كغسله وهو من مات في قتال كفار لا أسير قتل صبرا,
الشروح عليها
كغسله وهو من مات في قتال كفار لا أسير قتل صبرا, ويطلق لفظ الشهيد على من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو شهيد الدنيا والآخرة وعلى من قاتل لنحو حمية فهو شهيد الدنيا وعلى مقتول ظلما وغريق وحريق ومبطون أي من قتله بطنه كاستسقاء أو إسهال.
فهم الشهداء في الآخرة فقط.
كغسله أي الشهيد ولو جنبا لأنه صلى الله عليه وسلم لم يغسل قتلى أحد.
ويحرم إزالة دم شهيد.
وهو من مات في قتال كفار أو كافر واحد قبل انقضائه وإن قتل مدبرا.
بسببه أي القتال كأن أصابه سلاح مسلم آخر خطأ أو قتله مسلم استعانوا به أو تردى ببئر حال قتال أو جهل ما مات به وإن لم يكن به أثر دم.
لا أسير قتل صبرا فإنه ليس بشهيد على الأصح لان قتله ليس بمقاتلة ولا من مات بعد انقضائه وقد بقي فيه حياة مستقرة إن قطع بموته بعد من جرح به.
أما من حركته حركة مذبوح عند انقضائه فشهيد جزما والحياة المستقرة ما تجوز أن يبقى يوما أو يومين على ما قاله النووي والعمراني.
(قوله: ويطلق لفظ الشهيد إلخ) الملائم والأخصر أن يعمم عند تعريف المتن للشهيد بأن يقول بعد قول المتن: وهو من مات في قتال كفار، سواء كان شهيدا في الدنيا والآخرة - وهو من قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى - وشهيدا في الدنيا فقط - وهو من قاتل لنحو حمية - ثم يقول: وخرج بذلك شهيد الآخرة فقط - وهو من مات مقتولا ظلما - إلخ.
وقد تقدم الكلام على أقسام الشهيد أول الباب، فلا تغفل.
(قوله: لتكون كلمة الله إلخ) المراد بها كلمة التوحيد والدعوة إلى الإسلام.
(وقوله: هي العليا) أي الظاهرة الغالبة، ولا بد أن لا يصاحب ذلك رياء ولا غلول من غنيمة وغير ذلك.
(قوله: وعلى من قاتل لنحو حمية) أي لقومه، ودخل تحت لنحو: من قاتل للرياء، أو للغنيمة، أو نحو ذلك.
(قوله: فهو شهيد الدنيا) أي فتجري عليه أحكام الشهادة الدنيوية، من كونه لا يغسل ولا يصلى عليه.
(قوله: وعلى مقتول) معطوف على من قاتل الأولى، أي ويطلق لفظ الشهيد على مقتول.
(وقوله: ظلما) خرج به ما إذا كان مقتولا بحق - كأن كان لقصاص - فلا يكون شهيدا.
(قوله: وغريق) معطوف على مقتول، أي ويطلق لفظ الشهيد على غريق، أي مات غرقا في بحر أو ماء كثير.
(لطيفة) حكي أن شخصا نزل هو ومحبوبه يسبحان في البحر، فغرق محبوبه،
فأشار إلى البحر وأنشد وقال:
ياماء: لك قد أتيت بضد ما * * قد قيل فيك مخبرا بعجيب؟ الله أخبر أن فيك حياتنا * * فلاي شئ مات فيك حبيبي؟ فلما قال ذلك أحياه الله تعالى، وطلع له من البحر
(قوله: وحريق) أي ويطلق لفظ الشهيد على حريق، أي محروق بالنار.
(قوله: ومبطون) أي ويطلق لفظ الشهيد على مبطون.
(قوله: أي من قتله بطنه) أي داء في بطنه، وبينه بقوله: كاستسقاء أو إسهال، فإنهما دآن في البطن يكونان سببا في الهلاك غالبا.
(قوله: فهم) أي المقتول ظلما والغريق والحريق إلخ.
(وقوله: الشهداء في الآخرة فقط) أي لا في الدنيا، فتجرى عليهم أحكام غير الشهيد، من الغسل، والصلاة، وغير ذلك.
(قوله: كغسله) أي كتحريم غسله.
(وقوله: أي الشهيد) بيان لمرجع الضمير في غسله.
