وَتجوز الْعَارِية مُطلقَة ومقيدة بِمدَّة وَهِي مَضْمُونَة على الْمُسْتَعِير بِقِيمَتِهَا يَوْم تلفهَا
الشروح عليها
(وَتجوز) إِعَارَة جَارِيَة لخدمة امْرَأَة أَو ذكر محرم لِلْجَارِيَةِ لعدم الْمَحْذُور فِي ذَلِك وَفِي معنى الْمَرْأَة وَالْمحرم الْمَمْسُوح وَزوج الْجَارِيَة ومالكها كَأَن يستعيرها من مستأجرها أَو الْمُوصى لَهُ بمنفعتها وَيلْحق بالجارية الْأَمْرَد الْجَمِيل كَمَا قَالَه الزَّرْكَشِيّ لَا سِيمَا مِمَّن عرف بِالْفُجُورِ قَالَ الْإِسْنَوِيّ وسكتوا عَن إِعَارَة العَبْد للْمَرْأَة وَهُوَ كَعَكْسِهِ بِلَا شكّ وَلَو كَانَ الْمُسْتَعِير أَو المعار خُنْثَى امْتنع احْتِيَاطًا
وَيكرهُ كَرَاهَة تَنْزِيه اسْتِعَارَة وإعارة
فرع أَصله لخدمة واستعارة وإعارة كَافِر مُسلما صِيَانة لَهما عَن الإذلال
تَنْبِيه سكت المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى عَن شُرُوط بَقِيَّة الْأَركان فَيشْتَرط فِي الْمُعير صِحَة تبرعه وَلِأَنَّهَا تبرع بِإِبَاحَة الْمَنْفَعَة فَلَا تصح من صبي وَمَجْنُون ومكاتب بِغَيْر إِذن سَيّده ومحجور عَلَيْهِ بِسَفَه وفلس أَن يكون مُخْتَارًا فَلَا يَصح من مكره وَأَن يكون مَالِكًا لمَنْفَعَة المعار وَإِن لم يكن مَالِكًا للعين لِأَن الْإِعَارَة إِنَّمَا ترد على الْمَنْفَعَة دون الْعين فَتَصِح من مكتر لَا من مستعير لِأَنَّهُ غير مَالك للمنفعة وَإِنَّمَا أُبِيح لَهُ الِانْتِفَاع فَلَا يملك نقل الْإِبَاحَة
وَيشْتَرط فِي الْمُسْتَعِير تعْيين وَإِطْلَاق تصرف فَلَا تصح لغير معِين كَأَن قَالَ أعرت أَحَدكُمَا وَلَا لصبي وَمَجْنُون وسفيه إِلَّا بِعقد وليهم إِذا لم تكن الْعَارِية مَضْمُونَة كَأَن اسْتعَار من مُسْتَأْجر وللمستعير إنابة من يَسْتَوْفِي لَهُ الْمَنْفَعَة لِأَن الِانْتِفَاع رَاجع إِلَيْهِ
وَيشْتَرط فِي الصِّيغَة لفظ يشْعر بِالْإِذْنِ فِي الِانْتِفَاع كأعرتك أَو بِطَلَبِهِ كأعرني مَعَ لفظ الآخر أَو فعله وَإِن تَأَخّر أَحدهمَا عَن الآخر كَمَا فِي الْإِبَاحَة وَفِي معنى اللَّفْظ الْكِتَابَة مَعَ نِيَّة وَإِشَارَة أخرس مفهمة
وَلَو قَالَ أعرتك فرسي مثلا لتعلفه بعلفك أَو لتعيرني فرسك فَهُوَ إِجَارَة لَا إِعَارَة نظرا إِلَى الْمَعْنى فَاسِدَة لجَهَالَة الْمدَّة والعوض توجب أُجْرَة الْمثل وَمؤنَة رد المعار على الْمُسْتَعِير من مَالك أَو من نَحْو مكتر إِن رد عَلَيْهِ فَإِن رد على الْمَالِك فالمؤنة عَلَيْهِ كَمَا لَو رد على الْمُكْتَرِي وَخرج بمؤنة رده مُؤْنَته فتلزم الْمَالِك لِأَنَّهَا من حُقُوق الْملك وَإِن خَالف القَاضِي وَقَالَ إِنَّهَا على الْمُسْتَعِير وَتجوز (الْعَارِية مُطلقَة) من غير تَقْيِيد بِزَمن (ومقيدة بِمدَّة) كشهر فَلَا يفْتَرق الْحَال بَينهمَا نعم المؤقتة فَيجوز فِيهَا تَكْرِير الْمُسْتَعِير مَا استعاره لَهُ فَإِذا اسْتعَار أَرضًا لبِنَاء أَو غراس جَازَ لَهُ أَن يَبْنِي أَو يغْرس الْمرة بعد الْأُخْرَى مَا لم تنقص الْمدَّة أَو يرجع الْمُعير وَفِي الْمُطلقَة لَا يفعل ذَلِك إِلَّا مرّة وَاحِدَة فَإِن قلع مَا بناه أَو غرسه لم تكن لَهُ إِعَادَته إِلَّا بِإِذن جَدِيد إِلَّا إِن صرح لَهُ بالتجديد مرّة بعد أُخْرَى وَسَوَاء أَكَانَت الْإِعَارَة مُطلقَة أم مُؤَقَّتَة