ويوقف بيع الرّاهن على إجازة مرتهنه أو قضاء دينه
الشروح عليها
(وَيَتَوَقَّفُ بَيْعُ الرَّهْنِ عَلَى إجَازَةِ مُرْتَهِنِهِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ) اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
قَالَ فِي مَوْضِعٍ بَيْعُ الْمَرْهُونِ فَاسِدٌ وَفِي مَوْضِعٍ جَائِزٌ
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ جَائِزٌ مَوْقُوفٌ. وَقَوْلُهُ فَاسِدٌ مَحْمُولٌ عَلَى إذَا لَمْ يُجِزْ الْمُرْتَهِنُ،
فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُفْسِدُهُ إذَا خُوصِمَ إلَيْهِ وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي تَسْلِيمَهُ. وَقَوْلُهُ جَائِزٌ بِمَعْنَى نَافِذٌ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَجَازَ وَسَلَّمَهُ،
وَفِي الْجَامِعِ بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ قِيلَ مَعْنَاهُ سَيَبْطُلُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَنْفُذُ سَوَاءٌ عَلِمَ الْمُرْتَهِنُ بِالْبَيْعِ أَوْ لَا وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ،
وَفِي بَقَائِهِ إبْطَالُ حَقِّهِ فَلَا يَنْفُذُ إلَّا بِإِجَازَتِهِ أَوْ بِقَضَاءِ الرَّاهِنِ الدِّينَ لِزَوَالِ الْمَعْنَى وَهُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ أَرَادَ بِالْبَيْعِ مَا هُوَ مِثْلُهُ مِمَّا تَعَلَّقَ بِنَفَاذِهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْحَبْسِ
بِخِلَافِ مَا لَوْ زَوَّجَهَا الرَّاهِنُ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَهَا عَنْ الزَّوْجِ كَمَا أَنَّ لِلْمَوْلَى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُمْ فِي التَّعْلِيلِ إنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ إلَى آخِرِهِ أَقُولُ: فِي تَمَامِ هَذَا التَّعْلِيلِ مِنْ الْقَدْرِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ بِمَا إذَا أَعْتَقَ الرَّاهِنُ عَبْدَ الرَّهْنِ يَنْفُذُ عِتْقُهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ مَعَ جَرَيَانِ هَذَا التَّعْلِيلِ هُنَاكَ أَيْضًا فَالْوَجْهُ فِي التَّعْلِيلِ هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ لِانْعِدَامِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا فَصَلَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ الْإِعْتَاقِ بِانْعِدَامِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ حَيْثُ
قَالَ فِي آخِرِ تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ الْإِعْتَاقِ مِنْ قَبْلِ أَصْحَابِنَا وَامْتِنَاعُ النَّفَاذِ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ لِانْعِدَامِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ فَتَدَبَّرْ قَوْلَهُ وَامْتِنَاعُ النَّفَاذِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ لِانْعِدَامِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ مَانِعَةٌ عَنْ التَّسْلِيمِ وَالْبَيْعُ كَمَا يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ يَفْتَقِرُ إلَى الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ،
فَإِذَا انْعَقَدَ الْبَيْعُ بِإِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ انْتَقَلَ حَقُّهُ إلَى الثَّمَنِ فَيَكُونُ مَحْبُوسًا بِالدَّيْنِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ رَهْنًا عِنْدَ الْإِجَازَةِ كَانَ رَهْنًا وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ بِالْإِجَازَةِ نَفَذَ الْبَيْعُ وَمَلَكَ الرَّاهِنُ الثَّمَنَ وَأَنَّ مَا لَهُ أَخَذَهُ فَمَلَكَهُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ فَلَا يَصِيرُ رَهْنًا إلَّا بِالشَّرْطِ كَمَا إذَا أَجَرَهُ الرَّاهِنُ فَأَجَازَ الْمُرْتَهِنُ الْإِجَارَةَ لَا تَصِيرُ الْأُجْرَةُ رَهْنًا إلَّا بِالشَّرْطِ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ الثَّمَنَ قَائِمٌ مَقَامَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّهُ وَهُوَ بَدَلُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ وَمَحِلٌّ لِحَقِّهِ؛
لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ وَلِلْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ فَوَجَبَ انْتِقَالُ حَقِّهِ إلَيْهِ كَالْعَبْدِ الْمَدْيُونِ إذَا بِيعَ بِرِضَا الْغُرَمَاءِ يَنْتَقِلُ حَقُّهُمْ إلَى الْبَدَلِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ لِعَدَمِ رِضَاهُمْ بِذَلِكَ ظَاهِرٌ أَوْ الرِّضَا بِالْبَيْعِ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا لِسُقُوطِ الْحَقِّ رَأْسًا فَيَبْقَى الْحَقُّ عَلَى غَيْرِهِ
بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ لَيْسَتْ بِبَدَلِ حَقِّهِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ فَأَجَازَ الْمُسْتَأْجِرُ الْبَيْعَ حَيْثُ لَا يُنْقَلُ حَقُّهُ إلَى الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلِ الْعَيْنِ وَحَقُّهُ فِي الْعَيْنِ فَافْتَرَقَا.
