فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: وما أوجب القصاص فلا يقبل فيه إلا عدلان. ش: هذا هو المذهب المشهور،

٦٬١٧٢

والمختار من الروايتين.

٣٠٣٨ - لما روى «رافع بن خديج - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: أصبح رجل من الأنصار مقتولا بخيبر، فانطلق أولياؤه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكروا ذلك له، فقال: «لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم؟» قالوا: يا رسول الله لم يكن ثم أحد من المسلمين، وإنما هم يهود، وقد يجترون على أعظم من هذا، قال: «فاختاروا منهم خمسين فأستحلفهم» فوداه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عنده» ، رواه أبو داود.

٣٠٣٩ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، «أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أقم الشاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته» وذكر الحديث رواه النسائي وهو يدل بمنطوقه على الاكتفاء بشاهدين، وبمفهومه على أنه لا يكتفى بغير ذلك، فلا يقبل رجل وامرأتان، ولا رجل ويمين المدعي، وقد قال أبو محمد: إنه لا يعلم في ذلك خلافا، (وعن أحمد) - رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية أخرى: لا يقبل في ذلك إلا أربعة، كشهادة الزنا، والجامع حصول القتل منهما، وهي مردودة بما تقدم. قال: وما أوجب من الجنايات المال دون القود قبل فيه رجل وامرأتان، أو رجل عدل مع يمين الطالب. ش: هذا إحدى الروايتين، واختيار القاضي، والشيرازي، وابن البنا، وأبي محمد، لأنها شهادة على ما يقصد به المال على الخصوص، فوجب أن يقبل فيه ذلك، كالشهادة على البيع، وفارق قتل العمد، فإنه موجب العقوبة، فلذلك احتيط له.

(والثانية) : لا يقبل فيه إلا رجلان، اختارها أبو بكر، وابن أبي موسى، لأنها شهادة على قتل، فلم تسمع من النساء، كالقتل العمد، فعلى الأول لو كان القصاص في بعضها، كالهاشمة والمأمومة، فهل يغلب جانب القصاص، فلا يقبل إلا رجلان، أو جانب المال، فيقبل رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي؟ على روايتين. [

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ قَبُول قَوْلِ الْعُدُول فِي الْقِصَاص] (٧٠٥٧) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا أَوْجَبَ الْقِصَاصَ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا عَدْلَانِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَا أَوْجَبَ الْقِصَاصَ فِي نَفْسٍ، كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ مِنْ الْمُكَافِئِ، أَوْ فِي طَرَفٍ، كَقَطْعِهِ مِنْ مَفْصِلٍ عَمْدًا مِمَّنْ يُكَافِئُهُ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا شَاهِدٌ وَيَمِينُ الطَّالِبِ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إرَاقَةُ دَمٍ، عُقُوبَةً عَلَى جِنَايَةٍ، فَيُحْتَاطُ لَهُ بِاشْتِرَاطِ الشَّاهِدَيْنِ الْعَدْلَيْنِ، كَالْحُدُودِ.

وَسَوَاءٌ كَانَ الْقِصَاصُ يَجِبُ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ، أَوْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ يُحْتَاطُ لِدَرْئِهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْقَتْلِ إلَّا شَهَادَةُ أَرْبَعَةٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ يَثْبُتُ بِهَا الْقَتْلُ، فَلَمْ يُقْبَلْ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَى مِنْ الْمُحْصَنِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ اثْنَانِ، كَقَطْعِ الطَّرَفِ. وَفَارَقَ الزِّنَى فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَذَا، وَلَيْسَتْ الْعِلَّةُ كَوْنَهُ قَتْلًا، بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْأَرْبَعَةِ فِي زِنَى الْبِكْرِ، وَلَا قَتْلَ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الرَّامِي بِهِ، وَالشُّهُودِ إذَا لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ مَا لَيْسَ مِثْلَهُ.

