فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٦٣٨مختصر الخرقيالحنابلةج ٣ ص ٣٤٥ج ٣ ص ٣٤٥

وإن كان طائرا فداه بقيمته في موضعه، إلا أن تكون نعامة، فيكون فيها بدنة، أو حمامة وما أشبهها، فيكون في كل واحد منها شاة. وهو مخير إن شاء فداه بالنظير، أو قوم النظير بدراهم، ونظر كم يجيء به طعاما، فأطعم كل مسكين مدا، أو صام عن كل مد يوما، موسرا كان أو معسرا. وكلما قتل صيدا حكم عليه.

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: وإن كان طائرا فداه بقيمته في موضعه، إلا أن تكون نعامة، فيكون فيها بدنة، أو حمامة وما أشبهها، فيكون في كل واحد منها شاة. ش: هذا قسيم: إن كان المقتول دابة. وملخصه أن الطيور على أربعة أقسام (أحدها) النعامة، وسماها طيرا لأن لها جناحين، وفيها بدنة بلا ريب، لقضاء الصحابة بذلك، ولشبهها لها في الصورة (الثاني) الحمام، فيجب فيه شاة.

١٨٠١ - لأن عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - حكموا بذلك، ويلحق به ما أشبهه مما يعب الماء، أي: يكرعه كرعا ككرع الشاة، ولا يأخذه قطرة قطرة كالعصفور ونحوه، فيجب فيه شاة، لشبهه لها في كرع الماء.

(الثالث) ما كان أصغر [من الحمام] ولم يشبهها، فتجب قيمته، لتعذر مثله من النعم.

(الرابع) ما كان أكبر من الحمام كالحبارى، والكركي ونحوهما، ففيه وجهان (أحدهما) - وهو اختيار ابن أبي موسى - يجب شاة، إذ وجوبها في الحمام

٢٬٢٠٣

تنبيه على وجوبها هنا.

١٨٠٢ - مع أن ذلك يروى عن ابن عباس وجابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (والثاني) - وهو ظاهر كلام أبي البركات - تجب القيمة، إذ المعروف عن الصحابة القضاء في الحمام،

٢٬٢٠٤

وإذا لم يتحقق لهذا مثل، فيرجع إلى قيمته كالعصافير.

وقول الخرقي: فداه بقيمته في موضعه، أي: بقيمة الطائر في الموضع الذي أتلفه فيه، كغيره من المتلفات، والله أعلم. قال: وهو مخير إن شاء فداه بالنظير، أو قوم النظير بدراهم، ونظر كم يجيء به طعاما، فأطعم كل مسكين مدا، أو صام عن كل مد يوما، موسرا كان أو معسرا. ش: يخير قاتل الصيد الذي له نظير بين التكفير بواحد من هذه الثلاثة المذكورة، موسرا كان أو معسرا، على المختار للأصحاب، والمنصوص من الروايتين، للآية الكريمة: إذ أصل (أو) التخيير.

قال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هو على ما في القرآن، وكل شيء في القرآن (أو) فإنما هو على التخيير.

١٨٠٣ - وهذا اللفظ يروى عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أيضا، ولأنها فدية وجبت بفعل محظور، فخير فيها كفدية الأذى.

(والثانية) لا يخير، بل الجزاء مرتب، فيجب المثل،

٢٬٢٠٥

فإن لم يقدر عليه أطعم،

٢٬٢٠٦

فإن لم يجد صام، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه حكموا بالنظير، وظاهر حكمهم تعينه، وإلا لذكروا قسيميه، وبالقياس على دم المتعة، (وجوابه) بأن حكمهم بالنظير لتبيينه لا لتعيينه، والقياس فاسد، لمخالفته النص. انتهى.

والتخيير أو الترتيب بين الثلاثة على المذهب بلا ريب،

٢٬٢٠٧

(وعنه) أن ذلك بين شيئين، وأنه لا مدخل للإطعام في جزاء الصيد، وإنما ذكر في الآية ليعدل به الصيام.

١٨٠٤ - ويحكى هذا عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ولا عمل عليه. إذا تقرر هذا فمن أراد إخراج النظير لزمه ذبحه، لأن الله سماه هديا، والهدي يجب ذبحه، والتصدق به على مساكين الحرم، لأن الله سبحانه قال: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: ٩٥] ، ولا يختص ذبحه بأيام النحر، بل بالحرم،

٢٬٢٠٨

ومن أراد التقويم فإنه على المشهور

٢٬٢٠٩

والصحيح من الروايتين يقوم المثل.

