أَوْ مَا لَك أَصْلٌ وَلَا فَصْلٌ
الشروح عليها
(أَوْ) قَالَ لِغَيْرِهِ فِي مُشَاتَمَةٍ أَوْ لَا (مَا لَك أَصْلٌ وَلَا فَصْلٌ) فَلَا حَدَّ لِأَنَّ الْقَصْدَ نَفْيُ الشَّرَفِ إلَّا لِقَرِينَةِ نَفْيِ النَّسَبِ فَيُحَدُّ،
وَكَذَا فِي كُلِّ مَا لَا حَدَّ فِيهِ
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ ضَابِطُ هَذَا الْبَابِ الِاشْتِهَارَاتُ الْعُرْفِيَّةُ وَالْقَرَائِنُ الْحَالِيَّةُ فَمَتَى فُقِدَا حَلَفَ وَمَتَى وُجِدَ أَحَدُهُمَا حُدَّ،
وَإِنْ انْتَقَلَ الْعُرْفُ وَبَطَلَ بَطَلَ الْحَدُّ وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ يَا ابْنَ مُنْزِلَةِ الرُّكْبَانِ وَذَاتِ الرَّايَةِ لَا يُوجِبُ حَدًّا وَأَنَّهُ لَوْ اشْتَهَرَ مَا لَا يُوجِبُ حَدًّا الْآنَ فِي الْقَذْفِ أَوْجَبَ الْحَدَّ.
(قَوْلُهُ: أَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ عَرَبِيًّا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَصْدَ نَفْيُ الشَّرَفِ) أَيْ لِأَنَّ الْعُرْفَ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ اللَّفْظِ فِي ذَمِّ الْأَفْعَالِ.
(قَوْلُهُ: فِي كُلِّ مَا لَا حَدَّ فِيهِ) أَيْ كَقَوْلِ الْمُوَلَّدِ لِغَيْرِهِ أَنَا خَيْرٌ مِنْك أَوْ نَسَبِ فَرْدِ جِنْسٍ لِجِنْسٍ آخَرَ فَمَتَى قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ قَصْدَهُ نَفْيُ النَّسَبِ حُدَّ،
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: الْآتِي يَا ابْنَ الْفَاسِقَةِ أَوْ الْفَاجِرَةِ أَوْ يَا حِمَارٌ أَوْ يَا ابْنَ الْحِمَارِ فَمَتَى قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ الْقَذْفُ حُدَّ
(قَوْلُهُ: حَلَفَ) أَيْ أَنَّهُ مَا أَرَادَ الْقَذْفَ وَلَا يُحَدُّ
(قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ لَوْ اُشْتُهِرَ إلَخْ) أَيْ مِثْلُ عِلْقٍ فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ الشَّيْءُ النَّفِيسُ وَاشْتُهِرَ الْآنَ فِي الْقَذْفِ بِالْمَفْعُولِيَّةِ فَفِيهِ الْحَدُّ وَلَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهَا قَذْفًا
ص (أَوْ مَا لَكَ أَصْلٌ وَلَا فَصْلٌ) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ
(فَرْعٌ) قَالَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الْقَذْفِ وَقَالَ يَعْنِي ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ فِي مُشَاتَمَةٍ: مَا أَعْرِفُ أَبَاكَ وَهُوَ يَعْرِفُهُ ضُرِبَ الْحَدَّ ثَمَانِينَ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَبُوهُ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُهُ فَقَدْ قَطَعَ نَسَبَهُ وَنَفَاهُ عَنْهُ انْتَهَى. وَذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ وَقَالَ بَعْدَهُ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ مَا أَعْرِفُ أَبَاكَ فَمَا أَنْكَرَ مَا قَالَ فَلْيَرْفَعْهُ إلَى السُّلْطَانِ قَالَ مُحَمَّدٌ
وَلَوْ قَالَ: مَا يُعْرَفُ أَبُوكَ لَحُدَّ انْتَهَى. وَانْظُرْ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ فَمَا أَنْكَرَ مَا قَالَ وَلَعَلَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ قَالَ مَا أَرَدْت بِذَلِكَ قَذْفًا وَلَكِنِّي لَا أَعْرِفُ أَبَاهُ حَقِيقَةً.
سُئِلْت عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِشَرِيفٍ مَا أَنْتَ شَرِيفٌ وَأَنَا سَمِعْت جَدَّك يَقُولُ مَا أَنَا شَرِيفٌ فَأَظْهَرَ الْمُدَّعِي مَثْبُوتًا بِالشَّرَفِ فَأَجَبْت بِأَنِّي لَا أَعْرِفُ فِيهَا نَصًّا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ مَعْرُوفًا بِالشَّرَفِ وَلَمْ يَكُنْ عُلِمَ بِثُبُوتِ شَرَفِهِ.