وَلكُل من الْمُعير أَو الْمُسْتَعِير رُجُوع فِي الْعَارِية مَتى شَاءَ لِأَنَّهَا جَائِزَة من الطَّرفَيْنِ فتنفسخ بِمَا تَنْفَسِخ بِهِ الْوكَالَة وَنَحْوهَا من موت أَحدهمَا وَغَيره وَيسْتَثْنى من رُجُوع الْمُعير مَا إِذا أعَار أَرضًا لدفن ميت مُحْتَرم فَلَا يرجع الْمُعير فِي مَوْضِعه الَّذِي دفن فِيهِ وَامْتنع أَيْضا على الْمُسْتَعِير ردهَا فَهِيَ لَازِمَة من جهتهما حَتَّى يندرس أثر المدفون إِلَّا عجب الذَّنب وَهُوَ مثل حَبَّة خَرْدَل فِي طرف العصعص لَا يكَاد يتَحَقَّق بِالْمُشَاهَدَةِ مُحَافظَة على حُرْمَة الْمَيِّت وَلَهُمَا الرُّجُوع قبل وَضعه فِي الْقَبْر لَا بعد وَضعه وَإِن لم يوار بِالتُّرَابِ كَمَا رَجحه فِي الشَّرْح الصَّغِير خلافًا للمتولي وَذكرت فِي شرح الْمِنْهَاج وَغَيره مسَائِل كَثِيرَة مُسْتَثْنَاة من الرُّجُوع فَلَا نطيل بذكرها فَمن أرادها فَلْيُرَاجِعهَا من تِلْكَ الْكتب وَلَكِن الهمم قد قصرت وَإِن أعَار لبِنَاء أَو غراس وَلَو إِلَى مُدَّة ثمَّ رَجَعَ بعد أَن بنى الْمُسْتَعِير أَو غرس فَإِن شَرط عَلَيْهِ قلع ذَلِك لزمَه قلعه فَإِن امْتنع قلعه الْمُعير وَإِن لم يشْتَرط عَلَيْهِ ذَلِك فَإِن اخْتَارَهُ الْمُسْتَعِير قلع مجَّانا وَلَزِمَه تَسْوِيَة الأَرْض وَإِن لم يخْتَر قلعه خير الْمُعير بَين ثَلَاثَة أُمُور وَهِي تملكه بِعقد بِقِيمَتِه مُسْتَحقّ الْقلع حِين التَّمَلُّك أَو قلعه بِضَمَان أرش نَقصه أَو تبقيته بِأُجْرَة فَإِن لم يخْتَر الْمُعير شَيْئا ترك حَتَّى يخْتَار أَحدهمَا مَا لَهُ اخْتِيَاره وَلكُل مِنْهُمَا بيع ملكه مِمَّن شَاءَ وَإِذا رَجَعَ الْمُعير قبل إِدْرَاك زرع لم يعْتد قلعه لزمَه تبقيته إِلَى قلعه وَلَو عين مُدَّة وَلم يدْرك فِيهَا لتقصير من الْمُسْتَعِير قلعه الْمُعير مجَّانا كَمَا لَو حمل نَحْو سيل كهواء بذرا إِلَى أرضه فنبت فِيهَا فَإِن لَهُ قلعه مجَّانا القَوْل فِي ضَمَان الْمُسْتَعَار (وَهِي) أَي الْعين المستعارة (مَضْمُونَة على الْمُسْتَعِير) إِذا تلفت بِغَيْر الِاسْتِعْمَال الْمَأْذُون فِيهِ وَإِن لم يفْرض كتلفها بِآفَة سَمَاوِيَّة لخَبر على الْيَد مَا أخذت حَتَّى تُؤَدِّيه وَحِينَئِذٍ يضمنهَا (بِقِيمَتِهَا) مُتَقَومَة كَانَت أَو مثلية (يَوْم تلفهَا) هَذَا مَا جزم بِهِ فِي الْأَنْوَار واقتضاه كَلَام جمع وَقَالَ ابْن أبي عصرون يضمن الْمثْلِيّ بالمثلي وَجرى عَلَيْهِ السُّبْكِيّ وَهَذَا هُوَ الْجَارِي على الْقَوَاعِد فَهُوَ الْمُعْتَمد وَلَو اسْتعَار عبدا عَلَيْهِ ثِيَاب لم تكن مَضْمُونَة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يَأْخُذهَا وَلم يستعملها
بِخِلَاف إكاف الدَّابَّة قَالَه الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ
تَنْبِيه يسْتَثْنى من ضَمَان الْعَارِية مسَائِل مِنْهَا جلد الْأُضْحِية الْمَنْذُورَة فَإِن إعارته جَائِزَة وَلَا يضمنهُ الْمُسْتَعِير إِذا تلف فِي يَده وَمِنْهَا الْمُسْتَعَار للرَّهْن إِذا تلف فِي يَد الْمُرْتَهن فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَلَا على الْمُسْتَعِير وَمِنْهَا مَا لَو اسْتعَار صيدا من محرم فَتلف فِي يَده لم يضمنهُ فِي الْأَصَح وَمِنْهَا مَا لَو أَعَارَهُ الإِمَام شَيْئا من بَيت المَال لمن لَهُ حق فِيهِ فَتلف فِي يَد الْمُسْتَعِير لم يضمنهُ وَمِنْهَا مَا لَو اسْتعَار الْفَقِيه كتابا مَوْقُوفا على الْمُسلمين لِأَنَّهُ من جملَة الْمَوْقُوف عَلَيْهِم
