ولا ذي حيض أو جنون أو إغماء بخلاف السكر
الشروح عليها
(وَلَا) قَضَاءَ (عَلَى) شَخْصٍ (ذِي حَيْضٍ) أَوْ نِفَاسٍ وَلَوْ فِي رِدَّةٍ إذَا طَهُرَتَا كَمَا مَرَّ وَإِنْ اسْتَجْلَبَ بِدَوَاءٍ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ قَضَائِهَا فِي الْبَابِ الْمَارِّ (أَوْ) ذِي (جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ) أَوْ سُكْرٍ أَوْ عَتَهٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بَعْدَ إفَاقَتِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا لِخَبَرِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَرَدَ النَّصُّ فِي الْمَجْنُونِ وَقِيسَ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ وَسَوَاءٌ أَقَلَّ زَمَنُ ذَلِكَ أَمْ طَالَ، وَإِنَّمَا وَجَبَ قَضَاءُ الصَّوْمِ عَلَى مَنْ اسْتَغْرَقَ إغْمَاؤُهُ جَمِيعَ النَّهَارِ لِمَا فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ مِنْ الْحَرَجِ لِكَثْرَتِهَا بِتَكَرُّرِهَا
بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْإِغْمَاءَ يَقْبَلُ طُرُوُّ إغْمَاءٍ آخَرَ عَلَيْهِ دُونَ الْجُنُونِ، وَأَنَّهُ يُمْكِنُ تَمَيُّزُ انْتِهَاءِ الْأَوَّلِ بَعْدَ طُرُوُّ الثَّانِي عَلَيْهِ وَفِي تَصَوُّرِ ذَلِكَ بُعْدٌ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْإِغْمَاءَ مَرَضٌ وَلِلْأَطِبَّاءِ دَخْلٌ فِي تَمَايُزِ أَنْوَاعِهِ وَمُدَدِهَا
بِخِلَافِ الْجُنُونِ، وَعُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ الْجُنُونَ الطَّارِئَ عَلَى الرِّدَّةِ يَجِبُ مَعَهُ قَضَاءُ أَيَّامِ الْجُنُونِ الْوَاقِعَةِ فِي رِدَّتِهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ،
بِخِلَافِ مَنْ كُسِرَ رِجْلَيْهِ تَعَدَّيَا وَصَلَّى قَاعِدًا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِانْتِهَاءِ مَعْصِيَتِهِ بِانْتِهَاءِ كَسْرِهِ وَلِإِتْيَانِهِ بِالْبَدَلِ حَالَةَ الْعَجْزِ،
قَالَ فِي الْخَادِمِ: كَذَا أَطْلَقُوهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إذَا أَسْلَمَ أَبُوهُ فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لَهُ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ حِينِ أَسْلَمَ أَبُوهُ إذْ الْمُسْلِمُ لَا يُغَلَّظُ عَلَيْهِ انْتَهَى،
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَنَحْوِهِمَا الْقَضَاءُ (بِخِلَافِ) ذِي (السُّكْرِ) أَوْ الْجُنُونِ أَوْ الْإِغْمَاءِ الْمُتَعَدَّى بِهِ فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بَعْدَ إفَاقَتِهِ،
فَإِنْ جَهِلَ كَوْنَهُ مُحَرَّمًا أَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَوْ أَكَلَهُ لِيَقْطَعَ غَيْرُهُ بَعْدَ زَوَالِ عَقْلِهِ يَدًا لَهُ مَثَلًا مُتَأَكِّلَةً لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ لِعُذْرِهِ،
أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ جِنْسَهُ يُزِيلُ الْعَقْلَ وَظَنَّ أَنَّ مَا تَنَاوَلَهُ مِنْهُ لَا يُزِيلُهُ لِقِلَّتِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِتَقْصِيرِهِ،
وَلَوْ طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى السُّكْرِ الْمُتَعَدَّى بِهِ وَجَبَ قَضَاءُ الْمُدَّةِ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا السُّكْرُ غَالِبًا.
