والأصح إن اليسار لا يعتبر
الشروح عليها
(وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْيَسَارَ) عُرْفًا (لَا يُعْتَبَرُ) فِي بَدْوٍ وَلَا حَضَرٍ وَلَا عَرَبٍ وَلَا عَجَمٍ لِأَنَّ الْمَالَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَحَالٌ حَائِلٌ وَطَوْدٌ مَائِلٌ وَلَا يَفْتَخِرُ بِهِ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ وَالْبَصَائِرِ،
وَأَمَّا خَبَرُ «الْحَسَبُ الْمَالُ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ» فَمَحْمُولٌ أَوَّلُهُمَا عَلَى أَنَّ حِكْمَتَهُ مُطَابَقَةُ الْخَبَرِ الْآخَرِ «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِحَسَبِهَا وَمَالِهَا» الْحَدِيثَ: أَيْ أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْأَغْرَاضِ ذَلِكَ، وَوُكِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَأْنُ ذَمِّ الْمَالِ إلَى مَا عُرِفَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي ذَمِّهِ، لَا سِيَّمَا قَوْله تَعَالَى {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ} إلَى قَوْلِهِ {وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ يَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُمْ مَرِيضَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَلَوْ سَوِيَتْ الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَئِمَّةُ: لَا يَكْفِي فِي الْخُطْبَةِ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا لِأَنَّهُ مِمَّا تَوَاصَى بِهِ مُنْكِرُو الْمَعَادِ أَيْضًا.
وَثَانِيهمَا عَلَى أَنَّهُ تَصِحُّ بِمَا يُعَدُّ عُرْفًا مُنَفِّرًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَفِّرًا شَرْعًا فَانْدَفَعَ مَا لِلْأَذْرَعِيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا.
وَالثَّانِي لَا يُعْتَبَرُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يُنْفِقْ عَلَى الْوَلَدِ وَتَتَضَرَّرُ هِيَ بِنَفَقَتِهِ عَلَيْهَا نَفَقَةَ الْمُعْسِرِينَ بِلُزُومِ نَفَقَتِهِ لَهَا عِنْدَ فَقْدِ مَا يَقُومُ بِهِ غَيْرُهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا بِالْإِجْبَارِ بِمُعْسِرٍ بِحَالِ صَدَاقِهَا عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ كَمَا مَرَّ، وَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى اعْتِبَارِ الْيَسَارِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ بَلْ لِأَنَّهُ بَخَسَهَا حَقَّهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْجَمَالُ وَالْبَلَدُ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَيْسَ الْبُخْلُ وَالْكَرَمُ وَالطُّولُ وَالْقِصَرُ مُعْتَبَرًا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِيمَا إذَا أَفْرَطَ الْقِصَرُ فِي الرَّجُلِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنَتِهِ مِمَّنْ هُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مِمَّا تَتَعَيَّرُ بِهِ الْمَرْأَةُ
(قَوْلُهُ: وَحَالَ حَائِلٌ إلَخْ) هَذِهِ الْمَعَاطِيفُ مَعَانِيهَا مُخْتَلِفَةٌ لَكِنْ الْمُرَادُ مِنْهَا وَاحِدٌ
(قَوْلُهُ: وَطَوْدٌ مَائِلٌ) أَيْ جَبَلٌ إلَخْ
(قَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ يَحْمِي عَبْدَهُ مِنْ الدُّنْيَا) أَيْ الزَّائِدَةِ عَلَى الْحَاجَةِ
(قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ) أَيْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(قَوْلُهُ: بِحَالِ صَدَاقِهَا عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ) وَمِنْهُ مَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيُّ مَحْجُورَهُ الْمُعْسِرَ بِنْتًا بِإِجْبَارِ وَلِيِّهَا لَهَا ثُمَّ يَدْفَعُ أَبُو الزَّوْجِ الصَّدَاقَ عَنْهُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ كَانَ حَالَ الْعَقْدِ مُعْسِرًا، فَالطَّرِيقُ أَنْ يَهَبَ الْأَبُ لِابْنِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ مُقَدَّرَ الصَّدَاقِ وَيُقْبِضَهُ لَهُ ثُمَّ يُزَوِّجَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ أَنَّ الْأَبَ يَدْفَعُ عَنْ ابْنِهِ مُقَدَّمَ الصَّدَاقِ قَبْلَ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هِبَةً لَكِنَّهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهَا بَلْ قَدْ يَدَّعِي أَنَّهُ هِبَةٌ ضِمْنِيَّةٌ لِلْوَلَدِ،
فَإِنْ دَفَعَهُ لِوَلِيِّ الزَّوْجَةِ فِي قُوَّةِ أَنْ يَقُولَ: مَلَّكْت هَذَا لِابْنِي وَدَفَعْته لَك عَنْ صَدَاقِ بِنْتِك الَّذِي قُدِّرَ لَهَا
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ الْبُخْلُ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ
(قَوْلُهُ: مِمَّا تُعَيَّرُ بِهِ الْمَرْأَةُ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ صَحَّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خِصَالِ الْكَفَاءَةِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْيَسَارَ) عُرْفًا (لَا يُعْتَبَرُ) فِي بَدْوٍ وَلَا حَضَرٍ وَلَا عَرَبٍ وَلَا عَجَمٍ لِأَنَّ الْمَالَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَحَالٌ حَائِلٌ وَطَوْدٌ مَائِلٌ وَلَا يَفْتَخِرُ بِهِ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ وَالْبَصَائِرِ وَيُجَابُ عَنْ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ «الْحَسَبُ الْمَالُ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ» بِأَنَّ الْأَوَّلَ عَلَى طِبْقِ الْخَبَرِ الْآخَرِ «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِحَسَبِهَا وَمَالِهَا» الْحَدِيثَ أَيْ إنَّ الْغَالِبَ فِي الْأَغْرَاضِ ذَلِكَ وَوَكَّلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانَ ذَمِّ الْمَالِ إلَى مَا عُرِفَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي ذَمِّهِ لَا سِيَّمَا قَوْله تَعَالَى {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ} إلَى قَوْلِهِ {وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ يَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُمْ مَرِيضَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لَوْ سَوِيَتْ الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَئِمَّةُ: لَا يَكْفِي فِي الْخُطْبَةِ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا لِأَنَّهُ مِمَّا تَوَاصَى عَلَيْهِ مُنْكِرُو الْمَعَادِ أَيْضًا فَإِنْ
قُلْت: التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَالَ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا يُذَمُّ وَلَا يُمْدَحُ وَإِنَّمَا ذَمُّهُ وَمَدْحُهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ وَسِيلَةً لِلْخَيْرِ وَوَسِيلَةً لِلشَّرِّ وَمِنْ ثَمَّ كَثُرَتْ أَحَادِيثُ بِذَمِّهِ وَأَحَادِيثُ بِمَدْحِهِ وَمَحْمَلُهَا مَا تَقَرَّرَ وَهَذَا يُنَافِي مَا ذَكَرْت،
قُلْت: لَا يُنَافِيهِ لِأَنَّ الْقَصْدَ أَنَّهُ لَا يُمْدَحُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ فَلَا افْتِخَارَ بِهِ شَرْعًا وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الِافْتِخَارِ بِهِ عُرْفًا وَالثَّانِي نُصْحٌ بِمَا يُعَدُّ عُرْفًا مُنَفِّرًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَفِّرًا شَرْعًا كَمَا مَرَّ أَوَّلَ الْبَابِ فِي مَبْحَثِ الْخُطْبَةِ فَانْدَفَعَ بِهَذَا مَا لِلْأَذْرَعِيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا
(قَوْلُ الْمَتْنِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْيَسَارَ إلَخْ) وَعَلَيْهِ لَوْ زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا بِالْإِجْبَارِ بِمُعْسِرٍ بِحَالِ صَدَاقِهَا عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ كَمَا مَرَّ وَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى اعْتِبَارِ الْيَسَارِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ بَلْ لِأَنَّهُ بَخَسَهَا حَقَّهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ وَلَا يُعْتَبَرُ الْجَمَالُ وَالْبَلَدُ
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَلَيْسَ الْبُخْلُ وَالْكَرَمُ وَالطُّولُ وَالْقِصَرُ مُعْتَبَرًا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَفِيمَا إذَا أَفْرَطَ الْقِصَرُ فِي الرَّجُلِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنَتِهِ مِمَّنْ هُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مِمَّا تَتَعَيَّرُ بِهِ الْمَرْأَةُ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي قَالَ ع ش قَوْلُهُ: وَلَيْسَ الْبُخْلُ إلَخْ مُعْتَمَدٌ وَقَوْلُهُ: مِمَّا تُعَيَّرُ بِهِ الْمَرْأَةُ أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ صَحَّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خِصَالِ الْكَفَاءَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: عُرْفًا) إلَى الْمَتْنِ فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ: فَإِنْ قُلْت إلَى وَالثَّانِي
(قَوْلُهُ: وَحَالَ حَائِلٌ) أَيْ نَازِلٌ مُتَغَيِّرٌ وَزَائِلٌ قَالَ ع ش هَذِهِ الْمَعَاطِيفُ مَفَاهِيمُهَا مُخْتَلِفَةٌ لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا وَاحِدٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَطَوْدٌ) أَيْ جَبَلٌ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ: فَصُعْلُوكٌ) كَعُصْفُورٍ الْفَقِيرُ اهـ قَامُوسٌ
(قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْأَوَّلَ) أَيْ خَبَرَ " الْحَسَبُ الْمَالُ "
(قَوْلُهُ: مِنْ الدُّنْيَا) أَيْ الزَّائِدَةِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ) لَعَلَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: وَلَا يَفْتَخِرُ بِهِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إلَخْ) أَيْ ذَمَّ الدُّنْيَا
(قَوْلُهُ: تَوَاصَى عَلَيْهِ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ بِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَسِيلَةً لِلْخَيْرِ إلَخْ) نَشْرٌ مُشَوَّشٌ.
قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنَّ التَّحْقِيقَ مَا ذُكِرَ
(قَوْلُهُ: مَا تَقَرَّرَ) أَيْ مِنْ الْحَيْثِيَّتَيْنِ
(قَوْلُهُ: مَا ذَكَرْت) أَيْ مِنْ ذَمِّ الْمَالِ قَالَ الْكُرْدِيُّ أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ وَلَا يُفْتَخَرُ بِهِ إلَخْ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مُقَدَّمٌ إلَخْ) قَدْ يُمْنَعُ بِمَا قَدَّمَهُ مِنْ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ لِلشَّرْعِ فِيهِ عُرْفٌ يُحْكَمُ فِيهِ بِالْعُرْفِ الْعَامِّ
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي نُصْحٌ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْأَوَّلِ اهـ سم
(قَوْلُهُ: فَانْدَفَعَ بِهَذَا إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ.
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ " الْأَوَّلُ "
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْيَسَارَ لَا يُعْتَبَرُ) فِي خِصَالِ الْكَفَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ ظِلٌّ زَائِلٌ، وَحَالٌ حَائِلٌ، وَمَالٌ مَائِلٌ، وَلَا يَفْتَخِرُ بِهِ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ وَالْبَصَائِرِ.
وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يُنْفِقْ عَلَى الْوَلَدِ وَتَتَضَرَّرُ هِيَ بِنَفَقَتِهِ عَلَيْهَا نَفَقَةَ الْمُعْسِرِينَ،
وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ» .
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ الْأَرْجَحُ دَلِيلًا وَنَقْلًا وَبَسَطَ ذَلِكَ، نَعَمْ عَلَى الْأَوَّلِ لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيُّ بِالْإِجْبَارِ مُعْسِرًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ لَمْ يَصِحَّ التَّزْوِيجُ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا مَبْنِيًّا عَلَى اعْتِبَارِ الْيَسَارِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ بَلْ لِأَنَّهُ بَخَسَهَا حَقَّهَا فَهُوَ كَتَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ، وَلَا يُعْتَبَرُ أَيْضًا الْجَمَالُ وَالْبَلَدُ وَلَا السَّلَامَةُ مِنْ عَيْبٍ آخَرَ مُنَفِّرٍ كَالْعَمَى وَالْقَطْعِ وَتَشَوُّهُ الصُّورَةِ،
وَإِنْ اعْتَبَرَهَا الرُّويَانِيُّ، وَصَحَّحَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ كَوْنَ الْجَاهِلِ كُفْئًا لِلْعَالِمَةِ، وَرَجَّحَ الرُّويَانِيُّ أَنَّهُ غَيْرُ كُفْءٍ لَهَا، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ وَرَدَّ عَلَى تَصْحِيحِ الرَّوْضَةِ بِأَنَّ الْمُصَنِّفُ يَرَى اعْتِبَارَ الْعِلْمِ فِي الْأَبِ فَاعْتِبَارُهُ فِي نَفْسِ الْمَرْأَةِ أَوْلَى. اهـ.
وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ، وَلِذَلِكَ أَسْقَطَ ابْنُ الْمُقْرِي مَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ رَوْضِهِ.
قَالَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ: وَلَيْسَ الْبُخْلُ وَالْكَرَمُ وَالطُّولُ وَالْقِصَرُ مُعْتَبَرًا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِيمَا إذَا أَفْرَطَ الْقِصَرُ فِي الرَّجُلِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنَتِهِ بِمَنْ هُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ مِمَّنْ تُعَيَّرُ بِهِ الْمَرْأَةُ. اهـ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ: شَرَفُ النَّسَبِ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ: إحْدَاهَا: الِانْتِهَاءُ إلَى شَجَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُعَادِلَهُ شَيْءٌ. الثَّانِيَةِ: الِانْتِمَاءُ إلَى الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ -، وَبِهِمْ رَبَطَ اللَّهُ تَعَالَى حِفْظَ الْمِلَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ. وَالثَّالِثَةُ: الِانْتِمَاءُ إلَى أَهْلِ الصَّلَاحِ الْمَشْهُورِ وَالتَّقْوَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}[الْكَهْفُ] قَالَا: وَلَا عِبْرَةَ بِالِانْتِسَابِ إلَى عُظَمَاءِ الدُّنْيَا وَالظَّلَمَةِ الْمُسْتَوْلِينَ عَلَى الرِّقَابِ،
وَإِنْ تَفَاخَرَ النَّاسُ بِهِمْ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَكَلَامُ النَّقَلَةِ لَا يُسَاعِدُهُمَا عَلَيْهِ فِي عُظَمَاءِ الدُّنْيَا.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَكَيْفُ لَا يُعْتَبَرُ الِانْتِسَابُ إلَيْهِمْ، وَأَقَلُّ مَرَاتِبِ الْإِمْرَةِ أَيْ وَنَحْوِهَا أَنْ تَكُونَ كَالْحِرْفَةِ، وَذُو الْحِرْفَةِ الدَّنِيئَةِ لَا يُكَافِئُ النَّفِيسَةَ.
فَرْعٌ: الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ هَلْ هُوَ كُفْءٌ لِلرَّشِيدَةِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهَا تَتَضَرَّرُ غَالِبًا بِالْحَجْرِ عَلَى الزَّوْجِ، فِيهِ نَظَرٌ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الثَّانِي.
وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ خِصَالَ الْكَفَاءَةِ فِي بَيْتٍ فَقَالَ:
نَسَبٌ وَدِينٌ صَنْعَةٌ حُرِّيَّةٌ ... فَقْدُ الْعُيُوبِ وَفِي الْيَسَارِ تَرَدُّدُ
(وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْيَسَارَ لَا يُعْتَبَرُ) ؛ لِأَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ، وَلَا يَفْتَخِرُ بِهِ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ وَالْبَصَائِرِ.
وَالثَّانِي يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا تَتَضَرَّرُ هِيَ بِنَفَقَتِهِ، وَبِعَدَمِ إنْفَاقِهِ عَلَى الْوَلَدِ، وَعَلَى هَذَا قِيلَ يُعْتَبَرُ الْيَسَارُ بِقَدْرِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ فَيَكُونُ بِهِمَا كُفُؤًا لِصَاحِبَةِ الْأُلُوفِ
وَالْأَصَحُّ، أَنَّهُ لَا يَكْفِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ أَصْنَافٌ غَنِيٌّ وَفَقِيرٌ وَمُتَوَسِّطٌ، وَكُلُّ صِنْفٍ أَكِفَّاءُ،
وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْمَرَاتِبُ وَلَا يُعْتَبَرُ أَيْضًا الْجَمَالُ نَعَمْ يُعْتَبَرُ إسْلَامُ الْآبَاءِ، وَكَثْرَتُهُمْ فِيهِ فَمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ لَيْسَ كُفُؤًا، لِمَنْ لَهَا أَبَوَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فِي الْإِسْلَامِ،
وَقِيلَ إنَّهُ كُفُؤٌ لَهَا وَمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ كُفُؤًا لِمَنْ لَهَا عَشَرَةُ آبَاءَ فِي الْإِسْلَامِ،
وَقِيلَ: إنَّهُ كُفُؤٌ لَهَا؛ لِأَنَّ الْأَبَ الثَّالِثَ لَا يُذْكَرُ فِي التَّعْرِيفِ فَلَا يَلْحَقُ الْعَارُ بِسَبَبِهِ (وَ) الْأَصَحُّ
قَوْلُهُ: (غَادٍ) هُوَ بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ بِمَعْنَى ذَاهِبٍ وَرَائِحٍ عَكْسُهُ، وَمِنْهُ حَدِيثُ مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ أَيْ أَتَى إلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (الْمُرُوءَاتِ) جَمْعُ مُرُوءَةٍ وَهِيَ صِفَةٌ تَمْنَعُ صَاحِبَهَا عَنْ ارْتِكَابِ الْخِصَالِ الرَّذِيلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَصَائِرُ) جَمْعُ بَصِيرَةٍ وَهِيَ النَّظَرُ بِالْقَلْبِ فِي الْأُمُورِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ الْبَصَرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُعْتَبَرُ) أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (الْجَمَالُ) وَلَا عَكْسُهُ كَتَشَوُّهِ الصُّورَةِ، وَلَا الْعَمَى وَلَا الْعَرَجِ وَلَا قَطْعِ نَحْوِ طَرْفٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ نَعَمْ السَّفِيهُ لَا يُكَافِئُ رَشِيدَةً، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ يُعْتَبَرُ) عَلَى الْمُعْتَمَدِ إسْلَامُ الْآبَاءِ بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْأُمَّهَاتِ وَمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ أَشْرَفُ مِمَّنْ أَسْلَمَ تَبَعًا.