وإنما أرجعه للشهيد ولم يرجعه للمذكور من الكافر والشهيد، لأن غسل الأول ليس بحرام، بل هو جائز.
(قوله: ولو جنبا) أي يحرم غسله ولو كان جنبا، لأن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد وهو جنب، ولم يغلسه النبي - صلى الله عليه وسلم -،
وقال: رأيت الملائكة تغسله.
رواه بن حبان والحاكم في صحيحهما.
(قوله: لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يغسل قتلى أحد)
ولما رواه الإمام أحمد أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تغسلوهم،
فإن كل جرح أو كلم أو دم يفوح مسكا يوم القيامة.
وحكمة ذلك أيضا: إبقاء أثر الشهادة عليهم، والتعظيم لهم باستغنائهم عن التطهير.
وفي ذلك حث على الجهاد الذي جبلت النفوس على الكراهة له والنفرة عنه لحبها البقاء في الدنيا.
(فإن قيل) الأنبياء والمرسلون أفضل من الشهداء، مع أنهم يغسلون، ويصلى عليهم؟ (أجيب) بأن الشهادة فضيلة تنال بالاكتساب، فرغب الشارع فيها، ولا كذلك النبوة والرسالة، فإنما ليستا بمكتسبتين.
قال الأبوصيري: تبارك الله ما وحي بمكتسب * * ولا نبي على غيب بمتهم وقال اللقاني: ولم تكن نبوة مكتسبة * * ولو رقى في الخير أعلى عقبه
(قوله: ويحرم إزالة دم شهيد) أي لأنا نهينا عن غسله، ولأنه أثر عبادة.
وإنما لم تحرم إزالة الخلوف من الصائم - مع أنه أثر عبادة - لأنه هو المفوت على نفسه، بخلافه هنا، حتى لو فرض أن غيره أزاله بغير إذنه حرم عليه ذلك.
والمراد بالدم الذي يحرم إزالته: الخارج من المقتول نفسه،
بخلاف ما لو طرأ عليه من غيره، فإنه يزال - كالنجاسة - ولو أدى إلى زوال دم الشهادة معه.
(قوله: وهو من مات الخ) أي الشهيد الذي يحرم غسله والصلاة عليه هو من مات الخ.
(قوله: في قتال كفار) أي في حال مقاتلتهم.
(واعلم) أنه ذكر قيدين للشهيد، وهما: كون الموت حال المقاتلة، وكونه بسبب القتال، وبقي قيد ثالث، وهو: أن يكون القتال حلله العلماء.
وخرج بالقيد الأول من مات بعد المقاتلة،
فإن فيه تفصيلا سيذكره في قوله: ولا من مات بعد انقضائه إلخ.
وبالقيد الثاني من مات لا بسبب القتال - كأن مات في حال المقاتلة بمرض أو فجأة - أي بغتة.
وبالقيد الثالث: من مات في قتال محرم، كقتال المسلم ذميا، فلا يسمى شهيدا.
وقد ذكر المؤلف بعض أفراد هذه المحترزات، كما ستعرفه.
(قوله: قبل انقضائه) أي القتال، ولا حاجة إلى هذا القيد، لأنه يغني عنه القيد الأول.
فتنبه.
(قوله: وإن قتل مدبرا) أي إن مات في المقاتلة يسمى شهيدا،
وإن قتل حال كونه مدبرا عن القتال.
(قوله: بسببه) متعلق بمات، أي مات بسبب القتال، أي بسبب يحال عليه القتل،
ولو احتمالا - كالمثال الأخير -.
قال ع ش: ومنه ما قيل إن الكفار يتخذون خديعة يتوصلون بها إلى قتل المسلمين، فيتخذون سردابا تحت الأرض يملؤنه بالبارود،
فإذا مر به المسلمون أطلقوا النار فيه فخرجت من محلها وأهلكت المسلمين.
اه.
(قوله: كان أصابه الخ) تمثيل لمن مات في القتال بسببه، والأولى التعميم بأن يقول: سواء قتله كافر أو أصابه إلخ.
(وقوله: سلاح مسلم آخر) ظاهره أنه لا فرق في ذلك بين أن يقصد كافرا فيصيبه، أولا، ولا مانع منه.
اه.
ع ش.
(وقوله: خطأ) خرج به ما لو كان عمدا، فإنه لا يسمى المقتول به شهيدا، إلا إن كان المسلم استعان به الكفار - كما سيذكره -.
