فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: ولو كانت حاملا باثنين فوضعت واحدا كان له مراجعتها قبل أن تضع الثاني. ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٤] فجعل سبحانه الأجل وضع الحمل، والحمل يتناول الولدين وأكثر،

٥٬٣١٣

وإذا كان الأجل وهو العدة باقيا فله الرجعة، لبقاء العدة، وبطريق الأولى لو وضعت بعض الولد، كان له الارتجاع قبل وضع بقيته.

[ما تحصل به الرجعة] قال: والمراجعة أن يقول لرجلين من المسلمين: اشهدا أني قد راجعت امرأتي. بلا ولي يحضره، ولا صداق يزيده، وقد روي عن أحمد رواية أخرى تدل على أن الرجعة تجوز بلا شهادة. ش: الرواية الأولى عزيت إلى اختيار الخرقي، وأبي إسحاق ابن شاقلا في تعاليقه، ونص عليها أحمد في رواية مهنا، لقول الله سبحانه: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: ٢] أمر وظاهر الأمر الوجوب، ولأنه استباحة بضع مقصود، فوجبت الشهادة فيه كالنكاح (والثانية) نص عليها في رواية ابن منصور، واختارها أبو بكر، والقاضي وأصحابه، الشريف وأبو الخطاب، وابن عقيل والشيرازي وغيرهم، لإطلاق: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: ٢٢٨] وإذا يحمل الأمر في الآية الكريمة على الاستحباب، جمعا بينهما، وأيضا فالله سبحانه قال: {وَأَشْهِدُوا} [البقرة: ٢٨٢] وليس فيه ما يقتضي المقارنة للرجعة،

٥٬٣١٤

فلو أشهد بعد الرجعة وفى مقتضى الآية، والإشهاد بعد الرجعة مستحب بالإجماع، فكذلك عند الرجعة، حذارا من الجمع بين الحقيقة والمجاز في اللفظ الواحد، ولأنها لا يشترط لها الولي، فلم تشترط لها الشهادة كالبيع، وما قيل في قياس الأولى أنها استباحة بضع فغير مسلم، إذ الرجعية مباحة على الصحيحة كما سيأتي.

إذا تقرر هذا فجعل أبو البركات هاتين الروايتين على قولنا بأن الرجعة لا تحصل إلا بالقول، وهو واضح،

٥٬٣١٥

أما إن قلنا: إنها تحصل بالوطء فكلامه يقتضي أنه لا يشترط الإشهاد رواية واحدة، وعامة الأصحاب يطلقون الخلاف، وهو ظاهر كلام القاضي في التعليق، قال: لما أورد عليه أن الوطء لا يكون رجعة: لأن الله سبحانه أمر بالشهادة، والشهادة لا تتأتى على الوطء، فأجاب: ليس في الآية ما يقتضي المقارنة، فيطأ ثم يشهد، فأورد عليه أن هذا إشهاد على الإقرار بالرجعة، وليس بإشهاد على الرجعة، فأجاب: الله سبحانه أمر بالإشهاد، وأطلق، (ومقتضى) كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن الرجعة محصورة في القول، لقوله: والمراجعة أن يقول.

فلا تحصل بالوطء ولا بغيره، (وهذا إحدى الروايات) عن أحمد، لظاهر قَوْله تَعَالَى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: ٢] والظاهر من الإشهاد إنما هو على القول، وقد تقدم جواب القاضي عن هذا، وأيضا فالرجعة تراد لإصلاح الثلم الداخل في النكاح، ونفس النكاح لا يقع بالفعل، كذلك إزالة ما دخله من الثلم (والرواية الثانية) أن الرجعة تحصل بالوطء وإن لم ينو، اختارها ابن حامد، والقاضي وأصحابه، لإطلاق قَوْله تَعَالَى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: ٢٢٨] والرد حقيقة في الفعل، بدليل: رددت الوديعة.

وأيضا: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: ٢] وحقيقة الإمساك في الفعل أيضا، ولأنها مدة معلومة، خير بين القول الذي يبطلها، وبين تركها حتى تمضي المدة، فقام الوطء فيها مقام القول، كالبيع بشرط الخيار، والمعنى فيهما أن كلا منهما وطؤه دليل على رغبته في الموطوءة، واختيار رجوعها إليه (والرواية الثالثة) وهي اختيار أبي العباس: إن نوى الرجعة بالوطء حصلت، للعلم برغبته فيها، وإلا لم تحصل.

