والتعزية سنة قبل دفنه وبعده ثلاثة أيام
الشروح عليها
(وَالتَّعْزِيَةُ) لِأَهْلِ الْمَيِّتِ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ ذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ (سُنَّةٌ) فِي الْجُمْلَةِ مُؤَكَّدَةٌ لِمَا صَحَّ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَ لَهَا اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا الصَّبْرُ أَيْ الْكَامِلُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» وَمِنْ قَوْلِهِ «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَتِهِ إلَّا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ الِاجْتِمَاعُ بِمَكَانٍ لِتَأْتِيَهُمْ النَّاسُ لِلتَّعْزِيَةِ، وَجُلُوسُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٌ وَابْنُ رَوَاحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَانَ لِأَجْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ النَّاسُ لِيُعَزُّوهُ.
وَيُسَنُّ أَنْ يُعَزَّى بِكُلِّ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ عَلَيْهِ وَجْدٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، فَشَمِلَ ذَلِكَ الزَّوْجَ بِزَوْجَتِهِ وَالصَّدِيقَ بِصَدِيقِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالسَّيِّدَ بِرَقِيقِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ خَيْرَانَ، وَتَعْبِيرُهُمْ بِالْأَهْلِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، بَلْ عُمُومُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُسَنُّ التَّعْزِيَةُ بِالْمُصِيبَةِ يَشْمَلُ التَّعْزِيَةَ بِفَقْدِ الْمَالِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَقِيقًا وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْفُقَهَاءِ فِي التَّعْزِيَةِ بِالْمَيِّتِ، وَلَا يُعَزِّي الشَّابَّةَ إلَّا مَحَارِمُهَا أَوْ زَوْجُهَا كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ،
وَكَذَا مَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ فِي جَوَازِ النَّظَرِ فِيمَا يَظْهَرُ.
أَمَّا تَعْزِيَتُهَا لِلْأَجْنَبِيِّ فَحَرَامٌ قِيَاسًا عَلَى سَلَامِهَا عَلَيْهِ، وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا فِي الْجُمْلَةِ عَنْ تَعْزِيَةِ الذِّمِّيِّ بِمِثْلِهِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ لَا مَنْدُوبَةٌ عَلَى مَا يَأْتِي فِيهِ، وَهِيَ لُغَةً التَّسْلِيَةُ عَمَّنْ يُعَزَّى عَلَيْهِ، وَاصْطِلَاحًا الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ الْوِزْرِ بِالْجَزَعِ وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بِالْمَغْفِرَةِ وَلِلْمُصَابِ بِجَبْرِ الْمُصِيبَةِ، وَتُسَنُّ (قَبْلَ دَفْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ شِدَّةِ الْجَزَعِ وَالْحُزْنِ (وَ) لَكِنْ (بَعْدَهُ) أَوْلَى لِاشْتِغَالِهِمْ قَبْلَهُ بِتَجْهِيزِهِ، وَلِشِدَّةِ حُزْنِهِمْ حِينَئِذٍ بِالْمُفَارَقَةِ.
نَعَمْ إنْ اشْتَدَّ جَزَعُهُمْ اُخْتِيرَ تَقْدِيمُهَا لِيُصَبِّرَهُمْ وَتَمْتَدُّ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) تَقْرِيبًا فَتُكْرَهُ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا تَسْكِينُ قَلْبِ الْمُصَابِ وَالْغَالِبُ سُكُونُهُ فِيهَا فَلَا يُجَدَّدُ حُزْنُهُ، وَقَدْ جَعَلَهَا النَّبِيُّ نِهَايَةَ الْحُزْنِ بِقَوْلِي لَهُ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ،
وَمِنْ هُنَا كَانَ ابْتِدَاءُ الثَّلَاثِ مِنْ الْمَوْتِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ، وَبِهِ صَرَّحَ جَمْعٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ أَبِي الدَّمِ وَالْغَزَالِيُّ فِي خُلَاصَتِهِ وَالصَّيْمَرِيُّ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ وَصَاحِبُ الْكَافِي وَالْإِقْنَاعِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مِنْ الدَّفْنِ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ التَّعْزِيَةِ مِنْهُ أَيْضًا لَا مِنْ الْمَوْتِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي مَجْمُوعِهِ وَغَيْرِهِ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَقْتُهَا مِنْ الْمَوْتِ إلَى الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُرَادُهُ بِهِ مَا قُلْنَا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدُ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُهَا قَبْلَ الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ اهـ.
وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرُهُ لِلْحَنَابِلَةِ، هَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِحَاضِرٍ،
أَمَّا عِنْدَ غَيْبَةِ الْمُعَزَّى أَوْ الْمُعَزِّي أَوْ مَرَضِهِ أَوْ حَبْسِهِ أَوْ عَدَمِ عِلْمِهِ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي تَمْشِيَتِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهَا كُلُّ مَا يُشْبِهُهَا مِنْ أَعْذَارِ الْجَمَاعَةِ فَتَبْقَى إلَى الْقُدُومِ وَالْعِلْمِ وَزَوَالِ الْمَانِعِ، وَبَحَثَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ امْتِدَادَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَارْتَضَاهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَتَحْصُلُ بِالْمُكَاتَبَةِ مِنْ الْغَائِبِ وَيَلْتَحِقُ بِهِ الْحَاضِرُ الْمَعْذُورُ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ،
وَفِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ وَقْفَةٌ
(قَوْلُهُ: وَالتَّعْزِيَةُ) أَيْ مِنْ الْأَجَانِبِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَنَّ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ
(قَوْلُهُ: صَغِيرِهِمْ) أَيْ الَّذِي لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ
(قَوْلُهُ: سُنَّةٌ فِي الْجُمْلَةِ) بِبَعْضِ الْهَوَامِشِ الصَّحِيحَةِ وَتُسَنُّ الْمُصَافَحَةُ هُنَا أَيْضًا اهـ.
وَهُوَ قَرِيبٌ؛ لِأَنَّ فِيهَا جَبْرًا لِأَهْلِ الْمَيِّتِ وَكَسْرًا لِسُورَةِ الْحُزْنِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى مِنْ الْمُصَافَحَةِ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهِ، وَتَحْصُلُ سُنَّةُ التَّعْزِيَةِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ،
فَلَوْ كَرَّرَهَا هَلْ يَكُونُ مَكْرُوهًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَجْدِيدِ الْحُزْنِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ يُقَالُ مُقْتَضَى الِاقْتِصَارِ فِي الْكَرَاهَةِ عَلَى مَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ عَدَمُ كَرَاهَةِ التَّكْرِيرِ فِي الثَّلَاثَةِ سِيَّمَا إذَا وَجَدَ عِنْدَ أَهْلُ الْمَيِّتِ جَزَعًا عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ) أَيْ مَعَ جَزَعٍ مِنْهَا
(قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ إنَّمَا الصَّبْرُ إلَخْ) قَالَ الْعَلْقَمِيُّ عَلَى الْجَامِعِ عِنْدَ شَرْحِهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ الصَّبْرُ هُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى كَرِيهٍ تَتَحَمَّلُهُ أَوْ لَذِيذٍ تُفَارِقُهُ وَهُوَ مَمْدُوحٌ وَمَطْلُوبٌ
(قَوْلُهُ: عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى) مَعْنَاهُ: أَنَّ كُلَّ ذِي رَزِيَّةٍ قُصَارَاهُ الصَّبْرُ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا يَحْمَدُ عِنْدَ حِدَّتِهَا اهـ مُخْتَارُ الصِّحَاحِ
(قَوْلُهُ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَتِهِ) أَيْ وَلَوْ بِغَيْرِ الْمَوْتِ
(قَوْلُهُ: بِمَكَانٍ لِتَأْتِيَهُمْ النَّاسُ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى عَدَمِ الْجُلُوسِ ضَرَرٌ كَنِسْبَتِهِمْ الْمُعِزِّي إلَى كَرَاهَتِهِ لَهُمْ حَيْثُ لَمْ يَجْلِسْ لِتَلَقِّيهمْ وَإِلَّا فَتَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الْجُلُوسُ وَاجِبًا إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ لَوْ لَمْ يَجْلِسْ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَابْنُ رَوَاحَةَ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ
(قَوْلُهُ: التَّعْزِيَةَ بِفَقْدِ الْمَالِ) أَيْ وَإِنْ قَلَّ بِالنِّسْبَةِ لَنْ يَتَأَثَّرَ لَهُ
(قَوْلُهُ وَلَا يُعَزِّي الشَّابَّةَ إلَخْ) أَيْ لَا يُسَنُّ بَلْ تُكْرَهُ التَّعْزِيَةُ لِغَيْرِ الْمَحَارِمِ
(قَوْلُهُ: وَكَذَا مَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ) أَيْ كَعَبْدِهَا
(قَوْلُهُ: أَمَّا تَعْزِيَتُهَا لِلْأَجْنَبِيِّ فَحَرَامٌ) وَقِيَاسُ حُرْمَةُ رَدِّهَا السَّلَامَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ حُرْمَةُ رَدِّهَا عَلَى الْأَجْنَبِيِّ الْمُعِزِّي
(قَوْلُهُ: قِيَاسًا عَلَى سَلَامِهَا) قَضِيَّةُ الْقِيَاسِ عَلَى السَّلَامِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَعَ جَمْعٍ مِنْ النِّسْوَةِ تُحِيلُ الْعَادَةَ أَنَّ مِثْلَهُ خَلْوَةٌ عَدَمُ الْحُرْمَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ سِيَّمَا إذَا قُطِعَ بِانْتِفَاءِ الرِّيبَةِ
(قَوْلُهُ: عَمَّنْ يُعَزَّى عَلَيْهِ) أَيْ عَمَلٌ يُعَزَّى بِهِ، وَعِبَارَةُ الْخَطِيبِ عَمَّنْ يُعَزَّى عَلَيْهِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ
(قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ) أَيْ فَإِنْ وَقَعَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ تُمِّمَ مِنْ الرَّابِعِ
(قَوْلُهُ: مُرَادُهُ بِهِ مَا قُلْنَا إلَخْ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْ هُنَا كَانَ ابْتِدَاءُ الثَّلَاثِ مِنْ الْمَوْتِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: هَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِحَاضِرٍ) أَيْ وَلَوْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْبَلَدِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ الْبَلَدِ مَا جَاوَرَهَا
(قَوْلُهُ: وَارْتَضَاهُ الْإِسْنَوِيُّ) مُعْتَمَدٌ
(قَوْلُهُ: وَاصْطِلَاحًا الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّعْزِيَةَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِمَجْمُوعِ مَا يَأْتِي وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ فَلْيُرَاجَعْ
(قَوْلُهُ: بِوَعْدِ الْأَجْرِ) أَيْ إنْ كَانَ مُسْلِمًا
(قَوْلُهُ: وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بِالْمَغْفِرَةِ) أَيْ إنْ كَانَ مُسْلِمًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَالتَّعْزِيَةُ) بِالْمَيِّتِ وَأُلْحِقَ بِهِ مُصِيبَةُ نَحْوِ الْمَالِ لِشُمُولِ الْخَبَرِ الْآتِي لَهَا أَيْضًا (سُنَّةٌ) لِكُلِّ مَنْ يَأْسَفُ عَلَيْهِ كَقَرِيبٍ وَزَوْجٍ وَصِهْرٍ وَصَدِيقٍ وَسَيِّدٍ وَمَوْلًى وَلَوْ صَغِيرًا. نَعَمْ الشَّابَّةُ لَا يُعَزِّيهَا إلَّا نَحْوُ مَحْرَمٍ أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ كَابْتِدَائِهَا بِالسَّلَامِ وَيَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ وَكَلَامُهُمْ إلَيْهَا أَقْرَبُ لِأَنَّ فِي التَّعْزِيَةِ مِنْ الْوَصْلَةِ وَخَشْيَةِ الْفِتْنَةِ مَا لَيْسَ فِي مُجَرَّدِ السَّلَامِ
