الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ الْفَاتِحَةَ وَفِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً
الشروح عليها
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ قَتَادَةَ «فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» .
وَفِي لَفْظٍ «فَكُلُّهُمْ يُخْفِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَفِي لَفْظٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسِرُّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا» رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينِ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ آيَةً مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا لِحَدِيثِ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْحَدِيثَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَلَوْ كَانَتْ آيَةً لَعَدَّهَا وَبَدَأَ بِهَا، وَلِحَدِيثِ «سُورَةٌ هِيَ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِقَارِئِهَا، أَلَا وَهِيَ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» وَهِيَ ثَلَاثُونَ آيَةً سِوَى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (ثُمَّ) يَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ) تَامَّةً بِتَشْدِيدِ آيَاتِهَا، مُرَتَّبَةً مُرَتَّلَةً مُتَوَالِيَةً. يَقِفُ عَلَى كُلِّ آيَةٍ، كَقِرَاءَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ أَفْضَلُ سُورَةٍ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَذَكَرَ مَعْنَاهُ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ «قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، الَّذِي أُوتِيتُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعْدِ بْنِ الْمُعَلَّى، وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ أَعْظَمُ آيَةٍ ; لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ، وَالْفَاتِحَةُ رُكْنٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ; لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا «كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُطَوِّلُ الْأُولَى، وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ، وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ. وَقَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ;
وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»
وَعَنْهُ وَعَنْ عُبَادَةَ قَالَا «أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ» رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّالَنْجِيُّ (وَفِيهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ (إحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً) أَوَّلُهَا: اللَّامُ فِي اللَّهِ، وَآخِرُهَا: تَشْدِيدَتَا الضَّالِّينَ،
وَيُكْرَهُ الْإِفْرَاطُ فِي التَّشْدِيدِ وَالْمَدِّ
فإذا قال: (الحمد لله رب العالمين) . قال الله: حمدنى عبدي.
وإذا قال (الرحمن الرحيم) . قال الله: أثنى علي عبدي.
فإذا قال: (مالك يوم الدين) . قال: مجدني عبدي.
فإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين) . قال الله. هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل.
فإذا قال: (آهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال: هذا لعبدي ولعبدي ما ساًل " (٢) . رواه مسلم.
فلو كانت بسم الله الرحمن الرحيم آية لعدها وبدأ بها، ولم يتحقق التنصيف " لأن ما هو ثناء وتمجيد أربع آيات ونصف، وما هو للآدمي اثنان ونصف؛ لأنها سبع آيات باتفاق منا ومن القائلين بأن البسملة من الفاتحة.
فإن قيل: فقد روى عبد الله بن زياد بن سمعان يقول: " عبدي إذا افتتح الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم فيذكرني عبدي " . قلنا: ابن سمعان متروك الحديث لا يحتج به. قاله الدارقطني.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" سورة هي ثلاثون آية شفعت لقارئها. ألا (١) وهي تبارك الذي بيده الملك " . وهي ثلاثون آية سوى بسم الله الرحمن الرحيم.
ولأن مواضع الآي كالآي في أنها لا تثبت إلا بالتواتر ولا تواتر في هذا.
فأما حديث أم سلمة فلعله من رأيها، أو تقول: هي آية مفردة للفصل بين السور. وحديث أبي هريرة موقوف عليه.
فإن رواية أبو بكر الحنفي عن عبد الحميد ابن جعفر عن نوج بن أبي بلال. قال أبوبكر: راجعت فيه أحمد فوقفه .
وأما إثباتها بين السور، فللفصل بينها، ولذلك كتبت سطرا على حدتها.
ثم أعلم أنه يستحب كتابة البسملة في أوائل الكتب؛ كما كتبها سليمان عليه السلام ، والنبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر وغيره . نص على ذلك. فتذكر في ابتداء جمع الأفعال، وعند دخول المنزل، والخروج منه للتبرك، وهي تطرد الشيطان. وإنما تستحب إذا ابتدأ فعلا تبعا لغيرها لا مستقلة. فلم تجعل؛ كالحمدلة والهيللة ونحوها. (ثم) يقرأ (الفاتحة) تامة بتشديداتها مرتبة متوالية.
قال في " الفروع ": وهي ركن في كل ركعة وفاقا لمالك والشافعى.
وعنه: في الأوليين .
وعنه: تكفي آية من غيرها وفاقا لأبي حنيفة.
وظاهره ولو قصرت وفاقا لأبي حنيفة.
وظاهره ولو كانت كلمة، وللحنفية خلاف. لا بعض آية طويلة خلافا لأبي حنيفة. وعند صاحبيه: تكفي آية طويلة، أو ثلاث قصار. وذكر الحلواني رواية سبع.