[مَسْأَلَة وُجُوب الْمَال فِي الْجِنَايَاتِ دُون الْقَوَد] (٧٠٥٨) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا أَوْجَبَ مِنْ الْجِنَايَاتِ الْمَالَ دُونَ الْقَوَدِ، قُبِلَ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَا كَانَ مُوجَبُهُ الْمَالَ، كَقَتْلِ الْخَطَإِ، وَشِبْهِ الْعَمْدِ، وَالْعَمْدِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُكَافِئُهُ، وَالْجَائِفَةِ، وَالْمَأْمُومَةِ، وَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ، وَشَرِيكِ الْخَاطِئِ، وَأَشْبَاهِ هَذَا، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَشَهَادَةُ عَدْلٍ وَيَمِينُ الطَّالِبِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

٣٥٬٨٧٣

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَثْبُتُ أَيْضًا إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، وَلَا تُسْمَعُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَلَا شَاهِدٌ وَيَمِينٌ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى قَتْلٍ، أَوْ جِنَايَةٍ عَلَى آدَمِيٍّ، فَلَمْ تُسْمَعُ مِنْ النِّسَاءِ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، يُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذَا، أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلنِّسَاءِ مَدْخَلٌ فِي الْقَسَامَةِ فِي الْعَمْدِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُنَّ مَدْخَلٌ فِي الْقَسَامَةِ عَلَى الْخَطَإِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْمَالِ، فَيَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّهُنَّ لَا مَدْخَلَ لَهُنَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى دَمٍ بِحَالٍ.

وَلَنَا، أَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى مَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ عَلَى الْخُصُوصِ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ. وَفَارَقَ قَتْلَ الْعَمْدِ؛ فَإِنَّهُ مُوجِبٌ لِلْعُقُوبَةِ الَّتِي يُحْتَاطُ بِإِسْقَاطِهَا، فَاحْتِيطَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى أَسْبَابِهَا،

٣٥٬٨٧٤

وَفِي مَسْأَلَتِنَا، الْمَقْصُودُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى سَبَبِهِ.

٣٥٬٨٧٥

[فَصْلٌ ادَّعَى جِنَايَة عَمْد وَقَالَ عَفَوْت عَنْ الْقِصَاصِ فِيهَا] (٧٠٥٩) فَصْلٌ: وَلَوْ ادَّعَى جِنَايَةَ عَمْدٍ،

٣٥٬٨٧٦

وَقَالَ: عَفَوْت عَنْ الْقِصَاصِ فِيهَا. لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْفُو عَنْ شَيْءٍ ثَبَتَ لَهُ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ الْقَتْلُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ.

٣٥٬٨٧٧

وَإِنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ إمَّا بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، صَحَّ الْعَفْوُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ لَهُ بِوُجُودِ الْقَتْلِ، وَإِنَّمَا خَفِيَ ثُبُوتُهُ عَمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ،

٣٥٬٨٧٨

فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا مِنْ حِينِ وُجِدَ الْقَتْلُ، فَيَكُونُ الْعَفْوُ مُصَادِفًا لِحَقِّهِ الثَّابِتِ، فَيَنْفُذُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا يُنَازِعُهُ فِيهِ مُنَازِعٌ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ حِينَ الْعِتْقِ.

[فَصْلٌ لَا يَثْبُت الْقَتْل بِالشَّهَادَةِ إلَّا مَعَ زَوَالِ الشُّبْهَةِ فِي لَفْظِ الشَّاهِدَيْنِ] (٧٠٦٠) فَصْلٌ: وَلَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِالشَّهَادَةِ إلَّا مَعَ زَوَالِ الشُّبْهَةِ فِي لَفْظِ الشَّاهِدَيْنِ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَا: نَشْهَدُ أَنَّهُ ضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ. أَوْ: فَمَاتَ مِنْهُ.

٣٥٬٨٧٩

فَإِنْ قَالَا: ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَمَاتَ. أَوْ: فَوَجَدْنَاهُ مَيِّتًا. أَوْ: فَمَاتَ عَقِيبَهُ. أَوْ قَالَا: ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، فَأَسَالَ دَمَهُ. أَوْ: فَأَنْهَرَ دَمَهُ، فَمَاتَ مَكَانَهُ. لَمْ يَثْبُتْ الْقَتْلُ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَاتَ عَقِيبَ الضَّرْبِ بِسَبَبٍ آخَرَ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ؛ أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلٌ بِالْقَتْلِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمَرْفِقِهِ فَمَاتَ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ: فَمَاتَ مِنْهُ؟ فَأَعَادَ الرَّجُلُ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ: قُمْ، فَلَا شَهَادَةَ لَكَ.

٣٥٬٨٨٠

وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ بِالْجُرْحِ، فَقَالَا: ضَرَبَهُ، فَأَوْضَحَهُ. أَوْ فَاتَّضَحَ مِنْهُ. أَوْ: فَوَجَدْنَاهُ مُوضَحًا مِنْ الضَّرْبَةِ. قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا.