(والرواية الثانية) يقوم الصيد، وأيما قوم فإنه يشتري بالقيمة طعاما، ويطعمه المساكين، على المذهب أيضا من الروايتين، والرواية الأخرى يجوز أن يتصدق بالقيمة، حكاها ابن أبي موسى،

٢٬٢١٠

وإذا أطعم أطعم كل مسكين مد بر، أو نصف صاع من غيره، على المنصوص

٢٬٢١١

والمشهور كبقية الكفارات.

وظاهر كلام الخرقي الاجتزاء بمد مطلقا، وتبعه على ذلك أبو محمد في المقنع، ولا يجزئ من الطعام إلا ما يجزئ في الفطرة، قاله أبو محمد هنا،

٢٬٢١٢

وفي فدية الأذى، لكنه فسر ذلك بالبر، والشعير، والتمر، والزبيب، وقد يوهم كلام أبي البركات الاقتصار على البر والشعير والتمر، ولأبي محمد هنا احتمال أنه يجزئ ما يسمى طعاما، نظرا لإطلاق الآية.

٢٬٢١٣

(تنبيه) : يعتبر قيمة المثل في الحرم، لأنه محل ذبحه،

٢٬٢١٤

ومن أراد الصيام فالذي قال الخرقي وتبعه أبو محمد في كتابه الصغير: أنه يصوم عن كل مد يوما، وحكى ذلك في المغني رواية وحكى رواية أخرى أنه يصوم عن كل نصف صاع يوما، ثم حكى هو وصاحب التلخيص عن القاضي أنه حمل رواية المد على الحنطة، ورواية نصف الصاع على التمر والشعير، إذ الصيام مقابل بإطعام لمسكين في كفارة الظهار وغيرها، فكذلك هنا، والذي رأيته في روايتي القاضي أن حنبلا وابن منصور نقلا عنه أنه يصوم عن كل نصف صاع يوما،

٢٬٢١٥

وأن الأثرم نقل في فدية الأذى عن كل مد يوما وعن كل نصف صاع تمر أو شعير يوما، [قال: وهو اختيار الخرقي، وأبي بكر، قال: ويمكن أن يحمل قوله: عن كل نصف صاع يوما. على أن نصف الصاع من التمر والشعير لا من البر] ، انتهى.

وعلى هذا فإحدى الروايتين مطلقة، والأخرى مقيدة،

٢٬٢١٦

لا أن الروايتين مطلقتان، وإذا يسهل الحمل،

٢٬٢١٧

وكذلك قطع به أبو البركات وغيره، إلا أن عزو ذلك إلى الخرقي فيه نظر. وما لا نظير له من الصيد يخير قاتله على المذهب بين أن يشتري بقيمته طعاما فيطعمه المساكين، وبين أن يصوم، والله أعلم. قال: وكلما قتل صيدا حكم عليه. ش: يجب الجزاء بقتل الصيد الثاني والثالث، كما يجب بالأول، ولا يتداخل، على المختار،

٢٬٢١٨

والمشهور من الروايات لأنه بدل متلف، يجب فيه المثل أو القيمة، فلم يتداخل، كبدل مال الآدمي، قال أحمد: روي عن عمر وغيره أنهم حكموا في الخطأ فيمن قتل، ولم يسألوه هل كان قتل قبل هذا أو لا.

(والثانية) : إن كفر عن الأول فللثاني كفارة، وإلا يتداخلا، لأنها كفارة تجب لفعل محظور في الإحرام، فتداخل جزاؤها قبل التكفير، كاللبس، والطيب. (ويجاب) بأن هذا بدل متلف، فلم يتداخل،

٢٬٢١٩

بخلاف ثم، فإنه لمحض [المخالفة فهو] كالحدود.