قَوْلُهُ: (لَهَا أَبَوَانِ) وَكَذَا أَبٌ وَاحِدُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ.
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ لَا يُكَافِئُ بِنْتَ تَابِعِيٍّ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ نَقْصٌ لِمَرْتَبَةِ الصَّحَابِيِّ كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُ سُخَفَاءِ الْعُقُولِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْيَسَارَ لَا يُعْتَبَرُ) . قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي خُطْبَتِهِ عِنْدَ تَزَوُّجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَدِيجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - إنْ كَانَ فِي الْمَالِ قَلَّ،
فَإِنَّ الْمَالَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَأَمْرٌ حَائِلٌ.
قال: (والأصح: أن اليسار لا يعتبر) ؛ لأن المال غاد ورائح ولا يفتخر به إلا أرباب الرعونات، وهو ظل زائل، وحال حائل، ومال مائل،
ومما ينسب إلى الشافعي رحمه الله (من الكامل):
ومن الدليل على القضاء وكونه .... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق وسئل محمد بن خفيف الزاهد عن علامة رضا الله تعالى عن العبد فقال: إدبار الدنيا عنه.
وقال سفيان بن عيينة: الهم بالدنيا يسود القلب.
والثاني: يعتبر اليسار في الكفاءة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:(أما معاوية .. فصعلوك لا مال له).
وفي (سنن ابن ماجه) و (الترمذي) و (البيهقي) عن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحسب المال والكرم التقوى).
وصحح هذا القفال وسليم والفارقي والروياني،
وقال القاضي: الناس في زماننا يعدونه من أفضل الخصال وأعظم الفضائل، ولكن عامة الأصحاب لا يعتبرونه.
وتوسط الماوردي فقال: يعتبر في أهل القرى،
وفي سكان البوادي وجهان.
وقال ابن أبي الدم: إن كان في العرب .. لم يعتبر،
وفي العجم وجهان؛ لأن العرب تتفاخر بالأنساب، والعجم بالأموال.
وإذا اعتبرنا اليسار فوجهان:
أحدهما: أن المعتبر اليسار بقدر المهر والنفقة،
فإذا أيسر بهما .. فهو كفء لصاحبة الألوف.
وأصحهما: لا يكفي ذلك، بل الناس أصناف غني وفقير ومتوسط، وكل صنف أكفاء وإن اختلفت المراتب.
وبقيت أمور أخرى اختلف في اعتبارها في الكفاءة:
منها: صحح الروياني أن الشيخ لا يكافئ الشابة، واختاره الشيخ،
والأصح: أنهما كفآن، لكن الأولى للشيخ أن لا يتزوج شابة؛ لما روى البيهقي: أن شابة تزوجت شيخًا فقتلته، فرفعت القضية إلى عمر، فنادى الناسَ:(أيها الناس؛ لينكح الرجل لمته من النساء، ولتنكح المرأة لمتها من الرجال) أي: شكله وتربه.
ومنها: قيل: الجاهل لا يكافئ العالمة،
والأصح: أنه كفؤها.
ونقل صاحب (البيان) وابن الصلاح عن الصيمري: أن قومًا اعتبروا في الكفاءة البلد، فسكان الجبال ليسوا أكفاء لسكان مكة والمدينة والبصرة والكوفة.
ونقل القاضي أبو بكر بن العربي وغيره عن طاووس: أنه كان لا يحضر نكاح سوداء بأبيض، ولا بيضاء بأسود ويقول: هذا نهي عنه بقوله تعالى: {فَلَيُغَيرُنَ خَلْقَ اللهِ}.
قال القاضي: وهذا وإن كان يحتمله اللفظ فهو مخصوص بما أنفذه النبي صلى الله عليه وسلم من نكاح مولاه زيد وكان أبيض بظئره بركة، وكانت سوداء، ثم أنكح أسامة وهو أسود فاطمة بنت قيس وكانت بيضاء، وكانت تحت بلال أخت عبد الرحمن بن عوف الزهرية.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.