٣٥٬٨٨١

وَإِنْ قَالَا: ضَرَبَهُ فَاتَّضَحَ رَأْسُهُ. أَوْ: وَجَدْنَاهُ مُوضَحًا، أَوْ: فَأَسَالَ دَمَهُ، وَوَجَدْنَا فِي رَأْسِهِ مُوضِحَةً. لَمْ يَثْبُتْ الْإِيضَاحُ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَتَّضِحَ عَقِيبَ ضَرْبِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ.

وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الْمُوضِحَةِ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي رَأْسِهِ مُوضِحَتَانِ، فَيَحْتَاجَانِ إلَى بَيَانِ مَا شَهِدَا بِهِ مِنْهُمَا،

٣٥٬٨٨٢

وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْسَعَهَا غَيْرُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ أَنْ يُعَيِّنَهَا الشَّاهِدَانِ، فَيَقُولَانِ: هَذِهِ.

٣٥٬٨٨٣

وَإِنْ قَالَا: أَوْضَحَهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا مِنْ رَأْسِهِ مُوضِحَةً قَدْرُ مِسَاحَتِهَا كَذَا

٣٥٬٨٨٤

وَكَذَا. قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا. وَإِنْ قَالَا: لَا نَعْلَمُ قَدْرَهَا، أَوْ مَوْضِعَهَا. لَمْ يُحْكَمْ بِالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ مَعَ الْجَهَالَةِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا.

٣٥٬٨٨٥

وَإِنْ قَالَا: ضَرَبَ رَأْسَهُ، فَأَسَالَ دَمَهُ. كَانَتْ بَازِلَةً.

٣٥٬٨٨٦

وَإِنْ قَالَا: فَسَالَ دَمُهُ. لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَسِيلَ دَمُهُ بِسَبَبٍ آخَرَ.

٣٥٬٨٨٧

وَإِنْ قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّهُ ضَرَبَهُ، فَقَطَعَ يَدَهُ. وَلَمْ يَكُنْ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَثَبَتَ الْقِصَاصُ؛ لِعَدَمِ الِاشْتِبَاهِ.

٣٥٬٨٨٨

وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ، وَلَمْ يُعَيِّنَا الْمَقْطُوعَةَ، لَمْ يَثْبُتْ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُعَيِّنَا الْيَدَ الَّتِي يَجِبُ الْقِصَاصُ مِنْهَا، وَتَجِبُ دِيَةُ الْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْيَدَيْنِ.

[فَصْلٌ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ عَمْدًا وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ] (٧٠٦١) فَصْلٌ: إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ عَمْدًا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ. وَلَمْ يَقُلْ: عَمْدًا وَلَا خَطَأً. ثَبَتَ الْقَتْلُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَدْ تَمَّتْ عَلَيْهِ، وَلَمْ تَثْبُتْ صِفَتُهُ؛ لِعَدَمِ تَمَامِهَا عَلَيْهِ، وَيُسْأَلُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَنْ صِفَتِهِ،

٣٥٬٨٨٩

فَإِنْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْقَتْلِ، لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ، لِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِهِ،

٣٥٬٨٩٠

وَإِنْ أَقَرَّ بِقَتْلِ الْعَمْدِ، ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ.

٣٥٬٨٩١

وَإِنْ أَقَرَّ بِقَتْلِ الْخَطَإِ، وَأَنْكَرَ الْوَلِيُّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ. وَهَلْ يُسْتَحْلَفُ عَلَى ذَلِكَ؟ يُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهَانِ.

٣٥٬٨٩٢

وَإِنْ صَدَّقَهُ الْوَلِيُّ عَلَى الْخَطَإِ، ثَبَتَ عَلَيْهِ.

٣٥٬٨٩٣

وَإِنْ أَقَرَّ بِقَتْلِ الْعَمْدِ، وَكَذَّبَهُ الْوَلِيُّ،

٣٥٬٨٩٤

وَقَالَ: بَلْ كَانَ خَطَأً. لَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَدَّعِيهِ، وَتَجِبُ دِيَةُ الْخَطَإِ.

وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ شَيْئًا مِنْ دِيَتِهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا، وَتَكُونُ فِي مَالِهِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ بِبَيِّنَةٍ،

٣٥٬٨٩٥

وَفِي بَعْضِهَا الْقَاتِلُ مُقِرٌّ بِأَنَّهَا فِي مَالِهِ دُونَ مَالِ عَاقِلَتِهِ.

٣٥٬٨٩٦

وَإِنْ قَالَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ: أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ عَمْدًا.

