وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ أَوْ اُسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وَإِنْ قبل فلسه: رجع بالحصة
الشروح عليها
(وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ) لِغَرِيمٍ بَعْدَ الْقَسْمِ (أَوْ اُسْتُحِقَّ مَبِيعٌ) مِنْ مَالِ مُفَلَّسٍ أَوْ مَيِّتٍ (وَإِنْ) بِيعَ (قَبْلَ فَلَسِهِ رَجَعَ) الْغَرِيمُ الطَّارِئُ أَوْ الْمُسْتَحَقُّ مِنْهُ (بِالْحِصَّةِ) أَيْ بِمَا يَنُوبُهُ فِي الْحِصَاصِ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَلَا يَأْخُذُ مَلِيًّا عَنْ مُعْدِمٍ، وَلَا حَاضِرًا عَنْ غَائِبٍ، وَلَا حَيًّا عَنْ مَيِّتٍ
فَلَوْ أَخَذَ غَرِيمٌ سِلْعَةً فِي نَظِيرِ حِصَّتِهِ فَاسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِهِ رَجَعَ عَلَى بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ بِمَا يَنُوبُهُ وَلَوْ بِيعَتْ سِلْعَةٌ قَبْلَ الْقَسْمِ لِأَجْنَبِيٍّ فَاسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِهِ رَجَعَ عَلَى جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ بِالثَّمَنِ وَلَوْ بَاعَهَا الْمُفَلَّسُ قَبْلَ فَلَسِهِ؛ لِأَنَّهُمْ اقْتَسَمُوا مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَنَاوَلُوا مِنْ مَالِهِ شَيْئًا فَالْمُبَالَغَةُ فِي الْمُصَنِّفِ صَحِيحَةٌ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَإِنْ بَعْدَ فَلَسِهِ وَجَعْلُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْبَيْعِ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ؛
لِأَنَّ ثَمَنَ الْمُسْتَحَقِّ قَبْلَ الْفَلَسِ مِنْ جُمْلَةِ الدُّيُونِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ عَدَمُ الرُّجُوعِ
(قَوْلُهُ وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْمُفَلَّسَ أَوْ الْمَيِّتَ إذَا قَسَّمَ الْغُرَمَاءُ مَالَهُ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِمْ غَرِيمٌ بَعْدَ الْقَسْمِ وَلَمْ يَعْلَمُوا بِهِ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْوَارِثُ وَلَا الْوَصِيُّ وَلَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ مَشْهُورًا بِالدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَّةِ الَّتِي تَنُوبُهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ
فَلَوْ كَانَ مَالُ الْمُفَلَّسِ عَشَرَةً وَعَلَيْهِ لِثَلَاثَةٍ كُلُّ وَاحِدٍ عَشَرَةٌ أَحَدُهُمْ غَائِبٌ اقْتَسَمَ الْحَاضِرَانِ مَالَهُ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةً، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَاحِدٍ وَثُلُثَيْنِ اهـ وَقَوْلُنَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا اقْتَسَمُوا عَالِمِينَ بِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِحِصَّتِهِ وَلَكِنْ يَأْخُذُ الْمَلِيءُ عَنْ الْمُعْدَمِ وَالْحَاضِرُ عَنْ الْغَائِبِ وَالْحَيُّ عَنْ الْمَيِّتِ كَمَا سَيَأْتِي لِلشَّارِحِ نَقْلًا عَنْ الْمُصَنِّفِ، وَقَوْلُنَا وَالْحَالُ إلَخْ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ كَانَ الْوَارِثُ أَوْ الْوَصِيُّ عَالِمًا بِالْغَرِيمِ أَوْ كَانَ الْمَيِّتُ مَشْهُورًا بِالدَّيْنِ فَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ أَنَّ الْغَرِيمَ الطَّارِئَ يَرْجِعُ بِحِصَّتِهِ عَلَى الْوَارِثِ أَوْ الْوَصِيِّ وَهُمَا يَرْجِعَانِ عَلَى الْغَرِيمِ بِمَا دَفَعَا لَهُ وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ ظَهَرَ عَمَّا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْغُرَمَاءِ حَاضِرًا لِلْقَسْمِ سَاكِتًا بِلَا عُذْرٍ لَهُ عَنْ الْقِيَامِ بِحَقِّهِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ؛
لِأَنَّ سُكُوتَهُ يُعَدُّ رِضًا مِنْهُ بِبَقَاءِ مَا يَنُوبُهُ فِي ذِمَّةِ الْمُفَلَّسِ،
وَأَمَّا لَوْ حَضَرَ إنْسَانٌ قِسْمَةَ تَرِكَةِ مَيِّتٍ وَلَمْ يَدَّعِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ يَمْنَعُهُ، ثُمَّ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ بِدَيْنٍ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ حَيْثُ حَصَلَ الْقَسْمُ فِي الْجَمِيعِ،
فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ الْقَسْمِ مَا يَفِي بِدَيْنِهِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ إذَا حَلَفَ أَنَّهُ مَا تَرَكَ حَقَّهُ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ ابْنُ عَاصِمٍ فِي التُّحْفَةِ
بِقَوْلِهِ:
وَحَاضِرٌ لِقَسْمِ مَتْرُوكٍ لَهُ ... عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَكُنْ أَهْمَلَهُ لَا يَمْنَعُ الْقِيَامَ بَعْدَ أَنْ بَقِيَ ... لِلْقَسْمِ قَدْرُ دَيْنِهِ الْمُحَقَّقِ وَيَقْبِضُ مِنْ ذَلِكَ حَقًّا مَلَكَهُ ... بَعْدَ الْيَمِينِ أَنَّهُ مَا تَرَكَهُ فَإِنْ قَالَ مَا عَلِمْت بِالدَّيْنِ إلَّا حِينَ وَجَدْتُ الْوَثِيقَةَ حَلَفَ وَكَانَ لَهُ الْقِيَامُ،
فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ الْوَرَثَةُ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ حَقًّا،
فَإِنْ قَالَ كُنْت أَعْلَمُ دَيْنِي وَلَكِنْ كُنْت أَنْتَظِرُ وُجُودَ الْوَثِيقَةِ أَوْ الْبَيِّنَةِ فَلَا قِيَامَ لَهُ بِحَقِّهِ كَمَا صَوَّبَهُ ابْنُ نَاجِيٍّ وَقَالَ الْجُزُولِيُّ وَابْنُ عُمَرَ قَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ وَاخْتَارَ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِي أَنَّهُ يُقْبَلُ وَذَلِكَ عُذْرٌ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ اُنْظُرْ ح
(قَوْلُهُ وَإِنْ بِيعَ إلَخْ) أَيْ هَذَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمُسْتَحَقُّ بِيعَ بَعْدَ فَلَسِهِ بَلْ وَإِنْ كَانَ قَدْ بِيعَ قَبْلَ فَلَسِهِ وَلَكِنْ وَقَعَ الِاسْتِحْقَاقُ مِنْ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَسْمِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَيْعَ السِّلْعَةِ وَقَعَ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ الْفَلَسِ أَوْ وَقَعَ قَبْلَهُمَا لَكِنَّ الِاسْتِحْقَاقَ وَقَعَ بَعْدَ الْقَسْمِ اهـ.
وَبَعْدَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الصَّوَابَ حَذْفُ قَوْلِهِ وَإِنْ فَيَقُولُ أَوْ اُسْتُحِقَّ مَبِيعٌ قَبْلَ فَلَسِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ الْمُسْتَحِقُّ فِيهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِمَا يَنُوبُهُ فِي الْحِصَاصِ إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ قَدْ بِيعَتْ قَبْلَ الْفَلَسِ،
وَأَمَّا لَوْ بِيعَتْ بَعْدَهُ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ الْقَسْمِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لَا بِالْحِصَّةِ فَقَطْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تُجْعَلَ الْوَاوُ لِلْحَالِ وَإِنْ زَائِدَةً،
وَأَمَّا جَعْلُهَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْبَيْعِ أَوْ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يَصِحُّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا إذَا بِيعَتْ بَعْدَ الْفَلَسِ يَرْجِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِذَا بِيعَتْ قَبْلَهُ يَرْجِعُ بِالْحِصَّةِ فَقَدْ اخْتَلَفَا فِي هَذَا الْحُكْمِ وَإِنْ اتَّفَقَا فِي أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مَلِيءٌ عَنْ مُعْدَمٍ وَلَا حَاضِرٌ عَنْ غَائِبٍ اُنْظُرْ بْن
(قَوْلُهُ بِالْحِصَّةِ) أَيْ الَّتِي تَخُصُّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لِلْقِسْمَةِ وَلَا يَأْخُذُ مَلِيًّا عَنْ مُعْدَمٍ وَلَا حَاضِرًا عَنْ غَائِبٍ
(قَوْلُهُ فَلَوْ أَخَذَ غَرِيمٌ سِلْعَةً إلَخْ) هَذَا بَيَانٌ لِمَفْهُومِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ اُسْتُحِقَّ مَبِيعٌ، وَقَوْلُهُ رَجَعَ عَلَى بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ بِمَا يَنُوبُهُ أَيْ بِالْحِصَاصِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ بِيعَتْ سِلْعَةٌ قَبْلَ الْقَسْمِ لِأَجْنَبِيٍّ) هَذَا حَلٌّ لِمَنْطُوقِ الْمَتْنِ وَلَوْ شَرْطِيَّةٌ جَوَابُهَا رَجَعَ إلَخْ، وَقَوْلُهُ فَاسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِهِ أَيْ فَاسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِ الْأَجْنَبِيِّ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَسْمِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ بَاعَهَا الْمُفَلَّسُ قَبْلَ فَلَسِهِ) أَيْ هَذَا إذَا بِيعَتْ بَعْدَ الْفَلَسِ بَلْ وَلَوْ بَاعَهَا الْمُفَلَّسُ قَبْلَ فَلَسِهِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ رَجَعَ عَلَى جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ بِالثَّمَنِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ رَجَعَ بِالْحِصَّةِ أَيْ الَّتِي تَخُصُّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرَ الْقَسْمِ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ الرُّجُوعُ بِالْحِصَّةِ سَوَاءٌ بَاعَهَا الْمُفَلَّسُ قَبْلَ فَلَسِهِ أَوْ بِيعَتْ بَعْدَ فَلَسِهِ، وَمُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ عَنْ بْن مِنْ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَّةِ إنْ كَانَ الْمُفَلَّسُ بَاعَهَا قَبْلَ تَفْلِيسِهِ وَإِنْ بِيعَتْ بَعْدَ تَفْلِيسِهِ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالثَّمَنِ فَكَانَ الْأَحْسَنُ لِمُلَاقَاتِهِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ رَجَعَ عَلَى جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَّةِ الَّتِي تَنُوبُهُ فِي الْحِصَاصِ فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مَا زَادَ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا وَلَا يَأْخُذُ أَحَدًا عَنْ أَحَدٍ وَلَوْ بَاعَهَا الْمُفَلَّسُ قَبْلَ فَلَسِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَا عَلِمْته مِنْ التَّفْصِيلِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ) أَيْ وَهُوَ ثَمَنُ السِّلْعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ مِنْ يَدِهِ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَنَاوَلُوا مِنْ مَالِهِ شَيْئًا) أَيْ، وَإِنَّمَا الَّذِي اقْتَسَمُوهُ مَالُ الْمُفَلَّسِ
(وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ أَوْ اُسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وَإِنْ قَبْلَ فَلَسِهِ رَجَعَ بِالْحِصَّةِ) عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: إذَا ظَهَرَ غَرِيمٌ رَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِمَا يَخُصُّهُ،
وَكَذَلِكَ لَوْ اُسْتُحِقَّ مَبِيعٌ.
وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا فَلَّسَ رَجُلٌ أَوْ مَاتَ فَاقْتَسَمَ غُرَمَاؤُهُ ثُمَّ طَرَأَ غَرِيمٌ لَهُ لَمْ يُعْلَمْ بِهِ رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَنُوبُهُ فِي الْمُحَاصَّةِ أَنْ لَوْ حَضَرَ وَيُتْبَعُ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا صَارَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فِي مَلَائِهِ وَعَدَمِهِ، وَلَا يَأْخُذُ مَلِيًّا أَوْ حَاضِرًا عَمَّنْ مَاتَ أَوْ أُعْدِمَ وَلْيَتْبَعْ ذِمَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِثْلَ أَنْ يَكُونُوا ثَلَاثَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةٌ غَابَ أَحَدُهُمْ وَلَمْ يُعْلَمْ بِهِ وَبِيَدِ الْمُفْلِسِ مِائَةٌ فَاقْتَسَمَهَا الْحَاضِرَانِ فَإِنَّ الْقَادِمَ يَتْبَعُ ذِمَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ بِسَبْعَةَ عَشَرَ إلَّا ثُلُثًا.
ابْنُ شَاسٍ: وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا لَرَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ يَقْتَضِيهِ الْحِسَابُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَمِثْلُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى. اُنْظُرْ أَنْتَ قَوْلَهُ " وَإِنْ قَبْلَ فَلَسِهِ " الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ هُوَ ظُهُورُ دَيْنٍ. وَانْظُرْ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ طَرَأَ عِبَارَةُ خَلِيلٍ وَإِنْ ظَهَرَ.
وَفِي نَوَازِلِ عِيسَى. وَانْظُرْ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى إذَا قُسِمَتْ تَرِكَةُ مَيِّتٍ وَلِإِنْسَانٍ دَيْنٌ عَلَى تِلْكَ التَّرِكَةِ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ حَتَّى قُسِمَتْ الْمَنْصُوصُ أَيْضًا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ أَنَّ حُضُورَهُ وَسُكُوتَهُ يُبْطِلُ دَعْوَاهُ ذَلِكَ الدَّيْنَ.
