وبرمضان إكثار صدقة وتلاوة,
الشروح عليها
وبرمضان إكثار صدقة وتلاوة, ومشاتمة لأنه محبط للأجر كما صرحوا به ودلت عليه الأخبار الصحيحة ونص عليه الشافعي والأصحاب وأقرهم في المجموع وبه يرد بحث الأذرعي حصوله وعليه إثم معصيته.
وقال بعضهم: يبطل أصل صومه وهو قياس مذهب أحمد في الصلاة في المغصوب.
ولو شتمه أحد فليقل ولو في نفل إني صائم مرتين أو ثلاثا في نفسه تذكيرا لها وبلسانه: حيث لم يظن رياء فإن اقتصر على أحدهما: فالأولى بلسانه.
وسن مع التأكيد برمضان وعشره الأخير آكد إكثار صدقة وتوسعة على عيال وإحسان على الأقارب والجيران للاتباع وأن يفطر الصائمين أي يعشيهم إن قدر وإلا فعلى نحو شربة وإكثار تلاوة للقرآن في غير نحو الحش ولو نحو طريق وأفضل الأوقات للقراءة من النهار: بعد الصبح ومن الليل: في السحر.
فبين العشاءين وقراءة الليل أولى وينبغي أن يكون شأن القارئ: التدبر.
قال أبو الليث في البستان: ينبغي للقارئ أن يختم القرآن في السنة مرتين إن لم يقدر على الزيادة.
وقال أبو حنيفة: من قرأ القرآن في كل سنة مرتين: فقد أدى حقه.
وقال أحمد: يكره تأخير ختمة أكثر من أربعين يوما بلا عذر,
(قوله: ومشاتمة) المراد بها أصل الفعل: أي الشتم، وهو والسب بمعنى واحد، وهو مشافهة الغير بما يكره،
وإن لم يكن فيه حد: كيا أحمق، يا ظالم.
والقذف أخص منهما، إذ هو الرمي بما يوجب الحد غالبا.
(قوله: لأنه محبط للأجر) أي لأن المحرم من الكذب، والغيبة، والمشاتمة، وغيرها، محبط لثواب الصوم.
(قوله: كما صرحوا به) أي بإحباطه للأجر فقط.
(قوله: ودلت عليه الأخبار الصحيحة) منها: خبر الحاكم في صحيحه: ليس الصيام من الأكل والشرب فقط، الصيام من اللغو والرفث.
وخبر البخاري: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه.
والمراد أن كمال الصوم إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الردئ،
لا أن الصوم يبطل بهما.
قال في التحفة.
وخبر: خمس يفطرن الصائم: الغيبة، والنميمة، والكذب، والقبلة، واليمين الفاجرة باطل - كما في المجموع.
اه.
(قوله: وبه يرد) أي بما ذكر من تصريحهم ودلالة الأخبار.
ونص الشافعي بإحباط الأجر بذلك: يرد بحث الأذرعي حصول الأجر، وعليه إثم المعصية.
(قوله: وقال بعضهم) هو الأوزاعي - كما في التحفة.
(وقوله: يبطل أصل صومه) أي لظاهر الحديث المار وهو: خمس يفطرن الخ.
(قوله: وهو قياس) أي بطلان أصل الصوم قياس مذهب الإمام أحمد في الصلاة في المغصوب، فإنها تبطل عنده فيه.
(قوله: ولو شتمه أحد فليقل الخ) أي لخبر: الصيام جنة.
فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث، ولا يجهل،
فإن امرؤ قاتله، أو شاتمه، فليقل إني صائم، إني صائم - مرتين.
أي يقوله بقلبه لنفسه، لتصبر ولا تشاتم فتذهب بركة صومها - كما نقله الرافعي عن الأئمة - أو بلسانه بنية وعظ الشاتم،
ودفعه بالتي هي أحسن - كما نقله النووي عن جمع وصححه - ثم قال: فإن جمعهما فحسن،
وقال إنه يسن تكراره مرتين، أو أكثر، لأنه أقرب إلى إمساك صاحبه عنه.
وقول الزركشي: ولا أظن أحدا يقوله: مردود بالخبر السابق.
اه.
شرح الروض.
(قوله: ولو في نفل) أي في صوم نفل، وهو غاية لقوله فليقل إلخ.
وقوله: إني صائم: مقول القول.
وقوله: مرتين، مفعول مطلق ليقل.
(قوله: في نفسه) متعلق بقوله فليقل.