٣٥٬٨٩٧

وَقَالَ الْآخَرُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ خَطَأً. ثَبَتَ الْقَتْلُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ شَهَادَتَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقِرَّ عِنْدَ أَحَدِهِمَا بِقَتْلِ الْعَمْدِ، وَيُقِرَّ عِنْدَ الْآخَرِ بِقَتْلِ الْخَطَإِ، فَثَبَتَ إقْرَارُهُ بِالْقَتْلِ دُونَ صِفَتِهِ، وَيُطَالَبُ بِبَيَانِ صِفَتِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

٣٥٬٨٩٨

وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَتَلَهُ خَطَأً، ثَبَتَ الْقَتْلُ أَيْضًا دُونَ صِفَتِهِ، وَيُطَالَبُ بِبَيَانِ صِفَتِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يَعْتَقِدُهُ أَحَدُهُمَا خَطَأً، وَالْآخَرُ عَمْدًا، وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ بِذَلِكَ.

٣٥٬٨٩٩

وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ غَدْوَةً؛

٣٥٬٩٠٠

وَقَالَ الْآخَرُ: عَشِيَّةً. وَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَتَلَهُ بِسَيْفٍ.

٣٥٬٩٠١

وَقَالَ الْآخَرُ: بِعَصًا. لَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُخَالِفُ صَاحِبَهُ وَيُكَذِّبُهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

٣٥٬٩٠٢

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْقَتْلِ، وَاخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ، فَأَشْبَهَ الَّتِي قَبْلَهَا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ يُكَذِّبُ صَاحِبَهُ،

٣٥٬٩٠٣

فَإِنَّ الْقَتْلَ غَدْوَةً غَيْرُ الْقَتْلِ عَشِيَّةً؛ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقْتَلَ غَدْوَةً ثُمَّ يُقْتَلَ عَشِيَّةً، وَلَا أَنْ يُقْتَلَ بِسَيْفٍ، ثُمَّ يُقْتَلَ بِعَصًا،

٣٥٬٩٠٤

بِخِلَافِ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ وَاحِدٌ، وَالْخِلَافُ فِي نِيَّتِهِ وَقَصْدِهِ، وَقَدْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ.

٣٥٬٩٠٥

وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ، ثَبَتَ الْقَتْلُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا شَهِدَ بِغَيْرِ مَا شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ، فَلَمْ تَتَّفِقْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ. وَلَنَا، أَنَّ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ هُوَ الْقَتْلُ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا، فَيَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْقَتْلِ عَمْدًا، وَالْآخَرُ بِالْقَتْلِ خَطَأً، أَوْ كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ لَهُ.

[فَصْلٌ قَتَلَ رَجُل عَمْدًا قَتَلَا يُوجِب الْقِصَاص سَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا] (٧٠٦٢) فَصْلٌ: إذَا قُتِلَ رَجُلٌ عَمْدًا قَتْلًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فَشَهِدَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ عَفَا عَنْ الْقَوَدِ سَقَطَ الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا، أَوْ فَاسِقًا؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ تَضَمَّنَتْ سُقُوطَ حَقِّهِ مِنْ الْقِصَاصِ، وَقَوْلُهُ مَقْبُولٌ فِي ذَلِكَ؛

٣٥٬٩٠٦

فَإِنَّ أَحَدَ الْوَلِيَّيْنِ إذَا عَفَا عَنْ حَقِّهِ، سَقَطَ الْقِصَاصُ كُلُّهُ. وَيُشْبِهُ هَذَا مَا لَوْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ نَصِيبَهُ وَإِنْ أَنْكَرَهُ الْآخَرُ.

٣٥٬٩٠٧

فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ بِالْعَفْوِ شَهِدَ بِالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَالْمَالِ، لَمْ يَسْقُطْ الْمَالُ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ اعْتَرَفَ أَنَّ نَصِيبَهُ سَقَطَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ،

٣٥٬٩٠٨

فَأَمَّا نَصِيبُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ،

٣٥٬٩٠٩

فَإِذَا حَلَفَ ثَبَتَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ،

٣٥٬٩١٠

وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ مَقْبُولَ الْقَوْلِ، حَلَفَ الْجَانِي مَعَهُ، وَسَقَطَ عَنْهُ الْحَقُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَيَحْلِفُ الْجَانِي أَنَّهُ عَفَا عَنْ الدِّيَةِ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُسْقِطَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ، فَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ فِي الْيَمِينِ؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى مَا يُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يُدَّعَى عَلَيْهِ غَيْرُ الدِّيَةِ.

