ولا تسقط سائر الحدود بها في الأظهر.
الشروح عليها
(وَلَا تَسْقُطُ سَائِرُ الْحُدُودِ) الْمُخْتَصَّةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ زِنًا وَسَرِقَةٍ وَشُرْبِ مُسْكِرٍ (بِهَا) أَيْ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الرَّفْعِ وَبَعْدَهُ وَلَوْ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّ مَنْ ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ بَلْ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهَا بِهَا بَعْدَ قَتْلِهَا،
وَالثَّانِي تَسْقُطُ بِهَا قِيَاسًا عَلَى حَدِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَانْتَصَرَ لَهُ جَمْعٌ، نَعَمْ تَارِكُ الصَّلَاةِ يَسْقُطُ حَدُّهُ بِهَا عَلَيْهِمَا وَلَا يَسْقُطُ بِهَا عَنْ ذِمِّيٍّ بِإِسْلَامِهِ كَمَا مَرَّ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الظَّاهِرِ
أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَحَيْثُ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ سَقَطَ بِهَا سَائِرُ الْحُدُودِ قَطْعًا،
وَمَنْ حُدَّ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُعَاقَبْ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى ذَلِكَ بَلْ عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَيْهِ أَوْ الْإِقْدَامِ عَلَى مُوجِبِهِ إنْ لَمْ يَتُبْ. (فَصْلٌ) فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ
(قَوْلُهُ: بَلْ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهَا) أَيْ التَّوْبَةِ، وَقَوْلُهُ بِهَا مُتَعَلِّقٌ بِحَدٍّ وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي الْعِبَارَةِ بَعْضُ قَلَاقَةٍ
(قَوْلُهُ: وَلَا يَسْقُطُ بِهَا) أَيْ التَّوْبَةِ
(قَوْلُهُ: وَمَنْ حُدَّ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُعَاقَبْ عَلَيْهِ) الْأَوْلَى حَذْفُ عَلَيْهِ وَعَلَى ثُبُوتِهَا فَقَوْلُهُ وَعَلَى ذَلِكَ بَدَلٌ مِنْ عَلَيْهِ،
(قَوْلُهُ: فِي الْآخِرَةِ) صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إنْ لَمْ يَتُبْ،
وَفِي الْمُنَاوِيِّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا عَبْدٍ أَصَابَ شَيْئًا مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّهُ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ الذَّنْبَ» مَا نَصُّهُ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ:
وَكَذَا الْقَاتِلُ إذَا اُقْتُصَّ مِنْهُ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لِلْقَتْلِ فِي حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْوَلِيِّ لَا الْمَقْتُولِ فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ اهـ.
وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ قُبَيْلَ فَصْلٍ.
لَا يُحْكَمُ بِشَاهِدٍ إلَّا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ نَصُّهَا: وَمَنْ لَزِمَهُ حَدٌّ، وَخَفِيَ أَمْرُهُ نُدِبَ لَهُ السَّتْرُ عَلَى نَفْسِهِ،
فَإِنْ ظَهَرَ أَتَى الْإِمَامُ لِيُقِيمَهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهُ مُزِيلًا لِلْمَعْصِيَةِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّوْبَةِ إذْ هُوَ مُسْقِطٌ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ،
وَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَتَوَقَّفُ عَلَى التَّوْبَةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَوَائِلَ كِتَابِ الْجِرَاحِ اهـ وَعَلَى مَا نَقَلَهُ الْمُنَاوِيُّ فَالْمُرَادُ بِحَقِّ الْآدَمِيِّ طَلَبُ وَلِيِّهِ فِي الدُّنْيَا فَلَا يُنَافِي بَقَاءَ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ. فَصْلٌ) فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ
(قَوْلُهُ: وَمَنْ حُدَّ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُعَاقَبْ) اُنْظُرْ هَلْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ جَوَابِرُ لَا زَوَاجِرُ أَوْ عَلَيْهِمَا. [فَصْلٌ فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ] (فَصْلٌ) فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَلَا تَسْقُطُ سَائِرُ الْحُدُودِ) الْمُخْتَصَّةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ زِنًا وَسَرِقَةٍ وَشُرْبِ مُسْكِرٍ (بِهَا) أَيْ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الرَّفْعِ وَبَعْدَهُ وَلَوْ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَدَّ مَنْ ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ» بَلْ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهَا بِهَا بَعْدَ قَتْلِهَا وَأَطَالَ جَمْعٌ فِي الِانْتِصَارِ لِمُقَابِلِهِ بِالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ تَرْفَعُ الذُّنُوبَ مِنْ أَصْلِهَا، نَعَمْ تَارِكُ الصَّلَاةِ يَسْقُطُ حَدُّهُ بِهَا عَلَيْهِمَا
