والتراويح.
الشروح عليها
والتراويح. في الخطبة ويستقبل القبلة حالة الدعاء بعد صدر الخطبة الثانية أي نحو ثلثها.
وصلاة التراويح وهي عشرون ركعة بعشر تسليمات في كل ليلة من رمضان لخبر: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" . [البخاري رقم: ٢٠٠٨, مسلم رقم: ٧٥٩] .
ويجب التسليم من كل ركعتين.
فلو صلى أربعا منها بتسليمة لم تصح
بخلاف سنة الظهر والعصر والضحى والوتر وينوي بها التراويح أو قيام رمضان وفعلها أول الوقت أفضل من فعلها أثناءه بعد النوم خلافا لما وهمه الحليمي.
وسميت تراويح لأنهم كانوا يستريحون لطول قيامهم بعد كل تسليمتين.
وسر العشرين أن الرواتب المؤكدة في غير رمضان عشر فضوعفت فيه لأنه وقت جد وتشمير.
وتكرير {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثلاثا ثلاثا في الركعات الأخيرة من ركعاتها بدعة غير حسنة لان فيه إخلالا بالسنة كما أفتى به شيخنا.
ويسن التهجد إجماعا وهو التنفل ليلا بعد النوم قال الله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [١٧ سورة الإسراء الآية: ٧٩] وورد في فضله أحاديث كثيرة وكره لمعتاده تركه بلا ضرورة ويتأكد أن لا يخل بصلاة في الليل بعد النوم ولو ركعتين لعظم فضل ذلك.
ولا حد لعدد ركعاته وقيل: حدها ثنتا عشرة. ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ وأن يكثر فيه من الدعاء والاستغفار.
ونصفه الأخير آكد وأفضله عند السحر لقوله تعالى: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [٥١ سورة الذاريات الآية: ١٨] وأن يوقظ من يطمع في تهجده.
ويندب قضاء نفل مؤقت إذا فات كالعيد والرواتب والضحى لا ذي سبب ككسوف وتحية وسنة
وضوء.
ومن فاته ورده أي من النفل المطلق ندب له قضاؤه
وكذا غير الصلاة.
ولا حصر للنفل المطلق وله أن يقتصر على ركعة بتشهد مع سلام بلا كراهة فإن نوى فوق ركعة فله التشهد في كل ركعتين وفي ثلاث وأربع فأكثر أو نوى قدرا فله زيادة ونقص إن نويا قبلهما وإلا بطلت صلاته
فلو نوى ركعتين فقام إلى ثالثة سهوا ثم تذكر فيقعد وجوبا ثم يقوم للزيادة إن شاء ثم يسجد للسهو آخر صلاته وإن لم يشأ قعد وتشهد وسجد للسهو وسلم.
ويسن للمتنفل ليلا أو نهارا أن يسلم من كل ركعتين للخبر المتفق عليه [البخاري رقم: ٩٩٠, مسلم رقم: ٧٤٩] "صلاة الليل مثنى مثنى" .
وفي رواية صحيحة [الترمذي رقم: ٥٩٧, ابن ماجه رقم: ١٣٢٢] : والنهار.
قال في المجموع: إطالة القيام أفضل من تكثير الركعات.
وقال فيه أيضا: أفضل النفل عيد أكبر فأصغر فكسوف. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فخسوف فاستسقاء فوتر فركعتا فجر فبقية الرواتب فجميعها في مرتبة واحدة فالتراويح فالضحى فركعتا الطواف والتحية والإحرام فالوضوء.
فائدة: أما الصلاة المعروفة ليلة الرغائب ونصف شعبان ويوم عاشوراء فبدعة قبيحة وأحاديثها موضوعة.
قال شيخنا: كابن شبهة وغيره وأقبح منها ما اعتيد في بعض البلاد من صلاة الخمس في الجمعة الأخيرة من رمضان عقب صلاتها زاعمين أنها تكفر صلوات العام أو العمر المتروكة وذلك حرام.
(قوله: ويستقبل القبلة حالة الدعاء الخ) عبارة المنهاج: ويدعو في الخطبة الأولى ويقول اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا مريعا غدقا مجللا سحا طبقا دائما.
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا.
ويستقبل القبلة بعد صدر الخطبة الثانية ويبالغ في الدعاء سرا وجهرا ويحول رداءه عند استقباله فيجعل يمينه يساره وعكسه وينكسه - في الجديد - فيجعل أعلاه أسفله وعكسه، ويحول الناس مثله.
اه.
قوله: أي نحو ثلثها تفسير مراد للصدر.
قال في النهاية: فإن استقبل للدعاء في الأولى لم يعده في الثانية.
اه.
(تنبيه) ما ذكره من كيفية صلاة الاستسقاء هو أكمل كيفيات الاستسقاء، وثانيتها - وهي أدناها - مجرد الدعاء.
وثالثتها - وهي أوسطها - الدعاء خلف الصلوات ولو نفلا،
وفي نحو خطبة الجمعة.
(قوله: وصلاة التراويح) الأصل فيها ما روى الشيخان: أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج من جوف الليل ليالي من رمضان وصلى في المسجد وصلى الناس بصلاته فيها، وتكاثروا فلم يخرج لهم في الرابعة وقال لهم صبيحتها: خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها.
وروى البيهقي بإسناد صحيح أنهم يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة.
وروى مالك في الموطأ بثلاث وعشرين.
وجمع البيهقي بينهما بأنهم كانوا يوترون بثلاث.
واستشكل قوله - صلى الله عليه وسلم -: خشيت أن تفرض عليكم.
بقوله تعالى في ليلة الإسراء: هن خمس والثواب خمسون، لا يبدل القول لدي.
وأجيب بأجوبة أحسنها أن ذلك في كل يوم وليلة فلا ينافي فرضية غيرها في السنة.
(قوله: وهي) أي صلاة التراويح.
(وقوله: عشرون ركعة) أي لغير أهل المدينة على مشرفها أفضل الصلاة وأزكى السلام،
أما هم فلهم فعلها ستا وثلاثين،
وإن كان اقتصارهم على العشرين أفضل،
ولا يجوز لغيرهم ذلك، وإنما فعل أهل المدينة هذا لأنهم أرادوا مساواة أهل مكة، فإنهم كانوا يطوفون سبعا بين كل ترويحتين، فجعل أهل المدينة مكان كل سبع أربع ركعات.