أما مَا تلف بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُون فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يضمنهُ للْإِذْن فِيهِ
تَتِمَّة لَو قَالَ من فِي يَده عين كدابة وَأَرْض لمَالِكهَا أعرتني ذَلِك فَقَالَ لَهُ مَالِكهَا بل أجرتك أَو غصبتني وَمَضَت مُدَّة لمثلهَا أُجْرَة صدق الْمَالِك كَمَا لَو أكل طَعَام غَيره وَقَالَ كنت أبحته لي وَأنكر الْمَالِك
أما إِذا لم تمض مُدَّة لمثلهَا أُجْرَة وَالْعين بَاقِيَة فَيصدق من بِيَدِهِ الْعين بِيَمِينِهِ فِي الأولى وَلَا معنى لهَذَا الِاخْتِلَاف فِي الثَّانِيَة وَلَو ادّعى الْمَالِك الْإِعَارَة وَذُو الْيَد الْغَصْب فَلَا معنى للنزاع فِيمَا إِذا كَانَت الْعين بَاقِيَة وَلم تمض مُدَّة لَهَا أُجْرَة فَإِن مَضَت فذو الْيَد مقرّ بِالْأُجْرَةِ لمنكرها وَلَو اخْتلف الْمُعير وَالْمُسْتَعِير فِي رد الْعَارِية صدق الْمُعير بِيَمِينِهِ لِأَن الأَصْل عدم الرَّد وَلَو اسْتعْمل الْمُسْتَعِير الْعَارِية جَاهِلا بِرُجُوع الْمُعير لم تلْزمهُ أُجْرَة فَإِن قيل الضَّمَان لَا فرق فِيهِ بَين الْجَهْل وَعَدَمه أُجِيب بِأَن ذَلِك عِنْد عدم تسليط الْمَالِك وَهنا بِخِلَافِهِ وَالْأَصْل بَقَاء السلطنة وَبِأَن الْمَالِك مقصر بترك الْإِعْلَام فصل فِي الْغَصْب وَهُوَ لُغَة أَخذ الشَّيْء ظلما
وَقيل أَخذه ظلما جهارا وَشرعا اسْتِيلَاء على حق الْغَيْر بِلَا حق وَالْأَصْل فِي تَحْرِيمه قبل الْإِجْمَاع آيَات كَقَوْلِه تَعَالَى {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ} أَي لَا يَأْكُل بَعْضكُم مَال بعض بِالْبَاطِلِ وأخبار كَخَبَر إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُم حرَام رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَدخل فِي التَّعْرِيف الْمَذْكُور مَا لَو أَخذ مَال غَيره يَظُنّهُ مَاله فَإِنَّهُ غصب وَإِن لم يكن بِهِ إِثْم وَقَول الرَّافِعِيّ إِن الثَّابِت فِي هَذِه حكم الْغَصْب لَا حَقِيقَته مَمْنُوع وَهُوَ نَاظر إِلَى أَن الْغَصْب يَقْتَضِي الْإِثْم مُطلقًا وَلَيْسَ مرَادا وَإِن كَانَ غَالِبا
فَلَو ركب دَابَّة لغيره أَو جلس على فرَاشه فغاصب وَإِن لم ينْقل ذَلِك وَلم يقْصد الِاسْتِيلَاء
(وتجوز العارية مطلقا) من غير تقييد بوقت (ومقيدا بمدة) أي بوقتٍ كأعَرتُك هذا الثوب شهرا.
وفي بعض النسخ «وتجوز العارية مطلقة ومقيدة بمدة». وللمعير الرجوع في كل منهما متى شاء. (وهي) أي العارية إذا تلفت، لا باستعمال مأذون فيه (مضمونة على المستعير بقيمتها يوم تلفها) لا بقيمتها يوم طلبها، ولا بأقصى القِيَم.
فإن تلفت باستعمال مأذون فيه كإعارة ثوب للُبسه فانسحق أو انمحق بالاستعمال فلا ضمان.
[• الغصب] {فصل} في أحكام الغصب. وهو لغةً أخذ الشيء ظُلمًا مجاهرة، وشرعا الاستيلاء على حق الغير عُدْوانًا. ويُرجع في الاستيلاء للعرف. ودخل في حق الغير ما يصح غصبه مما ليس بمال كجلد ميتة. وخرج بعُدوانا الاستيلاء على مال الغير بعقد.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.