وَكَذَا ذِمِّيٌّ زَنَى ثُمَّ أَسْلَمَ وَالْخِلَافُ فِي الظَّاهِرِ،
أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَحَيْثُ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ سَقَطَ بِهَا سَائِرُ الْحُدُودِ قَطْعًا وَمَنْ حُدَّ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُعَاقَبْ فِي الْآخِرَةِ عَلَى ذَلِكَ الذَّنْبِ بَلْ عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَتُبْ. (فَصْلٌ) فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ
(قَوْلُ الْمَتْنِ سَائِرُ الْحُدُودِ) أَيْ: بَاقِيهَا اهـ مُغْنِي
(قَوْلُهُ الْمُخْتَصَّةُ) إلَى قَوْلِهِ بَلْ عَلَى الْإِصْرَارِ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ قَبْلَ الرَّفْعِ وَبَعْدَهُ وَقَوْلُهُ بَلْ مَنْ أَخْبَرَ إلَى نَعَمْ وَإِلَى الْفَصْلِ فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ
وَكَذَا ذِمِّيٌّ زَنَى ثُمَّ أَسْلَمَ
(قَوْلُهُ الْمُخْتَصَّةِ) صِفَةٌ لِلْحُدُودِ
(قَوْلُهُ قَبْلَ الرَّفْعِ) أَيْ: إلَى الْحَاكِمِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِ اهـ وَعِبَارَةُ سم قَوْلُهُ وَلَوْ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي أَعَمِّ مِنْ قَاطِعِ الطَّرِيقِ اهـ.
(قَوْلُهُ بَلْ مَنْ إلَخْ) أَيْ: بَلْ حَدَّ امْرَأَةً أُخْبِرَ أَيْ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا لَا يُؤَيِّدُ الْأَظْهَرَ فَمَا
فَائِدَةُ ذِكْرِهِ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ لَهُ
(قَوْلُهُ عَنْهَا بِهَا بَعْدَ قَتْلِهَا) كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الظُّرُوفِ الثَّلَاثَةِ مُتَعَلِّقٌ بِأَخْبَرَ وَالضَّمِيرُ الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ لِمَنْ وَالثَّانِي لِلتَّوْبَةِ
(قَوْلُهُ لِمُقَابِلِهِ) أَيْ: مُقَابِلِ الْأَظْهَرِ الْقَائِلِ بِالسُّقُوطِ بِهَا قِيَاسًا عَلَى حَدِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ اهـ مُغْنِي.
(قَوْلُهُ عَلَيْهِمَا) أَيْ: الْأَظْهَرِ وَمُقَابِلِهِ
(قَوْلُهُ وَكَذَا ذِمِّيٌّ إلَخْ) وِفَاقًا لِلْمُغْنِي وَخِلَافًا لِلنِّهَايَةِ عِبَارَتُهُ وَلَا يَسْقُطُ بِهَا عَنْ ذِمِّيٍّ بِإِسْلَامِهِ كَمَا مَرَّ اهـ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا ذِمِّيٌّ إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ خِلَافُ هَذَا كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اهـ سم
(قَوْلُهُ وَمَنْ حُدَّ فِي الدُّنْيَا إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ جَوَابِرُ لَا زَوَاجِرُ أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِمَا اهـ رَشِيدِيٌّ
(قَوْلُهُ بَلْ عَلَى الْإِصْرَارِ إلَخْ) أَوْ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى مُوجِبِهِ اهـ نِهَايَةٌ. .
[فَصْلٌ اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ] (فَصْلٌ فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ عَلَى شَخْصٍ)
(قَوْلُهُ فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ) إلَى قَوْلِ الْمَتْنِ فِي الْأَصَحِّ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ وَلَا تَجُوزُ الْمُبَادَرَةُ بِهِ وَقَوْلُهُ وَخِيفَ إلَى الْمَتْنِ وَإِلَى الْكِتَابِ فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ وَلَا يَجُوزُ الْمُبَادَرَةُ بِهِ وَقَوْلُهُ فَإِنْ أَبَى إلَى الْمَتْنِ وَقَوْلُهُ ثُمَّ رَأَيْت إلَى وَلَوْ اجْتَمَعَ وَقَوْلُهُ وَلَوْ اجْتِمَاعُهُمَا إلَى الْمَتْنِ
(قَوْلُهُ فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ) أَيْ: فِي غَيْرِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَهِيَ
إمَّا لِآدَمِيٍّ أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لَهُمَا وَقَدْ بَدَأَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ اهـ مُغْنِي
(قَوْلُهُ وَلَوْ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي أَعَمَّ مِنْ قَاطِعِ الطَّرِيقِ
(قَوْلُهُ وَكَذَا ذِمِّيٌّ إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ خِلَافُ هَذَا كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ.