قال السيوطي: وما كانوا يطوفون بعد الخامسة، وإنما خص أهل المدينة بذلك لأن لهم شرفا بهجرته - صلى الله عليه وسلم - ومدفنه.
(قوله: بعشر تسليمات) أي وجوبا، لأنها وردت هكذا، وأشبهت الفرائض بطلب الجماعة فيها، فلا تغير عما وردت عليه.
(قوله: في كل ليلة) أي بعد صلاة العشاء،
ولو مجموعة مع المغرب جمع تقديم.
(قوله: ويجب التسليم) الأولى التعبير بفاء التفريع، إذ المقام يقتضيه لأنه مفرع على قوله بعشر تسليمات.
(قوله: فلو صلى أربعا منها) أي أو أكثر.
(وقوله: لم تصح) أي أصلا إن كان عامدا عالما، وإلا صحت له نفلا مطلقا.
(قوله: بخلاف سنة الظهر الخ) أي فإنه يجوز جمع الأربع القبلية أو البعدية بتحريم واحد وسلام واحد،
وكذلك الضحى يجوز أن يجمع فيه بين ركعاته كلها بتحرم واحد وسلام واحد.
وقد تقدم أنه لو أخر القبلية لا يجوز له جمعها مع البعدية بسلام واحد، على معتمد ابن حجر،
وقال: لعل بحث الجواز مبني على الضعيف إنه لا تجب نية القبلية ولا البعدية.
ويجوز ذلك على معتمد م ر.
(قوله: وينوي بها التروايح إلخ) أي وينوي في صلاة التروايح، أو ينوي قيام رمضان، وأفاد بذلك أنه لا بد من التعيين في النية.
وظاهر كلامه أنه لا يشترط التعرض للعدد فيها، وهو المعتمد، لأن التعرض للعدد لا يجب.
كما لو قال: أصلي الظهر أو العصر.
(قوله: وفعلها أول الوقت) قد بين وقتها في قوله في مبحث الوتر: ووقت الوتر كالتروايح بين صلاة العشاء وطلوع الفجر.
فلا يعترض بأنه كان المناسب أن يقول أولا ووقتها كذا ثم يقول وفعلها أول إلخ.
(قوله: أفضل إلخ) في بشرى الكريم خلافه، ونص عبارته: قال عميرة: وفعلها - أي التروايح - عقب العشاء أول الوقت من بدع الكسالى.
وفي الإمداد: ووقتها المختار يدخل بربع الليل.
اه.
ولو تعارض فعلها مع العشاء أول الوقت، أو في جوف الليل بعد نوم، قدمتا لكراهة النوم قبل العشاء.
(قوله: أثناءه) أي الوقت.
(قوله: بعد النوم) متعلق بفعلها أثناءه، ومقتضى التقييد به أن فعلها أول الوقت لا يكون أفضل من فعلها أثناءه مع عدم النوم، فانظره.
(قوله: خلافا لما وهمه الحليمي) أي من أن فعلها أثناءه بعد النوم أفضل.
(قوله: وسميت) أي العشرون ركعة التي يصليها في رمضان.
(وقوله: لأنهم) أي الصحابة.
(قوله: كانوا يستريحون لطول قيامهم) يؤخذ من التعليل المذكور أنه ينبغي طول القيام بالقراءة مع الحضور والخشوع، خلافا لما يعتاده كثيرون في زماننا من تخفيفها ويتفاخرون بذلك، قال قطب الإرشاد سيدنا عبد الله بن علوي الحداد في النصائح: وليحذر من التخفيف المفرط الذي يعتاده كثير من الجهلة في صلاتهم للتراويح، حتى ربما يقعون بسببه في الإخلال بشئ من الواجبات مثل ترك الطمأنينة في الركوع والسجود، وترك قراءة الفاتحة على الوجه الذي لا بد منه بسبب العجلة، فيصير أحدهم عند الله لا هو صلى ففاز بالثواب ولا هو ترك فاعترف بالتقصير وسلم من الإعجاب.
وهذه وما أشبهها من أعظم مكايد الشيطان لأهل الإيمان، يبطل عمل العامل منهم عمله مع فعله للعمل، فاحذروا من ذلك وتنبهوا له معاشر الإخوان.
وإذا صليتم التروايح وغيرها من الصلوات فأتموا القيام والقراءة والركوع والسجود والخشوع والحضور وسائر الأركان والآداب، ولا تجعلوا للشيطان عليكم سلطانا فإنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون فكونوا منهم، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون فلا تكونوا منهم.
اه.
(قوله: بعد كل تسليمتين) متعلق بيستريحون.
(قوله: وسر العشرين) أي الحكمة فيها.
(قوله: في غير رمضان) الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من عشر، لأن نعت النكرة إذا تقدم عليها يعرب حالا منها، أي أن الرواتب عشر ركعات حال كونها كائنة في غير رمضان.
ويصح أن يكون حالا من الرواتب، والمراد أنها عشر في غير رمضان مثل رمضان.
(قوله: فضوعفت فيه) أي في رمضان.
واعترض بأن التضعيف أن يزاد على الشئ مثله فيقتضي أن التراويح عشر ركعات، لأنه إذا زيد على العشر ركعات المؤكدات مثلها صارت عشرين، عشرة منها هي المؤكدة من الرواتب، والعشرة الأخرى هي التروايح.
وأجيب - كما في سم - بأن المعنى: فزيد قدرها وضعفه، لا فزيد عليها قدرها فقط، لأنه ليس كذلك.
أي زيد قدر الرواتب العشرة، وضعف هذا القدر الزائد أي مثله وهو عشرة، فيصير الجميع ثلاثين ركعة، الرواتب عشرة، والتراويح عشرون.
وهذا كما ترى مبني على أن ضعف الشئ مثله،
أما إذا قيل إن ضعفه مثلاه فلا تأويل، وهذا الأخير هو المشهور، كما في ع ش.
