يجب صوم رمضان
الشروح عليها
[باب الصوم] [مدخل] ... [باب الصوم] يجب صوم رمضان
[باب الصوم]
وهو لغة: الإمساك وشرعا: إمساك عن مفطر بشروطه الآتية.
وفرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة وهو من خصائصنا ومن المعلوم من الدين بالضرورة.
يجب صوم شهر رمضان إجماعا بكمال شعبان ثلاثين يوما أو رؤية عدل واحد ولو مستورا هلاله بعد الغروب إذا شهد بها عند القاضي ولو مع إطباق غيم بلفظ: أشهد أني رأيت الهلال أو أنه هل.
ولا يكفي: قوله: أشهد أن غدا من رمضان ولا يقبل على شهادته إلا بشهادة عدلين.
وبثبوت رؤية هلال رمضان عند القاضي بشهادة عدل بين يديه كما مر ومع قوله ثبت عندي: يجب الصوم على جميع أهل البلد المرئي فيه.
وكالثبوت عند القاضي: الخبر المتواتر برؤيته ولو من كفار لإفادته العلم الضروري وظن دخوله بالأمارة الظاهرة التي لا تتخلف عادة: كرؤية القناديل المعلقة بالمنائر.
ويلزم الفاسق والعبد والأنثى: العمل برؤية نفسه
وكذا من اعتقد صدق نحو فاسق ومراهق في أخباره برؤية نفسه أو ثبوتها في بلد متحد ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ مطلعه: سواء أول رمضان وآخره على الأصح.
والمعتمد: أن له بل عليه اعتماد العلامات بدخول شوال إذا حصل له اعتقاد جازم بصدقها كما أفتى به شيخانا: ابن زياد وحجر كجمع محققين.
وإذا صاموا ولو برؤية عدل أفطروا بعد ثلاثين وإن لم يروا الهلال ولم يكن غيم لكمال العدة بحجة شرعية.
ولو صام بقول من يثق ثم لم ير الهلال بعد ثلاثين مع الصحو: لم يجز له الفطر ولو رجع الشاهد بعد شروعهم في الصوم: لم يجز لهم الفطر وإذا ثبت رؤيته ببلد لزم حكمه البلد القريب دون البعيد ويثبت البعد باختلاف المطالع على الأصح والمراد باختلافها: أن يتباعد المحلان بحيث لو رؤي في أحدهما: لم ير في الآخر غالبا قاله في الأنوار.
وقال التاج التبريزي وأقره غيره: لا يمكن اختلافها في أقل من أربعة وعشرين فرسخا.
ونبه السبكي وتبعه غيره: على أنه يلزم من الرؤية في البلد الغربي من غير عكس إذ الليل يدخل في البلاد الشرقية قبل.
وقضية كلامهم أنه متى رؤي في شرقي: لزم كل غربي بالنسبة إليه العمل بتلك الرؤية وإن اختلفت المطالع.
(قوله: هو لغة الإمساك) أي عن المفطر، أو عن الكلام، أو غيرهما.
ومنه قوله تعالى - حكاية عن مريم - * (إني نذرت للرحمن صوما) * أي إمساكا وسكوتا عن الكلام.
وقول العرب: فرس صائم: أي واقف، ممسك عن المشي.
قال النابغة الذبياني: خيل صيام، وخيل غير صائمة * * تحت العجاج، وأخرى تعلك اللجما أي خيل ممسكة عن السير والكر والفر.
وخيل غير صائمة، أي غير ممسكة عن ذلك، بل سائرة.
ومعنى تعلك اللجما: أي تمضغها، متهيئة للسير والكر والفر.
(قوله: وشرعا) مقابل قوله لغة.
(قوله: إمساك عن مفطر) أي جنسه، كوصول العين جوفه، والجماع.
ومعنى الإمساك عنه: تركه، والكف عنه.
(وقوله: بشروطه الآتية) أنظر ما المراد بها؟
فإن كان مراده بها ما ذكره بقوله على كل مكلف مطيق له: فيرد عليه أنها في خصوص من يجب عليه صوم رمضان، والتعريف لمطلق صوم.
وإن كان مراده بها النية: فيرد عليه أنها فرض، كما قال: وفرضه نية.
