ولو مع وال جائر:
الشروح عليها
(وَلَوْ مَعَ وَالٍ) أَيْ أَمِيرٍ (جَائِرٍ) فِي أَحْكَامِهِ ظَالِمٍ فِي رَعِيَّتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَادِرًا يَنْقُضُ الْعَهْدَ فَلَا يَجِبُ مَعَهُ عَلَى الْأَصَحِّ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ) رَدَّ بِلَوْ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُغَازِي مَعَهُ
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ غَادِرًا يَنْقُضُ الْعَهْدَ) أَيْ وَلَوْ مَعَ كَافِرٍ عَلَى الظَّاهِرِ قَالَهُ شَيْخُنَا
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ) ش: ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانُوا يَغْدِرُونَ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا حَكَاهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ سَحْنُونٍ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِهِ: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، وَقَدْ مَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُقَاتَلُ مَعَ الْأَمِيرِ الْغَادِرِ
بِخِلَافِ الْجَائِرِ وَالْفَاسِقِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى الْجِهَادِ مَعَهُ وَالْقَوْلَانِ فِي مَذْهَبِنَا انْتَهَى.
(وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ الْوُلَاةِ.
وَرَجَعَ مَالِكٌ عَنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ لَمَا كَانَ مِنْ زَمَنِ عُمَرَ وَمَا صَنَعَ الرُّومُ بِغَارَتِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِالْجِهَادِ مَعَهُمْ وَلَوْ تَرَكَ لَكَانَ ضَرَرًا عَلَى الْإِسْلَامِ. ابْنُ حَبِيبٍ: سَمِعْت أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لَا بَأْسَ بِالْغَزْوِ مَعَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَضَعُوا الْخُمُسَ مَوْضِعَهُ وَلَمْ يُوفُوا بِعَهْدٍ وَإِنْ عَمِلُوا مَا عَمِلُوا. وَقَالَهُ الصَّحَابَةُ حِينَ أَدْرَكُوا مِنْ الظُّلْمِ فَكُلُّهُمْ قَالَ: اُغْزُ مَعَهُمْ عَلَى حَظِّك مِنْ الْآخِرَةِ وَلَا تَفْعَلْ مَا يَفْعَلُونَ مِنْ فَسَادٍ وَخِيَانَةٍ.
ابْنُ بَشِيرٍ: اُخْتُلِفَ فِي مُعَاوَنَةِ وُلَاةِ الْجَوْرِ فِي الْجِهَادِ وَالْوِلَايَاتِ وَالْأَحْكَامِ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، فَتَنْظُرُ مَنْ تَوَجَّهَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَوْ دَعَا إلَيْهِ هَلْ يُؤَدِّيهِ الدُّخُولُ فِيهِ إلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ مِمَّا يَدْعُو إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ، أَوْ يُؤَدِّيهِ تَرْكُهُ إلَى مَضَرَّةٍ تَطْرَأُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ فَيَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ.
أَصْلُ هَذَا تَرْكُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَعْرَابِيَّ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ خَوْفَ مَضَرَّةٍ أَشَدَّ. وَتَرْكُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَاءَ الْكَعْبَةِ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ خِيفَةً عَلَى اعْتِقَادِ مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْإِيمَانُ فِي صَدْرِهِ انْتَهَى. اُنْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَقْضِيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ:" إلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ " وَانْظُرْ اسْمَ الدَّاوُدِيُّ فِي الْمَدَارِكِ حِينَ عَتَبَ عَلَى عُلَمَاءِ إفْرِيقِيَّةَ إقَامَتَهُمْ بَيْنَ أَظْهُرِ بَنِي عُبَيْدٍ فَقَالُوا لَهُ: اُسْكُتْ لَا شَيْخَ لَك.
وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى هَدْمِ سُوَرِ عَسْقَلَانَ وَهَدْمِ سُوَرِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ لَا يَطْمَعَ الْعَدُوُّ فِيهِ وَقْتَ اسْتِيلَاءِ الضَّعْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَقْلِيلًا لِلْمَفْسَدَةِ خَشْيَةَ أَنْ يَعُودَ لِلْعَدُوِّ لِاجْتِمَاعِ الضَّرَرِ وَلِلْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ ، وَقَدْ كَانَ عُمْرُهُمْ بِهَدْمِ الْمِصِّيصَةِ وَبِإِخْلَاءِ جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ، وَأَصْلُ هَذَا أَيْضًا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ فِي خَرْقِ الْخَضِرِ السَّفِينَةَ، وَقَدْ كُنْت أَفْتَيْت بِهَدْمِ جَبَلِ الْفَتْحِ قَبْلَ أَخْذِهِ الْعَدُوَّ،
وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَمْ أَزَلْ أُفْتِي بِهَدْمِ سُورِ الْمُتِلَّيْنِ وَهَدْمِ أَرِينَةَ وَالصَّخْرَةِ وَأَنَا مَعَ ذَلِكَ لَا أَجِدُ إلَّا مُعَارِضًا ثُمَّ أَحُضُّ عَلَى الْبِنَاءِ فَلَا أَجِدُ مُسَاعِدًا وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.
[شُرُوطُ وُجُوبِ الْجِهَادِ]
(ص) ، وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ،
وَلَوْ مَعَ الْوَالِي الْجَائِرِ فِي حُكْمِهِ وَهُوَ الَّذِي لَا يَضَعُ الْخُمُسَ فِي مَوْضِعِهِ وَلَا يَفِي بِعَهْدٍ ارْتِكَابًا لِأَخَفْ الضَّرَرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْغَزْوَ مَعَهُمْ إعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى جَوْرِهِمْ، وَتَرْكُ الْغَزْوِ مَعَهُمْ خِذْلَانٌ لِلْإِسْلَامِ وَنُصْرَةُ الدِّينِ وَاجِبَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْوَالِي أَمِيرُ الْجَيْشِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَفِي بِعَهْدٍ) الرَّاجِحُ أَنَّ الَّذِي لَا يَفِي بِالْعَهْدِ لَا يُقَاتَلُ مَعَهُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَلَوْ مَعَ وَالٍ) أَيْ أَمِيرِ جَيْشٍ (جَائِرٍ) لَا يَضَعُ الْخُمُسَ مَوْضِعَهُ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْغَزْوَ مَعَهُ إعَانَةٌ لَهُ عَلَى جَوْرِهِ وَتَرْكَهُ مَعَهُ خِذْلَانٌ لِلْإِسْلَامِ، وَنُصْرَةُ الدَّيْنِ وَاجِبَةٌ،
وَكَذَا مَعَ ظَالِمٍ فِي أَحْكَامِهِ أَوْ فَاسِقٍ بِجَارِحَةٍ لَا مَعَ غَادِرٍ يَنْقُضُ الْعَهْدَ عَلَى الْأَصَحِّ
وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُغَازِي مَعَهُ وَصِلَةُ فَرْضٍ
ولو مع وال جائر؛ يعني أن الجهاد من فروض الكفاية ولو مع ولاة الجور الذين لا يضعون الخمس موضعه، قال فيها: ولا بأس بالجهاد مع ولاة الجور. ابن أبي زيد: ويقاتل العدو مع كل بر وفاجر من الولاة، وإنما وجب مع الوالي الجائر ارتكابا لأخف الضررين؛ لأن الغزو معه إعانة له على جوره وتركه معه خذلان للإسلام ونصرة الدين واجبة،
وكذا يجب مع ظالم في أحكامه أو فاسق بجارحة لا مع غادر ينقض العهد، فلا يجب معه على الأصح،
وفي الحديث: (لكل غادر لواء عند استه يعرف به يوم القيامة (١) ). وغزا أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه مع يزيد بن معاوية بعد أن توقف ثم ندم على توقفه، وممن قال بالغزو معهم عبد الرحمن بن يزيد والنخعي ومجاهد والحسن وابن سيرين وطاووس وسالم بن عبد الله وأبو حنيفة وعمار بن عمير،
وقيل لابن عباس: أغزوا مع إمام لا يريد إلا الدنيا؟ فقال: قاتل أنت على حظك من الآخرة.