وعلى القول بحصول الرجعة بالوطء لا تحصل بالقبلة ولا باللمس، نص عليه أحمد في رواية ابن القاسم، وعليه الأصحاب،

٥٬٣١٦

وإن كانا لشهوة، وخرج القاضي وغيره رواية بحصول الرجعة بذلك، بناء على ثبوت تحريم المصاهرة بهما، وخرجها أبو البركات من نصه في رواية ابن منصور على أن الخلوة تحصل بها الرجعة، قال: فاللمس ونظر الفرج أولى، وقد حكى أبو الخطاب عن الأصحاب أنهم قالوا: إن الرجعة تحصل بالخلوة، واختار هو أنها لا تحصل، وتبعه على ذلك أبو محمد في المغني وغيره، إلا أن مقتضى كلامه في المقنع أن أحمد نص على أن الخلوة لا تحصل بها الرجعة، وليس كذلك فإن نص أحمد في رواية ابن القاسم إنما هو في اللمس والقبلة، إذ الرجعة لا تحصل بهما، ونصه في الخلوة أن الرجعة لا تحصل بها، وقد يقال: إن في كلام الأصحاب تهافتا، حيث قالوا: إن الرجعة لا تحصل بالقبلة ونحوها وقالوا: إنها تحصل بالخلوة، ويجاب بأن الخلوة عندهم بمنزلة الوطء، بدليل تقرر الصداق، ووجوب العدة بها، ونحو ذلك، فكذلك في حصول الرجعة.

واعلم أن الأصحاب مختلفون في حصول الرجعة بالوطء، هل هو مبني على القول بحل الرجعية أم مطلقا، على طريقتين للأصحاب (إحداهما) - وهي طريقة الأكثرين، منهم القاضي في روايتيه وفي جامعه وجماعة - عدم البناء (والثانية) - وهي مقتضى كلام أبي البركات، ويحتملها كلام القاضي في التعليق - البناء،

٥٬٣١٧

فإن قلنا: الرجعية مباحة حصلت الرجعة بالوطء،

٥٬٣١٨

وإن قلنا: محرمة. لم تحصل، وهذه طريقة أبي الخطاب في الهداية، قال: لعل الاختلاف مبني على حل الوطء وعدمه، وقد تضمن هذا أن في حل الرجعية خلافا، وهو كذلك كما تقدمت الإشارة إليه،

٥٬٣١٩

والمذهب المشهور المنصوص حلها، وعليه عامة الأصحاب، لإطلاق: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: ٢٢٣] والرجعية من نسائه، بدليل لو قال: نساؤه طوالق، فإنها تطلق، وأيضا قَوْله تَعَالَى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: ٢٢٨] فسماه الله تعالى بعلا، والبعل تباح زوجته، فكذلك هنا، والرد إلى ما كانت عليه، لزوال الثلم الحاصل بالطلاق، ولأنها في حكم الزوجة في الإرث واللعان، وغير ذلك، فكذلك في الحل، وأومأ أحمد في رواية أبي داود إلى التحريم، فقال: أكره أن يرى شعرها، فأخذ من ذلك القاضي ومن تبعه رواية بالتحريم، وهي ظاهر كلام الخرقي حيث قال فيما تقدم: لأنه متيقن للتحريم، شاك في التحليل، لأنه طلاق، فأثبت التحريم كالذي بعوض، أو معتدة فحرم وطؤها كالمعتدة التي قال لها: أنت بائن.

انتهى، وقد تقدم أنه مما يبنى على ذلك حصول الرجعة وعدمها، ومما ينبني عليه المهر إذا وطئها، إن قلنا مباحة فلا مهر،

٥٬٣٢٠

وكذلك إن قلنا محرمة وطاوعته،

٥٬٣٢١

أما إن أكرهها وقلنا محرمة فثلاثة أوجه (الوجوب) مطلقا، وهو ظاهر ما جزم به أبو الخطاب في الهداية (وعدمه) وبه قطع القاضي في التعليق،

٥٬٣٢٢

وفي الجامع الصغير، والشريف في خلافه، وإليه ميل أبي محمد (والثالث) التفرقة إن راجعها لم يجب، وإلا وجب، وبه قطع أبو محمد في المقنع،

٥٬٣٢٣

أما الحد فلا يجب بوطئها بلا ريب،

٥٬٣٢٤

وإن قلنا بالتحريم، وينبغي أن يلحق النسب به بلا نزاع، لاندراء الحد، قال أحمد: كل من درأت عنه الحد ألحقت به الولد، ووقع في كلام أبي البركات في الطلاق ما قيل: إنه يقتضي قولين، بناء على الحل وعدمه، وليس بالبين. انتهى.