(قوله: أو قتله مسلم) معطوف على أصابه، أي وكأن قتله.
وقوله: استعانوا أي الكفار.
وقوله به.
أي بالمسلم فمقتول المستعان به شهيد، لأن هذا قتال كفار، ولا نظر إلى خصوص القاتل،
فإن لم يستعينوا به ولم يكن خطأ فليس بشهيد.
(قوله: أو تردي ببئر) معطوف على أصابه أيضا.
أي وكأن تردى - أي سقط - المقاتل ببئر.
(قوله: أو جهل ما مات به) معطوف أيضا على أصابه.
أي وكأن جهل السبب الذي مات به.
ولا يرد أن الممثل له من مات بسبب القتال، وهذا فيه الجهل بالسبب، فلا يصلح مثالا، لما علمت أن المراد بالسبب لو احتمالا.
ويتصور الجهل به بأن يصيبه سهم وشك في الرامي: هل هو من المسلمين أو من الكفار؟ وعبارة التحفة: أو انكشف عنه الحرب وشك أمات بسببها وغيره؟ لأن الظاهر موته بسببها.
اه.
(قوله: وإن لم يكن به أثر دم) راجع لجميع الأمثلة، يعني أن من أصابه سلاح مسلم خطأ فمات، أو قتله مسلم استعانوا به فمات، أو تردى ببئر فمات، أو جهل سبب موته، يحكم عليه بالشهادة - سواء كان به أثر دم أم لا - وذلك لأن الظاهر موته بسبب الحرب.
(فإن قيل) ينبغي أن يخرج ذلك على قولي الأصل والغالب، إذ الأصل عدم الشهادة، والغالب أن من يموت بالمعترك أنه مات بسبب من أسباب القتل.
والقاعدة أنه يقدم الأصل على الغالب.
(أجيب) بأن السبب الظاهر يعمل به ويترك الأصل، كما إذا رأينا ظبية تبول في الماء ورأيناه متغيرا، فإنا نحكم بنجاسته، مع أن الأصل طهارة الماء:
(قوله: لا أسير قتل صبرا) هذا خرج بقوله في قتال.
(قوله: فإنه) أي الأسير.
(وقوله: ليس بشهيد على الأصح) أي الشهادة المخصوصة المرادة هنا.
(قوله: لأن قتله الخ) تعليل لكونه ليس بشهيد.
(وقوله: بمقاتلة) أي في حال مقاتلة.
(قوله: ولا من مات بعد انقضائه) هذا خرج بقوله قبل انقضائه،
ولو حذفه لخرج بقوله في قتال أيضا - كما علمت.
(قوله: وقد بقي فيه حياة مستقرة) الجملة حالية: أي مات بعد انقضاء القتال، ولكن حال الانقضاء كانت فيه حياة مستقرة.
والمراد بها: ما يوجد معها الحركة الاختيارية بقرائن وأمارات.
(قوله: وإن قطع بموته بعد) غاية لمقدر، أي فليس من مات بعد انقضائه إلخ بشهيد،
وإن جزم بأنه يموت بعد انقضاء القتال.
قال الشوبري: وينبغي أن يكون شهيدا في حكم الآخرة، لأنه لا يتقاعد عن المبطون والغريق ونحوهما.
اه.
(وقوله: من جرح) من، تعليلية، فهي بمعنى اللام، أي قطع بموته لأجل جرح.
(وقوله: به) أي بمن مات بعد انقضائه.
والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لجرح.
(قوله: أما من الخ) مفهوم قوله وقد بقي فيه حياة مستقرة.
وقوله: حركة مذبوح هي التي لا يبقى معها سمع، ولا إبصار، ولا حركة اختيار.
(قوله: فشهيد جزما) أي في الدنيا، فلا يغسل ولا يصلى عليه.
وأما في الآخرة فبحسب قصده،
فإن كان قصده إعلا كلمة الله، فكذلك، وإلا فلا.
كما مر.
(قوله: والحياة المستقرة ما تجوز إلخ) يعني أن الحياة المستقرة هي حركة اختيارية تجوز أن يبقى معها يوما أو يومين ثم يموت.
(وقوله: على ما قاله النووي والعمراني) كالتبري من هذا الضابط،
والمعتمد ما ذكرته آنفا: من أنها حركة اختيارية توجد فيه عند انقضاء القتال، سواء قطع بموته بعد يوم أو يومين، أم لا،
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.