ودينة ونسيبة
الشروح عليها
ودينة ونسيبة فروع يحرم التصريح بخطبة المعتدة من غيره رجعية كانت أو بائنا بطلاق أو فسخ أو موت.
ويجوز التعريض بها في عدة غير رجعية وهو: كأنت جميلة ورب راغب فيك.
ولا يحل خطبة المطلقة منه ثلاثا حتى تتحلل وتنقضي عدة المحلل إن طلق رجعيا وإلا جاز التعريض في عدة المحلل.
ويحرم على عالم بخطبة الغير والإجابة له خطبة على خطبة من جازت خطبته وإن كرهت وقد صرح لفظا بإجابته إلا بإذنه له من غير خوف ولا حياء أو بإعراضه: كأن طال الزمن بعد إجابته ومنه سفره البعيد.
ومن استشير في خاطب أو نحو عالم يريد الاجتماع به ذكر وجوبا مساويه بصدق: بذلا للنصيحة الواجبة. ودينة أي نكاح المرأة الدينة التي وجدت فيها صفة العدالة أولى من نكاح الفاسقة ولو بغير نحو زنا للخبر المتفق عليه "فاظفر بذات الدين" [البخاري رقم: ٥٠٩٠, مسلم رقم: ١٤٦٦] .
ونسيبة أي معروفة الأصل وطيبته لنسبتها إلى العلماء والصلحاء أولى من غيرها: لخبر: تخيروا لنطفكم
ولا تضعوها في غير الأكفاء [راجع ابن ماجه رقم: ١٩٦٨] .
(قوله: فروع) أي خمسة: أولها قوله يحرم التصريح الخ، ثانيها قوله
ويجوز التعريض الخ، ثالثها قوله ولا يحل الخ، رابعها قوله يحرم الخ، خامسها قوله ومن استشير الخ
(قوله: يحرم التصريح بخطبة الخ) هو ما يقطع بالرغبة في النكاح، كأريد نكاحك وإذا انقضت عدتك نكحتك، ومثل التصريح بها النفقة في زمن العدة، كما يقع كثيرا، فهو حرام.
ولو أنفق على المخطوبة ولم يتزوجها رجع بما أنفقه، حتى بالملح،
ولو كان الترك منه أو بموتها.
وفي حاشية الجمل ما نصه:(سئل م ر) عمن خطب امرأة وأنفق عليها ليتزوجها ولم يحصل التزوج بها فهل لها الرجوع بما أنفقه لأجل ذلك أم لا؟.
(فأجاب) بأن له الرجوع بما أنفقه على من دفعه له سواء كان مأكلا أم مشربا أم ملبسا أم حليا، وسواء رجع هو أم مجيبه أم مات أحدهما لأنه إنما أنفق لأجل تزوجها فيرجع به إن بقي وببدله إن تلف.
اه.
ببعض تصرف.
ومحل رجوعه حيث أطلق أو قصد الهدية لأجل النكاح،
فإن قصد الهدية، لا لأجل ذلك فلا رجوع وإنما حرم التصريح بها لأنها ربما تكذب في انقضاء العدة إذا تحققت رغبته فيها لما عهد على النساء من قلة الديانة وتضييع الأمانة فإنهن ناقصات عقل ودين.
(وقوله: المعتدة من غيره) خرج به ما إذا كانت معتدة منه فإنه يجوز له أن يصرح بالخطبة، كما له أن يعرض بها إن حل له نكاحها، كأن خالعها وشرعت في لعدة فيحل له التعريض والتصريح لأنه يجوز له نكاحها،
فإن كان طلاقه لها رجعيا لم يكن له التصريح والتعريض بخطبتها لأنه ليس له نكاحها وإنما له مراجعتها.
نعم، إن نوى بنكاحها الرجعة صح لأنه كناية فيها،
فإن نواها به حصلت وإلا فلا.
وأما من لا يحل له نكاحها كأن طلقها بائنا أو رجعيا ثم وطئت بشبهة وحملت من وطئ الشبهة،
فإن عدة وطئ الشبهة تقدم إذا كانت بالحمل ويبقى عليها بقية كعدة الطلاق فلا يحل لصاحب عدة الشبهة أن يخطبها مع أنه صاحب العدة لأنه لا يجوز له العقد عليها حينئذ لما بقي عليها من عدة الطلاق اه.
باجوري.
وقوله رجعية كانت: أي المعتدة من غيره.