وأيضا: لو سلم أن المراد بالفرض ما لا بد منه، فيشمل الشرط، فهي شرط واحد، لا شروط.
فالأولى والأخصر أن يقول - كغيره - وشرعا: إمساك عن مفطر على وجه مخصوص، لأن ما ذكر هو حقيقة الصوم، والتعاريف تبين الحقائق، ويدخل تحت على وجه مخصوص: النية - التي هي الركن الثالث - وسائر الشروط والأركان.
(قوله: وفرض) أي الصوم.
(قوله: في شعبان) قال ع ش: لم يبين - كابن حجر - هل كان ذلك في أوله أو آخره أو وسطه فراجعه.
اه.
(قوله: في السنة الثانية من الهجرة) أي فيكون - صلى الله عليه وسلم - صام تسع رمضانات، لأن مدة مقامه بالمدينة عشر سنين، والتسع كلها نواقص إلا سنة فكاملة - على المعتمد -.
والناقص: كالكامل في الثواب المرتب على رمضان، من غير نظر لأيامه.
أما ما يترتب على يوم الثلاثين من ثواب واجبه ومندوبه عند سحوره وفطوره، فهو زيادة يفوق الكامل بها الناقص.
(قوله: وهو) أي الصوم المفروض الذي هو صوم رمضان.
(قوله: من خصائصنا) وعليه فيحمل التشبيه في قوله تعالى: * (كما كتب على الذين من قبلكم) * على مطلق الصوم، دون قدره وزمنه.
وقيل أنه ليس من الخصوصيات، بحمل التشبيه على حقيقته، لأنه قيل: ما من أمة إلا وقد فرض عليهم رمضان، إلا أنهم ضلوا عنه.
قال الحسن: كان صوم رمضان واجبا على اليهود، ولكنهم تركوه وصاموا بدله يوما من السنة، وهو يوم عاشوراء، زعموا أنه يوم أغرق الله تعالى فيه فرعون، وكذبوا في ذلك الصادق المصدوق نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم -.
وواجبا على النصارى أيضا لكنهم بعد أن صاموه زمنا طويلا صادفوا فيه الحر الشديد، وكان يشق عليهم في أسفارهم ومعايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم أن يجعلوه في فصل الربيع لعدم تغيره، وزادوا فيه عشرة أيام كفارة لما صنعوا، فصار أربعين.
ثم إن ملكا مرض فجعل لله تعالى - أن هو برئ - أن يصوم أسبوعا، فبرئ، فزاده أسبوعا، ثم جاء بعد ذلك ملك، فقال: ما هذه الثلاثة؟ فأتم خمسين - أي أنه زاد الثلاثة باجتهاد منه - وهذا معنى قوله تعالى * (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) *
والمعتمد الأول، وهو أنه لم يجب خصوص رمضان إلا على هذه الأمة،
وأما الواجب على الأمم السابقة فصوم آخر.
(قوله: ومن المعلوم من الدين بالضرورة) أي وهو من المعلوم من أدلة الدين علما يشبه الضروري، فيكفر جاحد وجوبه.
(قوله: يجب صوم شهر رمضان) الأصل في وجوبه قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون.
أياما معدودات) * والأيام المعدودات أيام شهر رمضان، وجمعها جمع قلة ليهونها، وقوله تعالى * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * .
(قوله: بكمال شعبان ثلاثين) متعلق بيجب أي يجب باستكمال شعبان ثلاثين يوما إن لم ير هلال رمضان، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته،
فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما.
وفي التحفة: قال الدارمي: ومن رأى هلال شعبان ولم يثبت.
ثبت رمضان باستكماله ثلاثين من رؤيته، لكن بالنسبة لنفسه فقط.
اه.
(قوله: أو رؤية عدل واحد) معطوف على كمال.
أي ويجب صوم رمضان برؤية عدل واحد الهلال، لأن ابن عمر رضي الله عنهما رآه، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصام وأمر الناس بصيامه.
رواه أبو داود وصححه ابن حبان.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني رأيت هلال رمضان.
فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم.
قال: تشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم.
قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا.
صححه ابن حبان والحاكم.
