وفتحت مكة صلحا فدورها وأرضها المحياة ملك يباع.
الشروح عليها
(وَفُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا) كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} أَيْ أَهْلُ مَكَّةَ {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} بِاَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ: أَيْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ فَأَضَافَ الدِّيَارَ إلَيْهِمْ وَهِيَ مُقْتَضِيَةٌ لِلْمِلْكِ وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» وَاسْتَثْنَى أَفْرَادًا أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الْأَمَانِ لِلْبَاقِي وَلَمْ يَسْلُبْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا وَلَا قَسَّمَ عَقَارًا وَلَا مَنْقُولًا،
وَلَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً لَكَانَ الْأَمْرُ
بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا دَخَلَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَأَهِّبًا لِلْقِتَالِ خَوْفًا مِنْ غَدْرِهِمْ وَنَقْضِهِمْ لِلصُّلْحِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي سُفْيَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَبْلَ دُخُولِهَا.
وَفِي الْبُوَيْطِيِّ أَنَّ أَسْفَلَهَا فَتَحَهُ خَالِدٌ عَنْوَةً وَأَعْلَاهَا فَتَحَهُ الزُّبَيْرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صُلْحًا، وَدَخَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ الْحُكْمُ لَهُ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ (فَدُورُهَا وَأَرْضُهَا الْمُحْيَاةُ مِلْكٌ تُبَاعُ) كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ، وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَهَا، نَعَمْ الْأَوْلَى عَدَمُ بَيْعِهَا وَإِجَارَتِهَا خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهُمَا فِي الْأَرْضِ.
أَمَّا الْبِنَاءُ فَلَا خِلَافَ فِي حِلِّ بَيْعِهِ وَإِجَارَتِهِ،
وَأَمَّا خَبَرُ «مَكَّةُ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلَا تُؤَجَّرُ دُورُهَا» فَضَعِيفٌ خِلَافًا لِلْحَاكِمِ، وَفُتِحَتْ مِصْرُ عَنْوَةً وَدِمَشْقُ عَنْوَةً عِنْدَ السُّبْكِيّ، وَمَنْقُولُ الرَّافِعِيِّ عَنْ الرُّويَانِيِّ أَنَّ مُدُنَ الشَّامِ صُلْحٌ وَأَرْضَهَا عَنْوَةٌ. (فَصْلٌ) فِي أَمَانِ الْكُفَّارِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ، وَقَسَمَ مِنْ مُطْلَقِ الْأَمْنِ لَهُمْ الْمُنْحَصِرُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَعَلَّقَ بِمَحْصُورٍ فَالْأَوَّلُ أَوْ بِغَيْرِهِ لَا إلَى غَايَةٍ فَالثَّانِي أَوْ إلَيْهَا فَالثَّالِثُ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا» أَيْ نَقَضَ عَهْدَهُ «فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالذِّمَّةُ الْعَهْدُ وَالْأَمَانُ وَالْحُرْمَةُ وَالْحَقُّ، وَكُلٌّ صَحِيحٌ هُنَا، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الذَّاتِ وَالنَّفْسِ اللَّتَيْنِ هُمَا مَحَلُّهَا فِي نَحْوِ فِي ذِمَّتِهِ كَذَا وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهُ وَعَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ وَلِلِالْتِزَامِ كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ: الَّذِينَ أُخْرِجُوا) قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي دَلَالَةِ هَذِهِ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَهُمْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الْفَتْحِ بَلْ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَالدُّورُ مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ إذْ ذَاكَ بَلْ مُعَارَضٌ
(قَوْلُهُ: وَأَرْضُهَا الْمُحْيَاةُ) أَيْ قَبْلَ الْفَتْحِ،
وَكَذَا بَعْدَهُ إنْ كَانَ ثَمَّ مَوَاتٌ أَحْيَوْهُ.
(قَوْلُهُ: رِبَاعُهَا) أَيْ مَنَازِلُهَا
(قَوْلُهُ: وَفُتِحَتْ مِصْرُ عَنْوَةً) أَيْ وَقُرَاهَا وَنَحْوُهَا مِمَّا فِي إقْلِيمِهَا صُلْحًا اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ نَقْلًا عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي فَتَاوِيهِ
(قَوْلُهُ: أَنَّ مُدُنَ الشَّامِ) أَيْ أَنَّ فَتْحَ مُدُنِ إلَخْ. (فَصْلٌ) فِي أَمَانِ الْكُفَّارِ
(قَوْلُهُ: فِي أَمَانِ الْكُفَّارِ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: الْمُنْحَصِرُ) أَيْ مُطْلَقُ الْأَمَانِ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ إنْ تَعَلَّقَ بِمَحْصُورٍ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ تَأْمِينَ الْإِمَامِ غَيْرُ مَحْصُورِينَ لَا يُسَمَّى أَمَانًا،
وَأَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَصِحُّ فِي مَحْصُورِينَ وَلَيْسَ مُرَادًا اهـ شَيْخُنَا زِيَادِيٌّ: أَيْ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْأَمَانَ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِنْ الْإِمَامِ،
وَأَنَّ الْجِزْيَةَ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا لِمَحْصُورِينَ
(قَوْلُهُ: فَالْأَوَّلُ) أَيْ أَمَانُ الْكُفَّارِ، وَقَوْلُهُ فَالثَّانِي: أَيْ الْجِزْيَةُ، وَقَوْلُهُ فَالثَّالِثُ: أَيْ الْهُدْنَةُ
(قَوْلُهُ: يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ) أَيْ كَالْأُنْثَى الرَّقِيقَةِ لِكَافِرٍ
(قَوْلُهُ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا) هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ.
قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الْخَفِيرُ الْمُجِيرُ، ثُمَّ قَالَ: وَأَخْفَرَهُ نَقَضَ عَهْدَهُ وَغَدَرَ وَمِثْلُهُ فِي الْمِصْبَاحِ
(قَوْلُهُ: وَكُلُّ صَحِيحٍ هُنَا) هُوَ وَاضِحٌ فِي غَيْرِ الْجِزْيَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بَدَلَ الْجِزْيَةِ الْحُرْمَةَ: أَيْ الِاحْتِرَامَ
(قَوْلُهُ: وَقَدْ تُطْلَقُ) أَيْ الذِّمَّةُ شَرْعًا،
وَقَوْلُهُ مَحَلُّهَا: أَيْ الذِّمَّةِ قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمَةً لِكَافِرٍ) أَيْ مُسْلِمَةٍ
(قَوْلُهُ: فَأَضَافَ الدِّيَارَ إلَيْهِمْ) فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُنَا نَظَرٌ لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ: وَفُتِحَتْ مِصْرُ عَنْوَةً) أَيْ وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّهَا وُقِفَتْ كَمَا فِي فَتَاوَى وَالِدِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَا خَرَاجَ فِي أَرَاضِيِهَا لِأَنَّهَا مِلْكُ الْغَانِمِينَ وَمَوْرُوثَةٌ عَنْهُمْ، لَكِنْ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ نَقْلًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَنَّ عُمَرَ وَضَعَ عَلَى أَرَاضِيهِمْ الْخَرَاجَ فَلْيُحَرَّرْ، وَلْيُنْظَرْ وَضْعُ الْخَرَاجِ فِيهَا عَلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِنَا، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَوَاشِي ابْنِ قَاسِمٍ فِي الْبَابِ الْآتِي مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِمِصْرَ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً خُصُوصُ الْبَلَدِ لَا جَمِيعُ أَرَاضِيِهَا وَبِهِ يَنْتَفِي الْإِشْكَالُ،
وَفِي الْقُوتِ مَا نَصُّهُ: وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْحَاصِلُ فِيهَا قَوْلًا لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا وَقْفٌ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَالثَّانِي أَنَّهَا مِلْكٌ لِلْمُسْلِمِينَ عُمُومًا وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوَاعِدِ الشَّافِعِيِّ، وَلَمْ أَجِدْهُ مَنْصُوصًا عَنْهُ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ بَيْعُهَا حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُ أَرْضِ الْمَغْنَمِ وَذَلِكَ لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ،
وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْهَا جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَسَائِرِ مَا فِي يَدِهِ اهـ، وَانْظُرْ مَا وَجْهُ كَوْنِ الْمُنَاسِبِ لِقَوَاعِدِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا مِلْكٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِقَوَاعِدِهِ أَنَّهَا مِلْكٌ لِخُصُوصِ الْغَانِمِينَ كَمَا مَرَّ فِي الْمَتْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَالِكًا إنَّمَا قَالَ بِوَقْفِيَّتِهَا لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الْأَرْضَ إذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً تَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الْحِيَازِ وَلَا تَحْتَاجُ إلَى وَقْفِ الْإِمَامِ كَمَا نُقِلَ لِي عَنْ مَذْهَبِهِ فَلْيُرَاجَعْ وَلْيُحَرَّرْ.
[فَصْلٌ فِي أَمَانِ الْكُفَّارِ]
(قَوْلُهُ: فَمَنْ أَخْفَرَ) هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ وَالْهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإِزَالَةِ: أَيْ مِنْ أَزَالَ خِفَارَتَهُ: أَيْ بِأَنْ قَطَعَ ذِمَّتَهُ
(قَوْلُهُ: اللَّتَيْنِ هُمَا مَحَلُّهَا) أَيْ فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْحَالِّ عَلَى الْمَحَلِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزِّيَادِيُّ، وَانْظُرْ إطْلَاقَ الذِّمَّةِ عَلَى الذَّاتِ وَالنَّفْسِ بِأَيِّ مَعْنَى مِنْ الْمَعَانِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ،
وَفِي كُلٍّ مِنْهَا بُعْدٌ لَا يَخْفَى فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: نَحْوُ فِي ذِمَّتِهِ كَذَا إلَخْ) فِي جَعْلِ هَذَا مِثَالًا لِلذِّمَّةِ بِمَعْنَى الذَّاتِ وَالنَّفْسِ وَقْفَةٌ
وَالْأَظْهَرُ التَّمْثِيلُ بِهِ لِلْمَعْنَى الْآتِي بَعْدُ فَتَأَمَّلْ قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمَةً لِكَافِرٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ لِسَيِّدِهَا، وَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَسِيرِ بَلْ قَدْ يُقَالُ: إنَّهَا مِنْ أَفْرَادِهِ
(وَفُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا) كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} أَيْ أَهْلُ مَكَّةَ {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ}{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} أَيْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ فَأَضَافَ الدُّورَ إلَيْهِمْ وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» وَاسْتِثْنَاءُ أَفْرَادٍ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الْأَمَانِ لِلْبَاقِي وَلَمْ يَسْلُبْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا وَلَا قَسَمَ عَقَارًا وَلَا مَنْقُولًا وَلَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً لَكَانَ الْأَمْرُ
بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا دَخَلَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَأَهِّبًا لِلْقِتَالِ خَوْفًا مِنْ غَدْرِهِمْ وَنَقْضِهِمْ لِلصُّلْحِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي سُفْيَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَبْلَ دُخُولِهَا وَفِي الْبُوَيْطِيِّ أَنَّ أَسْفَلَهَا فَتَحَهُ خَالِدٌ عَنْوَةً وَأَعْلَاهَا فَتَحَهُ الزُّبَيْرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَدَخَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ الْحُكْمُ لَهُ وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الْأَخْبَارُ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ
وَأَمَّا مَا فِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّهُ صَحَّ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ حَيْثُ قَالَ:«أَتَرَوْنَ إلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ اُحْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ فَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» وَأَنَّ هَذَا حُجَّةُ الْأَكْثَرِينَ الْقَائِلِينَ بِالْعَنْوَةِ كَوُقُوعِ الْقِتَالِ مِنْ خَالِدٍ وَكَتَصْرِيحِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهَا أُحِلَّتْ لَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَنَهْيِهِ عَنْ التَّأَسِّي بِهِ فِي ذَلِكَ وَإِنَّ تَرْكَهُ الْقِسْمَةَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْعَنْوَةِ فَقَدْ يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِدَوْرِهِمْ بَعْدَ الْفَتْحِ عَنْوَةً وَإِنَّ قَوْلَهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ» إلَخْ لَا يَكُونُ صُلْحًا إلَّا إذَا كَفُّوا عَنْ الْقِتَالِ وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ؛
لِأَنَّهُمْ اسْتَعَدُّوا لِلْحَرْبِ فَيُجَابُ عَنْهُ وَإِنْ سَكَتَ عَلَيْهِ تَلَامِذَتُهُ وَغَيْرُهُمْ،
أَمَّا عَنْ الْأَوَّلِ فَبَانَ صَرِيحَ قَوْلِهِ حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا أَنَّ أَمْرَهُ إنَّمَا كَانَ لِخَالِدٍ وَمَنْ مَعَهُ الدَّاخِلِينَ مِنْ أَسْفَلِهَا وَقَدْ بَيَّنَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يُقَاتِلُوا إلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ فَالْأَمْرُ بِالْقَتْلِ فِيمَا ذُكِرَ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ أَيْ اُحْصُدُوهُمْ إنْ قَاتَلُوكُمْ وَلَا مَانِعَ أَنَّهُ كَرَّرَ قَوْلَهُ مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ،
وَأَمَّا عَنْ الثَّانِي فَهُوَ أَنَّ وُقُوعَ الْقِتَالِ مِنْ خَالِدٍ إنَّمَا كَانَ لِمَنْ قَاتَلَهُ كَمَا أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهِ صَرَّحَ أَئِمَّةُ السِّيَرِ وَبِغَرَضِ أَنَّهُ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ مَعَ رَأْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَأَمَّا عَنْ الثَّالِثِ فَبِأَنَّ حِلَّهَا لَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ الْقِتَالِ مِنْهُ لِمَنْ لَمْ يُقَاتِلْهُ وَكَمْ أُحِلَّ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْيَاءُ لَمْ يَفْعَلْهَا كَمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِسِيَرِ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
وَأَمَّا عَنْ الرَّابِعِ فَهُوَ أَنَّا لَمْ نَجْعَلْ عَدَمَ الْقِسْمَةِ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا بَلْ مُقَوِّيًا عَلَى أَنَّ لَك أَنْ تَجْعَلَهُ مُسْتَقِلًّا بِأَنْ تَقُولَ الْأَصْلُ فِي عَدَمِ الْقِسْمَةِ أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الصُّلْحِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ فَعَدَمُهَا ظَاهِرٌ فِي الصُّلْحِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْهُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ يُكْتَفَى فِيهِ بِالظَّاهِرِ،
وَأَمَّا عَنْ الْخَامِسِ فَهُوَ أَنَّ أَكَابِرَهُمْ كَفُّوا عَنْ الْقِتَالِ وَلَمْ يَقَعْ إلَّا مِنْ أَخْلَاطِهِمْ فِي غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي دَخَلَ مِنْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَا وَلَا بِمَنْ بِهَا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَخْلَاطًا لَا يُعْبَأُ بِهِمْ كَمَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ السِّيَرِ وَبِفَرْضِ تَأَهُّبِ قُرَيْشٍ لِلْقِتَالِ فَهُوَ لَا يَقْتَضِي رَدَّ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّهُ لِخَوْفِ بَادِرَةٍ تَقَعُ مِنْ شَوَاذِّ ذَلِكَ الْجَيْشِ الْحَافِلِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ سَمِعُوا قَوْلَ سَعْدٍ سَيِّدِ الْخَزْرَجِ وَحَامِلِ رَايَتهمْ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ لِأَبِي سُفْيَانَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ أَيْ الْقَتْلِ وَإِنْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ كَذَبَ سَعْدٌ وَأَخَذَ الرَّايَةَ مِنْهُ وَأَعْطَاهَا لِوَلَدِهِ قَيْسٍ أَوْ لِعَلِيٍّ أَوْ لِلزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَإِنْ قُلْت يُؤَيِّدُ الْعَنْوَةَ قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَانِي يَوْمِ الْفَتْحِ فِي خُطْبَتِهِ لِأَهْلِ مَكَّةَ اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ قُلْت لَا يُؤَيِّدُهُ؛
لِأَنَّ مَعْنَاهُ فَأَنْتُمْ الَّذِينَ أَطْلَقَهُمْ اللَّهُ بِوَاسِطَةِ تَرْكِهِمْ لِلْقِتَالِ مِنْ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِمْ أَسْرٌ أَوْ اسْتِرْقَاقٌ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ دَلِيلٌ لِلصُّلْحِ لَا لِلْعَنْوَةِ. (فَدُورُهَا وَأَرْضُهَا الْمُحَيَّاةُ مِلْكٌ تُبَاعُ) كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَهَا نَعَمْ الْأَوْلَى عَدَمُ بَيْعِهَا وَإِجَارَتِهَا خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهُمَا فِي الْأَرْضِ،
أَمَّا الْبِنَاءُ فَلَا خِلَافَ فِي حِلِّ بَيْعِهِ وَإِجَارَتِهِ،
وَأَمَّا خَبَرهُ مَكَّةَ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلَا تُؤَجَّرُ دُورُهَا فَضَعِيفٌ خِلَافًا لِلْحَاكِمِ قِيلَ: قَوْلُهُ فَدُورُهَا إلَخْ يَقْتَضِي تَرَتُّبَ كَوْنِهَا مِلْكًا عَلَى الصُّلْحِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّهَا وَقْفٌ؛ لِأَنَّهَا فَيْءٌ وَهُوَ وَقْفٌ،
إمَّا بِنَفْسِ حُصُولِهِ أَوْ إيقَافِهِ وَكَوْنُهَا غَيْرَ مِلْكٍ عَلَى الْعَنْوَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَفْتُوحَ عَنْوَةً غَنِيمَةٌ مُخَمَّسَةٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ الدُّورَ بِيَدِ أَهْلِهَا عَلَى الْمِلْكِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ وَلَا نَظَرَ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا أَوْ عَنْوَةً. اهـ.
وَيُرَدُّ بِمَا يَأْتِي أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الصُّلْحِ أَنْ يَقَعَ عَلَى أَنَّ كُلَّ الْبَلَدِ لَهُمْ وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ الْمُعْتَرِضِ وَالصَّوَابُ إلَخْ فَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الصُّلْحِ أَنَّ أَرْضَهَا وَدُورَهَا مِلْكٌ لِأَهْلِهَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ كَيْفَ شَاءُوا وَلَا يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ عَلَى الْعَنْوَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ غَنِيمَةً يَكُونُ خُمُسُ خُمُسِهَا لِلْمَصَالِحِ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ خُمُسِهَا لِجِهَاتٍ عَامَّةٍ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْبَقِيَّةُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا كَذَلِكَ فَصَحَّ التَّفْرِيعُ فِي كَلَامِهِ عَلَى الصُّلْحِ لَا عَلَى الْعَنْوَةِ وَبَانَ أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ وَمِصْرُ فُتِحَتْ عَنْوَةً