ثُمَّ انْتَقَلَ الْمُصَنِّفُ إلَى بَيَانِ وَقْتِ الضَّرُورَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ وَقْتُ زَوَالِ مَوَانِعِ الْوُجُوبِ وَهِيَ الصِّبَا وَالْكُفْرُ وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ فَقَالَ
(قَوْلُهُ: وَلَا قَضَاءَ عَلَى شَخْصٍ) دَفَعَ بِهِ كَالْمَحَلِّيُّ مَا يَرُدُّ عَلَى الْمَتْنِ مِنْ أَنَّ الْحَيْضَ صِفَةُ الْمَرْأَةِ، فَالْمُنَاسِبُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ ذَاتَ حَيْضٍ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ الْمُحْوِجِ لِلتَّأْوِيلِ لِعَطْفِ الْجُنُونِ الشَّامِلِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى عَلَى الْحَيْضِ
(قَوْلُهُ: وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ قَضَائِهَا) وَهُوَ انْعِقَادُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مَعَ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ
(قَوْلُهُ: أَوْ ذِي جُنُونٍ) اُنْظُرْ هَلْ مِنْ الْجُنُونِ بِالتَّعَدِّي الْجُنُونُ الْحَاصِلُ لِمَنْ يَتَعَاطَى الْخَلَاوَى وَالْأَوْرَادَ بِغَيْرِ طَرِيقٍ مُوَصِّلٍ لِذَلِكَ أَوْ لَا؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّ ضَابِطَ التَّعَدِّي أَنْ يَعْلَمَ تَرَتُّبَ الْجُنُونِ عَلَى مَا تَعَاطَاهُ وَيَفْعَلُهُ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ: أَوْ عَتَهٍ) نَوْعٌ مِنْ الْجُنُونِ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْجُنُونِ) قَدْ يُعَارِضُهُ قَوْلُهُمْ فِي زَوَالِ الْعَقْلِ إذَا أَخْبَرَ الْأَطِبَّاءُ بِعَوْدِهِ انْتَظَرَ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ظُهُورِ عَلَامَاتٍ لَهُمْ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى إمْكَانِ الْعَوْدِ جِوَازُ دُخُولِ جُنُونٍ عَلَى جُنُونٍ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ حَصَلَ بِهِ زَوَالُ الْعَقْلِ، وَحَيْثُ زَالَ فَلَا يُمْكِنُ تَكَرُّرُهُ مَا دَامَ الْجُنُونُ قَائِمًا لِأَنَّ الْعَقْلَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَلَا يُمْكِنُ تَكَرُّرُ زَوَالِهِ
(قَوْلُهُ: يَجِبُ مَعَهُ قَضَاءُ أَيَّامِ الْجُنُونِ) وَمَحَلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَحْكُمْ بِإِسْلَامِهِ زَمَنَ جُنُونِهِ،
فَإِنْ حَكَمَ بِهِ كَأَنْ أَسْلَمَ أَحَدُ أُصُولِهِ فَلَا قَضَاءَ لِمَا فَاتَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَيَسْتَثْنِي إلَخْ
(قَوْلُهُ: كَذَا أَطْلَقُوهُ) أَيْ حَيْثُ قَالُوا مَنْ ارْتَدَّ ثُمَّ جُنَّ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَ فِي زَمَنِ الْجُنُونِ،
فَإِنْ قَضِيَّتَهُ أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَوْ جُنَّ ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ، لَكِنَّ تَعْبِيرَ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ: أَيَّامِ الْجُنُونِ الْوَاقِعَ فِي رِدَّتِهِ يُخْرِجُ مَا ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ بِإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ لَا يَصِيرُ مُرْتَدًّا، فَلَعَلَّ تَعْبِيرَ الْأَصْحَابِ الَّذِي اسْتَثْنَى مِنْهُ الزَّرْكَشِيُّ لَمْ يَقَعْ فِيهِ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ فِي زَمَنِ رِدَّتِهِ
(قَوْلُهُ: أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْجُنُونِ الْوَاقِعِ فِي زَمَنِ الرِّدَّةِ
(قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِمَا) وَهُوَ السَّكْرَانُ بِلَا تَعَدٍّ، وَالصَّبِيُّ لَكِنْ: بِالنِّسْبَةِ لِمَا أَمَرَ بِهِ وَهُوَ مَا فَاتَهُ بَعْدَ التَّمْيِيزِ وَاسْتِكْمَالِ السَّبْعِ،