٣٥٬٩١١

[فَصْلٌ جُرْح رَجُل فَشَهِدَ لَهُ رَجُلَانِ مِنْ وَرَثَتِهِ غَيْر الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ] فَصْلٌ: وَإِذَا جُرِحَ رَجُلٌ، فَشَهِدَ لَهُ رَجُلَانِ مِنْ وَرَثَتِهِ غَيْرُ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ، نَظَرْت؛

٣٥٬٩١٢

فَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحُ مُنْدَمِلَةٌ، فَشَهَادَتُهُمَا مَقْبُولَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا،

٣٥٬٩١٣

وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُنْدَمِلَةٍ، لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِجَوَازِ أَنْ تَصِيرَ نَفْسًا، فَتَجِبَ الدِّيَةُ لَهُمَا بِشَهَادَتِهِمَا،

٣٥٬٩١٤

فَإِنْ شَهِدَا فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا، ثُمَّ انْدَمَلَتْ، فَأَعَادَا شَهَادَتَهُمَا، فَهَلْ تُقْبَلُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ، فَلَا تُقْبَلُ؛

٣٥٬٩١٥

وَإِنْ زَالَتْ التُّهْمَةُ، كَالْفَاسِقِ إذَا أَعَادَ شَهَادَتَهُ الْمَرْدُودَةَ بَعْدَ عَدَالَتِهِ.

٣٥٬٩١٦

وَالثَّانِي: تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ التُّهْمَةِ قَدْ تَحَقَّقَ زَوَالُهُ. وَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.

٣٥٬٩١٧

وَإِنْ شَهِدَ وَارِثَا الْمَرِيضِ بِمَالٍ، فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا لَهُ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ الْمَالَ لِلْمَرِيضِ،

٣٥٬٩١٨

وَإِنْ مَاتَ انْتَقَلَ إلَيْهِمَا عَنْهُ، فَأَشْبَهَتْ الشَّهَادَةَ لِلصَّحِيحِ،

٣٥٬٩١٩

بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهَا إذَا صَارَتْ نَفْسًا وَجَبَتْ الدِّيَةُ لَهُمَا بِهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ الْمَالُ لِلْمَرِيضِ، تَعَلَّقَ حَقُّ وَرَثَتِهِ بِهِ، وَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ تَبَرُّعُهُ فِيهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ،

٣٥٬٩٢٠

وَإِنْ شَهِدَ لِلْمَجْرُوحِ بِالْجُرْحِ مَنْ لَا يَرِثُهُ، لِكَوْنِهِ مَحْجُوبًا، كَالْأَخَوَيْنِ يَشْهَدَانِ لِأَخِيهِمَا، وَلَهُ ابْنٌ، سُمِعَتْ شَهَادَتُهُمَا،

٣٥٬٩٢١

فَإِنْ مَاتَ ابْنُهُ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا، لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّ مَا يَطْرَأُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا، كَالْفِسْقِ،

٣٥٬٩٢٢

وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا مُسْتَحِقَّيْنِ، فَلَا يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمَا، كَمَا لَوْ فَسَقَ الشَّاهِدَانِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ.

٣٥٬٩٢٣

وَإِنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِالْجِرَاحِ الْمُوجِبَةِ لِلدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَشَهِدَ بَعْضُ عَاقِلَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِجَرْحِ الشُّهُودِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ،

٣٥٬٩٢٤

وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَا مَالٍ وَقْتَ الْعَقْلِ، فَيَكُونُ دَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ،

٣٥٬٩٢٥

وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ مِمَّا لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، كَجِرَاحَةِ الْعَمْدِ، أَوْ الْعَبْدِ، سُمِعَتْ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ بِجَرْحِ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا ضَرَرًا،

٣٥٬٩٢٦

فَإِنَّ مُوجَبَ هَذِهِ الْجِرَاحَةِ الْقِصَاصُ أَوْ الْمَالُ فِي ذِمَّةِ الْجَانِي،

٣٥٬٩٢٧

وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْجُرْحِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ.

٣٥٬٩٢٨

وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا بِجِرَاحٍ عَقْلُهُ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ خَطَأً، نَظَرْنَا؛

٣٥٬٩٢٩

فَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ بِجَرْحِ الشُّهُودِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا صَارَتْ نَفْسًا فَتَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ،

٣٥٬٩٣٠

وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَهُ، قُبِلَتْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ.