(والثالثة) لا يجب إلا جزاء الأول فقط،

٢٬٢٢٠

تمسكا بظاهر قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: ٩٥] . [ويجاب] بأن الانتقام لأجل المخالفة، وانتهاك محارم الرب سبحانه، وذلك لا يمنع وجوب البدل،

٢٬٢٢١

ويرشح هذا أن قوله سبحانه: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} [المائدة: ٩٥] ، أي والله أعلم قاصدا للفعل، غير عالم بالتحريم، وهذا هو الخاطئ،

٢٬٢٢٢

ثم قوله بعد: {وَمَنْ عَادَ} [المائدة: ٩٥] ، أي: إلى القتل، بعد أن علم النهي،

٢٬٢٢٣

فإن الله تعالى ينتقم منه لمخالفته، والجزاء على ما تقدم، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَة وُجُوبِ ضَمَانِ صَيْدِ الحرم مِنْ الطَّيْرِ] (٢٦٧٦) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ طَائِرًا فَدَاهُ بِقِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ) قَوْلُهُ: " بِقِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ " يَعْنِي يَجِبُ قِيمَتُهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَتْلَفَهُ فِيهِ. لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ ضَمَانِ الصَّيْدِ مِنْ الطَّيْرِ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد، أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا كَانَ أَصْغَرَ مِنْ الْحَمَامِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وَهَذَا لَا مِثْلَ لَهُ.

وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} .

١٠٬٨٧٦

وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ} : يَعْنِي الْفَرْخَ وَالْبَيْضَ وَمَا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ صِغَارِ الصَّيْدِ، (وَرِمَاحُكُمْ) : يَعْنِي الْكِبَارَ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا حَكَمَا فِي الْجَرَادِ بِجَزَاءٍ. وَدَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ جَزَاءٍ غَيْرِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي هَذَا بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَضَمَانُ غَيْرِ الْحَمَامِ مِنْ الطَّيْرِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الضَّمَانِ أَنْ يُضْمَنَ بِقِيمَتِهِ، أَوْ بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْمَضْمُونَاتِ، لَكِنْ تَرَكْنَا هَذَا الْأَصْلَ بِدَلِيلٍ، فَفِيمَا عَدَاهُ تَجِبُ الْقِيمَةُ بِقَضِيَّةِ الدَّلِيلِ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي مَوْضِعِ إتْلَافِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ آدَمِيٍّ فِي مَوْضِعِ قَوْمٍ فِي مَوْضِعِ الْإِتْلَافِ، كَذَا هَاهُنَا.

[فَصْل يَضْمَنُ بَيْضَ صَيْدِ الحرم بِقِيمَتِهِ] (٢٦٧٧) فَصْلٌ: وَيُضْمَنُ بَيْضُ الصَّيْدِ بِقِيمَتِهِ، أَيَّ صَيْدٍ كَانَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

١٠٬٨٧٧

قَالَ «فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ» ، مَعَ أَنَّ النَّعَامِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْبَيْضَ لَا مِثْلَ لَهُ، فَيَجِبُ قِيمَتُهُ، كَصِغَارِ الطَّيْرِ.

١٠٬٨٧٨

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ، لِكَوْنِهِ مَذَرًا، أَوْ لِأَنَّ فَرْخَهُ مَيِّتٌ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: إلَّا بَيْضَ النَّعَامِ،

١٠٬٨٧٩

فَإِنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةً. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَيَوَانٌ، وَلَا مَآلُهُ إلَى أَنْ يَصِيرَ مِنْهُ حَيَوَانٌ صَارَ كَالْأَحْجَارِ وَالْخَشَبِ، وَسَائِرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ مِنْ غَيْرِ الصَّيْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَقَبَ بَيْضَةً، فَأَخْرَجَ مَا فِيهَا، لَزِمَهُ جَزَاءُ جَمِيعِهَا، ثُمَّ لَوْ كَسَرَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ لِذَلِكَ شَيْءٌ.

١٠٬٨٨٠

وَمِنْ كَسَرَ بَيْضَةً، فَخَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ حَيٌّ، فَعَاشَ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ،

١٠٬٨٨١

وَإِنْ مَاتَ فَفِيهِ مَا فِي صِغَارِ أَوْلَادِ الْمُتْلَفِ بَيْضُهُ، فَفِي فَرْخِ الْحَمَامِ صَغِيرُ أَوْلَادِ الْغَنَمِ،

١٠٬٨٨٢

وَفِي فَرْخِ النَّعَامَةِ حِوَارٌ، وَفِيمَا عَدَاهُمَا قِيمَتُهُ. وَلَا يَحِلُّ لِمُحْرِمٍ أَكْلُ بَيْضِ الصَّيْدِ إذَا كَسَرَهُ هُوَ أَوْ مُحْرِمٌ سِوَاهُ،

١٠٬٨٨٣

وَإِنْ كَسَرَهُ حَلَالٌ فَهُوَ كَلَحْمِ الصَّيْدِ، إنْ كَانَ أَخَذَهُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ لَمْ يُبَحْ لَهُ أَكْلُهُ، وَإِلَّا أُبِيحَ.