(فَصْلٌ مَنْ لَزِمَهُ قِصَاصٌ وَقَطْعٌ وَحَدُّ قَذْفٍ وَطَالَبُوهُ جُلِدَ ثُمَّ قُطِعَ إلَخْ) قَوْلُهُ: وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ مَخُوفٌ إلَخْ) دَلَّ عَلَى عَدَمِ تَأْخِيرِ الْجَلْدِ لِلْمَرَضِ
(وَلَا تَسْقُطُ سَائِرُ) أَيْ: بَاقِي (الْحُدُودِ) الْمُخْتَصَّةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ (بِهَا) أَيْ: التَّوْبَةِ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا جَاءَهُ مَاعِزٌ وَأَقَرَّ بِالزِّنَا حَدَّهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِهِ إلَّا وَهُوَ تَائِبٌ فَلَمَّا أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ دَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْمُحَارِبِ وَحْدَهُ وَالثَّانِي تَسْقُطُ بِهَا قِيَاسًا عَلَى حَدِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَصَحَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ.
تَنْبِيهٌ يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ تَارِكُ الصَّلَاةِ كَسَلًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ تَابَ سَقَطَ الْقَتْلُ قَطْعًا وَالْكَافِرُ إذَا زَنَى ثُمَّ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ النَّصِّ، وَمَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي بَابِ الزِّنَا، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْمُرْتَدُّ إذَا تَابَ حَيْثُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَيَسْقُطُ الْقَتْلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَصَرَّ يُقْتَلُ كُفْرًا لَا حَدًّا، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي السُّقُوطِ وَعَدَمِهِ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ،
أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَسْقُطُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ، تُسْقِطُ أَثَرَ الْمَعْصِيَةِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ السَّرِقَةِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا» وَوَرَدَ «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» وَإِذَا أُقِيمَ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُقَمْ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَهُ الْجِيلِيُّ لِحَدِيثِ: «اللَّهُ أَعْدَلُ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَى عَبْدِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الْآخِرَةِ» وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ مَعَ زِيَادَةٍ فِي أَوَّلِ بَابِ الْجِرَاحِ.
[فَصْل فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ فِي غَيْرِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ] [فَصْلٌ] فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ فِي غَيْرِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَهِيَ
إمَّا لِآدَمِيٍّ، أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ لَهُمَا، وَقَدْ بَدَأَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَقَالَ
(وَلَا يُسْقِطُهُ سَائِرُ الْحُدُودِ) أَيْ بَاقِيهَا وَهُوَ حُدُودُ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالْقَذْفِ (بِهَا) أَيْ بِالتَّوْبَةِ (فِي الْأَظْهَرِ) فِي حَقِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِ،
وَالثَّانِي يَسْقُطُ بِهَا قِيَاسًا عَلَى حَدِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ.
فَصْلٌ فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ عَلَى غَيْرِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ
قَوْلُهُ: (وَهُوَ حُدُودُ الزِّنَى) وَلَوْ مِنْ كَافِرٍ أَسْلَمَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَيُحَدُّ بَعْدَ إسْلَامِهِ جَلْدًا وَرَجْمًا وَقَتْلًا وَقَطْعًا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْحَدَّ يَتَعَدَّدُ إنْ حُدَّ عَقِبَ كُلِّ مَرَّةٍ، وَإِلَّا كَفَى حَدٌّ وَاحِدٌ وَيَدْخُلُ الْجَلْدُ فِي الرَّجْمِ لِمَنْ زَنَى بِكْرًا، ثُمَّ مُحْصَنًا لَا لِمَنْ زَنَى مُحْصَنًا كَافِرًا، ثُمَّ رَقَّ ثُمَّ زَنَى فَلَا يَدْخُلُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا فَرَاجِعْهُ،
قَوْلُهُ: (أَيْ بِالتَّوْبَةِ) وَالتَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ بِالنِّسْبَةِ لِلظَّاهِرِ وَإِلَّا فَهِيَ تُسْقِطُ الْعُقُوبَةَ مُطْلَقًا فِي الْآخِرَةِ، كَمَا لَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُدُودُ فِي الدُّنْيَا نَعَمْ لَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ التَّوْبَةِ عَنْ الْعَزْمِ وَالْإِقْدَامِ.