٣٥٬٩٣١

وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ بِالْجَرْحِ لَيْسَا مِنْ الْعَاقِلَةِ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يَصِيرَانِ مِنْ الْعَاقِلَةِ الَّتِي تَتَحَمَّلُ أَنْ لَوْ مَاتَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُمَا، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْعَاقِلَةِ، وَإِنَّمَا يَصِيرَانِ مِنْهَا بِمَوْتِ الْقَرِيبِ، وَالظَّاهِرُ حَيَاتُهُ. وَفَارَقَ الْفَقِيرَ إذَا شَهِدَ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ لَيْسَتْ عَلَيْهِ أَمَارَةٌ،

٣٥٬٩٣٢

فَإِنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ مِنْ الْعَاقِلَةِ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مِنْهَا بِحُدُوثِ أَمْرٍ لَمْ يَتَّفِقْ الْآنَ سَبَبُهُ، فَهُمَا سَوَاءٌ، وَاحْتِمَالُ غِنَى الْفَقِيرِ، كَاحْتِمَالِ مَوْتِ الْحَيِّ، بَلْ الْمَوْتُ أَقْرَبُ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَكُلُّ حَيٍّ مَيِّتٌ، وَكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَلَيْسَ كُلُّ فَقِيرٍ يَسْتَغْنِي، فَمَا ثَبَتَ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ يَثْبُتُ فِي الْأُخْرَى، فَيَثْبُتُ فِيهِمَا جَمِيعًا وَجْهَانِ، بِأَنْ يُنْقَلَ حُكْمُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى.

[فَصْلٌ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ أَنَّهُمَا قَتَلَا رَجُلًا] (٧٠٦٤) فَصْلٌ: إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ، أَنَّهُمَا قَتَلَا رَجُلًا، ثُمَّ شَهِدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا عَلَى الْأَوَّلَيْنِ أَنَّهُمَا اللَّذَانِ قَتَلَاهُ، فَصَدَّقَ الْوَلِيُّ الْأَوَّلَيْنِ، وَكَذَّبَ الْآخَرَيْنِ، وَجَبَ الْقَتْلُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ يُكَذِّبُهُمَا، وَهُمَا يَدْفَعَانِ بِشَهَادَتِهِمَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا ضَرَرًا.

٣٥٬٩٣٣

وَإِنْ صَدَّقَ الْآخَرَيْنِ وَحْدَهُمَا، بَطَلَتْ شَهَادَةُ الْجَمِيعِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا لِتَكْذِيبِهِ لَهُمَا، وَرُجُوعِهِ عَمَّا شَهِدَا لَهُ بِهِ، وَالْآخَرَانِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا عَدُوَّانِ لِلْأَوَّلَيْنِ، وَلِأَنَّهُمَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا ضَرَرًا،

٣٥٬٩٣٤

وَإِنْ صَدَّقَ الْجَمِيعَ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِتَصْدِيقِ الْأَوَّلَيْنِ مُكَذِّبٌ لِلْآخَرَيْنِ، وَتَصْدِيقُهُ لِلْآخَرَيْنِ تَكْذِيبٌ لِلْأَوَّلَيْنِ، وَهُمَا مُتَّهَمَانِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ.

٣٥٬٩٣٥

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تُتَصَوَّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَالشَّهَادَةُ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الدَّعْوَى، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فَرْضُ تَصْدِيقِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ؟ قُلْنَا: قَدْ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَشْهَدُوا قَبْلَ الدَّعْوَى، إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْوَلِيُّ مَنْ قَتَلَهُ؛ وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«خَيْرُ الشُّهَدَاءِ، الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» . وَهَذَا مَعْنَى ذَلِكَ. [كِتَاب قِتَال أَهْلِ الْبَغْيِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} .

إلَى قَوْلِهِ:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} . فَفِيهَا خَمْسُ فَوَائِدَ: أَحَدُهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا بِالْبَغْيِ عَنْ الْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ سَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ. الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ أَوْجَبَ قِتَالَهُمْ. الثَّالِثَةُ، أَنَّهُ أَسْقَطَ قِتَالَهُمْ إذَا فَاءُوا إلَى أَمْرِ اللَّهِ. الرَّابِعَةُ، أَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُمْ التَّبِعَةَ فِيمَا أَتْلَفُوهُ فِي قِتَالِهِمْ.