قَالَ مُطَرِّفٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ خَوْفٍ أَوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِدْ عَقْدًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا كَانَ تَرَكَهُ لِلْقِيَامِ إلَّا لِمَا يَذْكُرُ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ
(ص) وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ أَوْ اُسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وَإِنْ قَبْلَ فَلَسِهِ رَجَعَ بِالْحِصَّةِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُفَلَّسَ أَوْ الْمَيِّتَ إذَا قَسَمَ الْغُرَمَاءُ مَالَهُ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِمْ غَرِيمٌ سَوَاءٌ عَلِمَ الْغُرَمَاءُ بِهِ أَمْ لَا وَلَمْ تَعْلَمْ الْوَرَثَةُ بِالدَّيْنِ وَلَيْسَ الْمَيِّتُ مَشْهُورًا بِالْمُدَايَنَةِ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَّةِ الَّتِي تَنُوبُهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا فَلَا يَأْخُذُ مَلِيئًا عَنْ مُعْدِمٍ، وَلَا حَاضِرًا عَنْ غَائِبٍ، وَلَا حَيًّا عَنْ مَيِّتٍ
فَلَوْ كَانَ مَالُ الْمُفَلَّسِ عَشَرَةً مَثَلًا وَعَلَيْهِ لِثَلَاثَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَشَرَةٌ أَحَدُهُمْ غَائِبٌ فَاقْتَسَمَ الْحَاضِرَانِ مَالَهُ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةً، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِوَاحِدٍ وَثُلُثَيْنِ
وَكَذَلِكَ إذَا بِيعَتْ سِلْعَةٌ مِنْ مَالِ الْمُفَلَّسِ، أَوْ الْمَيِّتِ بَعْدَ الْفَلَسِ، وَالْمَوْتِ، أَوْ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ مِنْ يَدِهِ يَرْجِعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَنُوبُهُ فِي الْحِصَاصِ فَقَطْ فَلَا يَأْخُذُ أَحَدًا عَنْ أَحَدٍ
فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ عِشْرُونَ دِينَارًا مَثَلًا لِاثْنَيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ إلَّا سِلْعَتَانِ فَبِيعَتْ كُلُّ سِلْعَةٍ بِعَشَرَةٍ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ غَرِيمَيْهِ عَشَرَةً عَلَى قَدْرِ دَيْنِهِ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ إحْدَى السِّلْعَتَيْنِ فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ مِنْ يَدِهِ يَرْجِعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِثُلُثِ مَا فِي يَدِهِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ؛ لِأَنَّهُ غَرِيمٌ طَرَأَ عَلَى الْغُرَمَاءِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يُفَلَّسُ حَيْثُ كَانَ دَيْنُهُ مُسَاوِيًا لِمَا بِيَدِهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا مَرَّ لَحَّ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُمَا حِينَ التَّفْلِيسِ تَنْقُصُ عَنْ عِشْرِينَ، ثُمَّ زَادَتَا حِينَ الْبَيْعِ إلَى بُلُوغِهِمَا عِشْرِينَ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ ظَهَرَ دَيْنٌ عَمَّا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْغُرَمَاءِ حَاضِرًا لِلْقَسْمِ سَاكِتًا بِلَا عُذْرٍ لَهُ مِنْ الْقِيَامِ بِحَقِّهِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ؛
لِأَنَّ سُكُوتَهُ يُعَدُّ رِضًا مِنْهُ بِبَقَاءِ مَا يَنُوبُهُ فِي ذِمَّةِ الْمُفَلَّسِ وَإِنَّمَا بَالَغَ عَلَى كَوْنِ الْبَيْعِ قَبْلَ التَّفْلِيسِ؛ لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ رُبَّمَا يَقُولُونَ لِلْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ السِّلْعَةُ اقْتَسَمْنَا مَالَ الْمُفَلَّسِ؛ لِأَنَّ دَيْنَك لَمْ يَصِلْ إلَيْنَا وَلَمْ نَنْتَفِعْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ طَرَأَ بَعْدَ التَّفْلِيسِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ دَيْنَك لَمْ يَصِلْ إلَيْنَا) ، أَيْ: لِأَنَّهُ قَدْ ضَيَّعَهُ الْمَيِّتُ وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ اقْتَسَمْنَا مَالَ الْمُفَلَّسِ لَا مَالَكَ؛ لِأَنَّ مَالَكَ لَمْ يَصِلْ إلَيْنَا وَلَمْ نَنْتَفِعْ بِهِ، وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ طَرَأَ إلَخْ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا ثَانِيًا، وَالْمَعْنَى وَلِأَنَّهُ طَرَأَ بَعْدُ