والمعنى في ثبوته بالواحد: الاحتياط للصوم، ولأن الصوم عبادة بدنية، فيكفي في الإخبار بدخول وقتها واحد، والمراد بالعدل عدل الشهادة لا الرواية، فلا يكفي عبد وامرأة وفاسق، لكن لا يشترط فيه العدالة الباطنة، وهي التي التي يرجع فيها إلى قول المزكين، بل يكفي كونه مستور - كما سيذكره - وهو من ظاهره التقوى ولم يعدل.
قال في التحفة: ومحل ثبوته بعدل إنما هو في الصوم وتوابعه كالتراويح والاعتكاف دون نحو طلاق علق به.
نعم، إن تعلق بالرائي عومل به،
وكذا إن تأخر التعليق عن ثبوته بعدل.
اه.
وفي مغني الخطيب ما نصه:(فرع) لو شهد برؤية الهلال واحد أو اثنان واقتضى الحساب عدم إمكان رؤيته.
قال السبكي: لا تقبل هذه الشهادة، لأن الحساب قطعي والشهادة ظنية، والظن لا يعارض القطع.
وأطال في بيان رد هذه الشهادة،
والمعتمد قبولها، إذ لا عبرة بقول الحساب.
اه.
وفصل في التحفة فقال: الذي يتجه أن الحساب إن اتفق أهله على أن مقدماته قطعية وكان المخبرون منهم بذلك عدد التواتر، ردت الشهادة، وإلا فلا.
اه.
(قوله: ولو مستورا) أي ولو كان ذلك العدل مستورا، وهو الذي لم يعرف له مفسق ولم يزك، ويسمى هذا عدلا ظاهرا، ولا ينافي هذا ما مر من أنه يشترط فيه أن يكون عدل شهادة، لا رواية، لأنهم سامحوا في ذلك، كما سامحوا في العدد احتياطا.
(قوله: هلاله) مفعول رؤية.
(وقوله: بعد الغروب) متعلق برؤية.
أي يشترط أن تكون الرؤية بعد الغروب، فلا أثر لرؤيته نهارا.
فلو رؤي يوم الثلاثين من شعبان لا نمسك،
ولو رؤي يوم الثلاثين من رمضان لا نفطر.
(قوله: إذا شهد بها الخ) هذا شرط بالنسبة لثبوته عموما،
وأما بالنسبة لنفسه أو لمن صدقه فلا يشترط فيه ذلك كما هو ظاهر.
ولو قال - كما في المنهج وشرحه - أو رؤية الهلال في حق من رآه وإن كان فاسقا، أو ثبوتها في حق من لم يره بعدل شهادة.
لكان أولى وأخصر.
(وقوله: عند القاضي) أي أو نائبه.
(قوله: ولو مع إطباق غيم) المناسب جعله غاية لمقدر.
أي يثبت الهلال بشهادة عدل عند القاضي برؤيته،
ولو كانت السماء مطبقة بالغيم والمراد إطباق لا يحيل الرؤية عادة، وإلا فلا يثبت بها.
(قوله: بلفظ أشهد الخ) متعلق بمحذوف.
أي والشهادة المجزئة تكون بلفظ أشهد أني رأيت الهلال.
خلافا لابن أبي الدم فإنه قال: لا يكفي ذلك لأنها شهادة على فعل نفسه وهي لا تصح، فلا بد عنده من أن يقول أشهد أن غدا من رمضان، أو أن الشهر هل.
(قوله: ولا يكفي قوله أشهد أن غدا من رمضان) أي عند غير ابن أبي الدم - كما علمت - وذلك لأنه قد يعتقد دخوله بسبب لا يوافقه عليه المشهود عنده، كأن يكون أخذه من حساب منازل القمر، أو يكون حنفيا يرى إيجاب الصوم ليلة الغيم، أو غير ذلك.
(قوله: ولا يقبل على شهادته) أي العدل الرائي.
أي إذا أريد أداء الشهادة عنه عند القاضي، فلا بد من عدلين يشهدان بأن فلانا يشهد أنه رأى الهلال.
وعبارة الروض وشرحه.
ولو شهد اثنان على شهادته - أي العدل - صح،
بخلاف ما إذا شهد عليها واحد.
لما مر أن ذلك من باب الشهادة، لا من باب الرواية.
اه.
