتَفَعَ بِهَا وَلَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مُقَدَّرٌ. اهـ. كَمَالٌ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَحُكْمُهُ إيجَابُ التَّعْزِيرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ رَجَعَ قَبْلَ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ أَوْ بَعْدَ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ وَالضَّمَانِ مَعَ التَّعْزِيرِ إنْ رَجَعَ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَكَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَالًا وَقَدْ أَزَالَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَبْلَهُ التَّعْزِيرُ فَقَطْ) أَيْ بِالضَّرْبِ عِنْدَهُمَا وَبِالتَّشْهِيرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي شَاهِدِ الزُّورِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَّا عِنْدَ الْقَاضِي) قَالَ الْكَمَالُ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْقَاضِي الْمَشْهُودُ عِنْدَهُ أَوْ غَيْرَهُ اهـ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ أَيَّ حَاكِمٍ كَانَ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْكَمَالُ وَزَادَ جَمَاعَةٌ فِي صِحَّةِ الرُّجُوعِ أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي بِرُجُوعِهِمَا وَيُضَمِّنَهُمَا الْمَالَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ حَيْثُ قَالَ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي
فَلَوْ ادَّعَى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ رُجُوعَهُمَا وَأَرَادَ يَمِينَهُمَا أَنَّهُمَا لَمْ يَرْجِعَا لَا يَحْلِفَانِ
وَكَذَا لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى هَذَا الرُّجُوعِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى رُجُوعًا بَاطِلًا وَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ وَإِلْزَامُ الْيَمِينِ لَا يُقْبَلُ إلَّا عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ ثُمَّ قَالَ حَتَّى لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ رَجَعَ عِنْدَ قَاضِي كَذَا وَضَمَّنَهُ الْمَالَ تُقْبَلُ فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي تَقَيُّدِ صِحَّةِ الرُّجُوعِ بِذَلِكَ وَنُقِلَ هَذَا عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَاسْتَبْعَدَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ تَوَقُّفَ صِحَّةِ الرُّجُوعِ عَلَى الْقَضَاءِ بِالرُّجُوعِ أَوْ بِالضَّمَانِ وَتَرَكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مُصَنِّفِي الْفَتَاوَى هَذَا الْقَيْدَ وَذَكَرَ أَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَهُ تَعْوِيلًا عَلَى هَذَا الِاسْتِبْعَادِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْمَجْلِسِ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ شَاهِدٌ بِالرُّجُوعِ فِي غَيْرِ الْمَجْلِسِ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِهِ وَبِالْتِزَامِ الْمَالِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ إذَا تَصَادَقَا أَنَّ لُزُومَ الْمَالِ عَلَيْهِ كَانَ بِهَذَا الرُّجُوعِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّوْبَةُ بِحَسَبِ الْجِنَايَةِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالْجِنَايَةُ كَانَتْ مُخْتَصَّةً بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ عَنْهَا وَهِيَ الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ مُخْتَصًّا بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ أَيْضًا أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ «مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ فَقَالَ مُعَاذٌ أَوْصِنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ عَلَيْك بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى مَا اسْتَطَعْت وَاذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ كُلِّ شَجَرٍ وَحَجَرٍ وَإِذَا عَمِلْت شَرًّا فَأَحْدِثْ تَوْبَةَ السِّرِّ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ بِالْعَلَانِيَةِ». اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَحْلِفَانِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى رُجُوعًا بَاطِلًا) وَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ وَإِلْزَامُ الْيَمِينِ لَا يُقْبَلُ إلَّا عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ. اهـ. كَمَالٌ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.