وَقَالَ فِي كِ بَعْدَ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ طَرَأَ إلَخْ مَا نَصُّهُ وَقَالَ ز، وَالْمُنَاسِبُ الْمُبَالَغَةُ عَلَى مَا بَعْدَ التَّفْلِيسِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ فِي الْبَيْعِ الْوَاقِعِ بَعْدَ التَّفْلِيسِ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ غَيْرُ الْمَدِينِ وَهُوَ الْحَاكِمُ اهـ زَادَ اللَّقَانِيِّ وَهَذَا تَمَحُّلٌ، وَالصَّوَابُ إسْقَاطُ وَإِنْ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْفَلَسِ تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ وَيَرْجِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ إنَّمَا هِيَ بَيِّنَةٌ وَبَيْنَ الْحَاكِمِ لَا الْمُفَلَّسِ وُجِدَ عِنْدِي مَا نَصُّهُ وَمَحَلُّ الرُّجُوعِ بِالْحِصَّةِ مَا لَمْ يَعْرِفْ الْمُشْتَرِي عَيْنَ شَيْئِهِ، وَإِلَّا فَيَرْجِعُ بِهِ لِقَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي وَلِلْغَرِيمِ أَخْذُ عَيْنِ شِيئَته الْمُحَازِ عَنْهُ فِي الْفَلَسِ لَا الْمَوْتِ وَلَوْ مَسْكُوكًا
(وَإِنْ) قَسَمَ مَالَ مُفْلِسٍ أَوْ مَيِّتٍ عَلَى غُرَمَائِهِ ثُمَّ (ظَهَرَ دَيْنٌ) عَلَيْهِ لِغَيْرِهِمْ لَمْ يُعْلَمْ بِقِسْمَتِهِمْ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ بِالْحِصَّةِ الَّتِي تَنُوبُهُ لَوْ قَاسَمَهُمْ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ ظَهَرَ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ وَلَمْ يُقَاسِمْهُمْ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ وَهُوَ كَذَلِكَ (أَوْ) بِيعَ مَالُهُ وَقُسِمَ ثَمَنُهُ عَلَى غُرَمَائِهِ ثُمَّ (اُسْتُحِقَّ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَقَافٍ شَيْءٌ (مَبِيعٌ) عَلَى مُفْلِسٍ أَوْ مَيِّتٍ إنْ كَانَ مَبِيعًا بَعْدَ تَفْلِيسِهِ.
بَلْ (وَإِنْ) كَانَ مَبِيعًا (قَبْلَ فَلَسِهِ) أَوْ مَوْتِهِ (رَجَعَ) الْغَرِيمُ الظَّاهِرُ فِي الْأُولَى وَالْمُسْتَحَقُّ مِنْهُ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (بِالْحِصَّةِ) الَّتِي تَخُصُّهُ لَوْ قَاسَمَهُمْ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْفَلَسِ، وَبِجَمِيعِ ثَمَنِهِ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَهُ لِاقْتِسَامِهِمْ عَيْنَ مَالِهِ وَلِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ فِي هَذَا إنَّمَا هِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاكِمِ،
فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ عِشْرُونَ لِاثْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَشَرَةٌ وَلَهُ سِلْعَتَانِ بِيعَتْ كُلُّ سِلْعَةٍ مِنْهُمَا بِعَشَرَةٍ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ عَشَرَةً ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ إحْدَى السِّلْعَتَيْنِ رَجَعَ مَنْ اُسْتُحِقَّتْ مِنْهُ السِّلْعَةُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِثَلَاثَةٍ وَثُلُثٍ إنْ كَانَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْفَلَسِ،
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ رَجَعَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِخَمْسَةٍ وَلَا يَأْخُذُ مَلِيًّا عَنْ مُعْدَمٍ، وَلَا حَاضِرًا عَنْ غَائِبٍ، وَلَا حَيًّا عَنْ مَيِّتٍ فِيهِمَا.
الْخَرَشِيُّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ يُفَلَّسُ وَدَيْنُهُ مُسَاوٍ لِمَا بِيَدِهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا مَرَّ لِلْحَطِّ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُمَا حِينَ تَفْلِيسِهِ تَنْقُصُ عَنْ عِشْرِينَ ثُمَّ زَادَتْ حِينَ الْبَيْعِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ ظَهَرَ عَمَّنْ حَضَرَ الْقَسْمَ سَاكِتًا بِلَا عُذْرٍ مَانِعٌ لَهُ مِنْ مُقَاسَمَتِهِمْ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ لِأَنَّ سُكُوتَهُ يُعَدُّ رِضًا مِنْهُ بِبَقَاءِ دَيْنِهِ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ وَبَالَغَ عَلَى الْبَيْعِ قَبْلَ الْفَلَسِ لِتَوَهُّمِ عَدَمِ الرُّجُوعِ فِيهِ لِأَنَّ الْمُقْتَسِمِينَ يَقُولُونَ لِمَنْ اُسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ مِنْهُ إنَّمَا اقْتَسَمْنَا مَالَ الْمُفْلِسِ وَلَمْ تَسْتَحِقَّ أَنْتَ شَيْئًا مِنْهُ وَقْتَ الْقِسْمَةِ إنَّمَا طَرَأَ اسْتِحْقَاقُك بَعْدَهَا.
وَوَجْهُ رُجُوعِهِ عَلَيْهِمْ أَنَّ الْغَيْبَ كَشَفَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِقُّ مُحَاصَّتَهُمْ وَقْتَهَا.
وَأَمَّا الْمَبِيعُ بَعْدَ كَوَارِثٍ، أَوْ مُوصًى لَهُ عَلَى مِثْلِهِ وَإِنْ اشْتَهَرَ مَيِّتٌ بِدَيْنٍ، أَوْ عَلِمَ وَارِثُهُ وَأَقْبَضَ: رُجِعَ عَلَيْهِ؛ [منح الجليل] التَّفْلِيسِ فَلَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ عَدَمُ رُجُوعِهِ عَلَيْهِمْ لِاقْتِسَامِهِمْ عَيْنَ مَالِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِمْ بِجَمِيعِهِ لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ إنَّمَا هِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاكِمِ، قَالَهُ الْفِيشِيُّ وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِ السُّودَانِيِّ.
الْبُنَانِيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ إنْ ظَهَرَ غَرِيمٌ رَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِمَا يَخُصُّهُ،
وَكَذَا لَوْ اُسْتُحِقَّ مَبِيعٌ هَذَا هُوَ نَقْلُ الشَّيْخِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لِأَصْبَغَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ مَنْ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ مَا اشْتَرَاهُ مِمَّا بِيعَ عَلَى الْمُفْلِسِ رَجَعَ بِثَمَنِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ، فَقَوْلُهُ رَجَعَ بِثَمَنِهِ ظَاهِرٌ فِي رُجُوعِهِ بِجَمِيعِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَبِيعَ بَعْدَ الْمُفْلِسِ يَرْجِعُ بِجَمِيعِ ثَمَنِهِ وَالْمَبِيعُ قَبْلَهُ يَرْجِعُ بِحِصَّتِهِ فَقَطْ فَقَدْ اخْتَلَفَا فِي هَذَا الْحُكْمِ وَاتَّفَقَا فِي أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ مَلِيًّا عَنْ مُعْدِمٍ، وَلَا حَاضِرًا عَنْ غَائِبٍ، وَلَا حَيًّا عَنْ مَيِّتٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا إنْ طَرَأَ غَرِيمٌ عَلَى غُرَمَاءِ بَعْدَ قَسْمِ مَالِ الْمَدِينِ عَلَيْهِمْ وَعَدَمِ الْعِلْمِ بِالطَّارِئِ وَشُهْرَةِ الْمَدِينِ بِالدَّيْنِ تَبِعَ كُلًّا مِنْهُمْ بِمَا يَجِبُ لَهُ لَوْ حَضَرَ مَعَهُمْ فِيمَا صَارَ لَهُمْ،
وَلَوْ لَمْ يَجِبْ لَهُ الْوَفَاءُ مَا فَضَلَ عَنْ دُيُونِهِمْ بِحَقِّ الطَّارِئِ تَبِعَ الْوَرَثَةَ بِمَا فَضَلَ عَنْ دُيُونِهِمْ زَادَ فِي قِسْمَتِهَا وَلَا يَتْبَعُ الْمَلِيءُ بِمَا عَلَى الْمُعْدِمِ اهـ.