وصرح الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - بأنه لا يشترط في الرجعة ولي ولا صداق، وهو إجماع والحمد لله، وظاهر القرآن يشهد له، وهل يبطل الرجعة التواصي بالكتمان، نص في رواية أبي طالب على البطلان، وخرج عدمه من نصه على عدم البطلان بذلك في النكاح.

[الخلاف بين الزوجين في الرجعة]

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ كَانَتْ حَامِلًا بِاثْنَيْنِ فَوَضَعَتْ أَحَدَهُمَا] (٦٠٨٠) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا بِاثْنَيْنِ، فَوَضَعَتْ أَحَدَهُمَا، فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا، مَا لَمْ تَضَعْ الثَّانِيَ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْأَوَّلِ. وَمَا عَلَيْهِ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَصَحُّ؛

٣٠٬٢٦٤

فَإِنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي إلَّا بِوَضْعِ الْحَمْلِ كُلِّهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَاسْمُ الْحَمْلِ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مَا فِي الْبَطْنِ، فَتَبْقَى الْعِدَّةُ مُسْتَمِرَّةً إلَى حِينِ وَضْعِ بَاقِي الْحَمْلِ، فَتَبْقَى الرَّجْعَةُ بِبَقَائِهَا.

٣٠٬٢٦٥

وَلَوْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِوَضْعِ بَعْضِ الْحَمْلِ، لَحَلَّ لَهَا التَّزْوِيجُ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ، وَلَا قَائِلَ بِهِ. وَأَظُنُّ أَنَّ قَتَادَةَ نَاظَرَ عِكْرِمَةَ فِي هَذَا فَقَالَ عِكْرِمَةُ: تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ أَحَدِ الْوَلَدَيْنِ. فَقَالَ لَهُ قَتَادَةُ: أَيَحِلُّ لَهَا بِأَنْ تَتَزَوَّجَ؟ . قَالَ: لَا قَالَ: خُصِمَ الْعَبْدُ.

٣٠٬٢٦٦

وَلَوْ خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ، فَارْتَجَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَضَعَ بَاقِيَهُ صَحَّ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَضَعْ جَمِيعَ حَمْلِهَا، فَصَارَتْ كَمَنْ وَلَدَتْ أَحَدَ الْوَلَدَيْنِ. [فَصْلٌ انْقَطَعَ حَيْضُ الْمَرْأَةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ

تعليق

وَلَمَّا تَغْتَسِلْ فَهَلْ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِطُهْرِهَا] (٦٠٨١) فَصْلٌ: إذَا انْقَطَعَ حَيْضُ الْمَرْأَةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ،

تعليق

وَلَمَّا تَغْتَسِلْ، فَهَلْ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِطُهْرِهَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ حَامِدٍ؛ إحْدَاهُمَا، لَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَلِزَوْجِهَا رَجْعَتُهَا فِي ذَلِكَ. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، فَإِنَّهُ

٣٠٬٢٦٧

قَالَ فِي الْعِدَّةِ: فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، أُبِيحَتْ لِلْأَزْوَاجِ. وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَبِي مُوسَى، وَعُبَادَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَرُوِيَ عَنْ شَرِيكٍ: لَهُ الرَّجْعَةُ وَإِنْ فَرَّطَتْ فِي الْغُسْلِ عِشْرِينَ سَنَةً.

وَوَجْهُ هَذَا قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ أَكْثَرِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ لَا تَزُولُ إلَّا بِالْغُسْلِ،

٣٠٬٢٦٨

وَكَذَلِكَ هَذَا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ الطُّهْرِ قَبْلَ الْغُسْلِ. وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} . وَالْقُرْءُ: الْحَيْضُ. وَقَدْ زَالَتْ، فَيَزُولُ التَّرَبُّصُ. وَفِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«وَقُرْءُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ. وَقَالَ: دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكَ» . يَعْنِي أَيَّامَ حَيْضِكِ.

وَلِأَنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ تَتَعَلَّقُ بِهِ بَيْنُونَتهَا مِنْ الزَّوْجِ، وَحِلُّهَا لِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِفِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ تَعْلِيقِ الزَّوْجِ، كَالطَّلَاقِ وَسَائِرِ الْعَدَدِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ تَرَكَتْ الْغُسْلَ اخْتِيَارًا أَوْ لِجُنُونٍ أَوْ نَحْوِهِ، لَمْ تَحِلَّ؛

٣٠٬٢٦٩

أَمَّا أَنْ يُقَالَ بِقَوْلِ شَرِيكٍ، أَنَّهَا تَبْقَى مُعْتَدَّةً وَلَوْ بَقِيَتْ عِشْرِينَ سَنَةً. وَذَلِكَ خِلَافُ قَوْلِ اللَّهِ:{ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} . فَإِنَّهَا تَصِيرُ عِدَّتُهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ قُرْءٍ. أَوْ يُقَالُ: تَنْقَضِي الْعِدَّةُ قَبْلَ الْغُسْلِ، فَيَكُونُ رُجُوعًا عَنْ قَوْلِهِمْ وَيُحْمَلُ قَوْلُ الصَّحَابَةِ فِي قَوْلِهِمْ: حَتَّى تَغْتَسِلَ. أَيْ: يَلْزَمُهَا الْغُسْلُ.

[فَصْلٌ تَزَوَّجَتْ الرَّجْعِيَّةُ فِي عِدَّتِهَا وَحَمَلَتْ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي] (٦٠٨٢) فَصْلٌ: إذَا تَزَوَّجَتْ الرَّجْعِيَّةُ فِي عِدَّتِهَا، وَحَمَلَتْ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي، انْقَطَعَتْ عِدَّتُهَا مِنْ الْأَوَّلِ بِوَطْءِ الثَّانِي. وَهَلْ يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَجْعَتَهَا فِي عِدَّةِ الْحَمْلِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَوَّلُهُمَا، أَنَّهُ لَهُ رَجْعَتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقْضِ عِدَّتَهُ، فَحُكْمُ نِكَاحِهِ بَاقٍ، يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ، وَإِنَّمَا انْقَطَعَتْ عِدَّتُهُ لِعَارِضٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وُطِئَتْ فِي صُلْبِ نِكَاحِهِ، فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَتَبْقَى سَائِرُ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ ارْتِجَاعَهَا إذَا عَادَتْ إلَى عِدَّتِهِ، فَمَلَكَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا فِي أَثْنَاءِ عِدَّتِهَا.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي، لَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي عِدَّتِهِ،

٣٠٬٢٧٠

فَإِذَا وَضَعَتْ الْحَمْلَ، انْقَضَتْ عِدَّةُ الثَّانِي، وَبَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ، وَلَهُ ارْتِجَاعُهَا حِينَئِذٍ وَجْهًا وَاحِدًا،

٣٠٬٢٧١

وَلَوْ كَانَتْ فِي نِفَاسِهَا؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْوَضْعِ تَعُودُ إلَى عِدَّةِ الْأَوَّلِ،

٣٠٬٢٧٢

وَإِنْ لَمْ تَحْتَسِبْ بِهِ، فَكَانَ لَهُ الرَّجْعَةُ فِيهِ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ حَائِضًا،

٣٠٬٢٧٣

فَإِنَّ لَهُ رَجْعَتَهَا فِي حَيْضِهَا،

٣٠٬٢٧٤

وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْتَدُّ بِهَا وَإِنْ حَمَلَتْ حَمْلًا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، فَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا فِي حَمْلِهَا مِنْ الثَّانِي، إذَا رَاجَعَهَا فِي هَذَا الْحَمْلِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ مِنْ الثَّانِي، لَمْ يَصِحَّ؛

٣٠٬٢٧٥

وَإِنْ بَانَ مِنْ الْأَوَّلِ، اُحْتُمِلَ أَنْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ رَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ، وَاحْتُمِلَ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ رَاجَعَهَا مَعَ الشَّكِّ فِي إبَاحَةِ الرَّجْعَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛

٣٠٬٢٧٦

فَإِنَّ الرَّجْعَةَ لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ يُبْطِلُهَا الشَّكُّ فِي صِحَّتِهَا، وَعَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ تَصِحُّ مَعَ الشَّكِّ فِيمَا إذَا نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، فَصَلَّى خَمْسَ صَلَوَاتٍ،

٣٠٬٢٧٧

فَإِنَّ كُلَّ صَلَاةٍ يَشُكُّ فِي أَنَّهَا هَلْ هِيَ الْمَنْسِيَّةُ أَوْ غَيْرُهَا؟

٣٠٬٢٧٨

وَلَوْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ، فَتَطَهَّرَ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ، صَحَّتْ طَهَارَتُهُ، وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ، فَهُنَا أَوْلَى.

