كلّ عبدٍ بشّرني بكذا فهو حرٌّ فبشّره ثلاثةٌ متفرّقون عتق الأوّل
الشروح عليها
قَوْلُهُ: (كُلُّ عَبْدٍ بَشَّرَنِي بِكَذَا فَهُوَ حُرٌّ فَبَشَّرَهُ ثَلَاثَةٌ مُتَفَرِّقُونَ) (عَتَقَ الْأَوَّلُ) ؛ لِأَنَّ الْبِشَارَةَ اسْمٌ لِخَبَرٍ سَارٍ صِدْقٍ لَيْسَ لِلْمُبَشَّرِ بِهِ عِلْمٌ عُرْفًا وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مِنْ الْأَوَّلِ دُونَ الْبَاقِينَ، وَأَصْلُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا طَرِيًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ فَابْتَدَرَ إلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَسَبَقَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَكَانَ يَقُولُ بَشَّرَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَخْبَرَنِي عُمَرُ» ،
وَلَوْ كَتَبَ إلَيْهِ أَحَدُهُمَا كِتَابًا بِالْبِشَارَةِ يَعْتِقُ إلَّا إذَا نَوَى الْمُشَافَهَةَ؛ لِأَنَّ الْبِشَارَةَ قَدْ تَكُونُ بِالْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ الْغَائِبِ بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ مِنْ الْحَاضِرِ،
وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا فَإِنَّهُ يَعْتِقُ فِي الْبِشَارَةِ وَالْخَبَرِ
بِخِلَافِ الْحَدِيثِ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْمُشَافَهَةِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْعُو فُلَانًا فَكَتَبَ إلَيْهِ يَدْعُوهُ حَنِثَ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَقَيَّدْنَاهَا بِالصِّدْقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَشَّرَهُ كَذِبًا لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ،
وَإِنْ ظَهَرَ فِي بَشَرَةِ الْوَجْهِ الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ لَكِنَّهُ قَدْ زَالَ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلَافُهُ
بِخِلَافِ مَنْ أَخْبَرَنِي أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ فَكَذَا فَأَخْبَرَهُ وَاحِدٌ كَذِبًا فَإِنَّهُ يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْكَذِبِ وَالصِّدْقِ
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ مَنْ أَخْبَرَنِي بِقُدُومِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الصِّدْقِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَفِي الْبِشَارَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْبَاءِ أَوْ لَا
بِخِلَافِ الْخَبَرِ، وَقَدْ عُلِمَ الْفَرْقُ فِي بَحْثِ الْبَاءِ مِنْ الْأُصُولِ وَالْكِتَابَةُ كَالْخَبَرِ
فَلَوْ قَالَ إنْ كَتَبْت أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ فَكَذَا فَكَتَبَ كَذِبًا عَتَقَ؛ لِأَنَّهَا جَمَعَ الْحُرُوفَ وَقَدْ وُجِدَ
بِخِلَافِ إنْ كَتَبْت بِقُدُومِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ قُدُومِهِ حَقِيقَةً
فَلَوْ كَتَبَ بِقُدُومِهِ غَيْرَ عَالِمٍ بِهِ، وَقَدْ قَدِمَ حَقِيقَةً عَتَقَ بَلَغَ الْخَبَرُ إلَى الْحَالِفِ أَوْ لَا لِوُجُودِ الشَّرْطِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ،
وَأَمَّا الْإِعْلَامُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الصِّدْقِ؛ لِأَنَّ الْإِعْلَامَ إثْبَاتُ الْعِلْمِ وَالْكَذِبُ لَا يُفِيدُهُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْبَاءِ أَوْ لَا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَخَرَجَ الْخَبَرُ الضَّارُّ فَلَيْسَ بِبِشَارَةٍ عُرْفًا،
وَإِنْ سَمَّاهُ اللَّهُ بِشَارَةً فِي قَوْله تَعَالَى {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ؛ لِأَنَّهُ بِشَارَةٌ لُغَةً، وَالْكَلَامُ فِي الْعُرْفِ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ أَوَّلُ مَنْ بَشَّرَنِي بِقُدُومِ فُلَانٍ مِنْ عَبِيدِي فَهُوَ حُرٌّ فَأَرْسَلَ بَعْضَ عَبِيدِهِ عَبْدًا آخَرَ فَقَالَ قُلْ لِلْمَوْلَى إنَّ فُلَانًا يَقُولُ لَك قَدْ قَدِمَ فُلَانٌ فَأَبْلَغَهُ ذَلِكَ الْعَبْدُ قَالَ يُعْتَقُ الْمُرْسِلُ دُونَ الرَّسُولِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابَةِ،
وَلَوْ قَالَ الرَّسُولُ إنَّ فُلَانًا قَدْ قَدِمَ، وَلَمْ يَقُلْ أَرْسَلَنِي إلَيْك فُلَانٌ عَبْدُك بِكَذَا عَتَقَ الرَّسُولُ دُونَ الْمُرْسِلِ
(قَوْلُهُ: فَفِي الْبِشَارَةِ لَا فَرْقَ إلَخْ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا يُكَلِّمُهُ فَنَادَاهُ وَهُوَ نَائِمٌ،
وَكَذَا قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْإِعْلَامُ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ،
وَفِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لَوْ قَالَ إنْ أَخْبَرْتنِي أَنَّ زَيْدًا قَدِمَ فَكَذَا حَنِثَ بِالْكَذِبِ كَذَا إنْ كَتَبْت إلَيَّ،
وَإِنْ لَمْ يَصِلْ، وَفِي بَشَّرْتنِي أَوْ أَعْلَمْتنِي يُشْتَرَطُ الصِّدْقُ وَجَهْلُ الْحَالِفِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ فِي الْأُولَيَيْنِ الدَّالُ عَلَى الْمُخْبَرِ وَجَمْعِ الْحُرُوفِ،
وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ إفَادَةُ الْبِشْرِ وَالْعِلْمِ
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ بِقُدُومِهِ؛ لِأَنَّ بَاءَ الْإِلْصَاقِ تَقْتَضِي الْوُجُودَ، وَهُوَ بِالصِّدْقِ وَيَحْنَثُ بِالْإِيمَاءِ فِي أَعْلَمْتنِي وَبِالْكِتَابِ وَالرَّسُولِ فِي الْكُلِّ قَوْلُهُ:{وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالْفَتْحِ وَالنَّهْرِ وَالتِّلَاوَةُ وَبَشَّرُوهُ بِالْوَاوِ.