فَصْلٌ فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ الْآدَمِيِّ أَوَّلُهُمَا فَهِيَ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ سَوَاءٌ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِ، وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ عَلَى غَيْرِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ وَلَعَلَّهُ نَاظِرٌ إلَى الْخِلَافِ فَلْيُتَأَمَّلْ
لا زيادة له على هذه المسألة.
قَوْلُهُ: (وَالْقَذْفِ) نَازَعَ الزَّرْكَشِيُّ فِي ثُبُوتِ الْخِلَافِ فِيهِ وَخَصَّهُ بِحُدُودِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى،
قَوْلُهُ: (الثَّانِي يَسْقُطُ بِهَا) ظَاهِرُهُ عَدَمُ التَّوَقُّفِ عَلَى صَلَاحِ حَالِهِ.
[فَصْلٌ فِي اجْتِمَاعِ عُقُوبَاتٍ عَلَى غَيْرِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ] فَصْلُ مَنْ لَزِمَهُ قِصَاصٌ
لا زيادة له على هذه المسألة.
قال: (ولا تسقط سائر الحدود فى الأظهر) كحد الزنى والسرقه والشرب؛ وبهذا قال أبو حنيفه؛ لأن العمومات الوارده فيها لم تصل بين ما التوبه وما بعدها؛
بخلاف قاطع الطريق.
والثانى: تسقط بها؛ لقوله تعالى {فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِه وأَصْلَحَ فَإنَّ اللَّه يَتُوبُ عَلَيْه}؛
وقال صلى الله عليه وسلم (التوبه تجب ما قبلها).
وروى مسلم [٢٧٠٣] عن أبى هريره: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها .. تاب الله عليه)؛ وتقدم فى أول) الجنائز) حديث:(التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
وفى (المستدرك)[٤/ ٢٤٤] عن ابن عمر: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا هذه القاذورات التى نهى الله عنها؛
فمن ألم بشئ منها .. فليستتر بستر الله وليتب إلى الله؛ فإنه من يبد لنا صفحته .. نقم عليه الحد).
فلولا أنها تسقط الحد .. لكان فيه حث على كتمان الحق وصحح هذا جماعه؛ منهم: ابن خيران والحليمى والماوردى والمحاملى والرويانى وصاحب (المهذب) والبندنيجى والعمرانى؛ وهو المنصوص فيه (الأم) أيضًا؛ ولأنه محض حق الله تعالى فاشبه المحاربه.
فإذا قولنا بسقوط حد القطع بالتوبه بعد القدره أو بسقوط حد الزنا والسرقه والشرب بها .. فهل يسقط بنفس التوبه أو يتوقف على إصلاح العمل؟
فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ قال العراقيون والبغوى والرويانى؛ وصححه فى (الشرح الصغير) ونسبه الإمام غلى القاضى حسين ونسب مقابله إلى سائر الأصحاب.
تتمه:
موضع الخلاف فى السقوط وعدمه فى ظاهر الحكم؛
أما فيما بينه وبين الله تعالى .. فيسقط بلا خلاف؛ لأن التوبه تسقط أثر المعصيه؛ كذا نبه عليه فى زوائد (الروضه) فى (باب السرقه) وهو كما قال.
فَصْلٌ: ومرادهم ب (الحدود) حدود الله خاصه؛ فلا يسقط حد القذف والقصاص بالتوبه قطعًا على المشهور.
وخرج فيهما وجه ضعيف؛ قال في (البحر) وهو تخريج كاسد؛ وحكاه ابن كَجٌ قولًا قديمًا فى (حد القذف)؛ وهو غريب.
نعم؛ يستثنى من إطلاق المصنف تارك الصلاه كسلًا؛ فإنه يقتل حدًا على الصحيح؛ ومع ذلك لو حضر عند الحاكم وتاب: سقط عنه قطعًا من غير تخريج على القولين؛ لأن القتل موجبه الإصرار على الترك لا الترك الماضى وإن كان يأثم به؛
فإذا تاب وصلى .. بان أن لا سبب؛ فلذلك سقط عنه الحد بالإتفاق؛ ثم إذا أقيم الحد فى الدنيا .. لم يقم فى الآخره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:(فالله أعدل من أن يُثنى على عبده العقوبه فى الآخره)؛ كذا قال الجيلى؛
ثم قال: وكذا حقوق الآدميين إذا استوفيت أو عفا عنها.
وقال البندنيجى: إذا مات قبل استيفاء الحدود .. سقط ما كان لله؛ وحسابه على الله؛ إن شاء .. عذبه؛
وإن شاء .. غفر له.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.