وفي مغني الخطيب ما نصه: وهل يثبت بالشهادة على الشهادة؟ طريقان، أصحهما القطع بثبوته - كالزكاة -.
وقيل: لا، كالحدود.
اه.
(قوله: بثبوت رؤية هلال رمضان الخ) الجار والمجرور متعلق بقوله بعد يجب الصوم،
وكذا قوله ومع قوله إلخ، لأنه معطوف على ثبوت.
والمعنى أنه يجب الصوم على جميع أهل البلد بثبوت الرؤية عند القاضي، مع قول القاضي: ثبت عندي الهلال.
(قوله: كما مر) متعلق بمحذوف حال من شهادة، أي حال كون الشهادة باللفظ المار، وهو: أشهد أني رأيت الهلال.
ولو قال بما مر - بالباء بدل الكاف - لكان أولى، وعليه، يكون الجار والمجرور متعلقا بشهادة.
(قوله: ومع قوله ثبت عندي) معطوف على بثبوت،
ولو حذف الواو لكان أولى.
أي وبثبوت هلال رمضان المصاحب لقول القاضي ثبت عندي،
فإن لم يقل ذلك القاضي لا يجب الصوم.
وعبارة التحفة: ولا بد من نحو قوله: ثبت عندي، أو حكمت بشهادته.
اه.
وكتب سم عليه: هذا قد يدل على أن مجرد الشهادة بين يدي القاضي لا يوجب الصوم على من علم بها.
نعم، إن اعتقد صدق الشاهد.
وجب عليه.
اه.
(قوله: يجب الصوم على جميع أهل البلد) أي ولو بالنسبة لمن لم يصدق برؤية العدل المذكور.
(وقوله: المرئي فيه) أي البلد الذي رؤي الهلال فيه.
(قوله: وكالثبوت عند القاضي: الخبر المتواتر الخ) عبارة التحفة: وكهذين - أي إكمال عدة شعبان، والرؤية - الخبر المتواتر برؤيته،
ولو من كفار، لإفادته العلم الضروري، وظن دخوله بالاجتهاد - كما يأتي - أو بالأمارة الظاهرة الدالة التي لا تتخلف عادة - كرؤية القناديل المعلقة بالمنائر - ومخالفة جمع في هذه غير صحيحة، لأنها أقوى من الاجتهاد المصرح فيه بوجوب العمل به، لا قول منجم - وهو من يعتمد النجم - وحاسب - وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سيره - ولا يجوز لأحد تقليدهما.
نعم، لهما العمل بعلمها، ولكن لا يجزئهما عن رمضان - كما صححه في المجموع وإن أطال جمع في رده - ولا برؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم قائلا غدا من رمضان، لبعد ضبط الرائي، لا للشك في الرؤية.
اه.
(وقوله: ولكن لا يجزئهما) الذي جرى عليه الشهاب الرملي وولده والطبلاوي الكبير: وجوب العمل بذلك، مع الإجزاء،
وكذلك من أخبراه وغلب على ظنه صدقهما.
اه.
كر دي
(قوله: وظن دخوله إلخ) هو بالرفع معطوف على الخبر المتواتر، أي وكالثبوت: ظن دخول رمضان بالأمارة الظاهرة.
وعبارة النهاية: ويضاف إلى الرؤية - كما قال الأذرعي - وإكمال العدد: ظن دخوله بالاجتهاد عند الاشتباه على أهل ناحية حديث عهدهم بالإسلام أو أسارى.
وهل الأمارة الظاهرة الدالة في حكم الرؤية مثل أن يرى أهل القرية القريبة من البلد القناديل قد علقت ليلة الثلاثين من شعبان بمنائر المصر كما هو العادة؟ الظاهر: نعم،
وإن اقتضى كلامهم المنع.
اه.
(قوله: كرؤية القناديل الخ) تمثيل للأمارة الظاهرة.
(قوله: ويلزم الفاسق الخ) هذا كالتقييد لاشتراط كون الرائي عدلا المستفاد من قوله أو برؤية عدل، فكأنه قال: ومحل اشتراط العدالة - أي عدالة الشهادة، لا الرواية، كما علمت - في حق غير الرائي،
أما هو: فيجب عليه الصوم،
وإن لم يكن عدل شهادة - كأن كان فاسقا أو امرأة أو عبدا - وفي حق غير من أخبره وصدقه،
أما هو: فيجب عليه الصوم، ويعمل بقوله، لأنه صدقه في ذلك.