١٠٬٨٨٤

وَإِنْ كَسَرَ بَيْضَ صَيْدٍ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْحَلَالِ؛ لِأَنَّ حِلَّهُ لَا يَقِفُ عَلَى كَسْرِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ أَهْلِيَّةٌ، بَلْ لَوْ كَسَرَهُ مَجُوسِيٌّ أَوْ وَثَنِيٌّ، أَوْ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ، لَمْ يَحْرُمْ، فَأَشْبَهَ قَطْعَ اللَّحْمِ وَطَبْخَهُ.

١٠٬٨٨٥

وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْرُمُ عَلَى الْحَلَالِ أَكْلُهُ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ الصَّيْدَ؛ لِأَنَّ كَسْرَهُ جَرَى مَجْرَى الذَّبْحِ، بِدَلِيلِ حِلِّهِ لِلْمُحْرِمِ بِكَسْرِ الْحَلَالِ لَهُ.

١٠٬٨٨٦

وَإِنْ نَقَلَ بَيْضَ صَيْدٍ فَجَعَلَهُ تَحْتَ آخَرَ، أَوْ تَرَكَ مَعَ بَيْضِ الصَّيْدِ بَيْضًا آخَرَ، أَوْ شَيْئًا نَفَّرَهُ عَنْ بَيْضِهِ حَتَّى فَسَدَ، فَعَلَيْهِ ضَمَانٌ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِهِ،

١٠٬٨٨٧

وَإِنْ صَحَّ وَفَرَّخَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.

١٠٬٨٨٨

وَإِنْ بَاضَ الصَّيْدُ عَلَى فِرَاشِهِ فَنَقَلَهُ بِرِفْقٍ فَفَسَدَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَرَادَ إذَا انْفَرَشَ فِي طَرِيقِهِ، وَحُكْمُ بِيضِ الْجَرَادِ.

١٠٬٨٨٩

وَإِنْ احْتَلَبَ لَبَنَ صَيْدٍ، فَفِيهِ قِيمَةٌ، كَمَا لَوْ حَلَبَ لَبَنَ حَيَوَانٍ مَغْصُوبٍ.

[فَصْل إذَا نَتَفَ مُحْرِمٌ رِيشَ طَائِرٍ] (٢٦٧٨) فَصْلٌ: إذَا نَتَفَ مُحْرِمٌ رِيشَ طَائِرٍ، فَفِيهِ مَا نَقَصَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَوْجَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ الْجَزَاءَ جَمِيعَهُ.

وَلَنَا، أَنَّهُ نَقَصَهُ نَقْصًا يُمْكِنُ زَوَالُهُ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ بِكَمَالِهِ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ.

١٠٬٨٩٠

فَإِنْ حَفِظَهُ، فَأَطْعَمَهُ، وَسَقَاهُ، حَتَّى عَادَ رِيشُهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ زَالَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ.

١٠٬٨٩١

وَقِيلَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ الرِّيشِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّلِ،

١٠٬٨٩٢

فَإِنْ صَارَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ بِنَتْفِ رِيشِهِ، وَانْدَمَلَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ، كَالْجَرْحِ.

١٠٬٨٩٣

فَإِنْ غَابَ غَيْرَ مُنْدَمِلٍ، فَفِيهِ مَا نَقَصَ، كَالْجَرْحِ سَوَاءٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ثَمَّ احْتِمَالًا. فَهَاهُنَا مِثْلُهُ.