[شِرَاءُ أَبِيهِ لِلْكَفَّارَةِ]
(كل عبد بشرني بكذا) أي: بقدوم ولدي مثلا (فهو حر فبشره ثلاثة متفرقون عتق الأول) فقط، لأن البشارة إنما تحققت منه لأنها اسم لخبر سار وصدق ليس للمبشر به علم فخرج الضار والكذب فإنهما وإن تغيرت بشرة الوجه بهما إلا أنهما في العرف إلا كذلك، ولا يختص لغة بالسار بل قد يكون في الضار أيضا ومنه وإن بشروه معا عتقوا، وصح شراء أبيه للكفارة {فبشرهم بعذاب أليم} (آل عمران: ٢١٠) ودعوى المجاز مدفوع بمادة الاشتقاق، إذ لا شك أن الإخبار بما يخافه الإنسان يوجب تغير البشرة أيضا.
وقوله: ليس للمبشر به علم خرج الخبر وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام (مر بابن مسعود وهو يقرأ القرآن فقال: من أحب أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأ بقراءة ابن أم عبد فابتدره أبو بكر وعمر بالبشارة فسبق أبو بكر فكان يقول بشرني أبو بكر وأخبرني عمر) ولو كتب إليه أحدهم كتابا بالبشارة عتق إلا إذا نوى المشافهة،
وكذا لو أرسل إليه رسولا في البشارة والخير
بخلاف الحديث فإنه لا يعتق إلا بالمشافهة كما في (الذخيرة) .
ولو قال: من أخبرني أن فلانا قدم فكذا عتق بالكذب إلا إذا عدي بالماء بأن قال: من أخبرني بقدومه فإنه يشترط فيه الصدق لإفادتها صادق الخبر بنفس القدوم،
وكذا لو قال: إن كتبت بقدوم
بخلاف أن فلان قدم والإعلام كالبشارة كما في (البدائع) وحينئذ فلا فرق بين أن يذكر الباء أو لا،
(كُلُّ عَبْدٍ بَشَّرَنِي بِكَذَا فَهُوَ حُرٌّ فَبَشَّرَهُ ثَلَاثَةٌ مُتَفَرِّقُونَ عَتَقَ الْأَوَّلُ) لِأَنَّ الْبِشَارَةَ اسْمٌ لِخَبَرٍ سَارٍّ صِدْقٍ لَيْسَ لِلْمُبَشَّرِ بِهِ عِلْمُهُ عُرْفًا وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مِنْ الْأَوَّلِ دُونَ الْبَاقِيَيْنِ أَلَا تَرَى إلَى مَا يُرْوَى «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَرَّ بِابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا طَرِيًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ فَكَانَ يَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ بَشَّرَنِي أَبُو بَكْرٍ وَأَخْبَرَنِي عُمَرُ» فَقَدْ سَمَّى أَبَا بَكْرٍ مُبَشِّرًا لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِخَبَرٍ سَارٍّ صِدْقٍ وَلَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ وَهَذَا
بِخِلَافِ الْخَبَرِ حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِهِ حَتَّى لَوْ قَالَ مَنْ أَخْبَرَنِي بِقُدُومِ فُلَانٍ فَهُوَ حُرٌّ فَأَخْبَرَهُ ثَلَاثَةٌ مُتَفَرِّقُونَ عَتَقُوا لِمَا بَيَّنَّا وَرَوَيْنَا لَكِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا كَالْبِشَارَةِ وَلَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ الْعَبْدُ عَتَقَ فِي الْبِشَارَةِ وَالْخَبَرِ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالْمُرَاسَلَةَ تُسَمَّى بِشَارَةً وَهَذَا
بِخِلَافِ الْحَدِيثِ حَيْثُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْمُشَافَهَةِ وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا لَهُ أَرْسَلَ عَبْدًا آخَرَ بِالْبِشَارَةِ فَجَاءَ الرَّسُولُ وَقَالَ لِلْمَوْلَى إنَّ فُلَانًا يَقُولُ لَك قَدِمَ فُلَانٌ عَتَقَ الْمُرْسِلُ دُونَ الرَّسُولِ وَهَذِهِ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابِ
وَلَوْ قَالَ الرَّسُولُ إنَّ فُلَانًا قَدْ قَدِمَ وَلَمْ يَقُلْ أَرْسَلَنِي عَتَقَ الرَّسُولُ خَاصَّةً قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْبِشَارَةَ اسْمٌ لِخَبَرٍ سَارٍّ صِدْقٍ) قَالَ الْكَمَالُ وَقَدْ أُورِدَ عَلَى اشْتِرَاطِ الصِّدْقِ فِي الْبِشَارَةِ أَنَّ تَغَيُّرَ الْوَجْهِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْإِخْبَارِ السَّارِّ صِدْقًا كَذَلِكَ يَحْصُلُ كَذِبًا وَأُجِيبَ بِمَا لَيْسَ بِمُفِيدٍ وَالْوَجْهُ فِيهِ نَقْلُ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ. اهـ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.