(قوله: العمل برؤية نفسه) أي فيجب عليه الصوم.
(قوله: وكذا من اعتقد الخ) أي
وكذلك يلزم من اعتقد صدق من ذكر العمل بإخباره.
(وقوله: صدق نحو فاسق) المقام للإضمار،
فلو عبر به وقال: وكذا من اعتقد صدقه، لكان أولى.
ودخل تحت نحو العبد والأنثى.
قال سم: هل يدخل في الفاسق الكافر حتى لو أخبر من اعتقد صدقه لزمه؟ يحتمل أنه كذلك.
اه.
(قوله: في إخباره) متعلق بصدق، وضميره يعود على نحو فاسق.
(قوله: وثبوتها) بالجر معطوف على رؤية نفسه: أي
وكذلك يلزم من اعتقد صدق نحو فاسق في إخباره بثبوت الرؤية في بلد متحد مطلعه: العمل بإخباره - لما سيذكره قريبا من أنه إذا ثبت رؤية هلال رمضان في بلد، لزم حكمه البلد القريب منه.
(وقوله: متحد مطلعه) أي موافق مطلعه لمطلع غير محل الرؤية، بأن يكون غروب الشمس والكواكب وطلوعها في البلدين في وقت واحد - كما سيأتي.
(قوله: سواء أول رمضان وآخره) تعميم فيما قبل،
وكذا وفيما بعده، وإن كان ظاهر صنيعه يقتضي رجوعه للثاني فقط.
أي يلزم الفاسق وما بعده العمل برؤية نفسه - سواء كانت الرؤية لهلال رمضان، أو لهلال شوال -
ويلزم أيضا من صدق من ذكر في إخباره برؤية نفسه أو بثبوتها في بلد متحد المطلع العمل بما ذكر - سواء كان بالنسبة لهلال رمضان، أو لهلال شوال - فإذا رأى الفاسق هلال شوال يجب عليه العمل برؤيته،
ومثله من صدقه في ذلك.
قال في فتح الجواد: إذ المدار على حصول الاعتقاد الجازم، فمتى حصل أوله أو آخره بقول عدل أو غيره - ومما ذكر ونحوه - جاز العمل بقضيته، بل وجب.
اه.
وقال الكردي: وفي النهاية إخبار العدل الموجب للاعتقاد الجازم بدخول شوال يوجب الفطر.
قال سم في شرح مختصر أبي شجاع: وأما قولهم لا يثبت شوال إلا بشهادة عدلين، وأنه من باب الشهادة لا الرؤية: فهو في ثبوته على العموم.
اه.
(قوله: على الأصح) راجع للتعميم، ومقابله أنه ليس آخر رمضان كأوله في ذلك.
(قوله: والمعتمد أن له) أي للشخص.
(وقوله: بل عليه) أي يجب عليه.
(قوله: اعتماد العلامات بدخول شوال) أي كالقناديل ورمي المدافع، فيجب عليه الفطر.
(قوله: إذا حصل له) أي للرائي للعلامات.
(وقوله: اعتقاد جازم بصدقها) أي العلامات.
فإن لم يحصل له ذلك لا يجوز له العمل بها.
فالمدار على حصول الاعتقاد الجازم وعدمه.
(قوله: وإذا صاموا) أي أهل البلد.
(قوله: ولو برؤية عدل) غاية لثبوت صيامهم.
أي ولو ثبت صيامهم برؤية عدل واحد - أو عدلين - أو بغير الرؤية، كأن كان باستكمال شعبان ثلاثين يوما.
(قوله: أفطروا بعد ثلاثين) (فإن قيل): يؤدي هذا إلى ثبوت شوال بقول واحد فيما إذا صمنا بعدل، وهو لا يصح.
(أجيب) بأن الشئ قد يثبت ضمنا بطريق لا يثبت فيها مقصودا، كالنسب والإرث - لا يثبتان بالنساء، ويثبتان ضمنا للولادة الثابتة بهن.
(قوله: وإن لم يروا الهلال) أي بعد الثلاثين.