أَمَّا تَعْزِيَتُهَا لَهُ فَلَا شَكَّ فِي حُرْمَتِهَا عَلَيْهَا كَسَلَامِهَا عَلَيْهِ وَذَلِكَ لِخَبَرٍ ضَعِيفٍ «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» وَفِي خَبَرٍ لِابْنِ مَاجَهْ «أَنَّهُ يُكْسَى حُلَلَ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ تَعْزِيَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْمَعْنَى وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَالْأَفْضَلُ كَوْنُهَا (قَبْلَ دَفْنِهِ) إنْ رَأَى مِنْهُمْ شِدَّةَ جَزَعٍ لِيُصَبِّرَهُمْ وَإِلَّا فَبَعْدَهُ لِاشْتِغَالِهِمْ بِتَجْهِيزِهِ (وَ) تَمْتَدُّ (بَعْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) تَقْرِيبًا لِسُكُونِ الْحُزْنِ بَعْدَهَا غَالِبًا وَمِنْ ثَمَّ كُرِهَتْ حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا تُجَدِّدُهُ وَابْتِدَاؤُهَا مِنْ الدَّفْنِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَاعْتَرَضَهُ جَمْعٌ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ لَهُ مِنْ الْمَوْتِ هَذَا إنْ حَضَرَ الْمُعَزِّي وَالْمُعَزَّى وَعُلِمَ وَإِلَّا فَمِنْ الْقُدُومِ أَوْ بُلُوغِ الْخَبَرِ وَكَغَائِبٍ نَحْوِ مَرِيضٍ أَوْ مَحْبُوسٍ
وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا وَهِيَ الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ وَالْحَمْلِ عَلَيْهِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ الْوِزْرِ بِالْجَزَعِ وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ بِالْمَغْفِرَةِ وَلِلْمُصَابِ بِجَبْرِ الْمُصِيبَةِ
(قَوْلُهُ مُصِيبَةُ نَحْوِ الْمَالِ) أَيْ وَلَوْ هِرَّةً شَيْخُنَا وَبُجَيْرِمِيٌّ قَوْلُ الْمَتْنِ (سُنَّةٌ) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ مُؤَكَّدَةٌ وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا فِي الْجُمْلَةِ تَعْزِيَةُ الذِّمِّيِّ بِذِمِّيٍّ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ لَا مَنْدُوبَةٌ مُغْنِي وَنِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ لِكُلِّ مَنْ يَأْسَفُ عَلَيْهِ إلَخْ) وَتُنْدَبُ الْبُدَاءَةُ بِأَضْعَفِهِمْ عَنْ حَمْلِ الْمُصِيبَةِ مُغْنِي وَشَيْخُنَا
(قَوْلُهُ وَلَوْ صَغِيرًا) أَيْ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ وَبِبَعْضِ الْهَوَامِشِ الصَّحِيحَةِ وَتُسَنُّ الْمُصَافَحَةُ هُنَا أَيْضًا انْتَهَى وَهُوَ قَرِيبٌ لِأَنَّ فِيهَا جَبْرًا لِأَهْلِ الْمَيِّتِ وَكَسْرًا لِسُورَةِ الْحُزْنِ بَلْ هَذَا أَوْلَى مِنْ الْمُصَافَحَةِ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهِ وَتَحْصُلُ سُنَّةُ التَّعْزِيَةِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ
فَلَوْ كَرَّرَهَا هَلْ يَكُونُ مَكْرُوهًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَجْدِيدِ الْحُزْنِ أَمْ لَا فِيهِ نَظَرٌ وَقَدْ يُقَالُ مُقْتَضَى الِاقْتِصَارِ فِي الْكَرَاهَةِ عَلَى مَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ عَدَمُ كَرَاهَةِ التَّكْرِيرِ فِي الثَّلَاثَةِ سِيَّمَا إذَا وُجِدَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ جَزَعًا عَلَيْهِ ع ش وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ قَالَ شَيْخُنَا بِكَرَاهَةِ التَّكْرَارِ فِيهَا
(قَوْلُهُ إلَّا نَحْوَ مَحْرَمٍ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ إلَّا مَحَارِمَهَا وَزَوْجَهَا
وَكَذَا مَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ فِي جَوَازِ النَّظَرِ كَمَا بَحَثَهُ شَيْخُنَا اهـ أَيْ كَعَبْدِهَا ع ش.