أَمَّا مَا فَاتَهُ قَبْلَ تَمَيُّزِهِ فَلَا يَنْعَقِدُ مِنْهُ لَوْ قَضَاهُ
(قَوْلُهُ: أَوْ أَكَلَهُ) وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أَطْعَمَهُ غَيْرُهُ لِذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَلَا تَعَدِّيَ مِنْهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَا أَكَلَهُ وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْفَاعِلَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لِلْأَكْلِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي بَدَنِ غَيْرِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الْأَوَّلُ لِقَصْدِ الْإِصْلَاحِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ كَانَ عَالِمًا بِأَسْبَابِ الْمَصْلَحَةِ أَوْ أَخْبَرَهُ بِهَا ثِقَةٌ
(قَوْلُهُ: يُزِيلُ الْعَقْلَ وَظَنَّ) وَظَاهِرُهُ وَإِنْ اسْتَنَدَ ظَنُّهُ لِخَبَرِ عَدْلٍ أَوْ عُدُولٍ وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ
(قَوْلُهُ: الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا السُّكْرُ غَالِبًا) أَيْ حَقِيقَةً،
أَمَّا الْمُدَّةُ الْمَشْكُوكُ فِيهَا فَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا حَجّ بِالْمَعْنَى
(قَوْلُهُ: وَالْكُفْرُ) أَيْ الْأَصْلِيُّ
(قَوْلُهُ: وَالْإِغْمَاءِ) أَيْ وَالسُّكْرُ بِلَا تَعَدٍّ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الْمَتْنِ
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إلَخْ) لَمْ يَظْهَرْ لِهَذَا مَوْقِعٌ هُنَا، وَالشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ إنَّمَا رَتَّبَهُ عَلَى قَوْلِهِ،
وَكَذَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ سَكِرَ بِتَعَدٍّ ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ سَكِرَ بِلَا تَعَدٍّ مُدَّةَ مَا تَعَدَّى بِهِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ
(قَوْلُهُ: كَذَا أَطْلَقُوهُ) الَّذِي تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ لَيْسَ فِيهِ إطْلَاقٌ بَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ الْوَاقِعَةُ فِي رِدَّتِهِ، فَهُوَ مُخْرِجٌ لِهَذِهِ الصُّورَةِ، فَكَلَامُ الْخَادِمِ إنَّمَا يَتَنَزَّلُ عَلَى عِبَارَةِ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَيْدَ، وَإِتْيَانُ الشَّارِحِ بِلَفْظِ كَذَا فِي قَوْلِهِ كَذَا أَطْلَقُوهُ بَعْدَ إيرَادِهِ الْحُكْمَ مُقَيَّدًا فِيهِ مَا لَا يَخْفَى [وَقْتُ زَوَالِ مَوَانِعِ وُجُوبِ الصَّلَاة]
(وَلَا) قَضَاءَ (عَلَى) شَخْصٍ (ذِي حَيْضٍ) ، أَوْ نِفَاسٍ وَلَوْ فِي رِدَّةٍ كَمَا مَرَّ إذَا طَهُرَ، بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ أَوَّلَ الْحَيْضِ (أَوْ) ذِي (جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ) ، أَوْ سُكْرٍ بِلَا تَعَدٍّ إذَا أَفَاقَ إلَّا فِي زَمَنِ الرِّدَّةِ كَمَا مَرَّ (بِخِلَافِ) ذِي (السُّكْرِ) ، أَوْ الْجُنُونِ، أَوْ الْإِغْمَاءِ الْمُتَعَدِّي بِهِ إذَا أَفَاقَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَإِنْ ظَنَّ مُتَنَاوِلُ الْمُسْكِرِ أَنَّهُ لِقِلَّتِهِ لَا يُسْكِرُهُ لِتَعَدِّيهِ،
وَكَذَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ سَكِرَ بِتَعَدٍّ، ثُمَّ جُنَّ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ سَكِرَ بِلَا تَعَدٍّ مُدَّةَ مَا تَعَدَّى بِهِ وَإِنْ عَرَفَ وَإِلَّا فَمَا يَنْتَهِي إلَيْهِ السُّكْرُ غَالِبًا، وَالْإِغْمَاءُ بِمَعْرِفَةِ الْأَطِبَّاءِ لَا مَا بَعْدَهُ