(قوله: ولم يكن غيم) أي وإن لم يكن هناك غيم، بأن كانت السماء مصحية.
وعبارة المنهاج: وإن كانت السماء مصحية.
وكتب المحلى أشار بهذا إلى أن الخلاف في حالتي الصحو والغيم،
وأن بعضهم قال بالإفطار في حالة الغيم، دون الصحو.
اه.
(قوله: لكمال العدة) أي عدة رمضان، وهي ثلاثون يوما.
(قوله: بحجة شرعية) وهي شهادة العدل ونحوها مما يثبت به رمضان.
(قوله: ولو صام بقول من يثق) أي به أي من اعتقد صدقه.
(وقوله: ثم لم ير) بالبناء للمجهول، والهلال نائب فاعله.
(قوله: مع الصحو) أطلق في التحفة عدم الإفطار ولم يقيده بالصحو، وقيده به في فتح الجواد، ومقتضى التقييد به أنه يفطر الحادي والثلاثين - إن كان غيم.
وفي سم - بعد كلام - ما نصه: فقد بان لك - فيما لو صام بقول غير عدل يثق به ولم ير الهلال بعد الثلاثين - أن الشارح استظهر في شرح الإرشاد الكبير وجوب الصوم مع الصحو، وترجى أن يكون أقرب مع الغيم، وجزم في الصغير بوجوبه مع الصحو، وسكت عن الغيم.
واستوجه في شرح المنهاج وجوب الصوم، وأطلق، فلم يقيد، لا بصحو ولا بغيم، واستوجه في شرح العباب وجوب الفطر مطلقا.
اه.
(قوله: لم يجز له الفطر) أي لأنا إنما صومناه احتياطا، فلا نفطره احتياطا.
وفارق العدل بأنه حجة شرعية فلزم العمل بآثارها،
بخلاف اعتقاد الصدق.
وعدم جواز الفطر هو ما جرى عليه ابن حجر، وجرى الرملي على خلافه، وهو أنه يفطر،
وعبارته: ولو صام شخص بقول من يثق به ثلاثين ولم ير الهلال، فإنه يفطر في أوجه احتمالين.
اه.
(قوله: ولو رجع الشاهد) أي العدل.
وعبارة التحفة: ولا يقبل رجوع العدل بعد الشروع في الصوم.
(قوله: بعد شروعهم) أي أهل البلد.
(قوله: لم يجز لهم الفطر)
قال في النهاية: أي لأن الشروع فيه بمنزلة الحكم بالشهادة.
اه.
وكتب ع ش: يؤخذ من العلة أنه لو حكم بشهادته وجب الصوم،
وإن لم يشرعوا فيه.
وعبارة سم على منهج:(فرع) لو رجع العدل عن الشهادة - فإن كان بعد الحكم لم يؤثر،
وكذا قبله وبعد الشروع، فإن كان قبل الحكم والشروع جميعا امتنع العمل بشهادته م ر.
وإن كان رجوعه قبل الحكم وبعد الشروع ثم لم ير الهلال بعد ثلاثين والسماء مصحية، فهل نفطر؟ ظاهر كلامهم أنا نفطر، لأنهم جوزوا الاعتماد عليه، وجرى على ذلك م ر، وخالف شيخنا في إتحافه فمنع الفطر، لأنا إنما عولنا عليه مع رجوعه احتياطا، والاحتياط عدم الفطر، حيث لم ير الهلال - كما ذكره.
اه.
والقلب إلى ما قاله في الإتحاف أميل.
اه.
(قوله: وإذا ثبت رؤيته) أي الهلال، بعدل أو عدلين، ويؤخذ من التعبير بالثبوت أنه إذا أشيعت رؤيته في بلد ولم تثبت لا تثبت في البلدة القريبة إلا لمن صدقه - كما في التحفة - وعبارتها:(تنبيه) قضية قوله لزم إلخ أنه بمجرد رؤيته ببلد يلزم كل بلد قريبة منه الصوم أو الفطر، لكن من الواضح أنه لو لم يثبت بالبلد الذي أشيعت رؤيته فيها لا يثبت في القريبة منه، إلا بالنسبة لمن صدق المخبر، وأنه إن ثبت فيها ثبت في القريبة، لكن لا بد من طريق يعلم بها أهل البلد القريبة ذلك،
فإن كان ثبت بنحو حكم فلا بد من اثنين يشهدان عند حاكم القريبة بالحكم، ولا يكفي واحد،
وإن كان المحكوم به يكفي فيه الواحد، لأن المقصود إثباته الحكم بالصوم، لا الصوم، أو بنحو استفاضة فلا بد من اثنين أيضا لذلك.