[مَسْأَلَة إنْ كَانَ صَّيْد الحرم طَائِرًا] (٢٦٧٩) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (إلَّا أَنْ تَكُونَ نَعَامَةً، فَيَكُونَ فِيهَا بَدَنَةٌ، أَوْ حَمَامَةً، وَمَا أَشْبَهَهَا، فَيَكُونَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا شَاةٌ) هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " وَإِنْ كَانَ طَائِرًا فَدَاهُ بِقِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ ". وَاسْتَثْنَى النَّعَامَةَ مِنْ الطَّائِرِ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ جَنَاحَيْنِ وَتَبِيضُ، فَهِيَ كَالدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ. أَوْجَبَ فِيهَا بَدَنَةً؛ لِأَنَّ عُمَرَ، وَعَلِيًّا، وَعُثْمَانَ، وَزِيدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، حَكَمُوا فِيهَا بِبَدَنَةِ.

وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَحُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّ فِيهَا قِيمَتَهَا. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ. وَاتِّبَاعُ النَّصِّ فِي قَوْله تَعَالَى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وَالْآثَارِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ النَّعَامَةَ تُشْبِهُ الْبَعِيرَ فِي خِلْقَتِهِ، فَكَانَ مِثْلًا لَهَا، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ.

١٠٬٨٩٤

وَفِي الْحَمَامِ شَاةٌ. حَكَمَ بِهِ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَنَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ، فِي حَمَامِ الْحَرَمِ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَعُرْوَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.

١٠٬٨٩٥

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: فِيهِ قِيمَتُهُ. إلَّا أَنَّ مَالِكًا وَافَقَ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ لِحُكْمِ الصَّحَابَةِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ. قُلْنَا: رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَمَامِ حَالَ الْإِحْرَامِ كَمَذْهَبِنَا، وَلِأَنَّهَا حَمَامَةٌ مَضْمُونَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَضُمِنَتْ بِشَاةٍ، كَحَمَامَةِ الْحَرَمِ، وَلِأَنَّهَا مَتَى كَانَتْ الشَّاةُ مِثْلًا لَهَا فِي الْحَرَمِ، فَكَذَلِكَ فِي الْحِلِّ، فَيَجِبُ ضَمَانُهَا بِهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وَقِيَاسُ الْحَمَامِ عَلَى الْحَمَامِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى غَيْرِهِ.

وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ:" وَمَا أَشْبَهَهَا ". يَعْنِي مَا يُشْبِهُ الْحَمَامَةَ، فِي أَنَّهُ يَعُبُّ الْمَاءَ، أَيْ يَضَعُ مِنْقَارَهُ فِيهِ، فَيَكْرَعُ كَمَا تَكْرَعُ الشَّاةُ، وَلَا يَأْخُذُ قَطْرَةً قَطْرَةً، كَالدَّجَاجِ، وَالْعَصَافِيرِ. وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا فِيهِ شَاةً لِشَبَهِهِ بِهَا فِي كَرْعِ الْمَاءِ مِثْلَهَا، وَلَا يَشْرَبُ مِثْلَ شُرْبِ بَقِيَّةِ الطُّيُورِ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْقَاسِمِ وشندي: كُلُّ طَيْرٍ يَعُبُّ الْمَاءَ، يَشْرَبُ مِثْلَ الْحَمَامِ، فَفِيهِ شَاةٌ. فَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْفَوَاخِتُ، وَالْوَرَاشِينُ، والسقايين وَالْقَمَرِيّ، وَالدُّبْسِيّ، وَالْقَطَّا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ حَمَامًا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْكِسَائِيّ، أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مُطَوَّقٍ حَمَامٌ.

وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، الْحَجَلُ حَمَامٌ؛ لِأَنَّهُ مُطَوَّقٌ.

(٢٦٨٠) فَصْلٌ: وَمَا كَانَ أَكْبَرَ مِنْ الْحَمَامِ، كَالْحُبَارَى، وَالْكُرْكِيِّ، وَالْكَرَوَانُ، وَالْحَجَلِ وَالْإِوَزِّ الْكَبِيرِ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، فِيهِ شَاةٌ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَعَطَاءٍ، أَنَّهُمْ قَالُوا: فِي الْحَجَلَةِ وَالْقَطَاةِ وَالْحُبَارَى شَاةٌ شَاةٌ. وَزَادَ عَطَاءٌ: فِي الْكُرْكِيِّ والكروان وَابْنِ الْمَاءِ وَدَجَاجِ الْحَبَشِ وَالْحَرْب، شَاةٌ شَاةٌ. وَالْحَرْبُ: هُوَ فَرْخُ الْحُبَارَى. لِأَنَّ إيجَابَ الشَّاةِ فِي الْحَمَامِ

١٠٬٨٩٦

تَنْبِيهٌ عَلَى إيجَابِهَا فِيمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي، فِيهِ قِيمَتُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي وُجُوبَهَا فِي جَمِيعِ الطَّيْرِ، تَرَكْنَاهُ فِي الْحَمَامِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَفِي غَيْرِهِ يُرْجَعُ إلَى الْأَصْلِ.