وَقِيلَ صُلْحًا وَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ الْأُمِّ فِي الْوَصِيَّةِ وَحَمَلَهُ الْأَوَّلُونَ عَلَى أَنَّ الْمَفْتُوحَ صُلْحًا هِيَ نَفْسُهَا لَا غَيْرُ، وَإِنَّمَا بَقِيَتْ الْكَنَائِسُ بِهَا لِقُوَّةِ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا وَجَمِيعَ إقْلِيمِهَا فُتِحَتْ صُلْحًا قِيلَ وَلِاحْتِمَالِ أَنَّهَا كَانَتْ خَارِجَةً عَنْهَا، ثُمَّ اتَّصَلَتْ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْكَنَائِسَ مَوْجُودَةٌ بِهَا وَبِإِقْلِيمِهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ حِينَئِذٍ إلَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْكُلَّ صُلْحٌ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُمْ رَاعَوْا فِي إبْقَائِهِمْ قُوَّةَ الْخِلَافِ كَمَا تَقَرَّرَ وَدِمَشْقُ عَنْوَةٌ عِنْدَ السُّبْكِيّ وَمَنْقُولُ الرَّافِعِيِّ عَنْ الرُّويَانِيِّ أَنَّ مُدُنَ الشَّامِ صُلْحٌ وَأَرْضُهَا عَنْوَةٌ وَبَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ كَأَكْثَرِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِمَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ مُرَاجَعَتِهِ فِي إفْتَاءٍ فِيهِ أَبْلَغُ الرَّدِّ عَلَى ظَالِمٍ أَرَادَ إبْطَالَ أَوْقَافِ مِصْرَ مُحْتَجًّا بِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً . (فَصْلٌ) فِي أَمَانِ الْكُفَّارِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ وَقِسْمٌ مِنْ مُطْلَقِ الْأَمْنِ لَهُمْ الْمُنْحَصِرِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؛
لِأَنَّهُ إنْ تَعَلَّقَ بِمَحْصُورٍ فَالْأَوَّلُ أَوْ بِغَيْرِهِ لَا إلَى غَايَةٍ فَالثَّانِي أَوْ إلَيْهَا فَالثَّالِثُ وَأَصْلُهُ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} الْآيَةَ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا أَيْ نَقَضَ عَهْدَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالذِّمَّةُ الْعَهْدُ وَالْأَمَانُ وَالْحُرْمَةُ وَالْحَقُّ وَكُلٌّ صَحِيحٌ هُنَا وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الذَّاتِ وَالنَّفْسِ اللَّتَيْنِ هُمَا مَحَلُّهَا فِي نَحْوِ فِي ذِمَّتِهِ كَذَا وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهُ وَعَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ) إلَى قَوْلِهِ
وَأَمَّا مَا فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي النِّهَايَةِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي إلَخْ) أَيْ: وقَوْله تَعَالَى وَهُوَ إلَخْ
(قَوْلُهُ: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا} [الحج: ٤٠] أَيْ: وقَوْله تَعَالَى الَّذِينَ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَأَضَافَ الدُّورَ إلَيْهِمْ) فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُنَا نَظَرٌ لَا يَخْفَى. اهـ. رَشِيدِيٌّ عِبَارَةُ ع ش قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي دَلَالَةِ هَذِهِ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَهُمْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الْفَتْحِ بَلْ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَالدُّورُ مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ إذْ ذَاكَ اهـ.
(قَوْلُهُ: يَدُلُّ إلَخْ) خَبَرُ وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَسْلُبْ) بِبِنَاءِ الْفَاعِلِ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ أَيْ: لَمْ يُعْطِ السَّلَبَ
(قَوْلُهُ: إلَى، أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ) الْأَوْبَاشُ الْأَخْلَاطُ وَالسَّفَلَةُ. اهـ. قَامُوسٌ
(قَوْلُهُ: بِالصَّفَا) جَبَلٌ مَعْرُوفٌ فِي مَكَّةَ
(قَوْلُهُ: وَإِنَّ هَذَا إلَخْ) كَقَوْلِهِ وَإِنْ تَرْكَهُ إلَخْ وَقَوْلُهُ وَإِنَّ قَوْلَهُ إلَخْ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إنَّهُ صَحَّ إلَخْ
(قَوْله بِأَنَّهَا) أَيْ: مَكَّةَ
(قَوْلُهُ: لَمْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ) أَيْ: الِانْكِفَافَ
(قَوْلُهُ: فَيُجَابُ) جَوَابُ أَمَّا وَقَوْلُهُ عَنْهُ أَيْ: عَمَّا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا عَنْ الْأَوَّلِ) وَهُوَ قَوْلُهُ: إنَّهُ صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ
(قَوْلُهُ: فَبَانَ صَرِيحُ قَوْلِهِ إلَخْ) مِنْ أَيْنَ. اهـ. سم
(قَوْلُهُ: فِيمَا ذَكَرَهُ) أَيْ: فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْفَتْحِ
(قَوْله وَلَا مَانِعَ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي جُمْلَةِ أَحَادِيثَ تَقْتَضِي عُمُومَ الْخِطَابِ بِهِ وَهُوَ يُنَافِي مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ أَمْرَهُ بِذَلِكَ إنَّمَا كَانَ لِخَالِدٍ وَمَنْ مَعَهُ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا عَنْ الثَّانِي) وَهُوَ قَوْلُهُ: كَوُقُوعِ الْقِتَالِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا عَنْ الثَّالِثِ) وَهُوَ قَوْلُهُ: وَكَتَصْرِيحِهِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا عَنْ الرَّابِعِ) وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِنَّ تَرْكَهُ الْقِسْمَةَ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا عَنْ الْخَامِسِ) وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ
(قَوْلُهُ: لَا عِبْرَةَ بِهَا) أَيْ: بِجِهَةٍ غَيْرِ جِهَةِ دُخُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ) أَيْ: التَّأَهُّبَ
(قَوْلُهُ: لِخَوْفِ بَادِرَةٍ) الْبَادِرَةُ عَلَى وَزْنِ نَادِرَةٍ مَا يَبْدُرُ مِنْ حِدَّتِك فِي الْغَضَبِ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ. اهـ. قَامُوسٌ
(قَوْلُهُ: وَحَامِلِ رَايَتِهِمْ) عَطْفٌ عَلَى سَيِّدِ الْخَزْرَجِ
(قَوْلُهُ: بِمَرِّ الظَّهْرَانِ) اسْمُ مَوْضِعٍ بِقُرْبِ مَكَّةَ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ إلَخْ) غَايَةٌ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إلَخْ) هَذَا خِلَافُ الْمُتَبَادِرِ فَلَا يَدْفَعُ التَّأْيِيدَ
(قَوْلُهُ: مِنْ أَنْ يَضْرِبَ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِأَطْلَقَ
(قَوْلُهُ: كَمَا دَلَّتْ) إلَى قَوْلِهِ
وَأَمَّا خَبَرُ فِي الْمُغْنِي إلَّا مَا أُنَبِّهُ عَلَيْهِ وَإِلَى قَوْلِهِ قِيلَ فِي النِّهَايَةِ