وفي الرشيدي ما نصه: فقوله: فضوعفت، أي وجعلت بتضعيفها زيادة في رمضان.
وإلا فالرواتب مطلوبة أيضا، وأنه مبني على أن ضعف الشئ مثلاه.
اه.
(قوله: وتكرير قل هو الله أحد، إلى: كما أفتى به شيخنا) عبارة الفتاوي له: سئل - رضي الله عنه ومتع بحياته -: في تكرير سورة الإخلاص في التراويح هل يسن؟
وإذا قلتم لا، فهل يكره أم لا؟ وقد رأيت في المعلمات لابن شهبة أن تكرير سورة الإخلاص في التراويح ثلاثا كرهها بعض السلف، قال لمخالفتها المعهود عمن تقدم، ولأنها في المصحف مرة فلتكن في التلاوة مرة.
اه.
فهل كلامه مقرر معتمد أم لا؟ بينوا ذلك وأوضحوه لا عدمكم المسلمون.
فأجاب فسح الله في مدته: تكرير قراءة سورة الإخلاص أو غيرها في ركعة أو في كل ركعة من التراويح ليس بسنة، ولا يقال مكروه على قواعدنا لأنه لم يرد فيه نهي مخصوص.
وقد أفتى ابن عبد السلام وابن الصلاح وغيرهما بأن قراءة القدر في التراويح - وهو التجزئة المعروفة - بحيث يختم القرآن جميعه في الشهر أولى من سورة قصيرة.
وعللوه بأن السنة القيام فيها بجميع القرآن.
واقتضاه كلام المجموع، واعتمد ذلك الأسنوي وغيره.
قال الزركشي وغيره: ويقاس بذلك كل ما ورد فيه الأمر ببعض معين، كآية البقرة وآل عمران في سنة الصبح إلخ، انتهت.
وإذا تأملت العبارة المذكورة تعلم ما في قوله كما أفتى به شيخنا، فإنها ليس فيها التقييد بقوله في الركعات الأخيرة، ولا التقييد بسورة الإخلاص، وليس فيها قوله بدعة غير حسنة، بل الذي فيها أن قراءة القرآن في جميع الشهر أولى وأفضل،
وأن تكرير سورة الإخلاص أو غيرها في ركعة ما خلاف الأولى فقط، وليس بسنة ولا بمكروه.
إلا أن يقال أفتى بذلك في فتوى لم تقيد في الفتاوي.
لكن عبارة الروض مصرحة بما في الفتاوى، إلا أنه قيد فيها بسورة الإخلاص، ونصها: وفعلها بالقرآن في جميع الشهر أفضل من تكرير سورة الإخلاص.
اه.
ومثلها عبارة النهاية والمغني.
والحاصل الذي يظهر من كلامهم أن الوارد قراءة القرآن كله بالتجزئة المعلومة، فهو الأولى والأفضل،
وأن غير ذلك خلاف الأولى والأفضل، سواء قرأ سورة الإخلاص أو غيرها، في كل الركعات أو في بعضها، الأخير منها أو الأول، وسواء كررها ثلاث أو لا.
فما يعتاده أهل مكة من قراءة قل هو الله أحد في الركعات الأخيرة، وقراءة ألهاكم إلى المسد في الركعات الأول، خلاف الأفضل.
وكذلك ما يعتاده بعضهم من قراءة جزء كامل في ست عشرة ركعة وتكرير قل هو الله أحد في الباقي.
ثم رأيت عبارة بعض المتأخرين ناطقة بما قلناه، ونصها: وفعلها بالقرآن في جميع الشهر بأن يقرأ فيها كل ليلة جزءا أفضل من تكرير سورة الرحمن أو هل أتى على الإنسان أو سورة الإخلاص بعد كل سورة من التكاثر إلى المسد كما اعتاده أهل مصر.
اه.
ومعلوم أن محل ذلك كله إذا كان يحفظ القرآن كله أو يحفظ بعضه.
ويقرأ على ترتيب المصحف مع التوالي،
فإن لم يحفظ إلا سورة واحدة فقط، الإخلاص أو غيرها، أتى بما حفظه ويبعد في حقه أن يقال أنه خلاف الأفضل والأولى، فتدبر.
(قوله: ويسن التهجد) هو لغة: رفع النوم بالتكلف.
واصطلاحا: ما ذكره الشارح.
(قوله: فتهجد به نافلة لك) قال بعضهم: الباء للظرفية، أي فتهجد فيه.
وفي التفسير: فتهجد به، أي صل به، أي بالقرآن، أي اقرأه في صلاتك فريضة نافلة لك، أي زائدة على الصلوات الخمس.
كما في الجلال.
فنافلة صفة لموصوف محذوف واقع مفعولا لتهجد وهو فريضة، لأن التهجد كان واجبا في صدر الإسلام.
اه بجيرمي.
(قوله: وورد في فضله) أي التهجد.
(وقوله: أحاديث كثيرة) ، منها: قوله عليه الصلاة والسلام: أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل.
وقوله عليه الصلاة والسلام: عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة لكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام.
ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: يحشر الناس في صعيد واحد، فينادي مناد: أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون - وهم قليل - فيدخلون الجنة بغير حساب.
وروي أن الجنيد رؤي في النوم، فقيل له: ما فعل الله بك فقال: طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات، وفنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم، وما نفعنا إلا ركيعات كنا نركعها عند السحر.
ومعنى طاحت تلك الإشارات: أن إشاراته التي يشير بها للناس هلكت فلم يجد ثوابها.
ومعنى غابت تلك العبارات: أن عباراته التي يعبر بها للمريدين تلاشت واضمحلت فلم يجد ثوابها أيضا.
ومعنى فنيت تلك العلوم: أن العلوم التي يعلمها للتلامذة انعدمت فلم يجد ثوابها أيضا.
ومعنى نفدت تلك الرسوم: أن الرسوم التي يرسمها للمبتدئين فرغت فلم يجد لها ثوابها.
ومعنى وما نفعنا إلخ: أنه وجد ثوابها.
والمقصود من ذلك أن هذه الأمور لم يجد لها ثوابا لاقترانها في الغالب بالرياء ونحوه، إلا الركيعات المذكورة للإخلاص فيها.