[مَسْأَلَة قَاتِلَ صَيْدِ الحرم مُخَيَّرٌ فِي الْجَزَاءِ] (٢٦٨١) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ فَدَاهُ بِالنَّظِيرِ، أَوْ قَوَّمَ النَّظِيرَ بِدَرَاهِمَ، وَنَظَرَ كَمْ يَجِيءُ بِهِ طَعَامًا، فَأَطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، أَوْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، مُعْسِرًا كَانَ أَوْ مُوسِرًا) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ (٢٦٨٢) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، إنَّ قَاتِلَ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ فِي الْجَزَاءِ بِأَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، بِأَيِّهَا شَاءَ كَفَّرَ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ، فَيَجِبُ الْمِثْلُ أَوَّلًا،

١٠٬٨٩٧

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ. وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالثَّوْرِيِّ؛ لِأَنَّ هَدْيَ الْمُتْعَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ.

وَهَذَا أَوْكَدُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ.

١٠٬٨٩٨

وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ لِيَعْدِلَ الصِّيَامَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِطْعَامِ قَدَرَ عَلَى الذَّبْحِ. هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَأَبِي عِيَاضٍ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} . " وَأَوْ " فِي الْأَمْرِ لِلتَّخْيِيرِ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ أَوْ أَوْ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ.

١٠٬٨٩٩

وَأَمَّا مَا كَانَ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، فَهُوَ الْأَوَّلُ الْأَوَّلُ. وَلِأَنَّ عَطْفَ هَذِهِ الْخِصَالِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِأَوْ، فَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَتِهَا كَفِدْيَةِ الْأَدَاءِ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الطَّعَامَ كَفَّارَةً، وَلَا يَكُونُ كَفَّارَةً مَا لَمْ يَجِبْ إخْرَاجُهُ، وَجَعْلُهُ طَعَامًا لِلْمَسَاكِينِ، وَأَلَّا يَجُوزَ صَرْفُهُ إلَيْهِمْ لَا يَكُونُ طَعَامًا لَهُمْ، وَعَطَفَ الطَّعَامَ عَلَى الْهَدْيِ، ثُمَّ عَطَفَ الصِّيَامَ عَلَيْهِ،

١٠٬٩٠٠

وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِهَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِيهِ. وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ ذُكِرَ فِيهَا الطَّعَامُ، فَكَانَ مِنْ خِصَالِهَا، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا وَجَبَتْ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ. يَبْطُلُ بِفِدْيَةِ الْأَذَى. عَلَى أَنَّ لَفْظَ النَّصِّ صَرِيحٌ فِي التَّخْيِيرِ، فَلَيْسَ تَرْكُ مَدْلُولِهِ قِيَاسًا عَلَى هَدْيِ الْمُتْعَةِ بِأَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، فَلَا يَجُوزُ قِيَاسُ هَدْيِ الْمُتْعَةِ فِي التَّخْيِيرِ عَلَى هَذَا، لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ تَرْكِ النَّصِّ، كَذَا هَاهُنَا. (٢٦٨٣) الْفَصْلُ الثَّانِي إذَا اخْتَارَ الْمِثْلَ، ذَبَحَهُ، وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ؛

لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} . وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيًّا عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ هَدْيًا، وَالْهَدْيُ يَجِبُ ذَبْحُهُ، وَلَهُ ذَبْحُهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَيَّامِ النَّحْرِ (٢٦٨٤) . الْفَصْلُ الثَّالِثُ، أَنَّهُ مَتَى اخْتَارَ الْإِطْعَامَ، فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ الْمِثْلَ بِدَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمَ بِطَعَامٍ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.