وَشَبَّهَ فِي رُجُوعِ الطَّارِئِ عَلَى الْمَطْرُوِّ عَلَيْهِ فَقَالَ
وإن ظهر دين يعني أن المفلس أو الميت إذا قسم الغرماء ماله ثم طرأ عليهم غريم، سواء علم الغرماء به أم لا ولم يعلم الورثة بالدين وليس الميت مشهورا بالمداينة بدليل ما يأتي، فإنه يرجع على كل من الغرماء بالحصة التي تنوبه لو كان حاضرا، فلا يأخذ مليا عن معدم ولا حاضرا عن غائب ولا حيا عن ميت،
فلو كان مال المفلس عشرة مثلا وله غرماء ثلاثة عليه لكل واحد منهم عشرة أحدهم غائب فاقتسم الحاضران ماله فأخذ كل واحد منهما خمسة على قدر دينه ثم قدم الغائب فإنه يرجع على كل واحد منهما بواحد وثلثين، واحترز بقوله: "ظهر دين" عما لو كان أحد الغرماء حاضرا للقسم ساكتا بلا عذر من القيام بحقه فإنه لا يرجع على أحد بشيء؛ لأن سكوته يعد رضى منه ببقاء ما ينوبه في ذمة المفلس،
قال في كتاب السلطان من العتبية من كتاب التفليس: ولو كان الغريم حاضرا عالما بدينه والغرماء يقتسمون لا يرجع عليهم بشيء،
وكذا لو رأى الورثة يقتسمون التركة وهو حاضر عالم بلا عذر فلا قيام له بذكر حق،
فلو كان له عذر من خوف سلطان ونحوه قام ولو كان ذكره ضائعا،
وقال: لم أعلم بالدين إلا حين وجدت الذكر حلف وكان له القيام لخبر: (لا يبطل حق امرئ مسلم ولو قدم) .
فلو نكل حلف الورثة ما يعلمون هذا الحق ولا يكلفون أن يحلفوا على رد الشهادة،
فإن نكلوا غرموا أو من نكل منهم. انتهى.
ولو قال كنت أعلم بالدين ولكن كنت أنتظر الذكر أو البينة لم يعذر بذلك إذا سكت على ما للجزولي وابن عمر، وصوبه ابن ناجي ورجع إليه أبو مهدي بعد ما قال إنه يعذر به. قاله الخرشي. قوله: لم يعذر بذلك نحوه لعبد الباقي، قال الرهوني: جزم هنا
وكذلك آخر باب الشهادات عند قوله: "ثم ادعى حاضر ساكت بلا مانع" ، وزاد هناك ما نصه:
فإن سكت لمانع كدعوى جهله ما يقوم به من بينة أو وثيقة ثم وجد عذر بذلك. انتهى. وسلم التاودي والبناني ما قاله من أنه لا يعذر في الصورة الأولى واعترضا معا ما قاله في الثانية من أنه يعذر بذلك، مستدلين بما في الحطاب عن الجزولي وابن عمر وتصويب ابن ناجي، وكلام البناني يفيد أن ما في الحطاب عمن ذكر يشمل الصورتين معا؛ لأنه استدل به لصحة ما قاله الزرقاني هنا في الأولى، واستدل به فيما يأتي لرد ما قاله الزرقاني في الثانية، واختار شيخنا مثل ما للتاودي والبناني من أنه لا فرق بين المسألتين، لكن اعترض ما ذكراه تبعا للحطاب من أن ذلك ليس بعذر، قائلا: بل الراجح أنه عذر فيهما،
قلت: وما اتفقوا عليه -طيَّبَ اللَّه ثراهم- من اعتراض التفريق الذي سلكه الزرقاني واضح، إذ لا وجه للتفريق لأن العلة التي علل بها القول بأنه عذر موجودة في الصورتين، وهي ما ذكره غير واحد من أنه يقول خفت أن أرفع إلى الحاكم فيعجزني
ويبطل حقي، والعلة التي علل بها القول بأنه ليس بعذر موجودة فيهما أيضا، وهي أنه لو رفعه إلى الحاكم لاحتمل أن يقر له بالحق فلا يحتاج لإقامة حجة،
وإذا استويا في العلة (وجب) استواؤهما في الحكم وما اختلفوا فيه من الترجيح فالحقُّ فيه مع شيخنا، والصواب ما قاله من أن الراجح أنه عذر في الصورتين؛ لأنه المنصوص للمتقدمين والذي عليه الحفاظ المحققون من المتأخرين. ثم قال الرهوني بعد جلب كثير من النقول ما نصه: فتحصل من ذلك كله أن الصورتين سواء وأن الراجح أن ذلك عذر فيهما لأنه المنصوص عليه للمتقدمين، إذ رواه ابن حبيب في واضحته عن مطرف وأصبغ وقبله ولم يحك خلافه أصلا، وقبله فضل في اختصاره للواضحة وأبو محمد في نوادره والمتيطى في نهايته وابن سلمون في ديوانه وابن هارون في اختصاره وابن فرحون في تبصرته ولم يذكروا خلافه عن أحد، ونسبه ابن أبي يحيى في حاشيته على المدونة لرواية عيسى وسلم له ذلك أبو الحسن والقاضي المكناسي،