الْخَامِسَةُ أَنَّ الْآيَةَ أَفَادَتْ جَوَازَ قِتَالِ كُلِّ مَنْ مَنَعَ حَقًّا عَلَيْهِ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:«مَنْ أَعْطَى إمَامًا صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ فُؤَادِهِ، فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى عَرْفَجَةُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ. وَرَفَعَ صَوْتَهُ: أَلَا وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي وَهُمْ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ» .

فَكُلُّ مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ، وَجَبَتْ طَاعَتُهُ، وَحَرُمَ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ وَقِتَالُهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} . وَرَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ:«بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ» .

وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، فَمَاتَ، فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ» . رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، عَلَى قِتَالِ الْبُغَاةِ،

٣٥٬٩٣٦

فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَاتَلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَاتَلَ أَهْلَ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَأَهْلَ النَّهْرَوَانِ.

وَالْخَارِجُونَ عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ، أَصْنَافٌ أَرْبَعَةٌ؛ أَحَدُهَا، قَوْمٌ امْتَنَعُوا مِنْ طَاعَتِهِ، وَخَرَجُوا عَنْ قَبْضَتِهِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، فَهَؤُلَاءِ قُطَّاعُ طَرِيقٍ، سَاعُونَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، يَأْتِي حُكْمُهُمْ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ. الثَّانِي: قَوْمٌ لَهُمْ تَأْوِيلٌ، إلَّا أَنَّهُمْ نَفَرٌ يَسِيرٌ، لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، كَالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْعَشَرَةِ وَنَحْوِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ قُطَّاعُ طَرِيقٍ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ ابْنَ مُلْجَمٍ لَمَّا جَرَحَ عَلِيًّا، قَالَ لِلْحَسَنِ: إنْ بَرِئْتُ رَأَيْتُ رَأْيِي،

٣٥٬٩٣٧

وَإِنْ مِتُّ فَلَا تُمَثِّلُوا بِهِ. فَلَمْ يُثْبِتْ لِفِعْلِهِ حُكْمَ الْبُغَاةِ. وَلِأَنَّنَا لَوْ أَثْبَتْنَا لِلْعَدَدِ الْيَسِيرِ حُكْمَ الْبُغَاةِ، فِي سُقُوطِ ضَمَانِ مَا أَتْلَفُوهُ، أَفْضَى إلَى إتْلَافِ أَمْوَالِ النَّاسِ.

٣٥٬٩٣٨

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، وَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الْبُغَاةِ إذَا خَرَجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ. الثَّالِثُ: الْخَوَارِجُ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذَّنْبِ، وَيُكَفِّرُونَ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَكَثِيرًا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَيَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمْوَالَهُمْ، إلَّا مَنْ خَرَجَ مَعَهُمْ، فَظَاهِرُ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ، أَنَّهُمْ بُغَاةٌ، حُكْمُهُمْ حُكْمُهُمْ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَمَالِكٌ يَرَى اسْتِتَابَتَهُمْ،

٣٥٬٩٣٩

فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا قُتِلُوا عَلَى إفْسَادِهِمْ، لَا عَلَى كُفْرِهِمْ.

وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّهُمْ كُفَّارٌ مُرْتَدُّونَ، حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْمُرْتَدِّينَ، وَتُبَاحُ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ،

٣٥٬٩٤٠

فَإِنْ تَحَيَّزُوا فِي مَكَان، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَشَوْكَةٌ، صَارُوا أَهْلَ حَرْبٍ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ،

٣٥٬٩٤١

وَإِنْ كَانُوا فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ، اسْتَتَابَهُمْ، كَاسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ،

٣٥٬٩٤٢

فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا، ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ، وَكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ فَيْئًا، لَا يَرِثُهُمْ وَرَثَتُهُمْ الْمُسْلِمُونَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:«يَخْرُجُ قَوْمٌ تُحَقِّرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الْقِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَتَمَارَى فِي الْفُوقِ» رَوَاهُ مَالِكٌ، فِي " مُوَطَّئِهِ "، وَالْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ ".

وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، ثَابِتُ الْإِسْنَادِ وَفِي لَفْظٍ قَالَ:«يَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتَهُمْ فَاقْتُلْهُمْ؛ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَرُوِيَ مَعْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ.

يَقُولُ: فَكَمَا خَرَجَ هَذَا السَّهْمُ نَقِيًّا خَالِيًا مِنْ الدَّمِ وَالْفَرْثِ، لَمْ يَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ، كَذَلِكَ خُرُوجُ هَؤُلَاءِ مِنْ الدِّينِ، يَعْنِي الْخَوَارِجَ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، «أَنَّهُ رَأَى رُءُوسًا مَنْصُوبَةً عَلَى دَرَجِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقَالَ: كِلَابُ النَّارِ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ. ثُمَّ قَرَأَ: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: ١٠٦] إلَى آخِرِ الْآيَةِ. فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إلَّا مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، أَوْ أَرْبَعًا حَتَّى عَدَّ سَبْعًا مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ» .

