وَلَا تقبل شَهَادَة جَار لنَفسِهِ نفعا ولَا دَافع عَنْهَا ضَرَرا
الشروح عليها
(وَلَا تقبل شَهَادَة جَار لنَفسِهِ نفعا) فَترد شَهَادَته لعَبْدِهِ سَوَاء أَكَانَ مَأْذُونا لَهُ أم لَا ومكاتبه لِأَن لَهُ فِيهِ علقَة نعم لَو شهد بشرَاء شقص لمشتريه وَفِيه شُفْعَة لمكاتبه قبلت ولغريم لَهُ ميت وَإِن لم تستغرق تركته الدُّيُون أَو عَلَيْهِ حجر فلس لِأَنَّهُ إِذا أثبت للْغَرِيم شَيْئا أثبت لنَفسِهِ الْمُطَالبَة بِهِ وَترد شَهَادَته أَيْضا بِمَا هُوَ ولي أَو وَصِيّ أَو وَكيل فِيهِ وَلَو بِدُونِ جعل لِأَنَّهُ يثبت لنَفسِهِ سلطنة التَّصَرُّف وببراءة من ضمنه بأَدَاء أَو إِبْرَاء لِأَنَّهُ يدْفع بِهِ الْغرم عَن نَفسه وبجراحة مُوَرِثه قبل اندمالها لِأَنَّهُ لَو مَاتَ كَانَ الْأَرْش لَهُ وَلَو شهد لموروث لَهُ مَرِيض أَو جريح بِمَال قبل الِانْدِمَال قبلت شَهَادَته وَالْفرق بَين هَذِه وَالَّتِي قبلهَا أَن الْجراحَة سَبَب للْمَوْت النَّاقِل للحق إِلَيْهِ
بِخِلَاف المَال وَاحْتج لمنع قبُول الشَّهَادَة فِي ذَلِك وَأَمْثَاله بقوله تَعَالَى {وَأدنى أَلا ترتابوا} والريبة حَاصِلَة هُنَا وَبِقَوْلِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تقبل شَهَادَة خصم وَلَا ظنين والظنين الْمُتَّهم (و) لهَذَا (لَا) تقبل شَهَادَة (دَافع عَنْهَا) أَي عَن نَفسه (ضَرَرا) كَشَهَادَة عَاقِلَة بفسق شُهُود قتل يحملونه من خطأ أَو شبه عمد وَشَهَادَة غُرَمَاء مُفلس بفسق شُهُود دين آخر ظهر عَلَيْهِ لأَنهم يدْفَعُونَ بهَا ضَرَر الْمُزَاحمَة
تَتِمَّة لَا تقبل شَهَادَة مُغفل لَا يضْبط أصلا وَلَا غَالِبا لعدم الوثوق بقوله
أما من لَا يضْبط نَادرا والأغلب فِيهِ الْحِفْظ والضبط فَتقبل شَهَادَته قطعا لِأَن أحدا لَا يسلم من ذَلِك وَمن تعادل غلطه وَضَبطه فَالظَّاهِر أَنه كمن غلب غلطه وَلَا شَهَادَة مبادر بِشَهَادَتِهِ قبل أَن يستشهد للتُّهمَةِ وَلخَبَر الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ يَجِيء قوم يشْهدُونَ وَلَا يستشهدون فَإِن ذَلِك فِي مقَام الذَّم لَهُم
وَأما خبر مُسلم أَلا أخْبركُم بِخَير الشُّهُود الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قبل أَن يسْأَلهَا فَمَحْمُول على شَهَادَة الْحِسْبَة وَهِي مَأْخُوذَة من الاحتساب وَهُوَ طلب الْأجر فَتقبل سَوَاء أسبقها دَعْوَى أم لَا وَسَوَاء أَكَانَت فِي غيبَة الْمَشْهُود عَلَيْهِ أم لَا وَهِي كَغَيْرِهَا من الشَّهَادَات فِي شُرُوطهَا السَّابِقَة فِي حُقُوق الله تَعَالَى المتمحضة كَصَلَاة وَزَكَاة وَصَوْم بِأَن يشْهد بِتَرْكِهَا وَفِيمَا لله تَعَالَى فِيهِ حق مُؤَكد كَطَلَاق وَعتق وعفو عَن قصاص وَبَقَاء عدَّة وانقضائها وحد لله تَعَالَى بِأَن يشْهد بِمُوجب ذَلِك وَالْمُسْتَحب ستره إِذا رأى الْمصلحَة فِيهِ وإحصان وتعديل وَكَفَّارَة وبلوغ وَكفر وَإِسْلَام وَتَحْرِيم مصاهرة وَثُبُوت نسب وَوَصِيَّة ووقف إِذا عَمت جهتهما وَلَو أخرت الْجِهَة الْعَامَّة فَيدْخل نَحْو مَا أفتى بِهِ الْبَغَوِيّ من أَنه لَو وقف دَارا على أَوْلَاده ثمَّ الْفُقَرَاء فاستولى عَلَيْهَا ورثته وتملكوها فَشهد شَاهِدَانِ حسبَة قبل انْقِرَاض أَوْلَاده بوقفيتها قبلت شَهَادَتهمَا لِأَن آخِره وقف على الْفُقَرَاء
لَا إِن خصت جهتهما فَلَا تقبل شَهَادَتهمَا لتعلقهما بِحُقُوق خَاصَّة وَخرج بِحُقُوق الله تَعَالَى حُقُوق الْآدَمِيّين كَالْقصاصِ وحد الْقَذْف والبيوع والأقارير لَكِن إِذا لم يعلم صَاحب الْحق بِهِ أعلمهُ الشَّاهِد بِهِ ليستشهده بعد الدَّعْوَى وَإِنَّمَا تسمع شَهَادَة الْحِسْبَة عِنْد الْحَاجة إِلَيْهَا