وقوله أو بائنا: أي أو كانت بائنا.
وقوله بطلاق: الباء سببية متعلقة ببائنا، أي بائنا بسبب طلاق، أي بالثلاث.
وقوله أو فسخ، أي أو بسبب فسخ حاصل منها بعيبه أو منه بعيبها، أي أو انفساخ كما في الرضاع
(قوله: ويجوز التعريض) أي لقوله تعالى: * (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء) * والتعريض هو ما لا يقطع بالرغبة في النكاح، بل يحتملها كما يحتمل عدمها
(قوله: في عدة غير رجعية) خرج به ما إذا كانت في عدة طلاق رجعي، فلا يحل التعريض له كالتصريح لأنها في حكم الزوجة، ومعلوم أن الزوجة يحرم فيها ذلك
(قوله: وهو) أي التعريض
(قوله: ولا يحل خطبة المطلقة منه) هذا مفرع على مفهوم قوله المعتدة من غيره، فكان عليه أن يذكر المفهوم أولا بأن يقول
أما معتدته فله خطبتها فيحل له التصريح والتعريض إن حل له نكاحها وإلا فلا، ثم يقول فلا يحل خطبة المطلقة الخ
(قوله: وتنقضي الخ) أي وحتى تنقضي عدة المحلل.
وقوله إن طلق: أي المحلل وهو قيد في اشتراط انقضاء عدة المحلل
(قوله: وإلا) أي وإن لم يطلق رجعيا بأن طلقها بائنا.
وقوله جاز التعريض: أي لما تقدم آنفا من جواز التعريض في عدة غير رجعية
(قوله: ويحرم على عالم الخ) وذلك لخبر الشيخين لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب في ذلك والحكمة في ذلك الإيذاء، ولكن لا يحرم ذلك إلا بشروط ذكر منها الشارح أربعة: وهي علمه بخطبة الغير، وبإجابته له، وقد صرح لفظا بالإجابة،
وأن تكون خطبة الخاطب الأول جائزة.
وبقي من الشروط: علمه بحرمة الخطبة على الخطبة، وبصراحة الإجابة، فخرج بما ذكر ما إذا لم تكن خطبة أصلا، أو لم يجب الخاطب الأول، أو أجيب تعريضا لا تصريحا، أو لم يعلم الثاني بالخطبة، أو علم بها ولم يعلم بالإجابة، أو علم بها ولم يعلم كونها بالصريح، أو علم كونها بالصريح ولم يعلم بالحرمة، أو علم بجميع ما ذكر لكن كانت الخطبة محرمة كأن خطب في عدة غيره فلا حرمة في جميع ما ذكر.
وقوله والإجابة له: أي وعالم بالإجابة له وهي تكون ممن تعتبر إجابته وهو الولي إن كانت الزوجة مجبرة، ونفس الزوجة إن كانت غير مجبرة، وهي مع الولي إن كان الخاطب غير كفء لأن الكفاءة حق لهما معا، والسيد إن كانت أمة غير مكاتبة، وهو مع الأمة إن كانت مكاتبة، والسلطان إن كانت المرأة مجنونة بالغة ولا أب لها ولا جد لها.
(وقوله: على خطبة من الخ) إظهار في مقام الإضمار، فالمناسب والأخصر أن يقول على خطبته إن جازت ويكون الضمير في خطبته عائدا على الغير المتقدم ذكره.
وقوله جازت خطبته: أي بأن كانت المخطوبة خالية من الموانع.
وخرج به من حرمت خطبته كأن خطبها في عدة غيره أو في نكاحه فلا تحرم لأنه لاحق للأول.
وقوله وإن كرهت، أي الخطبة الأولى الجائزة بأن كان عاجزا عن المؤن وغير تائق.
وقوله وقد صرح لفظا بإجابته، الواو للحال: أي والحال أنه قد صرح لفظا بإجابته، أي الخاطب، الأول،
فلو لم يصرح بها لفظا، بأن رد أو سكت عنه، لم تحرم.
وعبارة المنهاج مع المغني: فإن لم تجب ولم يرد بأن سكت عن التصريح بإجابة أو رد والساكت غير بكر يكفي سكوتها أو ذكر ما يشعر بالرضا نحو لا رغبة عنك لم تحرم في الأظهر، لأن فاطمة بنت قيس قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن معاوية وأبا جهم خطباني،
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه،
وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد وجه الدلالة أن أبا جهم ومعاوية خطباها، وخطبها النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسامة بعد خطبتهما لأنها لم تكن أجابت واحدا منهما.