وَإِنْ لَمْ يُجِزْ الْمُرْتَهِنُ الْبَيْعَ وَفَسَخَهُ انْفَسَخَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ حَتَّى إذَا افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ لَا سَبِيلَ لِلْمُشْتَرِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ الثَّابِتَ لِلْمُرْتَهِنِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ فَصَارَ كَالْمَالِكِ فَلَهُ أَنْ يُجِيزَ وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ،
وَفِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَنْفَسِخُ بِفَسْخِهِ،
وَفِي الْمُخْتَصَرِ إشَارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ قَالَ تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ جَعَلَ الْإِجَازَةَ إلَيْهِ دُونَ الْفَسْخِ وَجَعَلَهُ مُتَوَقِّفًا عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَسْخَهُ لَا يَنْفُذُ، وَوَجْهُ الِامْتِنَاعِ لِحَقِّهِ كَيْ لَا يَتَضَرَّرَ وَالتَّوَقُّفُ لَا يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْحَبْسِ لَا يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ الِانْعِقَادِ مِنْ غَيْرِ نُفُوذٍ فَبَقِيَ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْمُشْتَرِي،
ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَفْتَكَّ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ إذْ الْعَجْزُ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ،
وَإِنْ شَاءَ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي وَلِلْقَاضِي أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ لِفَوَاتِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْفَسْخِ لَهُ لَا إلَى الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ وَهُوَ الرَّاهِنُ وَصَارَ كَالْعَبْدِ الْمَبِيعِ إذَا أَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ،
فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَرْجِعَ.
وَإِنْ شَاءَ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي وَالْإِجَارَةُ مِثْلُ الرَّهْنِ حَتَّى لَا يَنْفُذَ بَيْعُ الْمُؤَجِّرِ،
وَلَوْ بَاعَهُ الرَّاهِنُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ آخَرَ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ الْمُرْتَهِنُ فَالثَّانِي مَوْقُوفٌ أَيْضًا عَلَى إجَازَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَنْفُذْ وَالْمَوْقُوفُ لَا يَمْنَعُ تَوَقُّفَ الثَّانِي فَأَيَّهُمَا أَجَازَ لَزِمَ ذَلِكَ وَبَطَلَ الْآخَرُ،
وَلَوْ بَاعَهُ الرَّاهِنُ، ثُمَّ أَجَّرَهُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ وَهَبَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَأَجَازَ الْمُرْتَهِنُ الْإِجَارَةَ أَوْ الرَّهْنَ أَوْ الْهِبَةَ جَازَ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ دُونَ هَذِهِ الْعُقُودِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَهُ مَنْفَعَةٌ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ يَتَحَوَّلُ إلَى الثَّمَنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ أَنْفَعَ مِنْ الْآخَرِ فَيُعْتَبَرُ تَعْيِينُهُ لِتَعَلُّقِ الْفَائِدَةِ بِهِ
أَمَّا هَذِهِ الْعُقُودُ فَلَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَا يُنْقَلُ إلَى الْآخَرِ لِمَا بَيَّنَّا وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ فَكَانَ إجَازَتُهُ إسْقَاطًا لِحَقِّهِ فَزَالَا لِمَانِعٍ فَنَفَذَ الْبَيْعُ كَمَا لَوْ بَاعَ الْمُؤَجِّرُ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ مِنْ اثْنَيْنِ فَأَجَازَ الْمُسْتَأْجِرُ الْبَيْعَ الثَّانِيَ نَفَذَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ لَهُ فِي الْبَيْعِ إذْ لَا يُنْقَلُ حَقُّهُ إلَى الْبَدَلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَكَانَ إجَازَتُهُ إسْقَاطًا لِحَقِّهِ فَنَفَذَ الْأَوَّلُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ هَذَا إذَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ الْمُرْتَهَنَةِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ بِحَقٍّ بَاشَرَهُ الرَّاهِنُ
وَأَمَّا لَوْ تَعَلَّقَ بِإِقْرَارِهِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ هَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي إقْرَارِ الرَّاهِنِ بِالْمَرْهُونِ لِلْغَيْرِ.