فإن لم يكن بالبلد من يسمع الشهادة أو امتنع لم يثبت عندهم إلا بالنسبة لمن صدق المخبر بأن أهل تلك البلد ثبت عندهم ذلك.
اه.
(قوله: لزم حكمه) الضمير يعود على ثبوت المفهوم من ثبت.
أي لزم حكم ثبوت الرؤية في بلد البلد القريب إلخ،
ويصح رجوع الضمير للبلد، لكن بتقدير مضاف، أي حكم أهل البلد، أي الحكم الحاصل على أهل البلد بسبب ثبوت الرؤية منها، وذلك الحكم هو الصوم.
وقوله: البلد القريب: بالنصب - مفعول لزم.
وإنما لزمها ذلك لأن البلدتين صارتا كبلدة واحدة.
(قوله: دون البعيد) أي لما رواه مسلم عن كريب قال: رأيت الهلال بالشام، ثم قدمت المدينة، فقال ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟
قلت: ليلة الجمعة.
قال: أنت رأيته؟
قلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا، وصام معاوية.
فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة.
فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا.
هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(قوله: ويثبت البعد باختلاف المطالع) أي والقرب باتحادها.
والمراد به: أن يكون غروب الشمس والكواكب وطلوعها في المحلين في وقت واحد.
فإن طلع أو غرب شئ من ذلك في أحد المحلين قبل الآخر أو بعده فهو مختلف.
(قوله: على الأصح) مقابله لا يعتبر البعد باختلاف المطالع، بل بمسافة القصر.
قال: لأن الشرع أناط بها كثيرا من الأحكام، واعتبار المطالع يحوج إلى تحكيم المنجمين، وقواعد الشرع تأباه.
ورد بأن الهلال لا تعلق له بمسافة القصر، ولأن المناظر تختلف باختلاف المطالع والعروض، أي عروض البلاد - أي بعدها - عن خط الاستواء، وتحكيم المنجمين إنما يضر في الأصول، دون التوابع - كما هنا، كذا في التحفة.
وفي البجيرمي: قال ابن المقري في تمشيته: واعتبار مسافة القصر يؤدي إلى أن يجب الفطر على من بالبلد، والصوم على من هو خارجها، لوقوعهم في مسافة القصر، إذ هي تحديد، وإلى أن يكون من خرج من البلد لزمه الإمساك،
ومن دخلها لزمه الفطر.
اه.
(قوله: والمراد باختلافها أن يتباعد إلخ) وفي حاشية الكردي ما نصه: معنى اختلاف المطالع أن يكون طلوع الفجر أو الشمس أو الكواكب أو غروبها في محل متقدما على مثله في محل آخر، أو متأخرا عنه، وذلك مسبب عن اختلاف عروض البلاد.
أي بعدها عن خط الاستواء وأطوالها.
أي بعدها عن ساحل البحر المحيط الغربي، فمتى تساوى طول البلدين لزم من رؤيته في أحدهما رؤيته في الآخر،
وإن اختلف عرضهما، أو كان بينهما مسافة شهور.
ومتى اختلف طولهما امتنع تساويهما في الرؤية، ولزم من رؤيته في الشرق رؤيته في بلد الغرب، دون العكس، فيلزم من رؤيته في مكة رؤيته في مصر، ولا عكس.
قالا في الإمداد والنهاية: ومن ثم لو مات متوارثان وأحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب كل في وقت زوال بلده، ورث الغربي الشرقي، لتأخر زوال بلده.
اه.
(قوله: غالبا) خرج به ما كان على خلاف الغالب، وهو أنه قد يتباعد المحلان، وتكون الرؤية في أحد البلدين مستلزمة للرؤية في الآخر، كالذي سيذكره من أنه إذا رؤي في البلد الشرقي يرى في الغربي - فلا عبرة به، للاختلاف فيما ذكر.