(قَوْلُهُ أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ) وَكَذَا يُكْرَهُ رَدُّ الْأَجَانِبِ عَلَيْهَا إذَا عَزَّتْ شَيْخُنَا
(قَوْلُهُ وَيُحْتَمَلُ الْحُرْمَةُ إلَخْ) ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّ الْإِسْنَوِيَّ أَخَذَ الْحُرْمَةَ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْفُتُوحِ سم عِبَارَةُ الْبَصْرِيِّ يُتَأَمَّلُ فِيهِ أَيْ فِي الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ وَفِي مُسْتَنَدِهِ وَتَعْلِيلِهِ فَإِنَّ التَّعْزِيَةَ حَالَ اشْتِغَالِ الْقَلْبِ عَادَةٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ خَالِيَةٌ عَنْ دَوَاعِي الْفِتْنَةِ وَالْحَصْرِ فِي كَلَامِهِمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّدَبِ وَالْمَشْرُوعِيَّةِ لِلَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ لَا لِلْجَوَازِ اهـ وَقَوْله فَإِنَّ التَّعْزِيَةَ إلَخْ فِي عُمُومِ وُجُودِهِ بَاطِنًا أَيْضًا تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ أَمَّا تَعْزِيَتُهَا لَهُ) أَيْ لِلْأَجْنَبِيِّ (فَلَا شَكَّ فِي حُرْمَتِهَا عَلَيْهَا)
وَكَذَلِكَ رَدَّهَا عَلَى الْأَجْنَبِيِّ الْمِعْزَى بِنَحْوِ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْك حَرَامٌ سم وَع ش وَشَيْخُنَا
(قَوْلُهُ كَسَلَامِهَا إلَخْ) قَضِيَّةُ الْقِيَاسِ عَلَى السَّلَامِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَعَ جَمْعٍ مِنْ النِّسْوَةِ تُحِيلُ الْعَادَةَ أَنَّ مِثْلَهُ خَلْوَةٌ عَدَمُ الْحُرْمَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ سِيَّمَا إذَا قَطَعَ بِانْتِفَاءِ الرِّيبَةِ ع ش
(قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إلَخْ) اعْتَمَدَهُ ع ش
وَكَذَا شَيْخُنَا عِبَارَتُهُ وَيُسَنُّ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ تَعْزِيَةٌ بَعْضُهُمْ بَعْضًا كَمَا أَجَابَ بِهِ الرَّمْلِيُّ فَيُسَنُّ لِلْأَخِ أَنْ يُعَزِّيَ أَخَاهُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ مُصَابٌ.
وَيُسَنُّ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ وَالنِّهَايَةُ إجَابَةُ التَّعْزِيَةِ بِنَحْوِ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا وَتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْك وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ الْآنَ مَا أَحَدٌ يَمْشِي لَك فِي سُوءٍ اهـ.
(قَوْلُهُ وَظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْمَعْنَى
(قَوْلُهُ وَالْأَفْضَلُ) إلَى قَوْلِ الْمَتْنِ وَيُعَزِّي الْمُسْلِمُ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ مِنْ الدَّفْنِ إلَى مِنْ الْمَوْتِ
(قَوْلُهُ تَقْرِيبًا) أَيْ فَلَا يَضُرُّ زِيَادَةُ بَعْضِ يَوْمٍ شَيْخِنَا أَيْ لَا تُكْرَهُ
(قَوْلُهُ حِينَئِذٍ) أَيْ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنْ وَقَعَ الْمَوْتُ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ تَمَّمَ مِنْ الرَّابِعِ ع ش
(قَوْلُهُ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ أَنَّهُ مِنْ الْمَوْتِ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي وَمَنْهَجٌ
(قَوْلُهُ هَذَا إنْ حَضَرَ الْمُعَزِّي إلَخْ) أَيْ وَإِنْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْبَلَدِ وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ الْبَلَدِ مَا جَاوَرَهَا ع ش
(قَوْلُهُ وَكَغَائِبٍ نَحْوِ مَرِيضٍ إلَخْ) أَيْ مِمَّا يُشْبِهُهُ مِنْ أَعْذَارِ الْجَمَاعَةِ وَتَحْصُلُ بِالْمُكَاتَبَةِ مِنْ الْغَائِبِ وَيَلْحَقُ بِهِ الْحَاضِرُ الْمَعْذُورُ بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ وَفِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ وَقْفَةٌ نِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي
وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ الِاجْتِمَاعُ بِمَكَانٍ لِتَأْتِيَهُمْ النَّاسُ لِلتَّعْزِيَةِ اهـ قَالَ ع ش.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى عَدَمِ الْجُلُوسِ ضَرَرٌ كَنِسْبَتِهِمْ الْمُعِزِّي إلَى كَرَاهَتِهِ لَهُمْ حَيْثُ لَمْ يَجْلِسْ لِتَلَقِّيهمْ وَإِلَّا فَتَنْبَغِي الْكَرَاهَةُ بَلْ قَدْ يَكُونُ الْجُلُوسُ وَاجِبًا إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ لَوْ لَمْ يَجْلِسْ ذَلِكَ اهـ وَفِيهِ وَقْفَةٌ
(قَوْلُهُ وَهِيَ) أَيْ التَّعْزِيَةُ اصْطِلَاحًا نِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّعْزِيَةَ إنَّمَا تُحَقَّقُ بِمَجْمُوعِ مَا يَأْتِي وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ فَلْيُرَاجَعْ رَشِيدِيٌّ
(قَوْلُهُ بِالصَّبْرِ) هُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى كَرِيهٍ يَتَحَمَّلُهُ أَوْ لَذِيذٍ يُفَارِقُهُ وَهُوَ مَمْدُوحٌ وَمَطْلُوبٌ ع ش قَوْلُهُ بِوَعْدِ الْأَجْرِ أَيْ إنْ كَانَ مُسْلِمًا رَشِيدِيٌّ
(قَوْلُهُ أَمَّا تَعْزِيَتُهَا لَهُ) بِنَحْوِ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْك وَهُوَ نَظِيرُ رَدِّهَا سَلَامَهُ
(قَوْلُهُ: وَابْتِدَاؤُهَا مِنْ الدَّفْنِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ) وَاعْتَرَضَهُ جَمْعٌ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ أَنَّهُ مِنْ الْمَوْتِ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ شَرْحُ م ر وَأَوَّلَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عِبَارَةَ الْمَجْمُوعِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَالتَّعْزِيَةُ) لِأَهْلِ الْمَيِّتِ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ ذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ (سُنَّةٌ) فِي الْجُمْلَةِ مُؤَكَّدَةٌ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلَّا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» نَعَمْ الشَّابَّةُ لَا يُعَزِّيهَا أَجْنَبِيٌّ وَإِنَّمَا يُعَزِّيهَا مَحَارِمُهَا وَزَوْجُهَا،
وَكَذَا مَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ فِي جَوَازِ النَّظَرِ كَمَا بَحَثَهُ شَيْخُنَا وَابْنُ خَيْرَانَ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّعْزِيَةُ بِالْمَمْلُوكِ، بَلْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَزَّى بِكُلِّ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ عَلَيْهِ وَجْدٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ حَتَّى الزَّوْجَةُ وَالصَّدِيقُ، وَتَعْبِيرُهُمْ بِالْأَهْلِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَتُنْدَبُ الْبُدَاءَةُ بِأَضْعَفِهِمْ عَنْ حَمْلِ الْمُصِيبَةِ، وَخُرِّجَ بِقَوْلِنَا فِي الْجُمْلَةِ تَعْزِيَةُ الذِّمِّيِّ بِذِمِّيٍّ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ لَا مَنْدُوبَةٌ، وَهِيَ لُغَةً التَّسْلِيَةُ عَمَّنْ يَعِزُّ عَلَيْهِ، وَاصْطِلَاحًا الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ الْوِزْرِ بِالْجَزَعِ، وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بِالْمَغْفِرَةِ، وَلِلْمُصَابِ بِجَبْرِ الْمُصِيبَةِ، وَتُسَنُّ (قَبْلَ دَفْنِهِ) ؛