٣٠٬٢٧٩

فَإِنْ رَاجَعَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ، وَبَانَ أَنَّ الْحَمْلَ مِنْ الثَّانِي صَحَّتْ رَجْعَتُهُ،

٣٠٬٢٨٠

وَإِنْ بَانَ مِنْ الْأَوَّلِ، لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ انْقَضَتْ بِوَضْعِهِ.

[مَسْأَلَة الْمُرَاجَعَةُ فِي الطَّلَاق] (٦٠٨٣) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَالْمُرَاجَعَةُ أَنْ يَقُولَ لِرَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: اشْهَدَا أَنِّي قَدْ رَاجَعْت امْرَأَتِي. بِلَا وَلَيٍّ يَحْضُرُهُ، وَلَا صَدَاقٍ يَزِيدُهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ تَجُوزُ الرَّجْعَةُ بِلَا شَهَادَةٍ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى وَلِيٍّ، وَلَا صَدَاقٍ، وَلَا رِضَى الْمَرْأَةِ، وَلَا عِلْمِهَا. بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ فِي أَحْكَامِ الزَّوْجَاتِ، وَالرَّجْعَةُ إمْسَاكٌ لَهَا، وَاسْتِبْقَاءٌ لِنِكَاحِهَا، وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - الرَّجْعَةَ إمْسَاكًا، وَتَرْكَهَا فِرَاقًا وَسَرَاحًا، فَقَالَ:{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} .

٣٠٬٢٨١

وَفِي آيَةٍ أُخْرَى:{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} . وَإِنَّمَا تَشَعَّثَ النِّكَاحُ بِالطَّلْقَةِ وَانْعَقَدَ بِهَا سَبَبُ زَوَالِهِ، فَالرَّجْعَةُ تُزِيلُ شُعْثَهُ، وَتَقْطَعُ مُضِيَّهُ، إلَى الْبَيْنُونَةِ، فَلَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ.

٣٠٬٢٨٢

فَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، تَجِبُ. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} . وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَلِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فَوَجَبَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ، كَالنِّكَاحِ، وَعَكْسُهُ الْبَيْعُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا تَجِبُ الشَّهَادَةُ. وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى قَبُولٍ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى شَهَادَةٍ، كَسَائِرِ حُقُوقِ الزَّوْجِ، وَلِأَنَّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْوَلِيُّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِشْهَادُ، كَالْبَيْعِ.

وَعِنْدَ ذَلِكَ يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.

وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ السُّنَّةَ الْإِشْهَادُ.

٣٠٬٢٨٣

فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ شَرْطٌ. فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُهَا حَالَ الرَّجْعَةِ،

٣٠٬٢٨٤

فَإِنْ ارْتَجَعَ بِغَيْرِ شَهَادَةٍ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وُجُودُهَا فِي الرَّجْعَةِ، دُونَ الْإِقْرَارِ بِهَا، إلَّا أَنْ يُقْصَدَ بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ الِارْتِجَاعَ، فَيَصِحُّ.

[فَصْلٌ الرَّجْعَةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالْقَوْلِ] (٦٠٨٤) فَصْلٌ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالْقَوْلِ؛ لِقَوْلِهِ: الْمُرَاجَعَةُ أَنْ يَقُولَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا اسْتِبَاحَةُ بُضْعٌ مَقْصُودٍ، أُمِرَ بِالْإِشْهَادِ فِيهِ، فَلَمْ تَحْصُلْ مِنْ الْقَادِرِ بِغَيْرِ قَوْلٍ، كَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْقَوْلِ فِعْلٌ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الْقَوْلِ، فَلَمْ تَحْصُلْ بِهِ الرَّجْعَةُ، كَالْإِشَارَةِ مِنْ النَّاطِقِ، وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِالْوَطْءِ، سَوَاءٌ نَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ، أَوْ لَمْ يَنْوِ.

اخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. قَالَ بَعْضُهُمْ. وَيُشْهِدُ.