(قوله: التبريزي) بكسر أوله والراء وسكون الموحدة والتحتية وزاي: نسبة إلى تبريز، بلدة بأذربيجان.
اه.
ع ش.
(قوله: لا يمكن اختلافها الخ)
قال في التحفة: وكان مستند ما ذكر: الاستقراء.
(وقوله: في أقل من أربعة وعشرين فرسخا) قال ع ش - وقدره ثلاثة أيام.
لكن يبقى الكلام في مبدأ الثلاثة بأي طريق يفرض حتى لا تختلف المطالع بعده؟.
اه.
(قوله: على أنه يلزم من الرؤية الخ) أي كما في مكة المشرفة ومصر المحروسة، فإنه يلزم من رؤيته في مكة رؤيته في مصر، لا عكسه.
(قوله: من غير عكس) وهو أنه لا يلزم من رؤيته في البلد الغربي رؤيته في البلد الشرقي، وعلى هذا حديث كريب،
فإن الشام غربية بالنسبة إلى المدينة، فلا يلزم من رؤيته في الشام رؤيته فيها.
(قوله: إذ الليل إلخ) علة الملازمة.
(وقوله: قبل) أي قبل دخوله في البلاد الغربية.
(قوله: وقضية كلامهم) أي السبكي ومن تبعه، وهو أنه يلزم من رؤيته في الشرقي رؤيته في الغربي.
(قوله: أنه) أي الهلال.
والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها خبر قضية.
(وقوله: في شرقي) أي بلد شرقي.
(وقوله: لزم كل غربي) أي كل أهل بلد غربي.
(وقوله: بالنسبة إليه) أي إلى الشرقي الذي رؤي الهلال فيه.
(وقوله: العمل) فاعل لزم.
(قوله: وإن اختلفت المطالع) قال في التحفة بعده: وفيه منافاة لظاهر كلامهم، ويوجه كلامهم بأن اللازم إنما هو الوجود، لا الرؤية، إذ قد يمنع منها مانع، والمدار عليها، لا على الوجود.
اه.
وقوله: بأن اللازم: أي لرؤيته في البلد الشرقي إنما هو الوجود، أي وجود الهلال.
وفي ع ش ما نصه:(فرع) ما حكم تعلم اختلاف المطالع؟ يتجه أن يكون كتعلم أدلة القبلة حتى يكون فرض عين في السفر وفرض كفاية في الحضر، وفاقا لمر سم على منهج، والتعبير بالسفر والحضر جري على الغالب.
اه.
(تتمة) لو أثبت مخالف الهلال مع اختلاف المطالع لزمنا العمل بمقتضى إثباته.
ولو سافر عن محل الرؤية إلى محل يخالفه في المطلع ولم ير أهله الهلال، وافقهم في الصوم آخر الشهر،
وإن أتم ثلاثين فيمسك معهم،
وإن كان معيدا، لأنه صار منهم.
وكذا لو جرت سفينة صائم إلى بلد فوجدهم معيدين فإنه يفطر معهم لذلك، ولا قضاء عليه، إلا إن صام ثمانية وعشرين يوما.
وخرج بآخر الشهر ما لو انتقل أول الشهر من محل رأوه فيه إلى محل لم يروه فيه، فلا يفطر معهم ذلك اليوم - كما في التحفة - قال سم: والوجه التسوية بين الأول والآخر.
وعليه يلغز ويقال: لنا شخص رأى الهلال ليلا، وأصبح مفطرا بلا عذر.
(فائدة) في مسند الدارمي وصحيح ابن حبان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كأن يقول عند رؤية الهلال: الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلام والإسلام، والتوفيق لما تحبه وترضاه.
ربنا وربك الله.
وفي أبي داود: كان يقول: هلال خير ورشد - مرتين - آمنت بمن خلقك - ثلاث مرات -.
ويسن أن يقرأ بعد ذلك سورة تبارك، لأثر فيه، ولأنها المنجية الواقية: قال السبكي: وكأن ذلك لأنها ثلاثون آية بعدد أيام الشهر، ولأن السكينة تنزل عند قراءتها.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها عند النوم.
اه.
مغني.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.