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ «أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: شَرُّ قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، وَخَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوا، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ فَصَارُوا كُفَّارًا. قُلْت: يَا أَبَا أُمَامَةَ، هَذَا شَيْءٌ تَقُولُهُ؟ قَالَ: بَلْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْله تَعَالَى:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا} .

قَالَ:" هُمْ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ ".

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، فِي حَدِيثٍ آخِرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ. وَقَالَ: لَا يُجَاوِزُ إيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ» . وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُمْ بُغَاةٌ، وَلَا يَرَوْنَ تَكْفِيرَهُمْ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَهْلَ الْحَدِيثِ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ وَجَعْلِهِمْ كَالْمُرْتَدِّينَ.

٣٥٬٩٤٣

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ: قَوْلُهُ: «يَتَمَارَى فِي الْفُوقِ» . يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَلِقُوا مِنْ الْإِسْلَامِ بِشَيْءٍ، بِحَيْثُ يُشَكُّ فِي خُرُوجِهِمْ مِنْهُ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمَّا قَاتَلَ أَهْلَ النَّهْرِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَبْدَءُوهُمْ بِالْقِتَالِ. وَبَعَثَ إلَيْهِمْ: أَقِيدُونَا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ. قَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ. فَحِينَئِذٍ اسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ؛ لَإِقْرَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُمْ.

وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ عَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ النَّهْرِ، أَكُفَّارٌ هُمْ؟ قَالَ: مِنْ الْكُفْرِ فَرُّوا. قِيلَ: فَمُنَافِقُونَ؟ قَالَ: إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا. قِيلَ: فَمَا هُمْ؟ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ أَصَابَتْهُمْ فِتْنَةٌ، فَعَمُوا فِيهَا وَصَمُّوا، وَبَغَوْا عَلَيْنَا، وَقَاتَلُونَا فَقَاتَلْنَاهُمْ.

تعليق

وَلَمَّا جَرَحَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ، قَالَ لِلْحَسَنِ: أَحْسِنُوا إسَارَهُ،

٣٥٬٩٤٤

فَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي،

٣٥٬٩٤٥

وَإِنْ مِتّ فَضَرْبَةٌ كَضَرْبَتِي. وَهَذَا رَأْيُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيهِمْ، وَكَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ.

٣٥٬٩٤٦

وَالصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنَّ الْخَوَارِجَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ ابْتِدَاءً، وَالْإِجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ؛ لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِهِمْ وَوَعْدِهِ بِالثَّوَابِ مَنْ قَتَلَهُمْ،

٣٥٬٩٤٧

فَإِنَّ عَلِيًّا، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: لَوْلَا أَنْ يَنْظُرُوا، لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِأَنَّ بِدْعَتَهُمْ، وَسُوءَ فِعْلِهِمْ، يَقْتَضِي حِلَّ دِمَائِهِمْ؛ بِدَلِيلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِظَمِ ذَنْبِهِمْ، وَأَنَّهُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، وَأَنَّهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ، وَأَنَّهُمْ كِلَابُ النَّارِ، وَحَثِّهِ عَلَى قَتْلِهِمْ، وَإِخْبَارِهِ بِأَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَهُمْ لَقَتَلَهُمْ قَتْلَ عَادٍ، فَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُهُمْ بِمَنْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْكَفِّ عَنْهُمْ، وَتَوَرَّعَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قِتَالِهِمْ، وَلَا بِدْعَةَ فِيهِمْ.

الصِّنْفُ الرَّابِعُ: قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ، يَخْرُجُونَ عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ، وَيَرُومُونَ خَلْعَهُ لَتَأْوِيلٍ سَائِغٍ، وَفِيهِمْ مَنَعَةٌ يَحْتَاجُ فِي كَفِّهِمْ إلَى جَمْعِ الْجَيْشِ، فَهَؤُلَاءِ الْبُغَاةُ، الَّذِينَ نَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ حُكْمَهُمْ، وَوَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ مَعُونَةُ إمَامِهِمْ، فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوا مَعُونَتَهُ، لَقَهَرَهُ أَهْلُ الْبَغْيِ، وَظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.