بِخِلَافِ مُدَّةِ جُنُونِ الْمُرْتَدِّ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ مَنْ جُنَّ فِي رِدَّتِهِ مُرْتَدٌّ فِي جُنُونِهِ حُكْمًا وَمَنْ جُنَّ مَثَلًا فِي سُكْرِهِ لَيْسَ بِسَكْرَانَ فِي دَوَامِ جُنُونِهِ قَطْعًا وَظَاهِرُ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِغْمَاءَ يَقْبَلُ طُرُوُّ إغْمَاءٍ آخَرَ عَلَيْهِ دُونَ الْجُنُونِ وَأَنَّهُ يُمْكِنُ تَمْيِيزُ انْتِهَاءِ الْأَوَّلِ بَعْدَ طُرُوُّ الثَّانِي عَلَيْهِ وَفِي تَصَوُّرِ ذَلِكَ بَعْدُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْإِغْمَاءَ مَرَضٌ وَلِلْأَطِبَّاءِ دَخْلٌ فِي تَمَايُزِ أَنْوَاعِهِ وَمُدَدِهَا
بِخِلَافِ الْجُنُونِ وَقَدْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُمْ أَيْضًا مِنْ دُخُولِ سُكْرٍ عَلَى سُكْرٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ السُّكْرَ يَتَمَيَّزُ خَارِجًا بِالشِّدَّةِ، وَالضَّعْفِ فَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ أَنْوَاعِهِ مُمْكِنٌ
وَيَنْدُبُ الْقَضَاءُ لِنَحْوِ مَجْنُونٍ لَا يَلْزَمُهُ، ثُمَّ وَقْتُ الضَّرُورَةِ السَّابِقِ أَنَّهُ يَجْرِي فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ هُوَ وَقْتُ زَوَالِ مَانِعِ الْوُجُوبِ
(قَوْلُهُ: شَخْصٍ) دَفَعَ بِهِ كَالْمَحَلِّيِّ مَا يَرُدُّ عَلَى الْمَتْنِ مِنْ أَنَّ الْحَيْضَ صِفَةُ الْمَرْأَةِ فَالْمُنَاسِبُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ ذَاتَ حَيْضٍ وَإِنَّمَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ الْمُحْوِجِ لِلتَّأْوِيلِ لِعَطْفِ الْجُنُونِ الشَّامِلِ لِلذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى عَلَى الْحَيْضِ ع ش
(قَوْلُهُ: أَوْ نِفَاسٍ إلَى قَوْلِهِ وَظَاهِرٌ إلَخْ) فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ، بَلْ يَحْرُمُ إلَى الْمَتْنِ وَإِلَى قَوْلِهِ وَقَدْ يُعَكِّرُ فِي النِّهَايَةِ إلَّا مَا ذُكِرَ
(قَوْلُهُ: بَلْ يَحْرُمُ) اعْتَمَدَ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ، وَالنِّهَايَةُ، وَالْمُغْنِي وَسم الْكَرَاهَةَ، وَالِانْعِقَادَ
(قَوْلُهُ: أَوْ ذِي جُنُونٍ، أَوْ إغْمَاءٍ إلَخْ) سَوَاءٌ قَلَّ زَمَنُ ذَلِكَ أَمْ طَالَ وَإِنَّمَا وَجَبَ قَضَاءُ الصَّوْمِ عَلَى مَنْ اسْتَغْرَقَ إغْمَاؤُهُ جَمِيعَ النَّهَارِ لِمَا فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ مِنْ الْحَرَجِ لِكَثْرَتِهَا بِتَكَرُّرِهَا
بِخِلَافِ الصَّوْمِ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي
(قَوْلُهُ: أَوْ سُكْرٍ) وَمِثْلُ مَا ذُكِرَ الْمَعْتُوهُ، وَالْمُبَرْسَمُ مُغْنِي وَنِهَايَةٌ وَشَرْحُ بَافَضْلٍ وَفِي الْقَامُوسِ الْمَعْتُوهُ هُوَ نَاقِصُ الْعَقْلِ، أَوْ فَاسِدُهُ، وَالْمُبَرْسَمُ هُوَ الَّذِي أَصَابَتْهُ عِلَّةٌ يَهْذِي فِيهَا اهـ
(قَوْلُهُ: بِلَا تَعَدٍّ) اُنْظُرْ هَلْ مِنْ الْجُنُونِ بِالتَّعَدِّي الْحَاصِلِ لِمَنْ يَتَعَاطَى الْخَلَاوَى، وَالْأَوْرَادُ بِغَيْرِ طَرِيقٍ مُوَصِّلٍ لِذَلِكَ أَوْ لَا؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ ضَابِطَ التَّعَدِّي أَنْ يَعْلَمَ تَرَتُّبَ الْجُنُونِ عَلَى مَا تَعَاطَاهُ وَيَفْعَلُهُ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ ع ش
(قَوْلُهُ: الْمُتَعَدِّي بِهِ) فَلَوْ جَهِلَ كَوْنَهُ مُحَرَّمًا، أَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ، أَوْ أَكَلَهُ لِيَقْطَعَ غَيْرَهُ بَعْدَ زَوَالِ عَقْلِهِ يَدًا لَهُ مَثَلًا مُتَآكِلَةً لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ لِعُذْرِهِ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي قَالَ ع ش قَوْلُهُ م ر، أَوْ أَكَلَهُ
وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أَطْعَمَهُ غَيْرُهُ لِذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْفَاعِلَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لِلْآكِلِ، أَوْ لَا؟ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي بَدَنِ غَيْرِهِ فِيهِ نَظَرٌ وَلَا يَبْعُدُ الْأَوَّلُ لِقَصْدِ الْإِصْلَاحِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ كَانَ عَالِمًا بِأَسْبَابِ الْمَصْلَحَةِ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِهَا ثِقَةٌ اهـ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ ظَنَّ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ اسْتَنَدَ ظَنُّهُ لِخَبَرِ عَدْلٍ، أَوْ عُدُولٍ وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ ع ش وَقَوْلُهُ وَيَنْبَغِي إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ
(قَوْلُهُ: إنْ عَرَفَ) أَيْ: أَمَدَ مَا تَعَدَّى بِهِ
(قَوْلُهُ: غَالِبًا) تَوْجِيهُهُ أَنَّ السُّكْرَ لَهُ أَمَدٌ يَنْتَهِي بِهِ وَيَنْتَفِي عِنْدَهُ
بِخِلَافِ الرِّدَّةِ فَإِنَّهَا لَا تَنْتَهِي وَلَا تَنْتَفِي إلَّا بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ يُوجَدْ بَصْرِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَكَذَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْقِسْمَةَ الْعَقْلِيَّةَ تَقْتَضِي سِتًّا وَثَلَاثِينَ صُورَةً مِنْ ضَرْبِ الْجُنُونِ، وَالْإِغْمَاءِ، وَالسُّكْرِ فِي نَفْسِهَا وَضَرْبِ التِّسْعَةِ الْحَاصِلَةِ فِي الْوُقُوعِ فِي الرِّدَّةِ، وَالْوُقُوعِ فِي غَيْرِهَا وَضَرْبِ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الْحَاصِلَةِ فِي اثْنَيْنِ التَّعَدِّي وَعَدَمِهِ فَالْجُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ فَالْوَاقِعُ فِي الرِّدَّةِ يَجِبُ فِيهِ الْقَضَاءُ مُطْلَقًا، وَالْوَاقِعُ فِي غَيْرِهَا يَجِبُ فِيهِ الْقَضَاءُ مَعَ التَّعَدِّي وَلَا يَجِبُ مَعَ عَدَمِهِ وَغَيْرُ الْمُتَعَدِّي بِهِ الْوَاقِعُ فِي الْمُتَعَدِّي بِهِ يَجِبُ فِيهِ الْقَضَاءُ مُدَّةَ الْمُتَعَدِّي بِهِ فَقَطْ مَدَابِغِيٌّ اهـ بُجَيْرِمِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَالْإِغْمَاءُ) عُطِفَ عَلَى السُّكْرِ
(قَوْلُهُ: لَا مَا بَعْدَهُ) الْأَوْلَى التَّأْنِيثُ
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ مَا تَقَرَّرَ) وَهُوَ قَوْلُهُ،
وَكَذَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْجُنُونِ) لَا شُبْهَةَ أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ مَرِيضٌ بَصْرِيٌّ عِبَارَةُ ع ش قَدْ يُعَارِضُهُ قَوْلُهُمْ فِي زَوَالِ الْعَقْلِ إذَا أَخْبَرَ الْأَطِبَّاءُ بِعَوْدِهِ انْتَظَرَ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ظُهُورِ عَلَامَاتٍ لَهُمْ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى إمْكَانِ الْعَوْدِ دُخُولُ جُنُونٍ عَلَى جُنُونٍ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ حَصَلَ بِهِ زَوَالُ الْعَقْلِ وَحَيْثُ زَالَ فَلَا يُمْكِنُ تَكَرُّرُهُ مَا دَامَ الْجُنُونُ قَائِمًا؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَلَا يُمْكِنُ تَكَرُّرُ زَوَالِهِ اهـ وَقَدْ يُمْنَعُ هَذَا الْجَوَابِ بِتَنَوُّعِ الْجُنُونِ كَالْإِغْمَاءِ، وَالسُّكْرِ كَمَا يَأْتِي فِي الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ: وَقَدْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ) أَيْ: يُشْكِلُ عَلَى الْجَوَابِ عَنْ بُعْدٍ تَصَوُّرُ التَّمْيِيزِ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِبُعْدٍ تَصَوُّرُ التَّمْيِيزِ جَارٍ فِي دُخُولِ سُكْرٍ عَلَى سُكْرٍ مَعَ عَدَمِ جَرَيَانِ ذَلِكَ الْجَوَابِ فِيهِ مَا قَالَهُ الْكُرْدِيُّ، وَالظَّاهِرُ، بَلْ الْمُتَعَيِّنُ أَنَّ ضَمِيرَ عَلَيْهِ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ
بِخِلَافِ الْجُنُونِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجُنُونَ نَظِيرُ السُّكْرِ وَقَدْ أَفْهَمَ كَلَامُهُمْ السَّابِقُ آنِفًا دُخُولَ سُكْرٍ عَلَى سُكْرٍ
(قَوْلُهُ: يَتَمَيَّزُ خَارِجًا إلَخْ) قَدْ يُقَالُ، وَالْجُنُونُ كَذَلِكَ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَحْمَلَ كَلَامِهِمْ الْمَذْكُورِ عَلَى مُجَرَّدِ التَّصْوِيرِ لَا قَصْدُ الِاحْتِرَازِ أَيْ فَيُتَصَوَّرُ طُرُوُّ جُنُونٍ عَلَى آخَرَ بَصْرِيٌّ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا قُلْته آنِفًا فِي مَرْجِعِ ضَمِيرِ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: وَيُنْدَبُ) إلَى قَوْلِهِ وَمِنْ شُرُوطِهَا فِي النِّهَايَةِ، وَالْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ آخِرَ وَقَوْلَهُ الْقَاصِرَ
(قَوْلُهُ: لِنَحْوِ مَجْنُونٍ) أَيْ: كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالسَّكْرَانِ وَقَوْلُهُ لَا يَلْزَمُهُ أَيْ لِعَدَمِ التَّعَدِّي
(قَوْلُهُ: السَّابِقُ أَنَّهُ إلَخْ) صِفَةُ وَقْتُ الضَّرُورَةِ وَ
(قَوْلُهُ: هُوَ وَقْتٌ إلَخْ) خَبَرُهُ قَوْلُهُ: مَانِعُ الْوُجُوبِ بَيَّنَ بِهِ أَنَّ فِي التَّعْبِيرِ بِالْأَسْبَابِ تَجَوُّزًا وَلَعَلَّ الْعَلَاقَةَ الضِّدْيَةُ فَإِنَّ الْمَانِعَ مُضَادٌّ لِلسَّبَبِ ع ش
(قَوْلُهُ: بَلْ يَحْرُمُ) أَيْ: أَوْ يُكْرَهُ
(قَوْلُهُ: أَوْ ذِي جُنُونٍ) فِي فَتَاوَى السُّيُوطِيّ الْمَجْنُونُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ إذَا أَفَاقَ مِنْ صَلَاةٍ، أَوْ صَوْمٍ أَمْ يُسْتَحَبُّ أَمْ يُكْرَهُ الْجَوَابُ الْقَضَاءُ لِلْمَجْنُونِ مُسْتَحَبٌّ ذَكَرَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ انْتَهَى وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ التَّصْرِيحُ بِنَدْبِهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ)
وَفِي قَوْلٍ يُشْتَرَطُ رَكْعَةٌ وَشَرْطُ الْوُجُوبِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بَقَاءُ السَّلَامَةِ مِنْ الْمَوَانِعِ بِقَدْرِ فِعْلِ الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةُ أَخَفُّ مَا يُمْكِنُ، وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ اعْتِبَارِ كُلٍّ مِنْ السِّتْرِ، وَالتَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُدْرِكَ مَعَ التَّكْبِيرَةِ، أَوْ الرَّكْعَةِ قَدْرَ الطَّهَارَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ لَا اللُّزُومِ وَلِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالْوَقْتِ اهـ مِنْ شَرْحِ م ر بِاخْتِصَارٍ
(وَلَا) قَضَاءَ عَلَى شَخْصٍ (ذِي حَيْضٍ) إذَا تَطَهَّرَ وَإِنْ تَسَبَّبَ لَهُ بِدَوَاءٍ، وَقَدْ مَرَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ الْحَيْضِ فَهِيَ مُكَرَّرَةٌ وَالنُّفَسَاءُ كَالْحَائِضِ،
وَلَوْ عَبَّرَ بِذَاتٍ لَاسْتَغْنَى عَنْ التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ، وَكَانَ أَوْلَى، وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ أَوْ يُكْرَهُ؟ وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا الثَّانِي (أَوْ) ذِي (جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ) إذَا أَفَاقَ، وَمِثْلُهُمَا الْمُبَرْسَمُ وَالْمَعْتُوهُ وَالسَّكْرَانُ بِلَا تَعَدٍّ فِي الْجَمِيعِ، لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
فَوَرَدَ النَّصُّ فِي الْمَجْنُونِ، وَقِيسَ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ، وَسَوَاءٌ قَلَّ زَمَنُ ذَلِكَ أَوْ طَالَ، وَإِنَّمَا وَجَبَ قَضَاءُ الصَّوْمِ عَلَى مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ لِمَشَقَّةِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكْثُرُ،
بِخِلَافِ الصَّوْمِ.