أي فليقل في نفسه، وإطلاق القول على ما كان بنفسه ثابت في كلامهم كثيرا، ويسمى قولا نفسيا.
قال الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * * جعل اللسان على الفؤاد دليلا وقوله: تذكيرا لها: أي لنفسه أن صائم لتصبر.
(قوله: وبلسانه) معطوف على في نفسه، والواو: بمعنى أو، أي أو ليقل بلسانه ذلك، زجرا لخصمه.
(قوله: حيث لم يظن رياء) تقييد لقوله ذلك باللسان: أي فليقل ذلك به حيث لم يظن رياء بذلك،
فإن ظنه تركه، وقاله بقلبه.
(قوله: فإن اقتصر على أحدهما) أي فإن أراد الاقتصار على أن يقول ذلك في نفسه أو بلسانه، فالأولى أن يكون بلسانه، لكن حيث أمن الرياء، لأن القصد بذلك الوعظ، وبه يندفع ما يقال: أن العبادة يسن إخفاؤها، فكيف طلب منه أن يتلفظ بقوله إني صائم؟ وما أحسن ما قاله بعضهم هنا: اغضض الطرف، واللسان فقصر * *
وكذا السمع صنه حين تصوم ليس من ضيع الثلاثة عندي * * بحقوق الصيام أصلا يقوم
(قوله: وسن مع التأكيد) ق يد به، لأن ما ذكره سنة في كل زمن، فرمضان: زائد بتأكد ما ذكر فيه.
وعبارة التحفة: ويسن، أي يتأكد من حيث الصوم، وإلا فذلك سنة في كل زمن.
(قوله: وعشره الأخير إلخ) هذا مكرر مع قول المتن الآتي سيما عشر آخره، إذ هو راجع لإكثار الصدقة وما بعده - كما صرح به الشارح عقبه - فالأولى إسقاطه.
(قوله: إكثار صدقة) نائب فاعل سن.
(قوله: وتوسعة) بالجر، معطوف على صدقة: أي وإكثار التوسعة - أي زيادتها -.
بالرفع: معطوف على إكثار، أي وسن توسعه.
وعبارة فتح الجواد: وكثرة صدقة، وزيادة التوسعة على العيال.
اه.
(قوله: وإحسان) فيه الاحتمالان الماران آنفا.
(قوله: للاتباع) هو أنه - صلى الله عليه وسلم - كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل.
والمعنى في ذلك: تفريغ قلوب الصائمين والقائمين للعبادة بدفع حاجتهم.
(قوله: وأن يفطر الخ) المصدر المؤول معطوف على إكثار، أي وسن تفطير الصائمين، لما صح من قوله - صلى الله عليه وسلم -: من فطر صائما فله مثل أجره، ولا ينقص من أجر الصائم شئ،
فإن عجز عن عشائهم فطرهم بشربة، أو تمرة، أو غيرهما.
(قوله: وإكثار تلاوة للقرآن) أي وسن - مع التأكد - إكثار تلاوة القرآن - أي ومدارسته - بأن يقرأ على غيره، ويقرأ عليه غيره.
وإنما تأكد ذلك في رمضان لما في الصحيحين: أن جبريل كان يلقى النبي - صلى الله عليه وسلم - في رمضان حتى ينسلخ فيعرض عليه - صلى الله عليه وسلم - القرآن.
وحكمة العرض لأجل أن يبين الناسخ والمنسوخ.
قال سيدنا الحبيب عبد الله الحداد في نصائحه الدينية: واعلموا معاشر الإخوان - جعلنا الله وإياكم من التالين لكتابة العزيز حق تلاوته، المؤمنين به، الحافظين له، المحفوظين به، المقيمين له، القائمين به - أن تلاوة القرآن العظيم من أفضل العبادات، وأعظم القربات، وأجل الطاعات، وفيها أجر عظيم، وثواب كريم.
قال الله تعالى: * (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور) * وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفضل عبادة أمتي تلاوة القرآن.
وقال عليه الصلاة والسلام: من قرأ حرفا من كتاب الله كتبت له حسنة، والحسنة بعشر أمثالها.
لا أقول ألم حرف واحد، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف.
وقال عليه الصلاة والسلام: يقول الله تعالى: من شغله ذكري وتلاوة كتابي عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه.
وقال عليه الصلاة والسلام: اقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه.
