وإذا أصدقها أرضا فبنتها دارا، أو ثوبا فصبغته،
الشروح عليها
قال: وإذا أصدقها أرضا فبنتها دارا، أو ثوبا فصبغته، ثم طلقها قبل الدخول، رجع عليها بنصف قيمته وقت ما أصدقها، إلا أن يشاء أن يعطيها نصف قيمة البناء أو الصبغ، فيكون له النصف، أو تشاء هي أن تعطيه نصفه زائدا فلا يكون له غيره. ش: إذا طلق المرأة قبل الدخول، وقد وصلت العين المصدقة بملكها كما مثل الخرقي، فإنها لا تجبر على زوال ذلك، لأنها وضعته بحق، ويكون للزوج نصف القيمة، لتعذر الرجوع في نصف العين إلا بضرر يلحقها، والضرر منفي شرعا،
فإن اختار الزوج أن يدفع إليها نصف قيمة البناء أو الصبغ، ويكون له نصف المجموع فله ذلك، عند أبي محمد تبعا للخرقي، لزوال الضرر عن المرأة، وصار هذا كالشفيع إذا أخذ بالشفعة بعد غرس المشتري أو بنائه، وبذل قيمة ذلك،
فإن المشتري يلزمه القبول، وقال القاضي: ليس له إلا القيمة، وحمل كلام الخرقي على التراضي، حذارا من إجبار المرأة على المعاوضة على ملكها بغير رضاها انتهى،
فلو بذلت المرأة النصف بزيادته لزم الزوج قبوله، لأنه حقه وزيادة.
قلت: وقد يتخرج عدم اللزوم بما إذا وهب الغاصب تزويق الدار ونحوها للمغصوب منه، وهو أظهر في البناء، والله سبحانه أعلم. [
[مَسْأَلَة أُصَدِّقهَا أَرْضًا فَبِنْتهَا دَارًا أَوْ ثَوْبًا فَصَبَغَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ] (٥٦٤٩) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا أَصْدَقَهَا أَرْضًا، فَبَنَتْهَا دَارًا، أَوْ ثَوْبًا فَصَبَغَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ وَقْتَ مَا أَصْدَقَهَا، إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُعْطِيَهَا نِصْفَ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالصَّبْغِ، فَيَكُونُ لَهُ النِّصْفُ، أَوْ تَشَاءَ هِيَ أَنْ تُعْطِيَهُ زَائِدًا، فَلَا يَكُونُ لَهُ غَيْرُهُ) . إنَّمَا كَانَ لَهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي الْأَرْضِ وَالثَّوْبِ زِيَادَةٌ لِلْمَرْأَةِ، وَهِيَ الْبِنَاءُ وَالصَّبْغُ،
فَإِنْ دَفَعَتْ إلَيْهِ نِصْفَ الْجَمِيعِ زَائِدًا، فَعَلَيْهِ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ وَزِيَادَةٌ.
وَإِنْ بَذَلَ لَهَا نِصْفَ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالصَّبْغِ، وَيَكُونُ لَهُ النِّصْفُ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ:" لَهُ ذَلِكَ ". قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا تَرَاضَيَا بِذَلِكَ، لَا أَنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْبِنَاءِ مُعَاوَضَةٌ، فَلَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَيْهَا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُجْبَرُ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ حَصَلَتْ لَهُ، وَفِيهَا بِنَاءٌ لَغَيْرِهِ،
فَإِذَا بَذَلَ الْقِيمَةَ، لَزِمَ الْآخَرَ قَبُولُهُ، كَالشَّفِيعِ إذَا أَخَذَ الْأَرْضَ بَعْدَ بِنَاءِ الْمُشْتَرِي فِيهَا، فَبَذَلَ الشَّفِيعُ قِيمَتَهُ، لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ، قَبُولُهَا،
وَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ الْمُعِيرُ فِي أَرْضِهِ، وَفِيهَا بِنَاءٌ أَوْ غَرْسٌ لَلْمُسْتَعِيرِ، فَبَذَلَ الْمُعِيرُ قِيمَةَ ذَلِكَ لَزِمَ الْمُسْتَعِيرَ قَبُولُهَا. .