نَعَمْ يُسَنُّ لِلْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَنَحْوِهِمَا الْقَضَاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْجُنُونَ إذَا طَرَأَ عَلَى الرِّدَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاءُ أَيَّامِ الْجُنُونِ الْوَاقِعَةِ فِي الرِّدَّةِ، وَأَنَّهُ إذَا طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى السُّكْرِ الْعَاصِي بِهِ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاءُ الْمُدَّةِ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا سُكْرُهُ، فَمَحَلُّهُ هُنَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ (بِخِلَافِ) ذِي (السُّكْرِ) أَوْ الْجُنُونِ أَوْ الْإِغْمَاءِ الْمُتَعَدِّي بِهِ إذَا أَفَاقَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ زَمَنَ ذَلِكَ لِتَعَدِّيهِ،
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ مُسْكِرًا أَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِعُذْرِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهَذِهِ الْحَشِيشَةُ الْمَعْرُوفَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ الْخَمْرِ فِي وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ وَقْتِ الضَّرُورَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ وَقْتُ زَوَالِ مَانِعِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الصِّبَا وَالْجُنُونُ وَالْكُفْرُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ،
(وَلَا) قَضَاءَ عَلَى شَخْصٍ (ذِي حَيْضٍ) أَوْ نِفَاسٍ إذَا طَهُرَ (أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ) إذَا أَفَاقَ (بِخِلَافِ) ذِي (السُّكْرِ) إذَا أَفَاقَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَاةِ زَمَنَهُ لِتَعَدِّيهِ بِشُرْبِ الْمُسْكِرِ،
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ مُسْكِرًا فَلَا قَضَاءَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ) أَيْ لَا قَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا، فَيُنْدَبُ لَهُمَا الْقَضَاءُ،
وَيَجِبُ فِيهِ مَا فِي الْأَدَاءِ مِنْ قِيَامٍ وَغَيْرِهِ كَمَا مَرَّ، فِي الصَّبِيِّ وَإِنَّمَا وَجَبَ قَضَاءُ صَوْمِ يَوْمٍ اسْتَغْرَقَهُ الْإِغْمَاءُ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ، فَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ، وَاسْتَشْكَلَ طَلَبُ الْقَضَاءِ هُنَا مَعَ عَدَمِ طَلَبِهِ مِنْ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِيمَنْ وَصَلَ إلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ كَسَبْعِ سِنِينَ، فَأَكْثَرَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ،
وَقِيلَ الْكَلَامُ هُنَا فِيمَنْ سَبَقَ لَهُ تَمْيِيزٌ،
وَقِيلَ فِيمَنْ سَبَقَ لَهُ تَكْلِيفٌ،
وَقِيلَ فِيمَنْ وَصَلَ إلَى سِنِّ التَّكْلِيفِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْوَجِيهُ، وَمَحَلُّ عَدَمِ الْقَضَاءِ فِي الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ فِي غَيْرِ الْمُتَعَدِّي بِهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَلَمْ تَقَعْ فِيمَا تَعَدَّى بِهِ وَإِلَّا وَجَبَ الْقَضَاءُ فِيهَا، وَمِنْهَا الْوَاقِعُ فِي نَحْوِ جُنُونٍ بِلَا تَعَدٍّ فِي رِدَّةٍ أَوْ فِي سُكْرٍ بِتَعَدٍّ، فَيَقْضِي مَا انْتَهَى إلَيْهِ زَمَنُ الرِّدَّةِ أَوْ السُّكْرِ لَا مَا بَعْدَهُ فَقَوْلُهُمْ لَوْ سَكِرَ مَثَلًا بِتَعَدٍّ ثُمَّ جُنَّ بِلَا تَعَدٍّ قَضَى زَمَنَ السُّكْرِ لَا زَمَنَ جُنُونِهِ بَعْدَهُ،
بِخِلَافِ زَمَنِ جُنُونِ الْمُرْتَدِّ لِأَنَّ مَنْ جُنَّ فِي رِدَّتِهِ مُرْتَدٌّ فِي جُنُونِهِ حُكْمًا،
وَمَنْ جُنَّ فِي سُكْرِهِ لَيْسَ بِسَكْرَانَ فِي دَوَامِ جُنُونِهِ قَطْعًا انْتَهَى. كَلَامٌ سَاقِطٌ مُتَهَافِتٌ وَالْفَرْقُ الْمَذْكُورُ فَاسِدٌ، لِأَنَّ زَمَنَ الْجُنُونِ الَّذِي لَا يَقْضِي هُوَ مَا اتَّصَلَ بِالسُّكْرِ لَا مَا وَقَعَ فِيهِ، كَمَا أَنَّ الْمَجْنُونَ فِي الرِّدَّةِ إنَّمَا يَقْضِي مَا انْتَهَى إلَيْهِ زَمَنَ الرِّدَّةِ فَقَطْ، لَا مَا بَعْدَهُ. كَمَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ أُصُولِهِ فِي زَمَنِ جُنُونِهِ لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا كَمَا مَرَّ. فَهُمَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ مُسْلِمٌ قَبْلَ جُنُونِهِ، لَمْ يَقْضِ مِنْ زَمَنِ الْجُنُونِ شَيْئًا فَتَأَمَّلْ وَافْهَمْ.