(قَوْلُهُ: نَعَمْ الْأَوْلَى عَدَمُ بَيْعِهَا إلَخْ) مُقْتَضَاهُ أَنَّ بَيْعَهَا وَإِجَارَتَهَا خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَمَالَ الْمُغْنِي إلَى مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ كَرَاهَتِهِمَا
(قَوْلُهُ: مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهُمَا) وَمِمَّنْ مَنَعَ بَيْعَهَا أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
(قَوْلُهُ: فَلَا خِلَافٍ فِي حِلِّ بَيْعِهِ إلَخْ) أَيْ: إذَا لَمْ يَكُنْ الْبِنَاءُ مِنْ أَجْزَاءِ أَرْضِ مَكَّةَ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ فِي بِنَاءِ سَوَادِ الْعِرَاقِ. اهـ. مُغْنِي
(قَوْلُهُ: رِبَاعُهَا) أَيْ: مَنَازِلُهَا. اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ: قِيلَ إلَخْ) وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الْمُغْنِي
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ قَضِيَّتَهُ) أَيْ: الصُّلْحِ
(قَوْلُهُ: مَا بِنَفْسِ الْحُصُولِ) أَيْ: عَلَى الْمَرْجُوحِ مِنْ أَنَّ الْفَيْءَ يَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ حُصُولِهِ أَوْ إيقَافِهِ أَيْ: عَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهُ وَقْفًا تُقْسَمُ غَلَّتُهُ عَلَى الْمُرْتَزِقَةِ وَأَنْ يَبِيعَهُ وَيَقْسِمَ ثَمَنَهُ بَيْنَهُمْ
(قَوْلُهُ: وَكَوْنُهَا إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَوْنُهَا مِلْكًا إلَخْ
(قَوْلُهُ: فِيهِ) الْأَوْلَى التَّأْنِيثُ
(قَوْلُهُ: وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ خُمُسِهَا إلَخْ) لِمَ لَمْ يَقُلْ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ خُمُسِهَا وَلِمَ تَرَكَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَانِمِينَ مَعَ أَنَّهَا تَمْنَعُ مِلْكَ أَهْلِهَا. اهـ. سم
(قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ: كَيْفَ شَاءُوا
(قَوْلُهُ: وَبِأَنَّ إلَخْ) أَيْ: ظَهَرَ
(قَوْلُهُ: وَمِصْرُ فُتِحَتْ عَنْوَةً) كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي وَشَرْحِ الْمَنْهَجِ وَقَالَ الرَّشِيدِيُّ أَيْ: وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّهَا وُقِفَتْ كَمَا فِي فَتَاوَى وَالِدِهِ وَعَلَيْهِ فَلَا خَرَاجَ فِي أَرْضِهَا؛ لِأَنَّهَا مِلْكُ الْغَانِمِينَ وَمَوْرُوثَةٌ عَنْهُمْ لَكِنْ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ نَقْلًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَضَعَ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ الْخَرَاجَ فَلْيُحَرَّرْ وَلْيُنْظَرْ وَضْعُ الْخَرَاجِ فِيهَا عَلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِنَا، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَوَاشِي ابْنِ قَاسِمٍ فِي الْبَابِ الْآتِي مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِمِصْرَ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً خُصُوصُ الْبَلَدِ لَا جَمِيعُ أَرَاضِيِهَا وَبِهِ يَنْتَفِي الْإِشْكَالُ.
هـ ا. عِبَارَةُ ع ش قَوْلُهُ: وَفُتِحَتْ مِصْرُ عَنْوَةً أَيْ: وَقُرَاهَا وَنَحْوُهَا مِمَّا فِي إقْلِيمِهَا فُتِحَتْ صُلْحًا انْتَهَى سم عَلَى الْمَنْهَجِ نَقْلًا عَنْ فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَحَمَلَهُ الْأَوَّلُونَ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي
تَتِمَّةُ الصَّحِيحِ أَنَّ مِصْرَ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَضَعَ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ الْخَرَاجَ وَفِي وَصِيَّةِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا وَكَانَ اللَّيْثُ يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، ثُمَّ نَكَثُوا فَفَتَحَهَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثَانِيًا عَنْوَةً وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْخِلَافِ عَلَى هَذَا فَمَنْ قَالَ فُتِحَتْ صُلْحًا نَظَرَ لِأَوَّلِ الْأَمْرِ وَمَنْ قَالَ عَنْوَةً نَظَرَ لِآخِرِ الْأَمْرِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ نَفْسُهَا) وَالْمُرَادُ بِهَا مِصْرُ الْعَتِيقَةُ وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الْحَفْنِي أَنَّ مِصْرَ وَقُرَاهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً بِدَلِيلِ إطْلَاقِ الشَّارِحِ هُنَا وَتَفْصِيلِهِ فِي الشَّامِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَرْضُهَا غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لِأَهْلِهَا بَلْ مِلْكًا لِلْغَانِمِينَ فَلِذَا أَخَذَ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ وَصَلَتْ لِأَهْلِهَا بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ، أَوْ أَنَّهُمْ وَرَثَةُ الْغَانِمِينَ فَلِذَا أَخَذَ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ لَا يُنَافِي الْمِلْكَ كَمَا إذَا فُتِحَتْ الْبَلَدُ صُلْحًا وَشُرِطَ كَوْنِهِ لَهُمْ وَيُؤَدُّونَ خَرَاجَهُ كَمَا يَأْتِي فِي آخِرِ الْجِزْيَةِ.
هـ ا. بُجَيْرِمِيٌّ عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ
(قَوْلُهُ: إنَّ مُدُنَ الشَّامِ) أَيْ: فَتْحَهَا. اهـ. ع ش [فَصْلٌ فِي أَمَانِ الْكُفَّارِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ] (فَصْلٌ فِي أَمَانِ الْكُفَّارِ)
(قَوْلُهُ: فِي أَمَانِ الْكُفَّارِ) إلَى قَوْلِ الْمَتْنِ
وَيَجِبُ فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ وَنَازَعَ فِيهِ الْبُلْقِينِيُّ وَقَوْلُهُ وَأَطَالَ إلَى الْمَتْنِ
(قَوْلُهُ: فِي أَمَانِ الْكُفَّارِ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ. اهـ. ع ش أَيْ: مِنْ قَوْلِهِ وَالْمُسْلِمُ بِدَارِ كُفْرٍ إلَخْ
(قَوْلُهُ: الْمُنْحَصِرُ) أَيْ: مُطْلَقُ الْأَمَانِ. اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ) إلَى قَوْلِهِ وَعَلَى الْمَعْنَى فِي الْمُغْنِي
(قَوْلُهُ: إنْ تَعَلَّقَ بِمَحْصُورٍ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ تَأْمِينَ الْإِمَامِ غَيْرَ مَحْصُورِينَ لَا يُسَمَّى أَمَانًا وَلَيْسَ مُرَادًا حَلَبِيٌّ وَزِيَادِيٌّ وَقَدْ يُقَالُ هُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ هُدْنَةٌ وَإِنْ عُقِدَ بِلَفْظِ الْأَمَانِ. اهـ. بُجَيْرِمِيٌّ
(قَوْلُهُ: فَالْأَوَّلُ) أَيْ: أَمَانُ الْكُفَّارِ. اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ: أَوْ بِغَيْرِهِ لَا إلَى غَايَةِ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا يَجُوزُ فِي مَحْصُورِينَ وَلَيْسَ مُرَادًا انْتَهَى شَيْخُنَا زِيَادِيٌّ أَيْ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا لِمَحْصُورِينَ. اهـ. ع ش أَيْ: فَالْقَيْدُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ بُجَيْرِمِيٌّ وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْجِزْيَةَ إلَخْ أَيْ: وَالْهُدْنَةُ