وقال علي كرم الله وجهه: من قرأ القرآن وهو قائم في الصلاة كان له بكل حرف مائة حسنة،
ومن قرأه وهو قاعد في الصلاة كان له بكل حرف خمسون حسنة،
ومن قرأه خارج الصلاة وهو على طهارة كان له بكل حرف خمس وعشرون حسنة،
ومن قرأه وهو على غير طهارة كان له بكل حرف عشر حسنات.
واعلموا أن للتلاوة آدابا ظاهرة وباطنة، ولا يكون العبد من التالين حقيقة، الذين تزكو تلاوتهم، ويكون من الله بمكان، حتى يتأدب بتلك الآداب، وكل من قصر فيها، ولم يتحقق بها لم تكمل تلاوته، ولكنه لا يخلو في تلاوته من ثواب، وله فضل على قدره - فمن أهم الآداب وآكدها: أن يكون التالي في تلاوته مخلصا لله تعالى، ومريدا بها وجهه الكريم، والتقرب إليه، والفوز بثوابه.
وأن لا يكون مرائيا، ولا متصنعا، ولا متزينا للمخلوقين، ولا طالبا بتلاوته شيئا من الحظوظ العاجلة، والأغراض الفانية الزائلة.
وأن يكون ممتلئ السر والقلب بعظمة المتكلم عز وعلا، خاضعا لجلاله، خاشع القلب والجوارح، حتى كأنه من تعظيمه وخشوعه واقفا بين يدي الله تعالى يتلو عليه كتابه الذي أمره فيه ونهاه.
وحق لمن عرف القرآن وعرف المتكلم به أن يكون كذلك، وعلى أتم من ذلك.
كيف وقد قال الله تعالى: * (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) * ؟
فإذا كان هكذا يكون حال الجبل - مع جموده وصلابته - لو أنزل عليه القرآن، فكيف يكون حال الإنسان الضعيف المخلوق من ماء وطين؟ لولا غفلة القلوب وقسوتها، وقلة معرفتها بعظمة الله وعزته وجلاله.
اه.
(قوله: في غير نحو الحش) متعلق بإكثار.
أي سن إكثار في غير نحو الحش.
أما نحو الحش فلا يسن إكثارها فيه، ومفهومه أن أصل التلاوة تسن فيه، وليس بمراد، لما نصوا عليه من كراهة الذكر والقراءة في محل قضاء الحاجة من بول أو غائط، بل اختار بعضهم التحريم، لكن حال قضاء الحاجة.
والحش - بضم الحاء، وفتحها - محل قضاء الحاجة، ويسمى بيت الخلاء.
واختلف أهل اللغة في إطلاق الحش على ما ذكر، فقال بعضهم إنه حقيقة،
وقال بعضهم أنه مجاز - كما في المصباح - وعبارته: الحش: البستان.
والفتح أكثر من الضم.
وقال أبو حاتم: يقال لبستان النخل: حش.
فقولهم بيت الحش: مجاز، لأن العرب كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، فلما اتخذوا الكنف وجعلوها خلفا عنها أطلقوا عليها ذلك الاسم.
وقال في مختصر العين: المحشة: الدبر.
والمحش: المخرج - أي مخرج الغائط - فيكون حقيقة.
اه.
بحذف.
وانظر: ما نحو الحش؟ ولعله المكان المتيقن نجاسته - كالمزبلة والمجزرة.
(قوله: ولو نحو طريق) غاية لغير نحو الحش: أي ولو كان ذلك الغير نحو طريق،
وعبارة فتح الجواد: ولو نحو طريق أو حمام توفر فيه التدبر.
اه.
(قوله: وأفضل الأوقات إلخ) قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - في الأذكار (إعلم) أن أفضل القراءة ما كان في الصلاة.
ومذهب الإمام الشافعي وآخرين - رحمهم الله تعالى - إن تطويل القيام في الصلاة بالقراءة أفضل من تطويل السجود وغيره.
وأما القراءة في غير الصلاة، فأفضلها قراءة الليل، والنصف الأخير منه أفضل من الأول، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة.
وأما قراءة النهار: فأفضلها ما بعد صلاة الصبح، ولا كراهة في القراءة في وقت من الأوقات، ولا في أوقات النهي عن الصلاة.
وأما ما حكاه ابن أبي داود - رحمه الله تعالى - عن معاذ بن رفاعة - رحمه الله تعالى - عن مشايخه أنهم كرهوا القراءة بعد العصر، وقالوا إنها دراسة يهود: فغير مقبول، ولا أصل له.
ويختار من الأيام: الجمعة، والاثنين، والخميس، ويوم عرفة.
ومن الأعشار: العشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأخير من شهر رمضان.