[فَصْلٌ أُصَدِّقهَا نَخْلًا حَائِلًا فَأَثْمَرَتْ فِي يَدِهِ] (٥٦٥٠) فَصْلٌ: إذَا أَصْدَقَهَا نَخْلًا حَائِلًا، فَأَثْمَرَتْ فِي يَدِهِ، فَالثَّمَرَةُ لَهَا؛ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهَا،
فَإِنْ جَذَّهَا بَعْدَ تَنَاهِيهَا، وَجَعَلَهَا فِي ظُرُوفٍ، وَأَلْقَى عَلَيْهَا صَقْرًا، مِنْ صَقْرِهَا، وَهُوَ سَيَلَانُ الرُّطَبِ بِغَيْرِ طَبْخٍ، وَهَذَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْحِجَازِ حِفْظًا لِرُطُوبَتِهَا، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا، أَنْ لَا تَنْقُصَ قِيمَةُ الثَّمَرَةِ وَالصَّقْرِ، بَلْ كَانَا بِحَالِهِمَا، أَوْ زَادَا، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُمَا عَلَيْهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. الثَّانِي، أَنْ تَنْقُصَ قِيمَتُهَا، وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ نَقْصُهُمَا مُتَنَاهِيًا، فَإِنَّهُ يَدْفَعُهُمَا إلَيْهَا وَأَرْشَ نَقْصِهِمَا؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِمَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ. الضَّرْبُ الثَّانِي، أَنْ لَا يَتَنَاهَى، بَلْ يَتَزَايَدُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛
أَحَدُهُمَا، أَنَّهَا تَأْخُذُ قِيمَتَهَا؛ لِأَنَّهَا كَالْمُسْتَهْلِكَةِ وَالثَّانِي، هِيَ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ تَرْكِهَا حَتَّى يَسْتَقِرَّ نَقْصُهَا، وَتَأْخُذُهَا وَأَرْشَهَا، كَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ. الْحَالُ الثَّالِثُ، أَنْ لَا تَنْقُصَ قِيمَتُهَا لَكِنْ إنْ أَخْرَجَهَا مِنْ ظُرُوفِهَا نَقَصَتْ قِيمَتُهَا، فَلِلزَّوْجِ إخْرَاجُهَا وَأَخْذُ ظُرُوفِهَا، إنْ كَانَتْ الظُّرُوفُ مِلْكَهُ.
وَإِذَا نَقَصَتْ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: أَنَا أُعْطِيكَهَا مَعَ ظُرُوفِهَا. فَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهَا قَبُولُهَا؛ لِأَنَّ ظُرُوفَهَا كَالْمُتَّصِلَةِ بِهَا التَّابِعَةَ لَهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهَا قَبُولُهَا؛ لِأَنَّ الظُّرُوفَ عَيْنُ مَالِهِ، فَلَا يَلْزَمُهَا قَبُولُهَا، كَالْمُنْفَصِلَةِ عَنْهَا.
(٥٦٥١) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ بِحَالِهَا، إلَّا أَنَّ الصَّقْرَ الْمَتْرُوكَ عَلَى الثَّمَرَةِ مِلْكُ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ يَنْزِعُ الصَّقْرَ، وَيَرُدُّ الثَّمَرَةَ، وَالْحُكْمُ فِيهَا إنْ نَقَصَتْ أَوْ لَمْ تَنْقُصْ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَإِنْ قَالَ: أَنَا أُسَلِّمُهَا مَعَ الصَّقْرِ وَالظُّرُوفِ. فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا.
وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَكَمْنَا أَنَّ لَهُ رَدَّهُ، إذَا قَالَتْ: أَنَا أَرُدُّ الثَّمَرَةَ، وَآخُذُ الْأَصْلَ. فَلَهَا ذَلِكَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَالْآخَرِ، لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ. مَبْنِيَّانِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الْبَيْعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوْضِعِهَا.
[فَصْل كَانَ الصَّدَاق جَارِيَة فَوَطِئَهَا الزَّوْج عَالِمًا بِزَوَالِ مِلْكه] (٥٦٥٢) فَصْلٌ: إذَا كَانَ الصَّدَاقُ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ، عَالِمًا بِزَوَالِ مِلْكِهِ، وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لِسَيِّدَتِهَا، أَكْرَهَهَا أَوْ طَاوَعَتْهُ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ لِمَوْلَاتِهَا، فَلَا يَسْقُطُ بِبَذْلِهَا وَمُطَاوَعَتِهَا، كَمَا لَوْ بَذَلَتْ يَدَهَا لِلْقَطْعِ، وَالْوَلَدُ رَقِيقٌ لِلْمَرْأَةِ.
وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ عَنْ جَمِيعِهَا، كَمَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَوْ كَانَ غَيْرَ عَالَمٍ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ لَا حَقَّ نَسَبُهُ بِهِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ وِلَادَتِهِ، وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ،
وَإِنْ مَلَكَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ فِيهَا، وَتُخَيَّرُ الْمَرْأَةُ بَيْنَ أَخْذِهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا، وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ نَقَصَهَا بِإِحْبَالِهَا، وَهَلْ لَهَا الْأَرْشُ مَعَ ذَلِكَ؟ يَحْتَمِلُ أَنَّ لَهَا الْأَرْشَ؛ لِأَنَّهَا نَقَصَتْ بِعُدْوَانِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَصَهَا الْغَاصِبُ بِذَلِكَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأَرْشِ هَاهُنَا قَوْلَانِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْأَرْشِ، قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ النَّقْصَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ الَّذِي تَعَدَّى بِهِ، فَهُوَ كَالْغَاصِبِ، وَكَمَا لَوْ طَالَبَتْهُ فَمَنَعَ تَسْلِيمَهَا. وَهَذَا أَصَحُّ.
[فَصْلٌ أُصَدِّق ذِمِّيّ ذِمِّيّه خَمْرًا فَتَخَلَّلَتْ فِي يَدهَا] (٥٦٥٣) فَصْلٌ: إذَا أَصْدَقَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّهُ خَمْرًا، فَتَخَلَّلَتْ فِي يَدِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا قَدْ زَادَتْ فِي يَدِهَا بِالتَّخَلُّلِ، وَالزِّيَادَةُ لَهَا،
وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهَا قَبْلَ التَّخَلُّلِ، فَلَا قِيمَةَ لَهَا، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إذَا زَادَتْ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا أَقَلَّ مَا كَانَتْ مِنْ حِينَ الْعَقْدِ إلَى حِينِ الْقَبْضِ، وَحِينَئِذٍ لَا قِيمَةَ لَهَا،
وَإِنْ تَخَلَّلَتْ فِي يَدِ الزَّوْجِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَلَهَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخَلُّ لَهُ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا، إذَا تَرَافَعَا إلَيْنَا قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ أَسْلَمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا. [فَصْلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَة فَضَمِنَ أَبُوهُ نَفَقَتهَا عَشْر سِنِينَ] فَصْلٌ: إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَضَمِنَ أَبُوهُ نَفَقَتَهَا عَشْرَ سِنِينَ، صَحَّ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ ضَمَانُ مَجْهُولٍ، أَوْ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْن كَوْنِ الزَّوْجِ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ؛ فَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ كَقَوْلِنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ إلَّا ضَمَانُ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُعْسِرِ يَتَغَيَّرُ حَالُهُ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُوسِرِ أَوْ الْمُتَوَسِّطِ، فَيَكُونُ ضَمَانَ مَجْهُولٍ، وَالْمُعْسِرُ مَعْلُومٌ مَا عَلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ أَصْلًا، لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ. وَلَنَا أَنَّ الْحَبَلَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الضَّمَانِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ ضَمَانِ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَمُوتَ أَحَدُهُمَا فَتَسْقُطُ النَّفَقَةُ، وَمَعَ ذَلِكَ صَحَّ الضَّمَانُ، فَكَذَلِكَ هَذَا.
[فَصْلٌ يَجِب الْمَهْر لِلْمَنْكُوحَةِ نِكَاحًا صَحِيحًا وَالْمَوْطُوءَة فِي نِكَاح فَاسِد] (٥٦٥٥) فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْمَهْرُ لِلْمَنْكُوحَةِ نِكَاحًا صَحِيحًا، وَالْمَوْطُوءَةِ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ. بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
وَيَجِبُ لِلْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَى. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَلَا يَجِبُ مَعَ ذَلِكَ أَرْشُ الْبَكَارَةِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّ أَحْمَدَ قَدْ
قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيَّةِ إذَا أَكْرَهَهَا عَلَى الزِّنَى، وَهِيَ بِكْرٌ: فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا مَهْرَ لِلْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَى.