٣٠٬٢٨٥

وَقَالَ مَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ: تَكُونُ رَجْعَةً إذَا أَرَادَ بِهِ الرَّجْعَةَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ تُفْضِي إلَى بَيْنُونَةٍ، فَتَرْتَفِعُ بِالْوَطْءِ، كَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ سَبَبٌ لِزَوَالِ الْمِلْكِ وَمَعَهُ خِيَارٌ، فَتَصَرُّفُ الْمَالِكِ بِالْوَطْءِ يَمْنَعُ عَمَلَهُ، كَوَطْءِ الْبَائِعِ الْأَمَةَ الْمَبِيعَةَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّنَا إذَا قُلْنَا: الْوَطْءُ مُبَاحٌ. حَصَلَتْ الرَّجْعَةُ بِهِ، كَمَا يَنْقَطِعُ بِهِ التَّوْكِيلُ فِي طَلَاقِهَا.

٣٠٬٢٨٦

وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مُحَرَّمٌ. لَمْ تَحْصُلْ الرَّجْعَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْحِلِّ، كَوَطْءِ الْمُحَلِّلِ.

٣٠٬٢٨٧

[فَصْلٌ تُحَصِّل الرَّجْعَة إذَا قَبَّلَهَا أَوْ لَمَسَهَا لِشَهْوَةِ أَوْ كَشَفَ فَرْجَهَا وَنَظَرَ إلَيْهِ] (٦٠٨٥) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ قَبَّلَهَا، أَوْ لَمَسَهَا لِشَهْوَةٍ، أَوْ كَشَفَ فَرْجَهَا وَنَظَرَ إلَيْهِ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ.

٣٠٬٢٨٨

وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، هُوَ رَجْعَةٌ. وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ يُسْتَبَاحُ بِالزَّوْجِيَّةِ، فَحَصَلَتْ الرَّجْعَةُ بِهِ كَالْوَطْءِ.

٣٠٬٢٨٩

وَالثَّانِي، أَنَّهُ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إيجَابُ عِدَّةٍ وَلَا مَهْرٍ، فَلَا تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ، كَالنَّظَرِ.

٣٠٬٢٩٠

فَأَمَّا الْخَلْوَةُ بِهَا، فَلَيْسَ بِرَجْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِاسْتِمْتَاعٍ. وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ. وَحُكِيَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا، أَنَّ الرَّجْعَةَ تَحْصُلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَحْرُمُ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَيَحِلُّ مِنْ الزَّوْجَةِ، فَحَصَلَتْ بِهِ الرَّجْعَةُ، كَالِاسْتِمْتَاعِ.

٣٠٬٢٩١

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُبْطِلُ اخْتِيَارَ الْمُشْتَرِي لِلْأَمَةِ، فَلَمْ تَكُنْ رَجْعَةً، كَاللَّمْسِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ،

٣٠٬٢٩٢

فَأَمَّا اللَّمْسُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَالنَّظَرُ لِذَلِكَ وَنَحْوِهِ، فَلَيْسَ بِرَجْعَةٍ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَأَشْبَهَ الْحَدِيثَ مَعَهَا.

٣٠٬٢٩٣

[فَصْل الْأَلْفَاظُ الَّتِي تُحَصِّل بِهَا الرَّجْعَةُ] (٦٠٨٦) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْقَوْلُ فَتَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ. بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَأَلْفَاظُهُ: رَاجَعْتُك، وَارْتَجَعْتُك، وَرَدَدْتُك، وَأَمْسَكْتُك. لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَرَدَ بِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَالرَّدُّ وَالْإِمْسَاكُ وَرَدَ بِهِمَا الْكِتَابُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} . وَقَالَ:{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} يَعْنِي: الرَّجْعَةَ.

وَالرَّجْعَةُ وَرَدَتْ بِهَا السُّنَّةُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» . وَقَدْ اُشْتُهِرَ هَذَا الِاسْمُ فِيهَا بَيْنَ أَهْلِ الْعُرْفِ، كَاشْتِهَارِ اسْمِ الطَّلَاقِ فِيهِ، فَإِنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا رَجْعَةً، وَالْمَرْأَةَ رَجْعِيَّةً. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُهَا هُوَ الصَّرِيحُ وَحْدَهُ، لِاشْتِهَارِهِ دُونَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِنَا فِي صَرِيحِ الطَّلَاقِ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَقُولَ: رَاجَعْت امْرَأَتِي إلَى نِكَاحِي أَوْ زَوْجَتِي. أَوْ رَاجَعْتهَا لِمَا وَقَعَ عَلَيْهَا مِنْ طَلَاقِي.