وَالثَّانِي فِي إقْرَارِ الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ لِغَيْرِ الرَّاهِنِ،
أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ رَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفٍ، ثُمَّ قَالَ هُوَ لِفُلَانٍ لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَأَنَّهُ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَالْإِبْطَالَ فَلَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، ثُمَّ الْمُقَرُّ لَهُ إنْ شَاءَ أَدَّى الْمَالَ وَقَبَضَ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّ عَدَمَ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ،
فَإِذَا زَالَ حَقُّهُ صَحَّ الْإِقْرَارُ كَمَا فِي الْبَيْعِ فَكَمَا أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقْضِيَ الدَّيْنَ وَيَأْخُذَ الْمَبِيعَ فَكَذَا هَذَا وَيَرْجِعُ بِمَا قَضَى عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِيهِ لِإِحْيَاءِ حَقِّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى مِلْكِهِ إلَّا بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَكَانَ كَالْمُعِيرِ لِلرَّهْنِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ فَكَذَا هَذَا،
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الرَّاهِنَ قِيمَةَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ زَعَمَ أَنَّهُ مِلْكُهُ رَهَنَهُ بِمَالِهِ وَسَلَّمَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَقَدْ عَجَزَ عَنْ رَدِّهِ إلَيْهِ لِلْحَالِ لِحَقٍّ الْمُرْتَهِنِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ وَلِلْمُقِرِّ أَنْ يَسْتَخْلِفَ الْمُرْتَهِنَ عَلَى عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ مَعْنًى لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ،
فَإِنْ أَنْكَرَ اُسْتُحْلِفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ الْمَالَ وَأَعْتَقَ الْعَبْدَ جَازَ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ وَالْمُرْتَهِنَ تَصَادَقَا عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ زَعَمَ أَنَّهُ مِلْكُ الْمُقَرِّ لَهُ وَإِعْتَاقُ الْمَالِكِ نَافِذٌ، وَالْمُرْتَهِنُ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَ الرَّاهِنِ لَا الْمُقَرِّ لَهُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ لَهُ فَقَدْ سَلَّطَهُ عَلَى إعْتَاقِهِ بِإِقْرَارِهِ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالْإِعْتَاقِ،
ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ لَهُ وَالرَّاهِنُ مُوسِرَيْنِ أَوْ مُعْسِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُوسِرٌ وَالْآخَرُ مُعْسِرٌ وَالدَّيْنُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ.
فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ وَالدَّيْنُ حَالٌّ فَالْمُرْتَهِنُ فِيهِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ الدَّيْنَ مِنْ الرَّاهِنِ،
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُعْتَقَ الْقِيمَةَ وَيَكُونُ رَهْنًا وَكَانَ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُرْتَهِنِ تَضْمِينُ الْمُعْتِقِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مِنْ زَعْمِ الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَإِنَّمَا جَازَ عِتْقُهُ بِتَسْلِيطِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ فَقَدْ سَلَّطَهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ فَصَارَ كَمَا لَوْ سَلَّطَهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ بِالْوَكَالَةِ،
فَإِنَّ الرَّاهِنَ لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِإِعْتَاقِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ وَنَقْدِ الثَّمَنِ فَأَعْتَقَهُ الْوَكِيلُ لَا يَضْمَنُ الْوَكِيلُ عِنْدَ هُمَا فَيَضْمَنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ الْمُعْتِقُ يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الرَّاهِنِ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ قَائِمًا كَانَ لَهُ تَضْمِينُ الرَّاهِنِ لِمَا أَحْدَثَ فِي مَالِهِ مِنْ الِارْتِهَانِ وَتَسْلِيمِ مَالِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَصَارَ غَاصِبًا فِي حَقِّهِ وَصَارَ مَا أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الْمُعْتِقِ مِلْكًا لِلرَّاهِنِ لَمَا ضَمِنَ ذَلِكَ لِلْمُعْتِقِ
بِخِلَافِ الْمُعِيرِ إذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَهُوَ مُعْسِرٌ وَالدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ فَضَمِنَهُ الْمُرْتَهِنُ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِيهِ، وَقَدْ قَضَى دَيْنَهُ الْمُؤَجَّلَ فَلَا يَرْجِعُ بِالْمُعَجَّلِ.