وإنما قال رضي الله عنه ذلك حثا على التهجد وبيانا لشرفه، وإلا فيبعد على مثله اقتران عمله برياء أو نحوه مع كونه سيد الصوفية.
قال القطب الغوث الحبيب عبد الله الحداد في نصائحه: واعلم أن قيام الليل من أثقل شئ على النفس، ولا سيما بعد النوم.
وإنما يصير خفيفا بالاعتياد والمداومة والصبر على المشقة والمجاهدة في أول الأمر، ثم بعد ذلك ينفتح باب الأنس بالله تعالى وحلاوة المناجاة له ولذة الخلو به عزوجل، وعند ذلك لا يشبع الإنسان من القيام فضلا عن أن يستثقله أو يكسل عنه.
كما وقع ذلك للصالحين من عباد الله حتى قال قائلهم: إن كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه بالليل إنهم لفي عيش طيب.
وقال آخر: منذ أربعين سنة ما غمني شئ إلا طلوع الفجر.
وقال آخر: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم.
وقال آخر: لولا قيام الليل وملاقاة الإخوان في الله ما أحببت البقاء في الدنيا.
وأخبارهم في ذلك كثيرة مشهورة.
وقد صلى خلائق منهم الفجر بوضوء العشاء، رضي الله عنهم.
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.
فعليك رحمك الله بقيام الليل وبالمحافظة عليه وبالاستكثار منه، وكن من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما.
واتصف ببقية أوصافهم التي وصفهم الله بها في هذه الآيات إلى آخرها.
وإن عجزت عن الكثير من القيام بالليل فلا تعجز عن القليل منه، قال الله تعالى: * (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) * أي في القيام من الليل.
وقال عليه السلام: عليكم بقيام الليل ولو ركعة وما أحسن وأجمل الذي يقرأ القرآن الكريم بالغيب أن يقرأ كل ليلة في قيامه بالليل شيئا منه، ويقرأه على التدريج من أول القرآن إلى آخره، حتى تكون له في قيام الليل ختمة
إما في كل شهر أو في كل أربعين أو أقل من ذلك أو أكثر، على حسب النشاط والهمة.
اه.
(قوله: وكره لمعتاده تركه) أي التهجد، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه: يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل ثم تركه.
وحكى اليافعي عن الشيخ أبي بكر الضرير قال: كان في جواري شاب حسن يصوم النهار ولا يفطر، ويقوم الليل ولا ينام، فجاءني يوما وقال: يا أستاذ إني نمت عن وردي الليلة، فرأيت كأن محرابي قد انشق، وكأني بجوار قد خرجن من المحراب لم أر أحسن وجها منهن،
وإذا فيهن واحدة شوهاء فوهاء لم أر أقبح منها منظرا، فقلت: لمن أنتن؟ ولمن هذه؟ فقلن: نحن لياليك التي مضين، وهذه ليلة نومك،
ولو مت في ليلتك هذه لكانت هذه حظك.
فشهق شهقة وخر ميتا، رحمة الله عليه.
وحكي عن بعض الصالحين أنه قال: رأيت سفيان الثوري في النوم بعد موته فقلت له: كيف حالك يا أبا سعيد؟ فأعرض عني وقال: ليس هذا زمان الكنى.
فقلت له: كيف حالك يا سفيان؟ فأنشأ يقول: نظرت إلى ربي عيانا فقال لي * * هنيئا رضائي عنك يا ابن سعيد لقد كنت قواما إذ الليل قد دجا * * بعبرة مشتاق وقلب عميد فدونك فاختر أي قصر تريده * * وزرني فإني عنك غير بعيد
(قوله: ويتأكد أن لا يخل الخ) أي إن لا يتركها.
اه ع ش.
(قوله: لعظم فضل ذلك) أي الصلاة في الليل بعد النوم.
(قوله: ولا حد لعدد ركعاته) أي لا تعيين لعدد ركعات التهجد.
(قوله: وقيل حدها) أي ركعاته.
(قوله: وأن يكثر فيه) أي ويتأكد أن يكثر في الليل من الدعاء والاستغفار، لخبر مسلم: إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيرا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه.
وذلك كل ليلة، ولأن الليل محله الغفلة.
(قوله: ونصفه) أي الليل.
(وقوله: آكد) أي بالدعاء فيه والاستغفار.
(قوله: وأفضله عند السحر) أي وأفضل ما ذكر من الدعاء والاستغفار أن يكون عند السحر.
(وقوله: لقوله تعالى الخ) أي وللخبر الصحيح: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟
ومن يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟.
ومعنى ينزل: ينزل أمره أو ملائكته أو رحمته، أو هو كناية عن مزيد القرب المعنوي.
(قوله: وأن يوقظ إلخ) أي ويتأكد أن يوقظ من يطمع في تهجده ليتهجد معه، لقوله تعالى: * (وتعاونوا على البر والتقوى) * ولخبر الإمام أحمد وأبي داود، عن أبي هريرة رضي الله عنه: رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت،
فإن أبت نضح في وجهها الماء.
رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقضت زوجها فصلى،
فإن أبى نضحت في وجهه الماء.
ولخبر أبي داود والنسائي، عن أبي هريرة: إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ أهله وصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات.
وإذا تأكد الإيقاظ للتهجد فللراتبة أولى، لا سيما إن ضاق وقتها.
وعن عائشة رضي الله عنها: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاته من الليل وأنا معترضة بين يديه،
فإذا بقي الوتر أيقظني فأوترت.
(قوله: ويندب قضاء نفل مؤقت) وذلك لعموم خبر: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها.
ولانه - صلى الله عليه وسلم - قضى بعد الشمس ركعتي الفجر، وبعد العصر الركعتين اللتين بعد الظهر.
رواهما مسلم وغيره.
ولخبر أبي داود بإسناد حسن: من نام عن وتره أو سنته فليصل إذا ذكره.
اه شرح الروض.
(قوله: لا ذي سبب) أي لا يندب قضاء نفل ذي سبب، وذلك لأن فعله لعارض السبب وقد زال فلا يقضى.