ومن الشهور: رمضان.
اه.
(قوله: وقراءة الليل أولى) أي من قراءة النهار، لأن الخشوع والتدبر في قراءة الليل لا يحصلان في قراءة النهار.
(قوله: وينبغي أن يكون شأن القارئ التدبر) أي لما يقرؤه والتفهم له، حاضر القلب معه.
قال تعالى: * (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) * ،
وقال تعالى - في معرض الإنكار والتوبيخ لأقوام - * (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟) * وقال علي كرم الله وجهه: لا خير في قراءة لا تدبر فيها.
وصدق رضي الله عنه، لأن القرآن إنما أنزل ليتدبر.
وبالتدبر يفهم المراد منه، ويتوصل إلى العلم به، والعمل بما فيه، وهذا هو المقصود بإنزاله وبعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - به. قال بعض السلف رحمة الله عليهم: لأن أقرأ إذا زلزلت، والقارعة أتدبرهما وأتفهمهما، أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله.
وعن الحسن البصري أنه قال: أن من كان قبلكم رأوا هذا القرآن رسائل إليهم من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، وينفذونها بالنهار.
اه.
ملخصا من النصائح.
(قوله: قال أبو الليث في البستان الخ) قال النووي - رحمه الله تعالى - في الأذكار ما ملخصه: ينبغي أن يحافظ على تلاوته ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، وقد كانت للسلف رضي الله عنهم عادات مختلفة في القدر الذي يختمون فيه، فكان جماعة منهم يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثمان ليال ختمة، وآخرون في كل سبع ليال - وهذا فعل الأكثرين من السلف - وآخرون في كل ست ليال، وآخرون في أربع، وكثيرون في كل ثلاث، وكان كثيرون يختمون في كل يوم وليلة ختمة، وختم جماعة في كل يوم وليلة ختمتين، وآخرون في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وختم بعضم في اليوم والليلة ثماني ختمات: أربعا في الليل، وأربعا في النهار.
والمختار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص،
فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف، فليقتصر على قدر يحصل له معه كمال فهم ما يقرأ،
وكذا من كان مشغولا بنشر العلم، أو فصل الحكومات بين المسلمين، أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح العامة للمسلمين، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، ولا فوات كماله،
ومن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر - ما أمكنه - من غير خروج إلى حد الملل أو الهذرمة في القراءة.
وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في يوم وليلة، ويدل عليه ما رويناه بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرها من عبد الله بن عمر وبن العاصي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث.
وأما وقت الابتداء والختم فهو إلى خيرة القارئ،
فإن كان يختم في الأسبوع مرة، فقد كان عثمان رضي الله عنه يبتدئ ليلة الجمعة، ويختم ليلة الخميس.
وقال الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء: الأفضل أن يختم ختمة بالليل، وأخرى بالنهار، ويجعل ختمة النهار يوم الاثنين في ركعتي الفجر أو بعدهما، ويجعل ختمة الليل ليلة الجمعة في ركعتي المغرب أو بعدهما، ليستقبل أول النهار وآخره.
وروى ابن أبي داود عن عمرو بن مرة التابعي الجليل رضي الله عنه قال: كانوا يحبون أن يختم القرآن من أول الليل، أو من أول النهار.
وعن طلحة بن مصرف التابعي الجليل الإمام قال: من ختم القرآن أية ساعة كانت من النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي، وأية ساعة كانت من الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح.
ثم قال - رحمه الله تعالى -
ويستحب الدعاء عند الختم استحبابا متأكدا شديدا، لما روينا عن حميد الأعرج - رحمه الله تعالى - قال: من قرأ القرآن ثم دعا أمن على دعائه أربعة آلاف ملك.
وينبغي أن يلح في الدعاء،
وأن يدعو بالأمور المهمة، والكلمات الجامعة،
وأن يكون معظم ذلك أو كله في أمور الآخرة، وأمور المسلمين، وصلاح سلطانهم، وسائر ولاة أمورهم،
وفي توفيقهم للطاعات، وعصمتهم من المخالفات، وتعاونهم على البر والتقوى، وقيامهم بالحق، واجتماعهم عليه، وظهورهم على أعداء الدين، وسائر المخالفين.
اه.
وقوله: ويستحب الدعاء عند الختم إلخ.
مما يحسن إيراده هنا: الدعاء الذي يدعو به شيخنا الأستاذ علامة الزمان مولانا السيد أحمد بن زيني دحلان، عقب ختمه القرآن (وهو هذا): بسم الله الرحمن الرحيم.