وَلَنَا «قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» . وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ؛
فَإِنَّ الْمُكْرَهَ مُسْتَحِلٌّ لِفَرْجِهَا، فَإِنَّ الِاسْتِحْلَالَ الْفِعْلُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحِلِّ، كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ» . وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ أَوْجَبَ الْأَرْشَ لِكَوْنِهِ أَوْجَبَ الْمَهْرَ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ، وَلِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَا يَجِبُ بَدَلُهُ بِالشُّبْهَةِ،
وَفِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ كَرِهَا، فَوَجَبَ بَدَلُهُ كَإِتْلَافِ الْمَالِ، وَأَكْلِ طَعَامِ الْغَيْرِ.
وَلَنَا، عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَرْشُ، أَنَّهُ وَطْءٌ ضَمِنَ بِالْمَهْرِ، فَلَمْ يَجِبْ مَعَهُ أَرْشٌ، كَسَائِرِ الْوَطْءِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمَهْرَ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَوْفَاةِ بِالْوَطْءِ، وَبَدَلُ الْمُتْلَفِ لَا يَخْتَلِفُ بِكَوْنِهِ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ، وَكَوْنِهِ تَمَحَّضَ عُدْوَانًا، وَلِأَنَّ الْأَرْشَ يَدْخُلُ فِي الْمَهْرِ، لِكَوْنِ الْوَاجِبِ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ، وَمَهْرُ الْبِكْرِ يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ الثَّيِّبِ بِبَكَارَتِهَا، فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْمَهْرِ مُقَابِلَةً لِمَا أُتْلِفَ مِنْ الْبَكَارَةِ، فَلَا يَجِبُ عِوَضُهَا مَرَّةً ثَانِيَةً.
يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ إذَا أُخِذَ أَرْشُ الْبَكَارَةِ مَرَّةً، لَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَتَصِيرُ كَأَنَّهَا مَعْدُومَةٌ، فَلَا يَجِبُ لَهَا إلَّا مَهْرُ ثَيِّبٍ، وَمَهْرُ الثَّيِّبِ مَعَ أَرْشِ الْبَكَارَةِ هُوَ مَهْرُ مِثْلِ الْبِكْرِ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ لَا فَرَّقَ بَيْن كَوْن الْمَوْطُوءَة أَجْنَبِيَّة أَوْ مِنْ ذَوَات مَحَارِمه] (٥٦٥٦) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْن كَوْنِ الْمَوْطُوءَةِ أَجْنَبِيَّةً أَوْ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ. وَمَذْهَبُ النَّخَعِيِّ، وَمَكْحُولٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ ذَوَاتَ مَحَارِمِهِ مِنْ النِّسَاءِ لَا مَهْرَ لَهُنَّ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ تَحْرِيمُ أَصْلٍ، فَلَا يُسْتَحَقُّ بِهِ مَهْرٌ. كَاللِّوَاطِ، وَفَارَقَ مَنْ حُرِّمَتْ تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ،
فَإِنَّ تَحْرِيمَهَا طَارِئٌ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي مَنْ حُرِّمَتْ بِالرَّضَاعِ؛ لِأَنَّهُ طَارِئٌ أَيْضًا.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ مَنْ تَحْرُمُ ابْنَتُهَا لَا مَهْرَ لَهَا، كَالْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَالْأُخْتِ،
وَمِنْ تَحِلُّ ابْنَتُهَا، كَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ، فَلَهَا الْمَهْرُ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا أَخَفُّ. وَلَنَا، أَنَّ مَا ضَمِنَ لِلْأَجْنَبِيِّ، ضَمِنَ لِلْمُنَاسِبِ، كَالْمَالِ وَمَهْرِ الْأَمَةِ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَنْفَعَةَ بُضْعِهَا بِالْوَطْءِ، فَلَزِمَهُ مَهْرُهَا، كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ مَضْمُونٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ، كَالْمَالِ، وَبِهَذَا فَارَقَ اللِّوَاطَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ عَلَى أَحَدٍ.
[فَصْلٌ لَا يَجِب الْمَهْر بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُر وَلَا اللِّوَاط] (٥٦٥٧) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ وَلَا اللِّوَاطِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِبَدَلِهِ، وَلَا هُوَ إتْلَافٌ لَشَيْءٍ، فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ وَالْوَطْءَ دُونَ الْفَرْجِ،
وَلَا يَجِبُ لِلْمُطَاوِعَةِ عَلَى الزِّنَى، لِأَنَّهَا بَاذِلَةٌ لِمَا يَجِبُ بَذْلُهُ لَهَا، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا شَيْءٌ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ لَهُ فِي قَطْعِ يَدِهَا فَقَطَعَهَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ أَمَةً، فَيَكُونُ الْمَهْرُ لِسَيِّدِهَا، وَلَا يَسْقُطُ بِبَذْلِهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِغَيْرِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَذَلَتْ قَطْعَ يَدِهَا.