وَإِذَا كَانَا مُعْسِرَيْنِ وَالدَّيْنُ حَالٌّ يَسْعَى الْعَبْدُ لِلْمُرْتَهِنِ وَيَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ دُونَ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِ الْعَبْدِ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِهِ أَنَّ الْمُعْتِقَ لَمْ يَصِرْ مُتْلِفًا حَقَّ الْمُرْتَهِنِ بِالْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ رَهَنَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ،
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا،
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا وَالرَّاهِنُ مُعْسِرًا وَالدَّيْنُ حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ بِتَسْلِيطِ الرَّاهِنِ فَكَانَ الرَّاهِنُ أَعْتَقَهُ بِنَفْسِهِ وَهُوَ مُعْسِرٌ،
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُعْتِقَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ عَنْهُ بِالْإِعْتَاقِ وَيَرْجِعُ الْمُعْتِقُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فِيهِ وَالْعَبْدُ يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ دُونَ الْمُعْتِقِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا وَالرَّاهِنُ مُوسِرًا وَالدَّيْنُ حَالٌّ فَالرَّاهِنُ يَأْخُذُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ،
فَإِذَا قَضَى الدَّيْنَ خَرَجَ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الْوَسَطِ فَهَذَا رَجُلٌ أَعْتَقَ عَبْدًا كُلَّهُ لَهُ فَارِغًا عَارِيًّا عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ،
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فَالْمُرْتَهِنُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الرَّاهِنَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسَلَّطُ عَلَى الْعِتْقِ فَكَأَنَّهُ وَكَّلَ الْمُقَرَّ لَهُ بِإِعْتَاقِهِ،
وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ وَالْعَبْدُ يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى الدَّيْنَ لَا عَلَى الْمُعْتِقِ لِمَا بَيَّنَّا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِرَقَبَةِ الرَّهْنِ لِرَجُلٍ أَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ فِي رَقَبَتِهِ وَكُلُّ وَجْهٍ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
إمَّا أَنْ يَفْتَكَّهُ الرَّاهِنُ أَوْ يَهْلِكَ الرَّهْنُ أَوْ يُبَاعَ الرَّهْنُ بِالدَّيْنِ،
فَإِنْ أَقَرَّ بِرَقَبَتِهِ لِرَجُلٍ، وَقَالَ الرَّهْنُ لِفُلَانٍ اغْتَصَبَهُ الرَّاهِنُ.