وقوله: ككسوف هو تمثيل لذي السبب على تقديره مضاف، أي صلاته.
ويحتمل أن يكون تمثيلا للسبب نفسه، لكن يعكر عليه ما بعده فإنهما لذي السبب.
ومثلها صلاة الاستسقاء.
قال في فتح الجواد: وسنها فيما لو سقوا قبلها إنما هو لطلب الاستزادة لا للقضاء.
اه.
(قوله: ندب له قضاؤه) أي لئلا تميل نفسه إلى الدعة والرفاهية.
(قوله: وكذا غير الصلاة) أي
وكذلك يندب قضاء الورد الفائت من غير الصلاة لما قدمنا.
(قوله: ولا حصر للنفل المطلق) هو ما لا يتقيد بوقت ولا سبب، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: الصلاة خير موضوع استكثر منها أو أقل رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما.
(قوله: وله) أي للمنتفل نفلا مطلقا.
(قوله: أن يقتصر على ركعة) قال ع ش: بأن ينويها أو يطلق في نيته ثم يسلم منها.
اه.
(قوله: بلا كراهة) عبارة الروض وشرحه: وفي كراهة الاقتصار على ركعة فيما لو أحرم مطلقا وجهان، أحدهما: نعم.
بناء على القول بأنه إذا نذر صلاة لا تكفيه ركعة.
والثاني: لا.
بل قال في المطلب الذي يظهر استحبابه: خروجا من خلاف بعض أصحابنا،
وإن لم يخرج من خلاف أبي حنيفة من أنه يلزم بالشروع ركعتان.
اه.
(قوله: فإن نوى فوق ركعة) مقابل لمحذوف، أي له الإقتصار على ركعة إن نواها وأطلق،
فإن نوى فوق ركعة - أي نوى عددا فوق ركعة - فله أن يتشهد بلا سلام في كل ركعتين، وهو أفضل، كالرباعية،
وفي كل ثلاث وكل أربع أو أكثر، لأن ذلك معهود في الفرائض في الجملة.
فإن قلت: عهد التشهد عقب الثانية كالصبح، وعقب الثلاثية كالمغرب، وعقب الرابعة كالعصر،
وأما عقب الخامسة فلم يعهد!
قلت: ذلك مدفوع بقولهم: في الجملة.
وأفهم قول الشارح: فله أن يتشهد: أن له الإقتصار على تشهد واحد آخر صلاته، وهو كذلك.
لأنه لو اقتصر عليه في الفريضة لجاز.
وهذا التشهد ركن كسائر التشهدات الأخيرة،
فإن أتى بتشهدين قرأ السورة فيما قبل التشهد الأول، أو بتشهد واحد قرأها في جميع الركعات.
وأفهم أيضا قوله: في كل ركعتين: أنه لا يجوز له التشهد من غير سلام في كل ركعة، وهو كذلك إذ لم يعهد له نظير أصلا.
وقوله: في كل ركعتين أي بعد كل ركعتين.
ومثله يقال فيما بعده كما هو ظاهر.
قال ع ش: ولا يشترط تساوي الأعداد قبل كل تشهد، فله أن يصلي ركعتين ويتشهد، ثم ثلاثا ويتشهد، ثم أربعا.
وهكذا.
اه.
(قوله: أو نوى قدرا) أي عددا معينا.
ولو حذفه وقال وله زيادة ونقص.
عطفا على قوله فله التشهد، لكان أولى.
لأن العطف يقتضي أن نيته قدرا مغايرا لنيته فوق ركعة، مع أنه عينه ثم ظهر أنه ليس عينه بل هو أعم منه، لأن نيته قدرا صادق بركعة وبأكثر،
بخلاف نيته فوق ركعة فإنه خاص بما زاد عليها.
فتنبه.
(وقوله: إن نويا) أي الزيادة والنقص.
وقوله: قبلهما أي للزيادة والنقص، وهو على التوزيع.
أي نوى الزيادة قبل الإتيان بها، ونوى النقص قبل أن يشرع فيه، كأن نوى ركعتين ثم قبل السلام نوى الزيادة فقام وأتى بها، أو نوى أربعا عند رفع رأسه من السجدة الثانية نوى الاقتصار على ركعتين، فإنه يصح ذلك،
بخلاف ما لو فعل الزيادة قبل أن ينويها أو فعل النقص قبل أن ينويه فإنه يبطل الصلاة.
وعبارة الروض وشرحه: فإن نوى أربعا وسلم من ركعتين أو من ركعة، أو قام إلى خامسة عامدا قبل تغيير النية، بطلت صلاته لمخالفته ما نواه بغير نية، لأن الزيادة صلاة ثانية فتحتاج إلى نية.
ولهذا لو كان المصلي متيمما ورأى الماء لم يجز له الزيادة.
اه.
(قوله: وإلا بطلت صلاته) أي وإن لم ينوهما قبلهما بطلت صلاته، أي إن كان عامدا عالما.
(قوله: فلو نوي ركعتين الخ) تفريع على قوله وإلا بطلت صلاته.
وهو كالتقييد له، فكأنه قال: محل البطلان إذا فعل ذلك عمدا،
فإن كان سهوا بأن قام من نوى ركعتين لثالثة سهوا فلا تبطل صلاته، لكن يجب عليه عند التذكر أن يقعد،
ثم إن شاء الزيادة نواها وقام.
(وقوله: ثم تذكر) أي أنه لم ينو إلا ركعتين،
وأن قيامه هذا سهو.
(وقوله: فيقعد وجوبا) أي لأن ما أتى به وقع لغوا.
(وقوله: إن شاء) مفعوله محذوف، أي شاء الزيادة قبل قيامه.
(وقوله: ثم يسجد للسهو آخر صلاته) لأنه أتى بما يبطل عمده.
(قوله: وإن لم يشأ) أي الزيادة.
(وقوله: قعد) أي دام على قعوده.
ولو حذفه واقتصر على قوله تشهد وما بعده لكان أولى.
(قوله: ويسن للمتنفل) أي نفلا مطلقا.
ولو قال كما في الروض: والأفضل له أن يسلم الخ لكان أولى، لأنه مرتبط بقوله وله أن يقتصر إلخ.