اه.
(قوله: إلا بإذنه له) متعلق بيحرم: أي يحرم الخطبة المذكورة إلا إن أذن الخاطب الأول للخاطب الثاني فإنها حينئذ لا تحرم.
(وقوله: من غير خوف ولا حياء) أي حال كون الإذن واقعا منه بنحو خوف، أي من الخاطب الثاني أو حياء منه فإن وقع مع خوف أو حياء لم ترتفع الحرمة
(قوله: أو بإعراضه) معطوف على بإذنه، أي وإلا بإعراضه، أي الخاطب الأول فإنها لا تحرم.
قال في المغني: وإعراض المجيب كإعراض الخاطب.
اه.
ومثله في التحفة والنهاية
(قوله: كأن طال الخ) تمثيل للإعراض.
وعبارة التحفة: كأن يطول الزمن بعد إجابته حتى تشهد قرائن أحواله بإعراضه.
اه.
(قوله: ومنه) أي الإعراض: أي مما يفيده.
وقوله سفره البعيد: أي المنقطع، كما في التحفة والنهاية.
وكتب ع ش: يظهر أن المراد بالانقطاع انقطاع المراسلة بينه وبين المخطوبة لا انقطاع خبره بالكلية.
اه.
وفي البجيرمي: ومنه، أي الإعراض، أن يتزوج من يحرم الجمع بينها وبين مخطوبته أو تطرأ ردته، لأن الردة، والعياذ بالله، قبل الوطئ تفسخ العقد، فالخطبة أولى، أو يعقد على أربع من خمس خطبهن معا أو مرتبا.
اه.
(قوله: ومن استشير في خاطب) أي هل يصلح أم لا
(قوله: أو نحو عالم) أي أو استشير في نحو عالم كتاجر، وقوله يريد الاجتماع به: أي أو معاملته
(قوله: ذكر) أي المستشار.
وقوله وجوبا: محله إذا لم يندفع إلا بذكر العيوب،
فإن اندفع بدونه، بأن اكتفى بقوله له هو لا يصلح، أو احتيج لذكر البعض دون البعض، حرم ذكر شئ منها في الأول وشئ من البعض الآخر في الثاني.
وقوله مساويه، بفتح الميم، أي عيوبه الشرعية والعرفية، كالفقر والتقتير.
وذلك للحديث المار إن فاطمة بنت قيس استشارت النبي - صلى الله عليه وسلم - في تزويج أبي جهم أو معاوية، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -
أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، كناية عن كثرة الضرب، قيل أو السفر،
وأما معاوية فصعلوك أي فقير لا مال له.
وفي البجيرمي: قال البارزي ولو استشير في أمر نفسه فإن كان فيه ما يثبت الخيار وجب ذكره للزوجة.
وإن كان فيه ما يقلل الرغبة فيه ولا يثبت الخيار كسوء الخلق والشح استحب.
وإن كان فيه شئ من المعاصي وجب عليه التوبة في الحال وستر نفسه ولا يذكره.
وإن استشير في ولاية فإن علم من نفسه عدم الكفاية أو الخيانة وأن نفسه لا تطاوعه على تركها وجب عليه أن يبين ذلك أو يقول لست أهلا للولاية.
اه.
ووجوب التفصيل بعيد.
والأوجه دفع ذلك بنحو لا أصلح لكم.
اه.
وقوله ولو استشير في أمر نفسه، أي استشارت الزوجة خاطبها في أمر نفسه هل يصلح لها أم لا؟.
(واعلم) أن ذكر المستشار العيوب ليس من الغيبة المحرمة، بل هو من باب النصيحة، كما أنه ليس من الغيبة أيضا ما إذا كانت الغيبة في فاسق متجاهر، لكن بشرط أن تغتابه بما فسق به،
وأن تقصد زجره بذلك إذا بلغته، وما إذا كانت على وجه التظلم، كأن تقول فلان ظلمني، أن على وجه التحذير: كأن تقول فلان فعل كذا فلا تصحبه، أو على وجه الاستعانة: كأن تقول فلان فعل كذا فأعني عليه، أو على وجه الإستفتاء: كأن تقول فلان فعل كذا فهل يجوز له ذلك أم لا؟.
وقد حصر بعضهم ما لا يعد غيبة في ستة أشياء ونظمها في قوله: القدح ليس بغيبة في ستة: متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسقا ومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر وقوله ومعرف هو المستشار.