فَإِنْ افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ فَلَا سَبِيلَ لِلْمُقِرِّ عَلَى الْعَبْدِ وَلَا عَلَى مَا أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُرْتَهِنِ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ وَمَا أَخَذَهُ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ الرَّهْنِ بَلْ هُوَ دَيْنُهُ اسْتَوْفَاهُ،
وَإِنْ كَانَ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَتِهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَبَطَلَ دَيْنُهُ؛ لِأَنَّهُ لِمَا أَنَّ الرَّاهِنَ اغْتَصَبَهُ مِنْ فُلَانٍ وَرَهَنَهُ مِنْهُ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ مُودِعُ الْغَاصِبِ أَوْ غَاصِبِ الْغَاصِبِ وَأَيَّامًا كَانَ فَهُوَ غَاصِبٌ
بِخِلَافِ مَا لَوْ افْتَكَّهُ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهُ إلَى يَدِ مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ فَيَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ
وَيَبْطُلُ دَيْنُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ لَمْ يَصِحَّ فَصَحَّ الرَّهْنُ فِي حَقِّهِ
وَأَمَّا إذَا بِيعَ الْعَبْدُ إمَّا الرَّاهِنُ أَوْ الْعَدْلُ وَأَخَذَ الْمُرْتَهِنُ الثَّمَنَ،
فَإِنْ أَجَازَ الْمُقَرُّ لَهُ الْبَيْعَ أَخَذَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ،
وَإِنْ لَمْ يُجِزْ فَلَا؛ لِأَنَّ مِنْ زَعْمِ الْمُرْتَهِنِ أَنَّ الْعَبْدَ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَقَدْ بِيعَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهِ،
فَإِنْ أَجَازَ يَكُونُ ثَمَنُ عَبْدِهِ،
وَإِنْ لَمْ يُجِزْ فَلَيْسَ بِثَمَنِ عَبْدِهِ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ،
وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ لِرَجُلٍ إنْ افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ وَأَخَذَ مِنْهُ الْعَبْدَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ الْعَبْدَ إلَى مَنْ أَخَذَ مِنْهُ،
فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ يَرْجِعُ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِدَيْنِهِ لَا غَيْرُ وَلَمْ يَفْصِلْ فِي الْكِتَابِ بَيْنَ مَا إذَا وَجَبَ دَيْنُ الْمُقَرِّ لَهُ قَبْلَ الرَّهْنِ أَوْ بَعْدَهُ،
وَقِيلَ هَذَا إذَا وَجَبَ دَيْنُهُ قَبْلَ الرَّهْنِ.
وَإِنْ وَجَبَ بَعْدَهُ فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ بِالْهَلَاكِ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ،
فَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ وَاجِبًا قَبْلَ رَهْنِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ وَمَالِيَّةُ الْعَبْدِ دَيْنٌ عَلَى الْعَبْدِ وَجَبَ اسْتِيفَاؤُهُ وَدَيْنُ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى دَيْنِ الْمَوْلَى،
فَأَمَّا إذَا وَجَبَ الدَّيْنُ بَعْدَ رَهْنِهِ فَحِينَئِذٍ صَارَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ مِنْ مَالِيَّتِهِ لَيْسَ فِي مَالِيَّةِ الْعَبْدِ دَيْنٌ وَجَبَ اسْتِيفَاؤُهُ فَصَحَّ اسْتِيفَاؤُهُ فَصَحَّ الِاسْتِيفَاءُ.
وَأَمَّا إذَا بِيعَ الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ فَلِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَجَازَ الْبَيْعَ أَوْ لَمْ يُجِزْ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ هَاهُنَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمُقَرِّ لَهُ فِي الْعَبْدِ،
وَإِذَا جَازَ الْبَيْعُ يَقُومُ الثَّمَنُ مَقَامَهُ وَمِنْ زَعْمِ الْمُرْتَهِنِ أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ أَحَقُّ بِثَمَنِ الْعَبْدِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ دَيْنُ الْعَبْدِ وَدَيْنَ الْمَوْلَى وَدَيْنَ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى دَيْنِ الْمَوْلَى فَيَدْفَعُهُ إلَيْهِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(بَابُ التَّصَرُّفِ فِي الرَّهْنِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ وَجِنَايَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ) قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(وَيُوقَفُ بَيْعُ الرَّاهِنِ عَلَى إجَازَةِ مُرْتَهِنِهِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَنْفُذُ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ فَصَارَ كَالْإِعْتَاقِ
وَالصَّحِيحُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ وَفِي الْبَيْعُ إبْطَالُ حَقِّهِ فَلَا يَنْفُذُ إلَّا بِإِجَازَتِهِ لِرِضَاهُ أَوْ بِقَضَاءِ الرَّاهِنِ دَيْنَهُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَهُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَكَوْنُهُ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِهِ لَا يَمْنَعُ التَّوَقُّفَ لِحَقِّ غَيْرِهِ كَمَنْ بَاعَ مَالَهُ لِوَارِثِهِ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْإِعْتَاقِ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الرَّدَّ وَلَا الْفَسْخَ فَكَذَا التَّوَقُّفُ،