وليفيد الأفضلية.
(وقوله: أن يسلم من كل ركعتين)
قال في التحفة: بأن ينويهما ابتداء أو يقتصر عليهما فيما إذا أطلق أو نوى أكثر منهما بشرط تغيير النية، لكن في هذه تردد، إذ لا يبعد أن يقال بقاؤه على منويه أولى.
اه.
(قوله: مثنى مثنى) أي اثنان اثنان.
والثاني تأكيد لدفع توهم إرادة اثنين فقط.
اه ق ل.
(قوله: وفي رواية صحيحة والنهار) أي زيادة على الليل.
(قوله: إطالة القيام) أي في كل الصلوات.
(وقوله: أفضل من تكثير الركعات) أي للخبر الصحيح: أفضل الصلاة طول القنوت، أي القيام.
ولأن ذكره القرآن، وهو أفضل من ذكر غيره.
فلو صلى شخص عشرا وأطال قيامها، وصلى آخر عشرين في ذلك الزمن، كانت العشر أفضل.
وقيل إن العشرين أفضل.
ويرجحه قاعدة أن الفرض أفضل من النفل،
وأن ما يتجزأ من الواجب يقع القدر المجزئ منه فرضا، وما عداه نفلا.
وهي كلها أو غالبها يقع واجبا
بخلاف العشر.
أفاده ابن حجر وباعشن في شرحي بافضل.
وتقدم عن ع ش في مبحث ركن القيام أن العشرين أفضل،
ونص عبارته بعد كلام: أما لو كانت الكل من قيام، واستوى زمن العشر والعشرين، فالعشرون أفضل لما فيها من زيادة الركوعات والسجودات مع اشتراك الكل في القيام.
اه.
(قوله: وقال) أي النووي.
(وقوله: فيه) أي في المجموع.
(قوله: أفضل النفل عيد أكبر فأصغر) أفاد أن العيدين أفضل مما بعدهما وذلك لشبههما الفرض في ندب الجماعة وتعين الوقت، وللخلاف في أنهما فرضا كفاية.
وأما خبر مسلم: أفضل صلاة بعد الفريضة صلاة الليل فمحمول على النفل المطلق.
وأفاد أيضا أن العيد الأكبر وهو عيد الأضحى، أفضل من العيد الأصغر.
قال في شرح الروض: وعن ابن عبد السلام أن عيد الفطر أفضل.
وكأنه أخذه من تفضيلهم تكبيره على تكبير الأضحى، لأنه منصوص عليه بقوله تعالى: * (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) * قال الزركشي: لكن الأرجح في النظر ترجيح عيد الأضحى، لأنه في شهر حرام وفيه نسكان، الحج والأضحية.
وقيل لأن عشره أفضل من العشر الأخير من رمضان.
اه.
(قوله: فكسوف الخ) أي ثم يتلو العيدين في الأفضلية الكسوفان، وذلك للاتفاق على مشروعيتهما،
بخلاف الاستسقاء فإن أبا حنيفة ينكره.
(وقوله: فخسوف) أي ثم يتلو الكسوف الخسوف، وإنما كان الأول أفضل من الثاني لتقدم الشمس على القمر في القرآن، ولأن الانتفاع بها أكثر من الانتفاع به.
(وقوله: فاستسقاء) أي ثم يتلو الكسوفين في الفضيلة الاستسقاء، لتأكد طلب الجماعة فيها.
(قوله: فوتر) أي ثم يتلو الاستسقاء فيها الوتر، لأنه قيل بوجوبه.
(قوله: فركعتا فجر) أي ثم يتلو الوتر فيها ركعتا الصبح، أي سنته، لما صح من شدة مثابرته - صلى الله عليه وسلم - عليهما أكثر من غيرهما.
ومن قوله: إنهما خير من الدنيا وما فيها.
(قوله: فبقية الرواتب) أي ثم يتلو ما ذكر بقية الرواتب، الصلاة القبلية والبعدية، لمواظبته - صلى الله عليه وسلم - عليها.
(قوله: فجميعها في مرتبة واحدة) أي أن الرواتب الباقية كلها في مرتبة واحدة.
ولو قال وهي - أي البقية - في مرتبة واحدة لكان أولى، إذ عبارته توهم أن ضمير جميعها يعود على الرواتب لا على البقية.
(قوله: فالتراويح) أي ثم يتلو بقية الرواتب التراويح، لمشروعية الجماعة فيها.
(قوله: فالضحى) أي ثم يتلو التراويح الضحى، لشبهها بالفرض في تعيين الوقت.
(قوله: فركعتا الطواف الخ) أي ثم يتلو الضحى ركعتا الطواف والتحية والإحرام، وظاهر عبارته أن الثلاثة في مرتبة واحدة، وليس كذلك، بل ركعتا الطواف أفضل من ركعتي الإحرام والتحية للخلاف في وجوبهما، وركعتا التحية أفضل من ركعتي الإحرام أيضا لتقدم سببهما وهو دخول المسجد.
فلو قال كالذي قبله فركعتا الطواف فالتحية فالإحرام لكان أولى، لكون الفاء تفيد الترتيب بينها في الأفضلية.
(قوله: فالوضوء) أي ثم يتلو الجميع سنة الوضوء.
وسكت عن النفل المطلق، وهو يتلو سنة الوضوء كما صرح به في التحفة والنهاية.
(قوله: فائدة: أما الصلاة المعروفة ليلة الرغائب إلخ)
قال المؤلف في إرشاد العباد: ومن البدع المذمومة التي يأثم فاعلها
ويجب على ولاة الأمر منع فاعلها: صلاة الرغائب اثنتا عشرة ركعة بين العشاءين ليلة أول جمعة من رجب.
وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة، وصلاة آخر جمعة من رمضان سبعة عشر ركعة، بنية قضاء الصلوات الخمس التي لم يقضها.
وصلاة يوم عاشوراء أربع ركعات أو أكثر.
وصلاة الأسبوع، أما أحاديثها فموضوعة باطلة، ولا تغتر بمن ذكرها.
اه.