٣٠٬٢٩٤

فَإِنْ قَالَ: نَكَحْتُهَا. أَوْ: تَزَوَّجْتُهَا. فَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهَا؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَيْسَتْ بِنِكَاحٍ. وَهَلْ تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا كِنَايَةٌ، وَالرَّجْعَةُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، وَلَا تَحْصُلُ بِالْكِنَايَةِ، كَالنِّكَاحِ.

٣٠٬٢٩٥

وَالثَّانِي، تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ. أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهُ تُبَاحُ بِهِ الْأَجْنَبِيَّةُ، فَالرَّجْعِيَّةُ أَوْلَى.

وَعَلَى هَذَا، يَحْتَاجُ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الرَّجْعَةَ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ كِنَايَةً تُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ.

٣٠٬٢٩٦

[فَصْلٌ قَالَ رَاجَعْتُك لِلْمَحَبَّةِ أَوْ قَالَ لِلْإِهَانَةِ وَقَالَ أَرَدْت أَنَّنِي رَاجَعْتُك لِمَحَبَّتِي] (٦٠٨٧) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: رَاجَعْتُك لِلْمَحَبَّةِ. أَوْ قَالَ: لِلْإِهَانَةِ.

٣٠٬٢٩٧

وَقَالَ: أَرَدْت أَنَّنِي رَاجَعْتُك لِمَحَبَّتِي إيَّاكِ، أَوْ إهَانَةً لَك. صَحَّتْ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالرَّجْعَةِ، وَبَيَّنَ سَبَبَهَا.

٣٠٬٢٩٨

وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّنِي كُنْت أَهَنْتُك، أَوْ أُحِبُّك، وَقَدْ رَدَدْتُك بِفِرَاقِي إلَى ذَلِكَ. فَلَيْسَ بِرَجْعَةٍ.

٣٠٬٢٩٩

وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، صَحَّتْ الرَّجْعَةُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِ الرَّجْعَةِ، وَضَمَّ إلَيْهِ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِسَبَبِهَا، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، فَلَا يَزُولُ اللَّفْظُ عَنْ مُقْتَضَاهُ بِالشَّكِّ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

٣٠٬٣٠٠

[فَصْلٌ تَعْلِيقُ الرَّجْعَة عَلَى شَرْطٍ] (٦٠٨٨) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ عَلَى شَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ فَرْجٍ مَقْصُودٍ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ،

تعليق

وَلَوْ قَالَ: رَاجَعْتُك إنْ شِئْت. لَمْ يَصِحَّ كَذَلِكَ.

تعليق

وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا طَلَّقْتُك فَقَدْ رَاجَعْتُك. لَمْ يَصِحَّ كَذَلِكَ. وَلِأَنَّهُ رَاجَعَهَا قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَ الرَّجْعَةَ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ.

٣٠٬٣٠١

وَإِنْ قَالَ: إنْ قَدِمَ أَبُوك، فَقَدْ رَاجَعْتُك. لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ.

٣٠٬٣٠٢

(٦٠٨٩) فَصْلٌ: فَإِنْ رَاجَعَهَا فِي الرِّدَّةِ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَهُوَ صَحِيحُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الرِّدَّةِ، كَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ تَقْرِيرُ النِّكَاحِ، وَالرِّدَّةَ تُنَافِي ذَلِكَ، فَلَمْ يَصِحَّ اجْتِمَاعُهُمَا.

٣٠٬٣٠٣

وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ قُلْنَا: تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ بِالرِّدَّةِ. لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ بِهَا.

٣٠٬٣٠٤

وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ. فَالرَّجْعَةُ مَوْقُوفَةٌ، إنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا فِي الْعِدَّةِ صَحَّتْ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ ارْتَجَعَهَا فِي نِكَاحِهِ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إمْسَاكٍ، فَلَمْ تَمْنَعْ مِنْهُ الرِّدَّةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ،

٣٠٬٣٠٥

وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ فِي الْعِدَّةِ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ قَبْلَ الرَّجْعَةِ. وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ. وَاخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيمَا إذَا رَاجَعَهَا بَعْدَ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.