فَإِذَا نَفَذَ الْبَيْعُ بِإِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ انْتَقَلَ حَقُّهُ إلَى الثَّمَنِ فَيَكُونُ مَحْبُوسًا بِالدَّيْنِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ رَهْنًا عِنْدَ الْإِجَازَةُ كَانَ رَهْنًا وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ بِالْإِجَازَةِ نَفَذَ الْبَيْعُ وَمَلَكَ الرَّاهِنُ الثَّمَنَ وَأَنَّهُ مَالٌ آخَرُ مَلَكَهُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، فَلَا يَصِيرُ رَهْنًا إلَّا بِالشَّرْطِ كَمَا إذَا آجَرَهُ الرَّاهِنُ وَأَجَازَ الْمُرْتَهِنُ الْإِجَارَةَ لَا تَصِيرُ الْأُجْرَةُ رَهْنًا إلَّا بِالشَّرْطِ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ الثَّمَنَ قَائِمٌ مَقَامَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ، وَهُوَ بَدَلُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ وَمَحَلٌّ لِحَقِّهِ؛
لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِيَّةِ وَلِلْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ فَوَجَبَ انْتِقَالُ حَقِّهِ إلَيْهِ كَالْعَبْدِ الْمَدِينِ إذَا بِيعَ بِرِضَا الْغُرَمَاءِ يَنْتَقِلُ حَقُّهُمْ إلَى الْبَدَلِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ لِعَدَمِ رِضَاهُمْ بِذَلِكَ ظَاهِرًا وَالرِّضَا بِالْبَيْعِ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِسُقُوطِ الْحَقِّ رَأْسًا فَيَبْقَى الْحَقُّ عَلَى حَالِهِ
بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ فَإِنَّ الْأُجْرَةَ لَيْسَتْ بِبَدَلِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْعَيْنِ، وَهِيَ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ فَلَا يَنْتَقِلُ حَقُّهُ إلَيْهَا وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَالِكُ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ فَأَجَازَ الْمُسْتَأْجِرُ الْبَيْعَ حَيْثُ لَا يَنْتَقِلُ حَقُّهُ إلَى الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْعَيْنِ وَحَقُّهُ إلَى الْمَنْفَعَةِ فَافْتَرَقَا،
وَإِنْ لَمْ يُجِزْ الْمُرْتَهِنُ الْبَيْعَ وَفَسَخَهُ انْفَسَخَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَتَّى إذَا افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ لَا سَبِيلَ لِلْمُشْتَرِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ الثَّابِتَ لِلْمُرْتَهِنِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ فَصَارَ كَالْمَالِكِ فَلَهُ أَنْ يُجِيزَ وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ،
وَفِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَنْفَسِخُ بِفَسْخِهِ وَفِي الْمُخْتَصَرِ هَاهُنَا إشَارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ قَالَ يُوقَفُ عَلَى إجَازَةِ مُرْتَهِنِهِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ جَعِلَ الْإِجَازَةَ إلَيْهِ دُونَ الْفَسْخِ وَجَعَلَهُ مُتَوَقِّفًا عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَسْخَهُ لَا يَنْفُذُ وَوَجْهُهُ أَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّهِ كَيْ لَا يَتَضَرَّرَ وَالتَّوَقُّفُ لَا يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْحَبْسِ لَا يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ الِانْعِقَادِ مِنْ غَيْرِ نُفُوذٍ فَبَقِيَ مُتَوَقِّفًا ثُمَّ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَفْتَكَّ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ إذْ الْعَجْزُ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ،
وَإِنْ شَاءَ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي وَلِلْقَاضِي أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ لِفَوَاتِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْفَسْخِ لَهُ لَا إلَى الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ، وَهُوَ الرَّاهِنُ فَصَارَ كَالْعَبْدِ الْمَبِيعِ إذَا أَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ،
فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَرْجِعَ،
وَإِنْ شَاءَ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي، وَالْإِجَارَةُ مِثْلُ الرَّهْنِ حَتَّى لَا يَنْفُذُ بَيْعُ الْمُؤَجَّرِ،
وَلَوْ بَاعَهُ الرَّاهِنُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ آخَرَ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ الْمُرْتَهِنُ فَالثَّانِي مَوْقُوفٌ أَيْضًا عَلَى إجَازَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَنْفُذْ وَالْمَوْقُوفُ لَا يَمْنَعُ تَوَقُّفَ الثَّانِي، فَأَيَّهُمَا أَجَازَ لَزِمَ ذَلِكَ وَبَطَلَ الْآخَرُ وَلَوْ بَاعَهُ الرَّاهِنُ ثُمَّ أَجَرَهُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ وَهَبَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَأَجَازَ الْمُرْتَهِنُ الْإِجَارَةَ أَوْ الرَّهْنَ أَوْ الْهِبَةَ جَازَ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ دُونَ هَذِهِ الْعُقُودِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَهُ مَنْفَعَةٌ فِي الْبَيْعِ.