وعبارة الشيخ عبد الباقي: "ولو مع وال" أي أمير جيش "جائر" لا يضع الخمس في موضعه،
وقال الشيخ إبراهيم "ولو مع وال جائر" في رعيته بأن كان يظلمهم، أو في غنيمته بأن كان لا يضع الخمس في موضعه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الجهاد ماض منذ بعث الله نبيه لا ينقضه جور من جار ولا عدل من عدل (١) ) ثم قال: وظاهر كلام المص ولو كان جوره بغدر أي عدم الوفاء بالعهد، وحكى القرطبي فيه قولين، وكلامه يقتضي ترجيح عدم القتال معه. انتهى. وكلام القرطبي على نقل الحطاب: وقد مال أكثر العلماء إلى أنه لا يقاتل مع الأمير الغادر
بخلاف الجائر والفاسق، وذهب بعضهم إلى الجهاد معه والقولان في مذهبنا. انتهى. واعلم أنه قد حض الشرع على تمني الشهادة ورغب فيه، (فقال: من سأل الله الشهادة صادقا من قلبه بلغة الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه (٢) ). انتهى. قاله القرطبي. نقله الإمام الحطاب.
وقال ابن عرفة: قال أبو عمر في الكافي: فرض على الإمام إغزاء طائفة للعدو في كل سنة يخرج هو بها أو من يثق به، وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم الخروج المذكور لا خروجهم كافة، والنافلة منه إخراج طائفة بعد أخرى وبعث السرايا وقت الغرة والفرصة، زاد ابن شاس: عنه وعلى الإمام النصفة في الناوبة بين الناس، وعزا القرافي جميع ذلك لعبد الملك،
وقال اللخمي عن الداوودي: بقي فرضه بعد الفتح على من يلي العدو وسقط عمن بعد عنه. المازري: قوله بيان لتعلق فرض الكفاية [لمن حضره ]، محل متعلقة قادرا عليه دون من بعد عنه لعسره وإن عصى الحاضر تعلق بمن يليه. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وقوله: على كل، متعلق بقوله: "فرض كفاية" . حر؛ يعني أن الجهاد يجب وجوب كفاية على كل من اجتمعت فيه أربعة أوصاف أولها الحرية، احترز بذلك عن العبيد فإنه لا يجب عليهم، ثانيها التكليف وإليه أشار بقوله: مكلف.
واحترز بذلك عن الصبي فإن الجهاد ساقط عنه، ثالثها المذكورة وإليها أشار بقوله: ذكر، واحترز بذلك عن الإناث فإن الجهاد ساقط عنهن، رابعها أشار إليه بقوله: قادر؛ يعني أنه ينضم إلى الأوصاف الثلاثة القدرة على الجهاد، واحترز بذلك عن العاجز فإن الجهاد ساقط عنه، وسيأتي للمص التصريح بمفهوم هذه الأمور،
وأما الإسلام فقد صرح غير واحد بأنه لا يعد شرطا بل يجب على الكافر، فهو داخل في كلام المص، بناء على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وهو الصحيح، وممن صرح بذلك الشيخ عبد الباقي،
وقال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر وإن قاله غيره كيف؟ وقد عد ابن رشد الإسلام من شروط الوجوب كما نقله المواق. انتهى. وعلم من المص أن من فقد منه أحد الأمور الأربعة يسقط عنه الجهاد وهو كذلك كما علمت، ثم شبه بالجهاد في فرضية الكفاية نظائر لا بقيد كل عام،
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.