وعنه: ما تيسر.
وعنه: لا تجب قراءة في غير الأوليين والفجر وفاقا لأبي حنيفة. فعند أبي حنيفة إن شاء سبح وإن شاء سكت، مع أن مذهب أبي حنيفة لو استخلف اميا في الأخيرتين فسدت صلاتهم.
قال أصحابه: لأن قراءة الأوليين موجودة في الأخيرتين تقديرا، والشيء إنما يثبت تقديرا لو أمكن تحقيقا، والأمي لعجزه لا تقدير في حقه.
وكذا لو قدمه عنده بعد ما قعد قدر التشهد.
وعنه: أن نسيها فيهما قراها في الثالثة والرابعة مرتين مرتين، وسجد للسهو. رواه النجاد بإسناده عن عمر وعثمان.
زاد عبد الله في هذه الرواية: وإن ترك القراءة في الثلاث،
ثم ذكر في الرابعة: فسدت صلاته، واستأنفها. وعند أكثر الحنفية: لا يقضي الفاتحة في الأخيرتين، وعند أكثرهم يقضي السورة فيهما، قيل: ندبا.
وقيل: وجوبا. ثم هل يجهر بهما أم بالسورة أم لا؛ فيه روايات عن أبي حنيفة.
وهي أفضل سورة. فاله شيخنا وذكر معناه ابن شهاب وغيره. قال صلى الله عليه وسلم فيها. " أعظم سورة في القرآن، وهي السبع المثانى والقرآن العظيم الذي أوتيته " . رواه البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى، " وآية الكرسي أعظم آية " كما وواه مسلم عنه صلى الله عليه وسلم. وروى أحمد ذلك.
وظاهره أنه يقول به. وللترمذي وغيره:" أنها سيدة آي القرآن " وقاله إسحاق بن راهويه وغيره. وقاله شيخنا. قال: كما نطقت به النصوص. لكن عن إسحاق وغيره أنه بالنسبة إلى كثرة الثواب وقلته. وقاله القاضي في " العدة " في النسخ في قوله تعالى: (نأت بخير منها) ثم قال: وقد يكون في بعضها من الإعجاز أكثر،
وفي " الصحيحين " في: " (قل هو الله أحد) ثلث القرآن. وتعدل ثلث القرآن " . ورواه أحمد.
قال شيخنا: معانى القرآن ثلاثة اصناف: توحيد، وقصص، وأمر ونهي، و (قل هو الله أحد) متضمنة ثلث التوحيد.
وإذا قيل ثوابها يعدل ثلث القرآن فمعادلة الشيء للشيء يقتضي تساويهما في القدر، لا تماثلهما في الوصف؛ كما في قوله: (أوعدل ذلك صياما) . ولهذا لا يجوز أن يستغنى بقراءتها [ثلاث مرات عن قراءة سائر القرآن، لحاجته إلى الأمر والنهي والقصص، كما لا يستغني] من ملك نوعا من المال شريفا عن غيره. وسأله ابن منصور عن قوله صلى الله عليه وسلم:" من قرأ قل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن " .
فلم يقم على أمر بين.
قال القاضي: وظاهر هذا أن أحمد لم يأخذ بظاهر الحديث،
وأن ثواب قارئها ثواب من قرأ ثلث القرآن، لأنه لا يجوز أن يتفاضل، والجميع صفة لله، ويكون معنى الحديث الحث على تعليمه والترغيب في قراءته. وإلى هذا المعنى أشار إسحاق. كذا قال. ولا تحتمل الرواية ما قاله القاضي فأين ظاهرها؟ ولا يعرف في المذهب قبل القاضي كما لا يعرف قبل الأشعري. انتهى كلامه في " الفروع ".
ووجه المذهب: ما روى أبو قتادة " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين يطول الأولى ويقصر الثانية ويسمع الآية أحيانا،
وفي الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب " .
وقال:" صلوا كما رأيتمونى أصلي " . متفق عليه.
وروى أبو سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب " .
وعنه: وعن عبادة قالا: " أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة " . رواهما إسماعيل بن سعيد الشالنجي.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم علم المسيء في صلاته كيف يصلي الركعة الأولى،
ثم قال:
" وافعل ذلك في صلاتك كلها " . فيتناول الأمر بالقراءة.
فإن قيل: قد روي عن على رضي الله عنه أنه قال: " اقرأ في الأوليين، وسبح في الأخريين " .
فالجواب: أن حديث على يرويه الأعور. قال الشعبي: كان كذابا.
ولو صح فقد خالفه عمر وجابر. (وفيها) أي: في الفاتحة (إحدى عشرة تشديدة) أولها اللام في " الله " وآخرها التشديدتان في " الضالين ".
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.