؛ لِأَنَّ حَقَّهُ يَتَحَوَّلُ إلَى الثَّمَنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ الْبَيْعَيْنِ أَنْفَعَ مِنْ الْآخَرِ فَيُعْتَبَرُ تَعْيِينُهُ لِتَعَلُّقِ الْفَائِدَةِ بِهِ
أَمَّا هَذِهِ الْعُقُودُ فَلَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْأُجْرَةِ عَلَى التَّعَاقُبِ لِمَا بَيَّنَّا وَلَا بَدَلَ لَهُ فِي الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ فَكَانَتْ إجَازَتُهُ إسْقَاطًا لِحَقِّهِ فَزَالَ الْمَانِعُ فَنَفَذَ الْبَيْعُ كَمَا لَوْ بَاعَ الْمُؤَجِّرُ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ مِنْ اثْنَيْنِ عَلَى التَّعَاقُبِ فَأَجَازَ الْمُسْتَأْجِرُ الْبَيْعَ الثَّانِيَ نَفَذَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ لَهُ فِي الْبَيْعِ إذْ لَا يَنْتَقِلُ حَقُّهُ إلَى الْبَدَلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَكَانَتْ إجَازَتُهُ إسْقَاطًا لِحَقِّهِ فَنَفَذَ الْأَوَّلُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ وَهُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ) وَالْمُقْتَضِي مَوْجُودٌ، وَهُوَ التَّصَرُّفُ الصَّادِرُ مِنْ الْمَحَلِّ. اهـ. هِدَايَةٌ
(قَوْلُهُ فَيَكُونُ مَحْبُوسًا بِالدَّيْنِ) هُوَ الصَّحِيحُ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ هُوَ الصَّحِيحُ عَنْ رِوَايَةِ الْقَاضِي أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَوْلُهُ عَنْ رِوَايَةِ الْقَاضِي إلَخْ، وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ هُنَا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلِلْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ) وَحَاصِلُ الْكَلَامِ هُنَا أَنَّ مَنْ تَصَرَّفَ فِي عَيْنٍ مَمْلُوكٍ لَهُ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ فَأَجَازَ صَاحِبُ الْحَقِّ تَصَرُّفَهُ فَهَلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِبَدَلِهِ يُنْظَرُ،
فَإِنْ كَانَ مَا وَجَبَ مِنْ الْبَدَلِ بَدَلًا عَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِالْبَدَلِ،
وَإِنْ كَانَ مَا وَجَبَ مِنْ الْبَدَلِ بَدَلًا عَمَّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّهُ لَا يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِالْبَدَلِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ، وَإِنْ شَاءَ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي) أَيْ فَيُفْسَخُ الْبَيْعُ. اهـ. غَايَةٌ قَوْلُهُ حَتَّى لَا يَنْفُذُ بَيْعُ الْمُؤَجَّرِ) بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُسْتَأْجِرِ وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ رِوَايَةً وَاحِدَةً كَذَا ذَكَرَ قَاضِيخَانْ فِي آخِرِ بَابِ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ مِنْ فَتَاوَاهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَأَيُّهُمَا أَجَازَ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ فَأَيَّهُمَا أَجَازَ الْمُرْتَهِنُ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ نَفَذَ ذَلِكَ وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ وَيَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ اَ هـ
(قَوْلُهُ أَمَّا هَذِهِ الْعُقُودُ فَلَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهَا) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ: شَرْطٌ فِي فَصْلِ الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ تَسْلِيمُهُ الْعَيْنَ إلَى الْمُرْتَهِنِ الثَّانِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ مَعَ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ لَا عِبْرَةَ بِهِمَا بِدُونِ الْقَبْضِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ مَعَ الْإِجَارَةِ فِي فَصْلِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ مُعْتَبَرٌ بِدُونِ الْقَبْضِ مُفِيدٌ كَالْبَيْعِ سَوَاءٌ. اهـ. غَايَةٌ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.