١٠٬٩٠١

وَقَالَ مَالِكٌ: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ لَا الْمِثْلَ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ إذَا وَجَبَ لِأَجْلِ الْإِتْلَافِ، قُوِّمَ الْمُتْلَفُ، كَاَلَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ. وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ مَا تَلِفَ وَجَبَ فِيهِ الْمِثْلُ إذَا قُوِّمَ لَزِمَتْ قِيمَةُ مِثْلِهِ، كَالْمِثْلِيِّ مِنْ مَالِ الْآدَمِيِّ، وَيَعْتَبِرُ قِيمَةَ الْمِثْلِ فِي الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ إحْرَامَهُ، وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ الْقِيمَةُ مِنْهَا، وَالطَّعَامُ الْمُخْرَجُ هُوَ الَّذِي يُخْرَجُ فِي الْفِطْرَةِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى، وَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَ كُلُّ مَا يُسَمَّى طَعَامًا؛ لِدُخُولِهِ فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ، وَيُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ الْبُرِّ، كَمَا يَدْفَعُ إلَيْهِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ،

١٠٬٩٠٢

فَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَصْنَافِ فَنِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ فِي إطْعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي الْفِدْيَةِ، وَجَزَاءِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: إنْ أَطْعَمَ بُرًّا، فَمُدُّ طَعَامٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.

١٠٬٩٠٣

وَإِنْ أَطْعَمَ تَمْرًا فَنِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. وَأَطْلَقَ الْخِرَقِيِّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ. وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنْ غَيْرِ الْبُرِّ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ، إذْ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ فِي مَوْضِعٍ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فِي طُعْمَةِ الْمَسَاكِينِ، وَلَا تَوْقِيفَ فِيهِ، فَيُرَدُّ إلَى نَظَائِرِهِ. وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجٌ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ قِيمَة الْهَدْيِ الْوَاجِبِ لَهُمْ فَيَكُونُ أَيْضًا لَهُمْ، كَقِيمَةِ الْمِثْلِيِّ مِنْ مَالِ الْآدَمِيِّ (٢٦٨٥) الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الصِّيَامِ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.

وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةِ دَخَلَهَا الصِّيَامُ وَالْإِطْعَامُ، فَكَانَ الْيَوْمُ فِي مُقَابَلَةِ الْمُدِّ، كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ.

وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَقِيل، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ.

قَالَ الْقَاضِي: الْمَسْأَلَةُ رِوَايَةٌ، وَاحِدَةٌ، وَالْيَوْمُ عَنْ مُدِّ بُرٍّ أَوْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّ صَوْمَ الْيَوْمِ مُقَابَلٌ بِإِطْعَامِ الْمِسْكِينِ، وَإِطْعَامُ الْمِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْيَوْمَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي مُقَابَلَةِ إطْعَامِ الْمِسْكِينِ، فَكَذَا هَاهُنَا وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، أَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ مِنْ الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ مِثْلُ كَفَّارَةِ الْأَذَى. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَلَنَا، أَنَّهُ جَزَاءٌ عَنْ مُتْلَفٍ فَاخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِهِ، كَبَدَلِ مَالِ الْآدَمِيِّ،

١٠٬٩٠٤

وَإِذَا بَقِيَ مَا لَا يَعْدِلُ كَدُونِ الْمُدِّ، صَامَ يَوْمًا كَامِلًا. كَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَيَجِبُ تَكْمِيلُهُ.

١٠٬٩٠٥

وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي الصِّيَامِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛

١٠٬٩٠٦

فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ مُطْلَقًا، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالتَّتَابُعِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.

١٠٬٩٠٧

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ عَنْ بَعْضِ الْجَزَاءِ، وَيُطْعِمَ عَنْ بَعْضٍ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَجَوَّزَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ الْإِطْعَامِ.

١٠٬٩٠٨

وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا يُؤَدِّي بَعْضَهَا بِالْإِطْعَامِ وَبَعْضَهَا بِالصِّيَامِ، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ.