وقال الإمام العبدوسي: لم يزل الشيوخ يستقرءونه من قول ابن القاسم وسلم لهم ذلك هو وغيره من المحققين، وهو الذي أفتى به ابن الحاج في نوازله، واعتمد كلامه ابن سلمون وابن هلال والوانشريسي في غير موضع من معياره والشيخ ميارة وأبو علي وغيرهم، وبه أفتى أبو الحسن في أجوبته وهو الذي جزم به الرعيني وابن يحيى وابن دبوس وأبو عبد اللَّه القيرواني، ونقله ابن فرحون عن أبي الحسن الطخيخي عن أبي الحسن الصغير وسلمه وعليه عول المكناسي في مجالسه، وبه يتبين لك صحة ما قلناه من أن ما قاله شيخنا هو الحق والصواب،
وأن فيما قاله التاودي والبناني نظرا وإن تبعا في ذلك الحطاب، والعجب من اعتمادهما على ما لابن ناجي والجزولي وابن عمر وغفلتهما عما رأيته من النصوص الصريحة والنقول التي لا يبقى لمن اطلع عليها ومعه قلامة ظفر من الإنصاف ما يقول، بل المص يكفيه من ذلك القليل، مع أن شرحي الجزولي وابن عمر قد قيل فيهما ما قيل، وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل، انتهى كلام الرهوني. قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: تأمل كلام هذا الصمصامة رئيس الفحول، الذي برز في المعقول والمنقول، واقض العجب من اطلاعه العجاب، الذي يبهر العقول ويحير الألباب، فللَّه دره ما أحسن مقاله، وللَّه صنيعه ما أبهر أنقاله، جمعنا اللَّه وإياه في دار المزيد بتفضل ممن قال جل وعلا: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} .
وقال عبد الباقي: وأشعر قوله: "ظهر" أنه لو حضر غريم قسم تركة بين ورثة أو غرماء ميت عالما بدينه ساكتا بلا عذر فإنه لا قيام له حيث حصل القسم في الجميع،
فإن بقي بلا قسم ما يفي بدينه لم يسقط قيامه بقسم غيره. انتهى.
وقال الخرشي: وقد أشار ابن عاصم إلى مسألة ما إذا بقي بلا قسم ما يفي بحقه،
وحاصله أنه يأخذ حقه من ذلك بعد اليمين أنه لم يترك حقه بوجه. انتهى. أو استحق مبيع تقريره بحسب ظاهره أن تقول إذا بيعت سلعة من سلع المفلس فاقتسم الغرماء ثمنها ثم استحقت السلعة من يد مشتريها،
فإن المشتري يرجع على الغرماء بما ينوبه من ثمنه حيث حصل البيع بعد الفلس، بل وإن كان البيع قبل فلسه فلا يأخذ حيا عن ميت ولا حاضرا عن غائب ولا مليا عن معدم، ويتضح ذلك بالمثال
فلو كان عليه عشرون دينارا مثلا لاثنين ولم يوجد عنده إلا سلعتان فبيعت كل سلعة بعشرة فأخذ كل واحد من غريميه عشرة على قدر دينه، ثم استحقت إحدى السلعتين من يد من اشتراها فيرجع على كل واحد من الغريمين بثلث ما في يده وهو ثلاثة وثلث، فيكون لكل واحد من الثلاثة ستة وثلثان،
وفي هذا المثال تحمل السلعتان على أن قيمتهما حين التفليس تنقص عن عشرين، وما قررت به المص تقرير له بحسب ظاهره كما عرفت.
وقال الفيشي: إن الصواب إسقاط وإن أي بأن يقول أو استحق مبيع قبل فلسه؛ أي لأنه إذا بيع بعد الفلس تنقض القسمة، ونحوه في السوداني وهو الصواب كما قاله البناني؛ لأن المعاملة إنما هي بينه وبين الحاكم لا المفلس،
ثم قال ما نصه: والحاصل أنه بعد الفلس يرجع بجميع الثمن وقبله بالحصة فقط، فهما قد اختلفا في هذا الحكم واتفقا أنه لا يؤخذ الملي عن المعدم ولا الحاضر عن الغائب. واللَّه تعالى أعلم.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: يجاب عن المص بأن يقال: وإن للحال أي أو استحق مبيع والحال أنه بيع قبل فلسه فهذا هو محل رجوعه بالحصة، واحترز بذلك عما لو بيع بعد الفلس فإنه يرجع بجميع الثمن. واللَّه تعالى أعلم. وعلم مما قررت أن قوله: رجع بالحصة جواب الشرط فهو راجع للمسألتين أي مسألة ظهر دين ومسألة استحق مبيع واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "وإن قبل فلسه" مثل الفلس الموت كما في الخرشي، وفيه أن محل الرجوع بالحصة ما لم يعرف المشتري عين ثمنه وإلا رجع به.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.