[فَصْل طَلَّقَ امْرَأَته قَبْلَ الدُّخُولِ طَلْقَة وَظَنَّ أَنَّهَا لَا تَبِينُ بِهَا فَوَطِئَهَا] (٥٦٥٨) فَصْلٌ: وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ طَلْقَةً، وَظَنَّ أَنَّهَا لَا تَبِينُ بِهَا، فَوَطِئَهَا، لَزِمَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَنِصْفُ الْمُسَمَّى.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ. وَلَنَا أَنَّ الْمَفْرُوضَ يَتَنَصَّفُ بِطَلَاقِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:{فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} . وَوَطْؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَرِيَ عَنْ الْعَقْدِ، فَوَجَبَ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَا لَوْ عَلِمَ أَوْ كَغَيْرِهَا، أَوْ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا غَيْرُهُ.
[فَصْلٌ وَمِنْ نِكَاحِهَا بَاطِل إذَا نَكَحَهَا رَجُلٌ فَوَطِئَهَا عَالِمًا بِالْحَالِ وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ عَالِمَةٌ فَلَا مَهْرَ لَهَا] (٥٦٥٩) فَصْلٌ: وَمَنْ نِكَاحُهَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ كَالْمُزَوَّجَةِ، وَالْمُعْتَدَّةِ، إذَا نَكَحَهَا رَجُلٌ فَوَطِئَهَا عَالِمًا بِالْحَالِ، وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ، وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ عَالِمَةٌ، فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ زِنَى يُوجِبُ الْحَدَّ، وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ جَهِلَتْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ، أَوْ كَوْنَهَا فِي الْعِدَّةِ فَالْمَهْرُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ، «أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ بَصْرَةُ بْنُ أَكْثَمَ، نَكَحَ امْرَأَةً، فَوَلَدَتْ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا الصَّدَاقَ. وَفِي لَفْظٍ قَالَ: لَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا، فَإِذَا وَلَدَتْ فَاجْلِدُوهَا» .
وَرَوَى سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ "، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ كَثِيرٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنِ الْحُرِّ تَزَوَّجَ جَارِيَةً مِنْ قَوْمِهِ، يُقَالُ لَهَا الدَّرْدَاءُ، فَانْطَلَقَ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَلَحِقَ بِمُعَاوِيَةَ، وَمَاتَ أَبُو الْجَارِيَةِ فَزَوَّجَهَا أَهْلُهَا رَجُلًا، يُقَالُ لَهُ عِكْرِمَةُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَيْدَ اللَّهِ، فَقَدِمَ فَخَاصَمَهُمْ إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتَهُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْمَرْأَةَ، وَكَانَتْ حَامِلًا مِنْ عِكْرِمَةَ، فَوَضَعَتْ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ لَعَلِيٍّ: أَنَا أَحَقُّ بِمَالِيِّ أَوْ عُبَيْدُ اللَّهِ؟
قَالَ: بَلْ أَنْتِ أَحَقُّ بِمَالِك. قَالَتْ: فَاشْهَدُوا أَنَّ مَا كَانَ لِي عَلَى عِكْرِمَةَ مِنْ صَدَاقٍ فَهُوَ لَهُ، فَلَمَّا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، رَدَّهَا عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْن الْحُرِّ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأَبِيهِ.
[فَصْلٌ الصَّدَاق إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَهُوَ دَيْن] (٥٦٦٠) فَصْلٌ: وَالصَّدَاقُ إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ، فَهُوَ دَيْنٌ، إذَا مَاتَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ سِوَاهُ، قُسِّمَ مَالُهُ بَيْنهمْ بِالْحِصَصِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي مَرِيضٍ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَمَاتَ: مَا تَرَكَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَالْمَرْأَةِ بِالْحِصَصِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ نِكَاحَ الْمَرِيضِ صَحِيحٌ، وَالصَّدَاقَ دَيْنٌ، فَتَسَاوَى سَائِرُ الدُّيُونِ.