صدق الله مولانا العظيم.
وبلغ رسوله النبي الكريم.
ونحن على ذلك من الشاهدين الشاكرين.
والحمد لله رب العالمين.
اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن العظيم، وبارك لنا بالآيات والذكر الحكيم، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وجد علينا إنك أنت الجواد الكريم، وعافنا من كل بلاء يا عظيم.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وشفاء صدورنا، ونور أبصارنا، وذهاب همومنا وغمومنا وأحزاننا، ومغفرة لذنوبنا، وقضاء لحوائجنا، وسائقنا وقائدنا ودليلنا إليك وإلى جناتك جنات النعيم.
اللهم ارحمنا بالقرآن العظيم، واجعله لنا إماما ونورا وهدى ورحمة.
اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته على طاعتك آناء الليل وأطراف النهار، واجعله حجة لنا، ولا تجعله حجة علينا، مولانا رب العالمين.
اللهم فكما بلغتنا خاتمته، وعلمتنا تلاوته، وفضلتنا بدينك على جميع الأمم، وخصصتنا بكل فضل، وكرم، وجعلت هدايتنا بالنبي الطاهر النسب، الكريم الحسب، سيد العجم والعرب، سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب - - صلى الله عليه وسلم - - فنسألك اللهم ببلاغه عنك، وقربه منك، وجاهه المقبول لديك، وحقه الذي لا يخيب من توسل به إليك: أن تجعل القرآن العظيم لنا إلى كل خير قائدا، وعن كل سوء ذائدا وإلى حضرتك وجنة الخلد وافدا.
اللهم أرشدنا بحفظه، وأعذنا من نبذه ورفضه وقلاه وبغضه، ولا تجعلنا ممن يدفع بعضه ببعضه.
اللهم أعذنا به من ذميم الإسراف، ورض به نفوسنا على العدل والإنصاف، وذلل به ألسنتنا على الصدق والاعتراف، واجمعنا به على مسرة الائتلاف، واحشرنا به في زمرة أهل القناعة والعفاف.
اللهم شرف به مقامنا في محل الرحمة، واكنفنا في ظل النعمة، وبلغنا به نهاية المراد والهمة، وبيض به وجوهنا يوم القتر والظلمة.
اللهم إنا قد دعوناك طالبين، ورجوناك راغبين، واستقلناك معترفين، غير مستنكفين، إقرارا لك بالعبودية، وإذعانا لك بالربوبية، فأنت الله الذي لا إله إلا أنت، لك ما سكن في الليل والنهار، وأنت السميع العليم.
اللهم فجد علينا بجزيل النعماء، وأسعفنا بتتابع الآلاء، وعافنا من نوازل البلاء، وقنا شماتة الأعداء، وأعذنا من درك الشقاء، وحطنا برعايتك في الصباح والمساء.
إلهنا وسيدنا ومولانا: عليك نتوكل في حاجاتنا، وإليك نتوسل في مهماتنا، لا نعرف غيرك فندعوه، ولا نؤمل سواك فنرجوه، اللهم فجد علينا بعصمة مانعة من اقتراف السيئات، ورحمة ماحية لسوالف الخطيئات، ونعمة جامعة لصنوف الخيرات، يا من لا يضل من أصحبه إرشاده، وتوفيقه، ولا يزل من توكل عليه وسلك طريقه، ولا يذل من عبده وأقام حقوقه.
اللهم فكما بلغتنا خاتمته، وعلمتنا تلاوته، فاجعلنا ممن يقف عند أوامره، ويستضئ بأنوار جواهره، ويستبصر بغوامض سرائره، ولا يتعدى نهي زواجره.
اللهم وأورد به ظمأ قلوبنا موارد تقواك، واشرع لنا به سبل مناهل جدواك، حتى نغدو خماصا من حلاوة قصدك، ونروح بطانا من لطائف رفدك.
اللهم نجنا به من موارد الهلكات، وسلمنا به من اقتحام الشبهات، وعمنا به بسحائب البركات، ولا تخلنا به من لطفك في جميع الأوقات.
اللهم جللنا به سرادق النعم، وغشنا به سرابيل العصم، وبلغنا به نهايات الهمم، واقشع به عنا غيابات النقم، ولا تخلنا به من تفضلك يا ذا الجود والكرم.