(قَوْلُهُ: فَالثَّانِي) أَيْ: الْجِزْيَةُ وَقَوْلُهُ فَالثَّالِثُ أَيْ: الْهُدْنَةُ. اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ: وَأَصْلُهُ) أَيْ: الْأَصْلُ فِي مُطْلَقِ الْأَمَانِ
(قَوْلُهُ: يَسْعَى بِهَا) أَيْ: يَتَحَمَّلُهَا وَيَعْقِدُهَا مَعَ الْكُفَّارِ. اهـ. بُجَيْرِمِيٌّ
(قَوْلُهُ: أَدْنَاهُمْ) أَيْ: كَالرَّقِيقَةِ الْمُسْلِمَةِ لِكَافِرٍ. اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ: فَمَنْ أَخْفَرَ) هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ
قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الْخَفِيرُ الْمُجِيرُ وَأَخْفَرَهُ نَقَضَ عَهْدَهُ وَعَذَرَهُ
وَمِثْلُهُ فِي الْمِصْبَاحِ. اهـ. ع ش عِبَارَةُ الرَّشِيدِيِّ وَالْهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإِزَالَةِ أَيْ: مَنْ أَزَالَ خَفَارَتَهُ بِأَنْ قَطَعَ ذِمَّتَهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْحُرْمَةُ) أَيْ: الِاحْتِرَامُ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ: هُنَا) أَيْ: فِي الْحَدِيثِ
(قَوْلُهُ: وَقَدْ تُطْلَقُ) أَيْ: الذِّمَّةُ شَرْعًا. اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ: اللَّتَيْنِ هُمَا مَحَلُّهَا) أَيْ: فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْحَالِ عَلَى الْمَحَلِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزِّيَادِيُّ وَانْظُرْ إطْلَاقَ الذِّمَّةِ عَلَى الذَّاتِ وَالنَّفْسِ بِأَيِّ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَفِي كُلٍّ مِنْهَا بُعْدٌ لَا يَخْفَى فَلْيُتَأَمَّلْ. هـ ا. رَشِيدِيٌّ وَقَوْلُهُ وَانْظُرْ إلَخْ لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ التَّجَوُّزِ وَظُهُورِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَعَانِي الْأَرْبَعَةِ حَالٌ وَالذَّاتُ وَالنَّفْسُ مَحَلُّهُ
(قَوْلُهُ: مَحَلُّهَا) أَيْ: الذِّمَّةُ. اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ: فِي نَحْوِ فِي ذِمَّتِهِ كَذَا إلَخْ) وَفِي جَعْلِ هَذَا مِثَالًا لِمَعْنَى الذَّاتِ وَالنَّفْسِ وَقْفَةٌ
وَالْأَظْهَرُ التَّمْثِيلُ بِهِ لِلْمَعْنَى الْآتِي فَتَأَمَّلْ. اهـ. رَشِيدِيٌّ
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ: فِي الْبَيْعِ. اهـ. مُغْنِي
(قَوْلُهُ: فَبَانَ صَرِيحُ قَوْلِهِ إلَخْ) مِنْ أَيْنَ قَوْلُهُ: وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ خُمُسِهَا) وَلِمَ تَرَكَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَانِمِينَ مَعَ أَنَّهَا تَمْنَعُ مِلْكَ أَهْلِهَا (فَصْلٌ) يَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ أَمَانُ حَرْبِيٍّ إلَخْ
قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمَّنَ مِائَةُ أَلْفٍ مِنَّا مِائَةَ أَلْفٍ مِنْهُمْ وَظَهَرَ بِذَلِكَ سَدُّ بَابِ الْجِهَادِ أَوْ بَعْضِهِ بَطَلَ الْكُلُّ إلَخْ) قَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ ضَابِطَ الْجَوَازِ أَنْ لَا يَنْسَدَّ بَابُ الْجِهَادِ وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ قَدْ يُخَالِفُ قَوْلَ الْمَتْنِ وَعَدَدٌ مَحْصُورٌ فَقَطْ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْمَحْصُورِ هُنَا مَا لَا يَنْسَدُّ بِتَأْمِينِهِ بَابُ الْجِهَادِ قَوْلُهُ: أَوْ كِنَايَةٌ) اُنْظُرْ فَائِدَتَهُ مَعَ وَبِكِتَابَةٍ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا فِي الْقَبُولِ وَذَلِكَ فِي الْإِيجَابِ
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْهُدْنَةِ) فَإِنَّ الْإِطْلَاقَ يُبْطِلُهَا. قَوْلُهُ: أَوْ قَدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ إلَخْ) قَدْ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُقَامِ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ مَعَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ وَقَدَرُوا عَلَى الِامْتِنَاعِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ وَلَمْ يَخْتَلَّ أَمْرُ دَارِ الْإِسْلَامِ بِمُقَامِهِمْ هُنَاكَ وَلَا يَخْلُو عَنْ الْبُعْدِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(وَفُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا) لَا عَنْوَةً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ} الْآيَةَ يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، وقَوْله تَعَالَى:{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} وقَوْله تَعَالَى: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} إلَى قَوْلِهِ: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا} أَيْ بِالْقَهْرِ: قِيلَ الَّتِي عَجَّلَهَا لَهُمْ غَنَائِمُ حُنَيْنٍ، وَاَلَّتِي لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا غَنَائِمُ مَكَّةَ،
وَمَنْ قَالَ: فُتِحَتْ عَنْوَةً، مَعْنَاهُ أَنَّهُ دَخَلَ مُسْتَعِدًّا لِلْقِتَالِ لَوْ قُوتِلَ. قَالَهُ الْغَزَالِيُّ: (فَدُورُهَا وَأَرْضُهَا الْمُحْيَاةُ مِلْكٌ يُبَاعُ) إذْ لَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَهَا، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَمَّا قَالَ: لَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنْزِلُ غَدًا بِدَارِك بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رَبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟» وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ وَطَالِبٌ دُونَ عَلِيٍّ وَجَعْفَرٍ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَلَا يُورَثُ إلَّا مَا كَانَ الْمَيِّتُ مَالِكًا لَهُ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ بَيْعِهَا.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَيُكْرَهُ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَنَازَعَهُ الْمُصَنِّفِ فِي مَجْمُوعِهِ،
وَقَالَ: إنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٍ، وَالْأَوَّلُ كَمَا قَالَ: الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَنْصُوصُ، بَلْ اعْتَرَضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِكَرَاهَةِ بَيْعِ الْمُصْحَفِ وَالشِّطْرَنْجِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِمَا نَهْيٌ مَقْصُودٌ.
تَنْبِيهٌ: مَحِلُّ الْخِلَافِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي بَيْعِ نَفْسِ الْأَرْضِ.