(تَنْبِيهٌ) مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ مِنْ دُخُولِ كُلٍّ مِنْ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ عَلَى مِثْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْهَا يُرَاجَعُ فِيهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، وَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ مِنْهَا صُوَرٌ كَثِيرَةٌ تَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ صُورَةً، لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الثَّلَاثَةِ
إمَّا بِتَعَدٍّ أَوْ لَا، وَكُلٌّ مِنْهَا
إمَّا فِي رِدَّةٍ أَوْ لَا، فَهَذِهِ اثْنَا عَشَرَ صُورَةً وَكُلٌّ مِنْهَا
إمَّا مَعَ مِثْلِهِ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ، فَهِيَ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ صُورَةً بِحَسَبِ الضَّرْبِ، وَالْمُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ مِنْهَا سِتَّةٌ وَسِتُّونَ صُورَةً بِحَسَبِ الْعَقْلِ، وَالْوَاقِعُ مِنْهَا مَا يَقُولُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِهِ وَحَاصِلُ الْحُكْمِ فِيهَا أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهَا فِي رِدَّةٍ، وَانْفَرَدَ بِالتَّعَدِّي أَوْ اجْتَمَعَ مَعَ مُتَعَدٍّ بِهِ أَيْضًا مِنْ مِثْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ، مِنْهَا وَجَبَ فِيهِ الْقَضَاءُ وَإِنَّ مَا كَانَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ سَوَاءٌ انْفَرَدَ بِعَدَمِ التَّعَدِّي أَوْ اجْتَمَعَ مَعَ غَيْرِ مُتَعَدٍّ بِهِ مِنْ مِثْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَجِبْ فِيهِ الْقَضَاءُ وَإِنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ مَا تَعَدَّى بِهِ وَغَيْرُهُ، وَجَبَ قَضَاءُ زَمَنِ الْمُتَعَدِّي بِهِ، سَوَاءٌ أَسَبَقَ أَوْ تَأَخَّرَ وَاَللَّهُ الْمُعِينُ وَالْمُلْهِمُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا ذِي حَيْضٍ) أَيْ وَلَوْ تَسَبَّبَتْ
بِخِلَافِ الْجُنُونِ إذَا تَسَبَّبَتْ فِي حُصُولِهِ وَمِثْلُهُ الْإِغْمَاءُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ جُنُونٍ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَرَدَ النَّصُّ فِي الْجُنُونِ، أَعْنِي حَدِيثَ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ " وَقِيسَ عَلَى الْمَجْنُونِ مَنْ فِي مَعْنَاهُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْعِبَادَةُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا، خَرَجَ النَّائِمُ وَالنَّاسِي لِحَدِيثِ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» فَيَبْقَى مَنْ عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ.
(فَرْعٌ) ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ فِي طَبَقَاتِهِمَا عَنْ الْبَيْضَاوِيِّ فِي شَرْحِ التَّبْصِرَةِ أَنَّ الْحَائِضَ لَا يَجُوزُ لَهَا الْقَضَاءُ،
وَفِي شَرْحِ الْوَسِيطِ لِلْعِجْلِيِّ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ،
وَكَذَا فِي الْبَحْرِ، قَالَ: يُكْرَهُ لِلْحَائِضِ
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِخِلَافِ السُّكْرِ) أَيْ وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَسْكَرُ لِقِلَّتِهِ
بِخِلَافِ مَا لَوْ جَهِلَ.
قال: (ولا ذي حيض) بالإجماع،
وكذلك النفساء ولو كانت مرتدة كما تقدم.
وقيل: إن تسببت في إلقاء الولد .. قضت، وهذه تقدمت في (باب الحيض). قال: (أو جنون، أو إغماء) ؛ لورود النص في المجنون، وقيس عليه كل من زال عقله بسبب يعذر فيه.
وإنما وجب قضاء الصوم على من أغمي عليه جميع اليوم؛ لأن الصلوات الفائتة بالإغماء قد تكثر فيشق قضاؤها
بخلاف الصوم، لكن يستثنى ما إذا طرأ الجنون على الردة .. فإنه يجب قضاء أيام الجنون الواقعة في الردة كما تقدم.
وأما إذا طرأ الجنون على السكر العاصي به .. فإنه يجب قضاء المدة التي ينتهي إليها سكره.
قال: (بخلاف السكر) أي: إذا كان مختارًا عالمًا بكونه مسكرًا؛ فإنه لا تصح صلاته في تلك الحالة،
فإذا عاد عقله .. لزمه القضاء.
فلو أكره عليه أو جهل كونه مسكرًا .. فلا قضاء.
قال المصنف: وهذه الحشيشة المعروفة حكمها حكم الخمر في وجوب قضاء الصلوات.
فإن قيل: لو ألقى نفسه من شاهق فانكسرت رجله وصلى قاعدًا .. لا قضاء عليه مع عصيانه .. فالجواب: أنه بسقوطه انتهت معصيته، فهو غير عاص في دوام القعود، وليس كذلك شارب المسكر.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.