[فَصْل مَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ صَيْدِ الحرم يُخَيَّرُ قَاتِلُهُ] (٢٦٨٦) فَصْلٌ: وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ الصَّيْدِ، يُخَيَّرُ قَاتِلُهُ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا، فَيُطْعِمَهُ لِلْمَسَاكِينِ، وَبَيْنَ أَنْ يَصُومَ. وَهَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَجُوزُ. وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا، وَلَمْ يُصِبْ لَهُ عَدْلًا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ؛ قَوَّمَ طَعَامًا إنْ قَدَرَ عَلَى طَعَامٍ، وَإِلَّا صَامَ لِكُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا.

هَكَذَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَلِأَنَّهُ جَزَاءُ صَيْدٍ، فَلَمْ يَجُزْ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِيهِ، كَاَلَّذِي لَهُ مِثْلٌ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ لَيْسَ بِهَا الْقِيمَةُ،

١٠٬٩٠٩

وَإِذَا عَدِمَ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ يَبْقَى التَّخْيِيرُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ،

١٠٬٩١٠

فَأَمَّا إيجَابُ شَيْءٍ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ فَلَا. الثَّانِي، يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لِكَعْبٍ: مَا جَعَلْت عَلَى نَفْسِك؟ قَالَ: دِرْهَمَيْنِ. قَالَ: اجْعَلْ مَا جَعَلْت عَلَى نَفْسِك.

١٠٬٩١١

وَقَالَ عَطَاءٌ: فِي الْعُصْفُورِ نِصْفُ دِرْهَمٍ.

١٠٬٩١٢

وَظَاهِرُهُ إخْرَاجُ الدَّرَاهِمِ الْوَاجِبَةِ.

[مَسْأَلَة كُلَّمَا قَتَلَ الْمُحْرِم صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ] (٢٦٨٧) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكُلَّمَا قَتَلَ صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ الْجَزَاء بِقَتْلِ الصَّيْدِ الثَّانِي، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا قَتَلَهُ ابْتِدَاءً.

١٠٬٩١٣

وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَحْمَدَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ؛ إحْدَاهُنَّ، أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ صَيْدٍ جَزَاءٌ.

وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ. وَبِهِ قَالَ، الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجِبُ إلَّا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} . وَلَمْ يُوجِبْ جَزَاءً. وَالثَّالِثَةُ، إنْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ فِي الْإِحْرَامِ، فَيَدْخُلُ جَزَاؤُهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ، كَاللُّبْسِ وَالطِّيبِ.

وَلَنَا، أَنَّهَا كَفَّارَةٌ عَنْ قَتْلٍ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ، كَقَتْلِ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّهَا بَدَلُ مُتْلَفٍ يَجِبُ بِهِ الْمِثْلُ أَوْ الْقِيمَةُ، فَأَشْبَهَ بَدَلَ مَالِ الْآدَمِيِّ. قَالَ أَحْمَدُ: رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي الْخَطَأِ،

١٠٬٩١٤

وَفِي مَنْ قَتَلَ، وَلَمْ يَسْأَلُوهُ: هَلْ كَانَ قَتَلَ قَبْلَ هَذَا أَوْ لَا؟ وَإِنَّمَا هَذَا يَعْنِي لِتَخْصِيصِ الْإِحْرَامِ وَمَكَانِهِ، وَالْآيَةُ اقْتَضَتْ الْجَزَاءَ عَلَى الْعَائِدِ بِعُمُومِهَا. وَذِكْرُ الْعُقُوبَةِ فِي الثَّانِي لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْعَائِدَ لَوْ انْتَهَى كَانَ لَهُ مَا سَلَفَ، وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ.

١٠٬٩١٥

وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ جَزَاءَهُ مُقَدَّرٌ بِهِ، وَيَخْتَلِفُ بِصِغَرِهِ وَكِبَرِهِ،

١٠٬٩١٦

وَلَوْ أَتْلَفَ صَيْدَيْنِ مَعًا وَجَبَ جَزَاؤُهُمَا، فَكَذَلِكَ إذَا تَفَرَّقَا،

١٠٬٩١٧

بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ.

١٠٬٩١٨

[فَصْل إخْرَاجُ جَزَاءِ الصَّيْدِ بَعْدَ جَرْحِهِ وَقَبْلَ مَوْتِهِ] (٢٦٨٨) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ إخْرَاجُ جَزَاءِ الصَّيْدِ بَعْدَ جَرْحِهِ وَقَبْلَ مَوْتِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ، فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْمَوْتِ، كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ، فَأَشْبَهَتْ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.