[فَصْلٌ كَانَتْ الْفُرْقَة قَبْلَ الدُّخُولِ مِنْ قَبْلَ الْمَرْأَة] فَصْلٌ: وَكُلُّ فُرْقَةٍ كَانَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ، مِثْلُ إسْلَامِهَا، أَوْ رِدَّتِهَا، أَوْ إرْضَاعِهَا مَنْ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِإِرْضَاعِهِ، أَوْ ارْتِضَاعِهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ، أَوْ فَسَخَتْ لِإِعْسَارَةِ، أَوْ عَيْبِهِ، أَوْ لِعِتْقِهَا تَحْت عَبْدٍ، أَوْ فَسْخِهِ بِعَيْبِهَا، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا،
وَلَا يَجِبُ لَا مُتْعَةٌ؛ لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ الْمُعَوَّضَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ، فَسَقَطَ الْبَدَلُ كُلُّهُ، كَالْبَائِعِ يُتْلِفُ الْمَبِيعَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ الزَّوْجِ، كَطَلَاقِهِ، وَخُلْعِهِ، وَإِسْلَامِهِ، وَرِدَّتِهِ، أَوْ جَاءَتْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، كَالرَّضَاعِ، أَوْ وَطْءٍ يَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ، سَقَطَ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَوَجَبَ نِصْفُهُ أَوْ الْمُتْعَةُ لِغَيْرِ مَنْ سُمِّيَ لَهَا، ثُمَّ يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى مَنْ فَسَخَ النِّكَاحَ إذَا جَاءَ الْفَسْخُ مِنْ قِبَلِ أَجْنَبِيٍّ.
وَإِنْ قَتَلَتْ الْمَرْأَةُ، اسْتَقَرَّ الْمَهْرُ جَمِيعُهُ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ حَصَلَتْ بِالْمَوْتِ، وَانْتِهَاءِ النِّكَاحِ، فَلَا يَسْقُطُ بِهَا الْمَهْرُ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا، سَوَاءٌ قَتَلَهَا زَوْجُهَا أَوْ أَجْنَبِيٌّ، أَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا، أَوْ قَتَلَ الْأَمَةَ سَيِّدُهَا.
وَإِنْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَى الزَّوْجِ فِي الْإِيلَاءِ، فَهُوَ كَطَلَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَهُ فِي إيفَاءِ الْحَقِّ عَلَيْهِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْهُ.
وَفِي فُرْقَةِ اللِّعَانِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، هِيَ كَطَلَاقِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ اللِّعَانِ قَذْفُهُ الصَّادِرُ مِنْهُ. وَالثَّانِيَةُ، يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ عَقِيبَ لِعَانِهَا، فَهُوَ كَفَسْخِهَا لِعُنَّتِهِ.
وَفِي فُرْقَةِ شِرَائِهَا لِزَوْجِهَا أَيْضًا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَتَنَصَّفُ بِهَا مَهْرُهَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمُوجِبَ لِلْفَسْخِ تَمَّ بِالسَّيِّدِ الْقَائِمِ مَقَامَ الزَّوْجِ وَبِالْمَرْأَةِ، فَأَشْبَهَ الْخُلْعَ. وَالثَّانِيَةُ، يَسْقُطُ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ وُجِدَ عَقِيبَ قَبُولِهَا، فَأَشْبَهَ فَسْخَهَا لِعُنَّتِهِ.
وَفِيمَا إذَا اشْتَرَى الْحُرُّ امْرَأَتَهُ وَجْهَانِ، مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي شِرَائِهَا لِزَوْجِهَا.
وَإِذَا جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، أَوْ وَكَّلَهَا فِي الطَّلَاقِ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا، فَهُوَ كَطَلَاقِهِ. لَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَإِنْ بَاشَرَتْ الطَّلَاقَ، فَهِيَ نَائِبَةٌ عَنْهُ، وَوَكِيلَةٌ لَهُ، وَفِعْلُ الْوَكِيلِ كَفِعْلِ الْمُوَكِّلِ، فَكَأَنَّهُ صَدَرَ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ.
وَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى فِعْلٍ مِنْ قِبَلِهَا، لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وُجِدَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا هِيَ حَقَّقَتْ شَرْطَهُ، وَالْحُكْمُ يُنْسَبُ إلَى صَاحِبِ السَّبَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَاب الْوَلِيمَة] ِ الْوَلِيمَةُ: اسْمٌ لِلطَّعَامِ فِي الْعُرْسِ خَاصَّةً، لَا يَقَعُ هَذَا الِاسْمُ عَلَى غَيْرِهِ. كَذَلِكَ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ثَعْلَبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: إنَّ الْوَلِيمَةَ تَقَعُ عَلَى كُلِّ طَعَامٍ لَسُرُورٍ حَادِثٍ، إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِي طَعَامِ الْعُرْسِ أَكْثَرُ. وَقَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ، وَهُمْ أَعْرَفُ بِمَوْضُوعَاتِ اللُّغَةِ، وَأَعْلَمُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ. وَالْعَذِيرَةُ: اسْمٌ لِدَعْوَةِ الْخِتَان، وَتُسَمَّى الْإِعْذَارَ. وَالْخُرْسُ وَالْخُرْسَةُ: عِنْدَ الْوِلَادَة. وَالْوَكِيرَةُ: دَعْوَةُ الْبِنَاءِ. يُقَالُ: وَكَّرَ وَخَرَّسَ، مُشَدَّدٌ. وَالنَّقِيعَةُ: عِنْد قُدُومِ الْغَائِبِ، يُقَالُ: نَقَعَ، مُخَفَّفٌ. وَالْعَقِيقَةُ: الذَّبْحُ لِأَجْلِ الْوَلَدِ،
قَالَ الشَّاعِرُ:
كُلُّ الطَّعَامِ تَشْتَهِي رَبِيعَةُ ... الْخَرْسَ وَالْإِعْذَارَ وَالنَّقِيعَةَ وَالْحُذَّاق: الطَّعَامُ عِنْد حُذَّاقِ الصَّبِيِّ. وَالْمَأْدُبَةُ: اسْمٌ لِكُلِّ دَعْوَةٍ لَسَبَبٍ كَانَتْ أَوْ لِغَيْرِ سَبَبٍ. وَالْآدِبُ، صَاحِبُ الْمَأْدُبَةِ،
قَالَ الشَّاعِرُ:
نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى ... لَا يَرَى الْآدِبَ مِنَّا يَنْتَقِرُ وَالْجَفَلَى فِي الدَّعْوَةِ: أَنْ يَعُمَّ النَّاسَ بِدَعْوَتِهِ. وَالنَّقَرَى: هُوَ أَنْ يَخُصَّ قَوْمًا دُون قَوْمٍ.
[مَسْأَلَة يُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَزَوَّجَ أَنْ يُولِمَ وَلَوْ بِشَاةِ] مَسْأَلَةٌ (٥٦٦٢) ؛ قَالَ
(وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَزَوَّجَ أَنْ يُولِمَ وَلَوْ بِشَاةٍ) .
لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْوَلِيمَةَ سُنَّةٌ فِي الْعُرْسِ مَشْرُوعَةٌ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهَا وَفَعَلَهَا. فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، حِينَ قَالَ: تَزَوَّجْت: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» .
وَقَالَ أَنَسٌ: «مَا أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، جَعَلَ يَبْعَثُنِي فَأَدْعُو لَهُ النَّاسَ، فَأَطْعَمَهُمْ خُبْزًا وَلَحْمًا حَتَّى شَبِعُوا. وَقَالَ أَنَسٌ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اصْطَفَى صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغَ ثَنِيَّةَ الصَّهْبَاءِ، فَبَنَى بِهَا، ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ صَغِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِمَنْ حَوْلَك. فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى صَفِيَّةَ.»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُولِمَ بِشَاةٍ، إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ «رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» .
وَقَالَ أَنَسٌ:«مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَب، أَوْلَمَ بِشَاةِ.» لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
فَإِنْ أَوْلَمَ بِغَيْرِ هَذَا جَازَ؛ فَقَدْ أَوْلَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى صَفِيَّةَ بِحَيْسٍ، وَأَوْلَمَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(٥٦٦٣) فَصْلٌ: وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: هِيَ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَلِأَنَّ الْإِجَابَةَ إلَيْهَا وَاجِبَةٌ؛ فَكَانَتْ وَاجِبَةً. وَلَنَا، أَنَّهَا طَعَامٌ لَسُرُورٍ حَادِثٍ؛ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَطْعِمَةِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَوْنِهِ أَمَرَ بِشَاةِ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَجِبُ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى لَا أَصْلَ لَهُ، ثُمَّ هُوَ بَاطِلٌ بِالسَّلَامِ، لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِجَابَةُ الْمُسَلِّمِ وَاجِبَةٌ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.