فَلَو شهد اثْنَان أَن فلَانا أعتق عَبده أَو أَنه أَخُو فُلَانَة من الرَّضَاع لم يكف حَتَّى يَقُولَا إِنَّه يسترقه أَو أَنه يُرِيد نِكَاحهَا وَكَيْفِيَّة شَهَادَة الْحِسْبَة أَن الشُّهُود يجيئون إِلَى القَاضِي وَيَقُولُونَ نَحن نشْهد على فلَان بِكَذَا فَأحْضرهُ لنشهد عَلَيْهِ فَإِن ابتدأوا وَقَالُوا فلَان زنى فهم قذفة وَمَا تقبل فِيهِ شَهَادَة الْحِسْبَة هَل تسمع فِيهِ دَعْوَاهَا وَجْهَان أوجههمَا كَمَا جرى عَلَيْهِ ابْن الْمقري تبعا للإسنوي وَنسبه الإِمَام للعراقيين لَا تسمع لِأَنَّهُ لَا حق للْمُدَّعِي فِي الْمَشْهُود بِهِ وَمن لَهُ الْحق لم يَأْذَن فِي الطّلب وَالْإِثْبَات بل أَمر فِيهِ الْإِعْرَاض وَالدَّفْع مَا أمكن وَالْوَجْه الثَّانِي وَرجحه البُلْقِينِيّ أَنَّهَا تسمع
وَيجب حمله على غير حُدُود الله تَعَالَى وَلذَا فصل بعض الْمُتَأَخِّرين فَقَالَ إِنَّهَا تسمع فِي مَحْض حُدُود الله تَعَالَى كتاب الْعتْق بِمَعْنى الْإِعْتَاق وَهُوَ لُغَة مَأْخُوذ من قَوْلهم عتق الْفرس إِذا سبق وَعتق الفرخ إِذا طَار واستقل فَكَأَن العَبْد إِذا فك من الرّقّ تخلص واستقل وَشرعا إِزَالَة ملك عَن آدَمِيّ لَا إِلَى مَالك تقربا إِلَى الله تَعَالَى وَخرج بالآدمي والبهيمة فَلَا يَصح عتقهما كَمَا فِي زَوَايَا الخبايا عَن الرَّافِعِيّ أَو ملك طائرا وَأَرَادَ إرْسَاله فَوَجْهَانِ أصَحهمَا الْمَنْع لِأَنَّهُ فِي معنى السوائب وَالْأَصْل فِي مشروعيته قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى {فك رَقَبَة} وَقَوله تَعَالَى {وَإِذ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ} أَي بِالْإِسْلَامِ {وأنعمت عَلَيْهِ} أَي بِالْعِتْقِ كَمَا قَالَه الْمُفَسِّرُونَ وَفِي غير مَوضِع فَتَحْرِير رَقَبَة وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من أعتق رَقَبَة مُؤمنَة أعتق الله بِكُل عُضْو مِنْهَا عضوا من أَعْضَائِهِ من النَّار حَتَّى الْفرج بالفرج وَفِي سنَن أبي دَاوُد أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من أعتق رَقَبَة مُؤمنَة كَانَت فداءه من النَّار وخصت الرَّقَبَة بِالذكر فِي هذَيْن الْخَبَرَيْنِ لِأَن ملك السَّيِّد الرَّقِيق كالغل فِي رقبته فَهُوَ محتبس بِهِ كَمَا تحبس الدَّابَّة بالحبل فِي عُنُقهَا فَإِذا أعْتقهُ أطلقهُ من ذَلِك الغل الَّذِي كَانَ فِيهِ رقبته وَقَوله حَتَّى الْفرج بالفرج خصّه بِالذكر
إِمَّا لِأَن ذَنبه فَاحش وَإِمَّا لِأَنَّهُ قد يخْتَلف من الْمُعْتق وَالْمُعتق
فَائِدَة أعتق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاثًا وَسِتِّينَ نسمَة وعاش ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة وأعتقت السيدة عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تسعا وَسِتِّينَ وَعَاشَتْ كَذَلِك وَأعْتق عبد الله بن عمر ألفا وَأعْتق حَكِيم بن حزَام مائَة مطوقين بِالْفِضَّةِ وَأعْتق ذُو الكراع الْحِمْيَرِي فِي يَوْم ثَمَانِيَة آلَاف وَأعْتق عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ثَلَاثِينَ ألفا رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وحشرنا مَعَهم آمين وأركانه ثَلَاثَة مُعتق وعتيق وَصِيغَة وَقد شرع فِي الرُّكْن الأول فَقَالَ
(ولا تقبل شهادة) شخص (جارٍّ لنفسه نفعا ولا دافع عنها ضررا) . وحينئذ ترد شهادة السيد لعبده المأذون له في التجارة ومكاتبه. [كتاب أحكام العتق] وهو لغةً مأخوذ من قولهم عتق الفرخ إذا طار واستقلَّ، وشرعًا إزلة ملك عن آدمي لا إلى مالك تقرُّبا إلى الله تعالى. وخرج بآدميٍّ الطيرُ والبهيمة؛ فلا يصح عتقهما.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.