أَمَّا الْبِنَاءُ فَهُوَ مَمْلُوكٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِلَا خِلَافٍ: أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَجْزَاءِ أَرْضِهَا كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ فِي بِنَاءِ السَّوَادِ، وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِالْفَاءِ يَقْتَضِي تَرَتُّبَ كَوْنِهَا مِلْكًا عَلَى الصُّلْحِ وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ مُقْتَضَى الصُّلْحِ أَنَّهَا وَقْفٌ؛
لِأَنَّهَا فَيْءٌ وَهُوَ وَقْفٌ: إمَّا بِنَفْسِ حُصُولِهِ
وَإِمَّا بِإِيقَافِهِ وَمُقْتَضَى تَعْبِيرِهِ أَنَّهَا عَلَى الْعَنْوَةِ لِلِاتِّبَاعِ، وَلَيْسَ مُرَادًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَفْتُوحَ عَنْوَةً غَنِيمَةٌ مُخَمَّسَةٌ، بَلْ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَقَرَّ الدُّورَ بِيَدِ أَهْلِهَا عَلَى الْمِلْكِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ " وَلَا نَظَرَ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا أَوْ عَنْوَةً.
تَتِمَّةٌ: الصَّحِيحُ أَنَّ مِصْرَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمْ،
وَأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَضَعَ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ الْخَرَاجَ،
وَفِي وَصِيَّةِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا،
وَكَانَ اللَّيْثُ يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا: وَقِيلَ فُتِحَتْ صُلْحًا. ثُمَّ نَكَثُوا فَفَتَحَهَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثَانِيًا عَنْوَةً، وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْخِلَافِ عَلَى هَذَا،
فَمَنْ قَالَ: فُتِحَتْ صُلْحًا نَظَرَ لِأَوَّلِ الْأَمْرِ،
وَمَنْ قَالَ عَنْوَةً نَظَرَ لِآخَرِ الْأَمْرِ،
وَأَمَّا الشَّامُ فَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الرُّويَانِيِّ: أَنَّ مُدُنَهَا فُتِحَتْ صُلْحًا وَأَرْضَهَا عَنْوَةً، وَلَكِنْ رَجَّحَ السُّبْكِيُّ أَنَّ دِمَشْقَ فُتِحَتْ عَنْوَةً.
[فَصْل فِي الْأَمَانِ] [فَصْلٌ] فِي الْأَمَانِ، وَهُوَ ضِدُّ الْخَوْفِ، وَأُرِيدَ بِهِ هُنَا تَرْكُ الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ، هُوَ مِنْ مَكَايِدِ الْحَرْبِ وَمَصَالِحِهِ، وَالْعُقُودُ الَّتِي تُفِيدُهُمْ الْأَمْنَ ثَلَاثَةٌ: أَمَانٌ وَجِزْيَةٌ وَهُدْنَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَعَلَّقَ بِمَحْصُورٍ فَالْأَمَانُ، أَوْ بِغَيْرِ مَحْصُورٍ،
فَإِنْ كَانَ إلَى غَايَةٍ فَالْهُدْنَةُ وَإِلَّا فَالْجِزْيَةُ، وَهُمَا مُخْتَصَّانِ بِالْإِمَامِ
بِخِلَافِ الْأَمَانِ وَالْأَصْلُ فِي الْأَمَانِ آيَةُ {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا - أَيْ نَقَضَ عَهْدَهُ - فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» وَالذِّمَّةُ الْعَهْدُ وَالْأَمَانُ وَالْحُرْمَةُ وَالْحَقُّ،
وَأَمَّا الذِّمَّةُ فِي قَوْلِهِمْ ثَبَتَ الْمَالُ فِي ذِمَّتِهِ وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ فَلَهَا مَعْنَى آخَرَ مَرَّ بَيَانُهُ فِي الْبَيْعِ.
(وَفُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا فَدُورُهَا وَأَرْضُهَا الْمُحْيَاةُ مِلْكٌ يُبَاعُ) وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَهَا. .
فَصْلٌ
لا زيادة له على هذه المسألة.
قَوْلُهُ: (وَفُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا) أَعْلَاهَا عَلَى يَدِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَأَسْفَلُهَا عَلَى يَدِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَكِنْ بَعْدَ وُجُودِ صُورَةِ قِتَالٍ ابْتِدَاءً مِنْ جِهَةِ خَالِدٍ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَهُ ثُمَّ سَلَّمُوا فَكَفَّ عَنْهُمْ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ التَّنَاقُضُ فِي الْأَخْبَارِ وَالْأَقْوَالِ، وَفُتِحَتْ مِصْرُ عَنْوَةً وَقَدْ فُتِحَتْ قُرَاهَا صُلْحًا وَضَعَّفَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَفُتِحَتْ مُدُنُ الشَّامِ صُلْحًا وَقُرَاهَا عَنْوَةً وَرَجَّحَ السُّبْكِيُّ أَنَّ دِمَشْقَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَسَيَأْتِي فِي الْجِزْيَةِ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَذْكُورِ هُنَا فَرَاجِعْهُ.
. فَصْلٌ فِي الْأَمَانِ مَعَ الْكُفَّارِ وَهُوَ أَحَدُ الْعُقُودِ الَّتِي تُفِيدُهُمْ الْأَمْنَ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: أَمَانٌ، وَجِزْيَةٌ، وَهُدْنَةٌ لِأَنَّ الْعَقْدَ إنْ تَعَلَّقَ بِمَحْصُورٍ أَصَالَةً فَهُوَ الْأَمَانُ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ إلَى غَايَةٍ فَالْهُدْنَةُ وَإِلَّا فَالْجِزْيَةُ وَهَذَانِ يَخْتَصَّانِ بِالْإِمَامِ وَنَائِبِهِ وَبِوَالِي الْإِقْلِيمِ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
قَوْلُهُ: (وَأَرْضُهَا الْمُحْيَاةُ) يَنْبَغِي أَنْ يُرِيدَ الَّتِي كَانَتْ مُحْيَاةً وَقْتَ الْفَتْحِ لِيَكُونَ لِلْفَاءِ مَعْنًى، وَإِلَّا فَالْمَوَاتُ وَقْتَ الْفَتْحِ مِلْكُ مَنْ أَحْيَاهُ بَعْدَهُ سَوَاءٌ فُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا. فَصْلٌ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ إلَخْ لَوْ دَخَلَ دَارَنَا وَزَعَمَ رِسَالَةً لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ
وَكَذَا مَنْ قَالَ أَرَدْت سَمَاعَ الْقُرْآنِ أَوْ طَلَبَ مَالِي الَّذِي عِنْدَكُمْ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْجِزْيَةِ.
قال: (وفتحت مكة صلحًا) ؛ لقوله تعالى:{وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} يعنى: أهل مكة، فدل على أنهم لم يقاتلوا، وقال:{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ}، وصح: أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من دخل المسجد .. فهو آمن،
ومن دخل دار أبي سفيان .. فهو آمن،
ومن ألقى سلاحه .. فهو آمن،
ومن أغلق بابه .. فهو آمن) رواه مسلم [١٧٨٠]، واستثنى أناسًا أمر بقتلهم كما تقدم، فدل على عموم الأمان للباقي.