وذلك لأنه يعرف المستشير عيوب من استشير فيه، ويصدق التعريف أيضا بقوله فلان الأعمش أو الأعرج
(قوله: بصدق) متعلق بذكر: أي ذكرها بصدق بأن يكون ما ذكره موجودا في المستشار فيه.
وقوله بذلا للنصيحة: فيه إشارة إلى أنه لا بد من قصد النصيحة، لا الوقيعة، أي الخوض في عرضه.
ويشترط ذكو العيوب المتعلقة بما حصلت الإستشارة من أجله،
فإذا استشير في نكاح ذكر العيوب المتعلقة به، لا المتعلقة بالبيع مثلا وهكذا
(قوله: ودينه) هو وما عطف عليه مبتدأ وخبره قوله في المتن أولى.
والشارح قدر لكل خبرا
(قوله: أي نكاح الخ) أفاد به أن في الكلام تقدير مضاف قبل المبتدأ وهو الذي يحكم عليه بالأولوية.
وقوله التي وجدت الخ: الأولى زيادة أي التفسيرية: لأنه تفسير للدينة.
وقوله صفة العدالة: هي فقد ارتكاب كبيرة وإصرار على صغيرة.
وأفاد بما ذكر أن العفة عن الزنا فقط لا تكفي، وقد صرح به في التحفة.
وقوله أولى من نكاح الفاسقة، هي من ارتكبت كبيرة أو أصرت على صغيرة.
(وقوله: ولو بغير نحو زنا)
أي: ولو كان فسقها بغير نحو زنا،
فإن الدينة أولى منها.
ونحو الزنا كل كبيرة كشرب الخمر وغير ذلك من الصغائر كالغيبة، بشرط الإصرار عليها،
(قوله: للخبر المتفق عليه فاظفر الخ) هو بعض الخبر، ولفظه بتمامه تنكح المرأة لأربع: لمالها وجمالها، ولحسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك أي التصقتا بالتراب: كناية عن الفقر إن لم تفعل، واستغنيت إن فعلت.
قال في التحفة: وتردد في مسلمة تاركة للصلاة، وكتابية، فقيل هذه أولى للإجماع على صحة نكاحها، ولبطلان نكاح تلك، لردتها عند قوم.
وقيل تلك لأن شرط نكاح هذه أي الكتابية مختلف فيه، ورجح بعضهم الأول، وهو واضح، في الإسرائيلية لأن الخلاف القوي إنما هو في غيرها،
ولو قيل الأولى لقوى الإيمان والعلم هذه لأمنه من فتنتها وقرب سياسته لها إلى أن تسلم ولغيره تلك لئلا تفتنه هذه لكان أوجه.
اه.
(قوله: أي معروفة الخ) تفسير لنسيبة، وكان الملائم لما قبله أن يقول أي نكاح النسيبة: أي معروفة الأصل فيقدر مضافا كما قدره فيما قبله.
وقوله وطيبته: أي الأصل
(قوله: لنسبتها الخ) علة للطيب، أي طيبها حاصل لأجل نسبتها إلى العلماء والصلحاء، أي أو الأشراف أو العرب
(قوله: أولى) خبر نسيبة لما علمت أن الشارح قدر عند كل معطوف خبرا.
وقوله من غيرها: أي غير النسيبة
(قوله: لخبر تخيروا لنطفكم الخ)
قال في المغني: قال أبو حاتم الرازي هذا الخبر ليس له أصل،
وقال ابن الصلاح له أسانيد فيها مقال، ولكن صحة الحاكم.
اه.
وفي البجيرمي ورد: تخيروا لنطفكم،
فإن العرق دساس وورد وإياكم وخضراء الدمن.
قالوا من هي يا رسول الله؟ قال المرأة الحسناء في المنبت السوء فشبه المرأة التي أصلها ردئ بالقطعة الزرع المرتفعة على غيرها التي منبتها موضع روث البهائم.
اه.
وقوله تخيروا لنطفكم.
قال في لطائف الحكم شرح غرائب الأحاديث، أي تكلفوا طلب ما هو خير المناكح وأزكاها وأبعدها عن الخبث والفجور، ولا تضعوا نطفكم إلا في أصل ظاهر.
وأصل النطفة الماء القليل.
والمراد هنا المني: سمي نطفة لأن النطف القطر.
اه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.