لِأَنَّهُ وَقْتُ شِدَّةِ الْجَزَعِ وَالْحَزَنِ (وَ) لَكِنْ (بَعْدَهُ) أَوْلَى لِاشْتِغَالِهِمْ قَبْلَهُ بِتَجْهِيزِهِ إلَّا إنْ أَفْرَطَ حُزْنُهُمْ فَتَقْدِيمُهَا أَوْلَى لِيُصَبِّرَهُمْ، وَغَايَتُهَا (ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) تَقْرِيبًا مِنْ الْمَوْتِ الْحَاضِرِ وَمِنْ الْقُدُومِ لِغَائِبٍ، وَمِثْلُ الْغَائِبِ الْمَرِيضُ الْمَحْبُوسُ فَتُكْرَهُ التَّعْزِيَةُ بَعْدَهَا إذْ الْغَرَضُ مِنْهَا تَسْكِينُ قَلْبِ الْمُصَابِ، وَالْغَالِبُ سُكُونُهُ فِيهَا فَلَا يُجَدِّدُ حُزْنَهُ،
وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا بِأَنْ يَجْتَمِعَ أَهْلُ الْمَيِّتِ بِمَكَانٍ لِيَأْتِيَهُمْ النَّاسُ لِلتَّعْزِيَةِ؛ لِأَنَّهُ مُحْدَثٌ وَهُوَ بِدْعَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ يُجَدِّدُ الْحُزْنَ وَيُكَلِّفُ الْمُعَزِّيَ.
وَأَمَّا مَا ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا جَاءَهُ قَتْلُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ» فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ جُلُوسَهُ كَانَ لِأَجْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ النَّاسُ لِيُعَزُّوهُ
(وَالتَّعْزِيَةُ سُنَّةٌ قَبْلَ دَفْنِهِ وَبَعْدَهُ) أَيْ هُمَا سَوَاءٌ فِي أَصْلِ السُّنِّيَّةِ، وَتَأْخِيرُهَا أَحْسَنُ لِاشْتِغَالِ أَهْلِ الْمَيِّتِ بِتَجْهِيزِهِ،
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: إلَّا أَنْ يَرَى مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ جَزَعًا شَدِيدًا فَيُخْتَارُ تَقْدِيمُهَا لِيُصَبِّرَهُمْ. (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) تَقْرِيبًا فَلَا تَعْزِيَةَ بَعْدَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَزِّي أَوْ الْمُعَزَّى غَائِبًا،
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَقْتُ التَّعْزِيَةِ مِنْ حِينَ الْمَوْتِ إلَى الدَّفْنِ وَبَعْدَ الدَّفْنِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَتُكْرَهُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ أَيْ لِتَجْدِيدِ الْحُزْنِ بِهَا لِلْمُصَابِ بَعْدَ سُكُونِ قَلْبِهِ بِالثَّلَاثَةِ غَالِبًا، وَمَعْنَاهَا الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ الْوِزْرِ بِالْجَزَعِ، وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بِالْمَغْفِرَةِ وَلِلْمُصَابِ بِجَبْرِ الْمُصِيبَةِ، رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ:«أَرْسَلَتْ إحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنًا لَهَا فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ الرَّسُولُ: ارْجِعْ إلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»
قَوْلُهُ: (وَالتَّعْزِيَةُ سُنَّةٌ) وَلَوْ فِي الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ أَوْ فِي مَالٍ مِنْ كُلِّ مَا يَعِزُّ عَلَى الْمُصَابِ وَيَدْعُو بِمَا يُنَاسِبُ. وَتَعْزِيَةُ الشَّابَّةِ لَأَجْنَبِيٍّ حَرَامٌ ابْتِدَاءً وَرَدًّا،
وَيُكْرَهُ لَهُ ابْتِدَاءً وَرَدًّا كَالسَّلَامِ،
وَيُكْرَهُ تَعْزِيَةُ تَارِكِ صَلَاةٍ وَمُحَارِبٍ وَمُبْتَدِعٍ وَمُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ وَلَوْ بِمُسْلِمٍ وَعَكْسُهُ، لَا تَعْزِيَةُ مُسْلِمٍ بِذِمِّيٍّ وَعَكْسُهُ، فَلَا يُكْرَهُ بَلْ مَنْدُوبَةٌ إنْ رُجِيَ إسْلَامُهُ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) أَيْ مِنْ الْمَوْتِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِعَالِمٍ حَاضِرٍ بِلَا عُذْرٍ يُرَخِّصُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، وَإِلَّا فَابْتِدَاؤُهَا مِنْ عِلْمِهِ أَوْ قُدُومِهِ مِنْ غِيبَتِهِ أَوْ زَوَالِ عُذْرِهِ، وَتَحْصُلُ التَّعْزِيَةُ بِكِتَابٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (تَقْرِيبًا) فَيُغْتَفَرُ لَهُ زِيَادَةُ نَحْوِ نِصْفِ يَوْمٍ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا.