اللهم أعذنا به من مفارقة الهم ومساورة الحزن، وسلمنا به من غلبة الرجال في صم الفتن، وأعنا به على إدحاض البدع وإظهار السنن، وزينا بالعمل به في كل محل ووطن، وأجرنا به من عاداتك على كل جميل وحسن، إنك أنت العواد بغرائب الفضل وطرائف المنن. اللهم اجمع به كلمة أهل دينك على القول العادل، وارفع به عنهم عزة التشاحن وذلة التخاذل، واغمد به عن سفك دمائهم سيف الباطل، وخر لنا ولجميع المسلمين في العاجل والآجل، وجملنا وإياهم في المشاهد والمحافل، وعمنا وإياهم بإنعامك السابغ وإحسانك الشامل، إنك على ما تشاء قادر
ولما تحب فاعل.
اللهم وإذا انقضت من الدنيا أيامنا، وأزف عند الموت حمامنا، وأحاطت بنا الأقدار، وشخصت إلى قدوم الملائكة الأبصار، وعلا الأنين، وعرق الجبين، وكثر الانبساط والانقباض، ودام القلق والارتماض، فاجعل اللهم ملك الموت بنا رفيقا، وبنزع نفوسنا شفيقا، يا إله الأولين والآخرين، وجامع خلقه لميقات يوم الدين، توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين.
اللهم إنا نسألك ونتوسل إليك بنبيك الأمين، وبسائر الأنبياء والمرسلين، أن تنصر سلطاننا وعساكره نصرا تعز به الدين، وتذل به رقاب أعدائك الخوارج والكافرين.
اللهم وفق سائر الوزراء والأمراء والقضاء والعلماء والعمال للعدل ونصرة الدين، والعمل بالشريعة المطهرة في كل وقت وحين.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم - إله الحق - واجعلنا منهم.
اللهم أهلك الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك.
اللهم شتت شملهم اللهم فرق جمعهم.
اللهم أقل حدهم.
اللهم أقل عددهم.
اللهم خالف بين كلمتهم.
اللهم اجعل الدائرة عليهم.
اللهم أرسل العذاب الأليم عليهم.
اللهم ارمهم بسهمك الصائب.
اللهم أحرقهم بشهابك الثاقب.
اللهم اجعلهم وأموالهم غنيمة للمسلمين.
اللهم أخرجهم من دائرة الحلم واللطف واسلبهم مدد الإمهال، وغل أيديهم واربط على قلوبهم ولا تبلغهم الآمال.
اللهم لا تمكن الأعداء لا فينا ولا منا، ولا تسلطهم علينا بذنوبنا.
اللهم قنا الأسوأ ولا تجعلنا محلا للبلوى.
اللهم أعطنا أمل الرجاء وفوق الأمل، يا من بفضله لفضله، أسألك إلهي العجل العجل، الإجابة الإجابة، يا من أجاب نوحا في قومه، يا من نصر إبراهيم على أعدائه، يا من رد يوسف على يعقوب، يا من كشف ضر أيوب، يا من أجاب دعوة زكريا، يا من قبل تسبيح يونس بن متى.
نسألك اللهم بأسرار أصحاب هذه الدعوات المستجابات أن تتقبل ما به دعونا،
وأن تعطينا ما سألناك، وأنجز لنا وعدك الذي وعدته لعبادك الصالحين المؤمنين.
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
اللهم إنا نسألك التوبة الكاملة، والمغفرة الشاملة، والمحبة الكاملة، والخلة الصافية، والمعرفة الواسعة، والأنوار الساطعة، والشفاعة القائمة، والحجة البالغة، والدرجة العالية، وفك وثاقنا من المعصية، ورهاننا من النقمة، بمواهب الفضل والمنة.
اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا عيبا إلا سترته، ولا هما إلا فرجته، ولا كربا إلا كشفته، ولا دينا إلا قضيته، ولا ضالا إلا هديته، ولا عائلا إلا أغنيته، ولا عدوا ألا خذلته وكفيته، ولا صديقا إلا رحمته وكافيته، ولا فسادا إلا أصلحته، ولا مريضا إلا عافيته، ولا غائبا إلا رددته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها، فإنك تهدي السبيل، وتجبر الكسير، وتغني الفقير، يا رب العالمين.
* (ربنا آتنا في الدنيا حسنة،
وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) * .
* (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هدينتا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) * .
* (ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) * * (ربنا أتمم لنا نورنا، واغفر لنا، إنك على كل شئ قدير) * * (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إن ك أنت التواب الرحيم) * .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل وصحبه أجمعين.
* (سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين.
والحمد لله رب العالمين) * .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.