وممن ذكرها الغزالي في الإحياء،
ونص عبارته: أما صلاة رجب فقد روي بإسناد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ما من أحد يصوم أول خميس من رجب، ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة اثنتي عشرة ركعة يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة وإنا أنزلناه في ليلة القدر ثلاث مرات وقل هو الله أحد اثنتي عشرة،
فإذا فرغ من صلاته صلى علي سبعين مرة، ويقول: اللهم صل على النبي الأمي وعلى آله.
ثم يسجد ويقول في سجوده، سبعين مرة: سبوح قدوس رب الملائكة والروح.
ثم يرفع رأسه ويقول سبعين مرة: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، فإنك أنت العلي الأعظم.
ثم يسجد سجدة أخرى ويقول فيها مثل ما
قال في السجدة الأولى.
ثم يسأل حاجته في سجوده، فإنها تقضى.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يصلي أحد هذه الصلاة إلا غفر له جميع ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وعدد الرمل ووزن الجبال وورق الأشجار، ويشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته ممن قد استوجب النار.
فهذه صلاة مستحبة، وإنما أوردناها في هذا القسم لأنها تتكرر بتكرر السنين،
وإن كان لا تبلغ رتبتها رتبة صلاة التراويح وصلاة العيدين، لأن هذه الصلاة نقلها الآحاد.
ولكن رأيت أهل القدس بأجمعهم يواظبون عليها ولا يسمحون بتركها فأحببت إيرادها.
وأما صلاة شعبان فهي أن يصلي في ليلة الخامس عشر منه مائة ركعة، كل ركعتين بتسليمة، يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة.
وإن شاء صلى عشر ركعات يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة قل هو الله أحد مائة مرة، فهذه أيضا مروية في جملة الصلوات، كان السلف يصلون هذه الصلاة ويسمونها صلاة الخير، ويجتمعون فيها، وربما صلوها جماعة.
وروي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: حدثني ثلاثون من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من صلى هذه الصلاة في هذه الليلة نظر الله تعالى إليه سبعين نظرة، وقضى له بكل نظرة سبعين حاجة أدناها المغفرة.
اه.
قال العلامة الكردي: واختلف العلماء فيها، فمنهم من قال لها طرق إذا اجتمعت وصل الحديث إلى حد يعلم به في فضائل الأعمال.
ومنهم من حكم على حديثها بالوضع، ومنهم النووي، وتبعه الشارح في كتبه.
وقد أفرد الشارح الكلام على ذلك في تأليف مستقل سماه الإيضاح والبيان فيما جاء في ليلة الرغائب والنصف من شعبان.
وقد أشبع الكلام فيه على ذلك، فراجعه منه إن أردته.
اه.
(قوله: فبدعة قبيحة) في الأذكار ما نصه: ذكر الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام رحمه الله.
في كتابه القواعد، أن البدع على خمسة أقسام: واجبة، ومحرمة، ومكروهة، ومستحبة، ومباحة.
قال: ومن أمثلة البدع المباحة المصافحة عقب الصبح والعصر.
والله أعلم.
اه.
وقوله: واجبة.
من أمثلتها تدوين القرآن والشرائع إذا خيف عليها الضياع.
فإن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب إجماعا، وإهماله حرام إجماعا.
وقوله: ومحرمة.
من أمثلتها المحدثات من المظالم كالمكوس.
وقوله: ومكروهة.
من أمثلتها زخرفة المساجد، وتخصيص ليلة الجمعة بقيام.
وقوله: ومستحبة.
من أمثلتها فعل صلاة التراويح بالجماعة، وبناء الربط والمدارس، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول.
وقوله: ومباحة.
من أمثلتها ما ذكره.
وقال ابن حجر في فتح المبين، في شرح قوله - صلى الله عليه وسلم -: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، ما نصه: قال الشافعي رضي الله عنه: ما أحدث وخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرا فهو البدعة الضالة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئا من ذلك فهو البدعة المحمودة.
والحاصل أن البدع الحسنة متفق على ندبها، وهي ما وافق شيئا مما مر، ولم يلزم من فعله محذور شرعي.
ومنها ما هو فرض كفاية، كتصنيف العلوم.
قال الإمام أبو شامة شيخ المصنف رحمه الله تعالى: ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل في كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده - صلى الله عليه وسلم -: من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور،
فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء يشعر بمحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعظيمه وجلالته في قلب فاعل ذلك، وشكر الله تعالى على ما من به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين - صلى الله عليه وسلم -.
وأن البدع السيئة، وهي ما خالف شيئا من ذلك صريحا أو التزاما، قد تنتهي إلى ما يوجب التحريم تارة والكراهة أخرى، وإلى ما يظن أنه طاعة وقربة.
فمن الأول الانتماء إلى جماعة يزعمون التصوف ويخالفون ما كان عليه مشايخ الطريق من الزهد والورع وسائر الكمالات المشهورة عنهم، بل كثير من أولئك إباحية لا يحرمون حراما، لتلبيس الشيطان عليهم أحوالهم الشنيعة القبيحة، فهم باسم الكفرة أو الفسق أحق منهم باسم التصوف أو الفقر.
ومنه الصلاة ليلة الرغائب أول جمعة من رجب، وليلة النصف من شعبان.
ومنه الوقوف ليلة عرفة أو المشعر الحرام، والاجتماع ليالي الختوم آخر رمضان، ونصب المنابر والخطب عليها، فيكره ما لم يكن فيه اختلاط الرجال بالنساء بأن تتضام أجسامهم.
فإنه حرام وفسق.
قيل: ومن البدع صوم رجب، وليس كذلك بل هو سنة فاضلة، كما بينته في الفتاوي وبسطت الكلام عليه.
اه.
بحذف.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
وقد تم تحرير الجزء الأول من الحاشية المباركة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، يوم الأحد المبارك في التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة عام ثمانية وتسعين بعد الألف والمائتين، على يد مؤلفها راجي الغفران من ربه ذي العطا أبي بكر ابن المرحوم محمد شطا الدمياطي الشافعي، غفر الله له ولوالديه ولمشايخه ولمحبيه ولجميع المسلمين.