قَوْلُهُ: (وَبَعْدَ الدَّفْنِ إلَخْ) مَرْجُوحٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِ لِيُوَافِقَ الْمُعْتَمَدَ عَلَى جَعْلِ الْجَارِّ فِي قَوْلِهِ: بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: وَقْتَ التَّعْزِيَةِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَمَعْنَاهَا) أَيْ شَرْعًا، أَمَّا لُغَةً: فَهِيَ التَّصَبُّرُ وَالتَّسْلِيَةُ. وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ وَيُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (إحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا زَيْنَبُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قَبْلَ دَفْنِهِ وَبَعْدَهُ) الْمَعْنَى
إمَّا قَبْلَهُ وَإِمَّا بَعْدَهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) أَخْذًا مِنْ مُدَّةِ الْإِحْدَادِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ.
قَوْلُهُ: (وَمَعْنَاهَا) أَيْ اصْطِلَاحًا، وَأَمَّا مَعْنَاهَا لُغَةً: فَهُوَ التَّسْلِيَةُ. وَقَوْلُهُ: الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ أَيْ عَلَى الْعَزِيزِ الْمَفْقُودِ.
قال: (والتعزية سنة) ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:(من عزى أخاه بمصيبة ... كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة) رواه الترمذي وفيه (١٠٧٣)،
وفي (سنن ابن ماجه)(١٦٠٢) من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عزى مصابًا ... فله مثل أجره) قال الترمذي: غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث علي بن عاصم، قال: وروي أيضًا موقوفًا، قال: ويقال: أكثر ما ابتلي به علي بن عاصم بهذا الحديث نقموا عليه.
وكذلك قال البيهقي، وفي (سننه)(٤/ ٥٩): (أن النبي صلى الله عليه وسلم عزى رجلًا في ولد له مات).
و (التعزية): التصبر، وعزيته: أمرته بالصبر، والعزاء بالمد: الصبر.
قال الشاعر (من المتقارب):
إذا النائبات (من المتقارب):
إذا النائبات بلغن النهي .... وكادت بهن تذوب المهج وجل البلاء وقل العزا .... فعند التناهي يكون الفرج قال: (قبل دفنه) ؛ لأنه وقت شدة الجزع، فقد قال صلى الله عليه وسلم:(إنما الصبر عند الصدمة الاولي). قال الرافعي: وتأخيرها إلى ما بعد الدفن حسن.
قال: (وبعده ثلاثة أيام)؛ لأن الغالب أن الحزن بعدها يسكن، فيكره حينئذ لأنه يجدد الحزن.
وابتداؤها من الدفن قاله في (شرح المهذب)،
وقيل: من الموت قاله الماوردي وصححه في (الكافي)، والثلاث تقريب.
هذا إذا كان المعزي والمعزي حاضرين،
فإن كانا غائبين .. فإنها تستحب ولو بعد ثلاث.
وقال الشيخ محب الدين الصبري: تعزية الغائب عند قدومه. وهل يختص بحالة الحضور أو تشرع الثلاث؟ لم أر فيه نقلا ً , والظاهر: مشروعية الثلاث بعد الحضور؛ لما روي أن أبا بكر رضي الله عنه لما قدم مكة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأشهر جاءه أهل مكة يعزونه.
وقيل: لا أمد للتعزية.
وقال أبو حنيفة: يعزى قبل الدفن لا بعده.
والمستحب أن يعزى أهل البيت الكبير والصغير، الرجال والنساء، لكن لا يعزي الشابة إلا محرم لها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.