وَقَالَ مَا قَالَ مُعْتَمِدًا عَلَى مَا سَمِعَ مِنْ جَدِّهِ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ وَكَانَ الْجَوَابُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي بِاللِّسَانِ وَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ مَنْ حَضَرَ وَأَسْقَطَ الْمُدَّعِي حَقَّهُ مِنْ الْيَمِينِ وَاصْطَلَحُوا. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَهَذَا يُشْبِهُ مَا ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ شَرِيفَةً مَشْهُورَةً بِالشَّرَفِ فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فَقِيلَ لَهُ عَلَى وَجْهِ النُّصْحِ: تَفْعَلُ هَذَا بِشَرِيفَةٍ مِنْ أَهْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فَقَالَ الزَّوْجُ: هِيَ شَرِيفَةٌ بِالنَّسَبِ وَأَنَا شَرِيفٌ بِالْحَسَبِ وَأَنَا أَحْسَنُ مِنْهَا وَأَبِي أَحْسَنُ مِنْ أَبِيهَا وَجَدِّي أَحْسَنُ مِنْ جَدِّهَا وَبَلَدِي أَحْسَنُ مِنْ بَلَدِهَا. وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِمَقَالَتِهِ وَاعْتَرَفَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ فَسُئِلَ عَمَّا أَرَادَ بِقَوْلِهِ فَقَالَ إنَّ أَبِي كَانَ خَطِيبًا وَجَدِّي كَانَ خَطِيبًا وَأَبُوهَا وَجَدُّهَا لَيْسَا كَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ وَيُؤَدَّبُ وَمُوجِبُ الْقِيَاسِ أَنَّ قَوْلَهُ جَدِّي أَحْسَنُ مِنْ جَدِّكِ يُوجِبُ ظَاهِرُهُ قَتْلَ قَائِلِهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى التَّنْقِيصِ الْمُوجِبِ لِذَلِكَ لَكِنْ يُوجِبُ إلْغَاءَ إيجَابِهِ لِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ لَفْظِهِ عَلَى جَدٍّ لَا يُوجِبُ صِدْقَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ وَالِاحْتِمَالُ فِي النَّازِلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا بَيَّنَهُ مِنْ خِطَابَةِ جَدِّهِ دُونَ جَدِّهَا إنْ كَانَ فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ صَادِقًا فَدَلِيلُ أَدَبِهِ وَاضِحٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ انْتَهَى
(فَائِدَةٌ) أَوَّلُ مَا حَدَثَ تَمْيِيزُ الْأَشْرَافِ بِالشَّطْبَةِ الْخَضْرَاءِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ أَمَرَ بِذَلِكَ السُّلْطَانُ الْأَشْرَفُ شَعْبَانُ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْأَنْبَاءِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ السَّخَاوِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْأَشْرَافِ لَهُ قَالَ وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ جَعَلُوا لِأَبْنَاءِ الرَّسُولِ عَلَامَةً ... إنَّ الْعَلَامَةَ شَأْنُ مَنْ لَمْ يُشْهَرْ نُورُ النُّبُوَّةِ فِي كَرِيمِ وُجُوهِهِمْ ... يُغْنِي الشَّرِيفَ عَنْ الطِّرَازِ الْأَخْضَرِ (وَقَالَ غَيْرُهُ) أَطْرَافُ تِيجَانٍ أَتَتْ مِنْ سُنْدُسٍ ...
خُضْرٍ بِأَعْلَامٍ عَلَى الْأَشْرَافِ وَالْأَشْرَفُ السُّلْطَانُ خَصَّهُمْ بِهَا ... شَرَفًا لِتَعْرِفَهُمْ مِنْ الْأَطْرَافِ وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَامَةَ بَنِي الْعَبَّاسِ شَطْبَةً سَوْدَاءَ ثُمَّ تُرِكَتْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَمَّا مَا لَكَ أَصْلٌ وَلَا فَصْلٌ) الْبَاجِيُّ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: لَيْسَ لَك أَصْلٌ وَلَا فَصْلٌ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: فِيهِ الْحَدُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْقَذْفِ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الضَّعَةِ وَالْخُمُولِ.
(أَوْ) قَالَ الْمُكَلَّفُ لِشَخْصٍ (مَا لَك أَصْلٌ وَلَا فَصْلٌ) فَلَا يُحَدُّ وَلَوْ فِي مُشَاتَمَةٍ لِأَنَّهُ لِذَمِّ الْأَفْعَالِ لَا لِقَطْعِ النَّسَبِ،
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُحَدُّ فِي الْمُشَاتَمَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ لَيْسَ لَك أَصْلٌ وَلَا فَصْلٌ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ لَا يُحَدُّ.
وَقَالَ أَصْبَغُ يُحَدُّ.
وَقِيلَ إنْ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ فَفِيهِ الْحَدُّ وَلِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ قَالَهُ فِي مُشَاتَمَةٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعَرَبِ فَفِيهِ أَدَبٌ خَفِيفٌ مَعَ السَّجْنِ،
وَإِنْ قَالَهُ لِعَرَبِيٍّ يُحَدُّ إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ فَيَحْلِفُ مَا أَرَادَ قَطْعَ نَسَبِهِ وَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ قَالَهُ لِغَيْرِ عَرَبِيٍّ الْأَدَبُ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ يُحَدُّ.
أصل ولا فصل يعني أنه إذا قال شخص لآخر: مالك أصل ولا فصل فإنه لا حد عليه، قال ذلك في مشاتمة أم لا، قاله لعربي أم لا؛ لأن المقصد نفي الشرف إلا لقرينة نفي النسب فيحد،
وكذا في كل ما لا حد فيه. وقوله: "أو مالك أصل ولا فصل" كونه لا يحد، قول مالك: ورأى أن المقصد نفي الشرف.
وقال أصبغ: يحد لأن أصله أبوه وقد نفاه عنه،
وقيل: إن قاله لعربي حد وإلا فلا.
وقال عبد الملك: إن قاله لغير عربي في مشاتمة أدب،
وإن قاله لعربي حد إلا أن يعذر بجهل فيحلف ما أراد قطع نسبه وإلا حد. وذكر الحطاب عن ابن القاسم في العتبية أن من قال لرجل يشاتمه: ما أعرف أباك وهو يعرفه حد. ابن رشد: لأنه نفى أن يكون أباه هو الذي يعرفه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.