وقال تعالى:{لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ} فأضاف الدور إليهم وحقيقتها الملك.
وقال أكثر أهل المغازي: إنها فتحت عَنوة، وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وقال الماوردي: أسفلها دخله خالد عَنوة، وأعلاها دخله الزبير صلحًا، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من جهته، فصار حكم جهته الأغلب.
قال: (فدُورها وأرضها المُحياة مِلك يباع)
؛ لحديث أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله؛ أتنزل غدًا بدارك بمكة؟ فقال:(وهل ترك لنا عقيل من رباع) وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرثه جعفر ولا علي؛ لأنهما كانا مسلمين، وترجم عليه البخاري (باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها).
وروى البيهقي [٦/ ٣٤]: أن عمر اشترى دار السجن بمكة من صفوان بن أمية بأربع مئة،
وفي رواية: بأربعة آلاف.
وباع حكيم بن حزام دار الندوة بمكة من معاوية بمئة ألف، رواه الزبير بن بكار. وحديث:(مكة لا تباع رباعها، ولا تؤجر دورها) ضعيف وإن رواه الحاكم [٢/ ٥٣].
تنبيهان:
أحدهما: محل الخلاف بين العلماء في بيع نفس الأرض،
أما البناء .. فهو مملوك يجوز بيعه بلا خلاف.
الثاني: قال الروياني: يكره بيع دور مكة وإجارة رباعها، ونازعه المصنف في (شرح المهذب) في دعوى الكراهة،
وقال: الأحسن أن يقال: إن ذلك خلاف الأولى؛ لأن المكروه ما ثبت فيه نهي مقصود، ولم يثبت في هذا شيء.
واعترض على المصنف بأنه صرح بكراهة بيع المصحف والشطرنج، ولم يثبت فيها نهي.
تتمة:
الصحيح: أن مصر فتحت عَنوة، وممن نص عليه مالك في (المدونة) وأبو عبيد والطحاوي وغيرهم،
وأن عمر وضع على أراضيهم الخراج.
وقيل: فتحت صلحًا ثم نكثوا، ففتحها عمر ثانيًا عَنوة.
وفي (وصية الشافعي) في (الأم) ما يقتضي: أنها فتحت صلحًا؛ فإنه أوصى على أرض له بمصر، على أنه يحتمل أن تكون من الموات الذي أحيي، ولا منع فيه، أو من أرض اتصلت بالشافعي من غير بيت المال.
وفي (تاريخ بغداد) للخطيب: كان الليث بن سعد اشترى شيئًا من أرض مصر، قال: وإنما استجاز ذلك؛ لأنه كان يحدِّث عن يزيد بن أبي حبيب: أنها فتحت صلحًا. والأكثرون على خلاف قولهما.
وكان مالك وجماعة من أهل عصره ينكرون على الليث ذلك الفعل؛ لأنها عندها عَنوة.
والليث ويزيد بن أبي حبيب مصريان، وهما أعرف بحال مصر من غيرهما.
وأما الشام .. فنقل الرافعي عن الروياني: أن مدنها فتحت صلحًا وأرضها عَنوة، وقد أشكل حالها على من حضرها وعلى عمر بن الخطاب، فتورعوا وأعطوها حكم الصلح.
وقال الجرجاني: لا خلاف أنه يجوز بيع أراضي الخراج بالشام؛ لأنها غير موقوفة، وإنما صالح الإمام أهلها على أن تكون الأرض لهم بخراج معلوم يؤدونه كل سنة.
ورجح الشيخ: أن دمشق فتحت عَنوة.
قال: (فصل: يصح من كل مسلم مكلف مختار أمان حربي وعدد محصور فقط).
(الأمان) ضد الخوف والأصل فيه: قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} الآية، أي: استأمنك فأمنه، أو استعانك فأعنه.
و (كَلامَ اللَّهِ) قيل: جميع القرآن،
وقيل: سورة براءة.
{ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ} أي: بعد انقضاء مدة الأمان.
وفي (الصحيحين)[خ ٣١٨٠ - م ١٣٧١] عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم -أي: عبيدهم- فمن أخفر مسلمًا -أي: نقض عهده- فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين). و (الذمة) العهد والأمان والحرمة والحق، وسمي أهل الذمة بذلك؛ لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم.
ومعنى:(يسعى بها أدناهم) إذا أعطى العبد الأمان .. جاز ذلك على جميع المسلمين؛ لأن عمر أجاز أمان عبد على جميع الجيش.
وأمَّنت به أم هانئ بنت أبي طالب يوم الفتح رجلين من أحمائها؛ وهما: الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية، فقال صلى الله عليه وسلم:(قد أجرنا مَن أجرت، وأمَّنا مَن أمَّنت) رواه الترمذي [١٥٧٩].
فيصح أمان الحر والعبد -وإن كان سيده كافرًا- والمرأة والخنثى والفقير والمحجور عليه لسفه والمريض والشيخ والهرم والفاسق.
وفي وجه: لا؛ لأنه نوع ولاية، وليس هو من أهلها.
وفي وجه ثالث: إن كان فسقه بسبب إعانته على المسلمين .. لم يصح أمانه، وإلا .. فيصح.
وقال أبو حنيفة: لا يصح أمان العبد إلا إذا كان مأذونًا له في القتال.
واحترز عن أضداد ما ذكر فلا يصح أمان كافر؛ لأنه متَّهم، ولا أمان الصبي وإن راهق، ولا المجنون؛ لأنه عقد فأشبه سائر العقود، لكن لا يقتل مَن أمَّناه إن جهل فساد أمانهما، بل يعرَّف أنه لا أمان له ليرجع،
وكذا حكم أمان المكره.
وأطلق (الحربي) ومراده: غير الطليعة والجاسوس ونحوه ممن لا يصح أمانه كما سيأتي.
وشمل إطلاقه: مَن عيّن الإمام قتلّه وعدمَ المَنِّ عليه، فظفر به بعض الرعية وأمَّنه، والظاهر: النفوذ كما أفتى به الطوسي وغيره.
ثم إنما يجوز من الآحاد لكافر أو كفار محصورين كعشرة ومئة،
ولا يجوز لهم أمان ناحية وبلدة؛ لئلا يتعطل الجهاد.
قال الإمام: ولو أمن مئة ألف منا مئة ألف .. فكل واحد لم يؤمن إلا واحدًا، لكن إذا ظهر الانسداد .. رد الجميع. قال الرافعي: وهو ظاهر إن أمنوهم دَفعة،
فإن وقع مترتبًا .. فينبغي صحة الأول فالأول إلى ظهور الخلل، واختاره المصنع،
وقال: إنه مراد الإمام، وسواء كان الكافر المؤمن في دار الحرب أو في حال القتال أو الهزيمة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.