المشعر الحرام، والاجتماع ليالي الختوم آخر رمضان، ونصب المنابر والخطب عليها، فيكره ما لم يكن فيه اختلاط الرجال بالنساء بأن تتضام أجسامهم.
فإنه حرام وفسق.
قيل: ومن البدع صوم رجب، وليس كذلك بل هو سنة فاضلة، كما بينته في الفتاوي وبسطت الكلام عليه.
اه.
بحذف.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
وقد تم تحرير الجزء الأول من الحاشية المباركة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، يوم الأحد المبارك في التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة عام ثمانية وتسعين بعد الألف والمائتين، على يد مؤلفها راجي الغفران من ربه ذي العطا أبي بكر ابن المرحوم محمد شطا الدمياطي الشافعي، غفر الله له ولوالديه ولمشايخه ولمحبيه ولجميع المسلمين.
وأرجو الله الكريم المنان بجاه سيدنا محمد سيد ولد عدنان أن يرزقنا رضاه،
وأن يصحح منا ما أفسدناه،
وأن يمن علينا بقربه، وأن يتحفنا بحقائق حبه،
وأن لا يجعل أعمالنا حسرة علينا وندامة.
وأن يجعلنا مع ساداتنا في أعلى فراديس الكرامة.
وأن يعيننا على التمام كما أعاننا على الابتداء.
فإنه مجيب الدعاء، لا يرد من قصده واعتمد عليه، ولا من عول في جميع أموره عليه.
ولذة الخلو به عزوجل، وعند ذلك لا يشبع الإنسان من القيام فضلا عن أن يستثقله أو يكسل عنه.
كما وقع ذلك للصالحين من عباد الله حتى قال قائلهم: إن كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه بالليل إنهم لفي عيش طيب.
وقال آخر: منذ أربعين سنة ما غمني شئ إلا طلوع الفجر.
وقال آخر: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم.
وقال آخر: لولا قيام الليل وملاقاة الإخوان في الله ما أحببت البقاء في الدنيا.
وأخبارهم في ذلك كثيرة مشهورة.
وقد صلى خلائق منهم الفجر بوضوء العشاء، رضي الله عنهم.
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.
فعليك رحمك الله بقيام الليل وبالمحافظة عليه وبالاستكثار منه، وكن من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما.
واتصف ببقية أوصافهم التي وصفهم الله بها في هذه الآيات إلى آخرها.
وإن عجزت عن الكثير من القيام بالليل فلا تعجز عن القليل منه، قال الله تعالى: * (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) * أي في القيام من الليل.
وقال عليه السلام: عليكم بقيام الليل ولو ركعة وما أحسن وأجمل الذي يقرأ القرآن الكريم بالغيب أن يقرأ كل ليلة في قيامه بالليل شيئا منه، ويقرأه على التدريج من أول القرآن إلى آخره، حتى تكون له في قيام الليل ختمة
إما في كل شهر أو في كل أربعين أو أقل من ذلك أو أكثر، على حسب النشاط والهمة.
اه. بسم الله الرحمن الرحيم فصل في صلاة الجماعة أي في بيان ما يتعلق بالصلاة من حيث الجماعة، من: شروطها، وآدابها، ومكروهاتها، ومسقطاتها، وحقيقة الجماعة هنا: الارتباط الحاصل بين الإمام والمأموم،
ولو واحدا، وهي من خصائص هذه الأمة، كالجمعة والعيدين، والكسوفين، والاستسقاء.
قال المناوي: وحكمة مشروعيتها: قيام نظام الألفة بين المصلين، ولذا شرعت المساجد في المحال ليحصل التعاهد باللقاء في أوقات الصلاة بين الجيران، ولأنه قد يعلم الجاهل من العالم ما يجهله من أحكامها، ولأن مراتب الناس متفاوتة في العبادة، فتعود بركة الكامل على الناقص، فتكمل صلاة الجميع.
اه.
وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة، منها: الخبر المتفق عليه الآتي، ومنها: ما رواه الطبراني عن أنس: من مشى إلى صلاة مكتوبة في الجماعة: فهي كحجة،
ومن مشى إلى الصلاة تطوع: فهي كعمرة نافلة.
ومنها: ما رواه الترمذي عن أنس أيضا: من صلى أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان، براءة من النار، وبراءة من النفاق.
وفي (المنح السنية على الوصية المتبولية) للقطب الشعراني ما نصه: وقد كان السلف يعدون فوات صلاة الجماعة مصيبة.
وقد وقع أن بعضهم خرج إلى حائط له - يعني حديقة نخل - فرجع وقد صلى الناس صلاة العصر، فقال: إنا لله فاتتني صلاة الجماعة أشهدكم علي أن حائطي على المساكين صدقة.
وفاتت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما صلاة العشاء في الجماعة، فصلى تلك الليلة حتى طلع الفجر جبرا لما فاته من صلاة العشاء في الجماعة.
وعن عبيد الله بن عمر القواريري رحمه الله تعالى قال: لم تكن تفوتني صلاة في الجماعة، فنزل بي ضيف، فشغلت بسببه عن صلاة العشاء في المسجد، فخرجت أطلب المسجد لأصلي فيه مع الناس،
فإذا المساجد كلها قد صلى أهلها وغلقت، فرجعت إلى بيتي وأنا حزين على فوات صلاة الجماعة، الجماعة تزيد على صلاة الفذ سبعا وعشرين.
فصليت العشاء سبعا وعشرين مرة، ثم نمت، فرأيتني في المنام على فرس مع قوم على خيل، وهم أمامي وأنا أركض فرسي خلفهم فلا ألحقهم، فالتفت إلي واحد منهم وقال: تتعب فرسك فلست تلحقنا.
فقلت: ولم يا أخي؟ قال: لأنا صلينا العشاء في الجماعة، وأنت قد صليت وحدك فاستيقظت وأنا مهموم حزين.
وقال بعض السلف: ما فاتت أحدا صلاة الجماعة إلا بذنب أصابه.
وقد كانوا يعزون أنفسهم سبعة أيام إذا فاتت أحدهم صلاة الجماعة،
وقيل ركعة، ويعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى مع الإمام، فاعلم ذلك يا أخي.
اه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.