فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

فتح المعين بشرح قرة العينزين الدين المليباري

[فصل في صوم التطوع] [فصل في صوم التطوع]

وله من الفضائل والمثوبة ما لا يحصيه إلا الله تعالى ومن ثم أضافه وستة من شوال وأيام البيض والاثنين والخميس.

٧٢٩

وفي الأم: لا بأس أن يفرده.

٧٣٠

وأما أحاديث الاكتحال والغسل والتطيب في يوم عاشوراء فمن وضع الكذابين.

وصوم ستة أيام من شوال لما في الخبر الصحيح [مسلم رقم: ١١٦٤] أن صومها مع صوم رمضان كصيام الدهر واتصالها بيوم العيد أفضل: مبادرة للعبادة.

وأيام الليالي البيض وهي: الثالث عشر وتالياه لصحة الأمر بصومها لان صوم الثلاثة كصوم الشهر إذ لحسنة بعشر أمثالها ومن ثم تحصل السنة بثلاثة وغيرها لكنها أفضل ويبدل على الأوجه ثالث عشر ذي الحجة بسادس عشره.

٧٣١

وقال الجلال البلقيني: لا بل يسقط.

٧٣٢

ويسن صوم أيام السود: وهي الثامن والعشرون وتالياه.

وصوم الاثنين والخميس للخبر الحسن [الترمذي رقم: ٧٤٥] أنه صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صومهما وقال: "تعرض فيهما الأعمال فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" [الترمذي رقم: ٧٤٧] والمراد عرضها على الله تعالى.

٧٣٣

وأما رفع الملائكة لها: فإنه مرة بالليل ومرة بالنهار ورفعها في شعبان محمول على رفع أعمال العام مجملة.

وصوم الاثنين أفضل من صوم الخميس لخصوصيات ذكروها فيه وعد الحليمي اعتياد صومهما مكروها: شاذ. ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

٧٣٤

فرع [في بيان أن صوم هذه الأيام المتأكد يندرج في غيره] : أفتى جمع متأخرون بحصول ثواب عرفة وما بعده بوقوع صوم فرض فيها خلاف للمجموع وتبعه الأسنوي فقال: إن نواهما لم يحصل له شيء منهما.

قال شيخنا كشيخه والذي يتجه أن القصد وجود صوم فيها فهي كالتحية فإن نوى التطوع أيضا حصلا وإلا سقط عنه الطلب.

٧٣٥

فرع أفضل الشهور للصوم بعد رمضان: الأشهر الحرم وأفضلها المحرم ثم رجب ثم الحجة ثم القعدة ثم شهر شعبان وصوم تسع ذي الحجة أفضل من صوم عشر المحرم اللذين يندب صومهما.

٧٣٦

فائدة: من تلبس بصوم تطوع أو صلاته فله قطعهما لا نسك تطوع ومن تلبس بقضاء واجب حرم قطعه ولو موسعا.

٧٣٧

ويحرم على الزوجة أن تصوم تطوعا أو قضاء موسعا وزوجها حاضر إلا بإذنه أو علم رضاه.

٧٣٨

تتمة: يحرم الصوم في أيام التشريق والعيدين

٧٣٩

وكذا يوم الشك لغير ورد وهو يوم ثلاثي شعبان وقد شاع الخبر بين الناس برؤية الهلال ولم يثبت

٧٤٠

وكذا بعد نصف شعبان ما لم يصله بما قبله أو لم يوافق عادته أو لم يكن عن نذر أو قضاء ولو عن نفل.

إعانة الطالبينالبكري الدمياطي، حاشية على فتح المعين بشرح قرة العين

(قوله: وله) أي الصوم.

(وقوله: من الفضائل) بيان لما مقدم عليها.

(وقوله: والمثوبة) مصدر بمعنى الثواب.

٥٬٦٩٥

وفي حاشية الجمل - نقلا عن السمين - ما نصه: المثوبة فيها قولان: أحدهما أن وزنها مفعولة، والأصل مثوبة - بواوين - فنقلت الضمة التي على الواو الأولى إلى الساكن قبلها، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما - الذي هو عين الكلمة - فصار مثوبة، على وزن مفولة، كمحوزة، وقد جاءت مصادر على مفعول، كالمعقول، فهي مصدر - نقل ذلك الواحدي.

٥٬٦٩٦

والثاني: أنها مفعلة بضم العين، وإنما نقلت الضمة منها إلى الثاء.

اه.

(قوله: ومن ثم أضافه) أي ومن أجل أن له من الفضائل إلخ أضافه الله إليه في الحديث القدسي، فقال: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به.

يدع طعامه وشرابه من أجلي.

واختلفوا في معنى تخصيصه بكونه له، على أقوال تزيد على خمسين: منها - كما قاله م ر - كونه أبعد عن الرياء من غيره.

ومنها ما نقل عن سفيان بن عيينة أن يوم القيامة تتعلق خصماء المرء بجميع أعماله إلا الصوم فإنه لا سبيل لهم عليه، فإنه إذا لم يبق إلا الصوم، يتحمل الله تعالى ما بقي من المظالم، ويدخله بالصوم الجنة، وهذا مردود،

٥٬٦٩٧

والصحيح تعلق الغرماء به - كسائر الأعمال - وفي البجيرمي: وعبارة عبد البر نصها: في الحديث القدسي وهو قوله كل عمل إلخ، فإضافته تعالى إليه إضافة تشريف وتكريم، كما قال تعالى: * (ناقة الله) * مع أن العالم كله لله.

وقيفل لأنه لم يعبد غيره به، فلم تعظم الكفار في عصر من الأعصار معبوداتهم بالصيام،

٥٬٦٩٨

وإن كانوا يعظمونهم بصورة الصلاة والسجود وغيرهما.

٥٬٦٩٩

وقيل لأن الصيام بعيد عن الرياء، لخفائه،

٥٬٧٠٠

بخلاف الصلاة والغزو وغير ذلك من العبادات الظاهرة.

٥٬٧٠١

وقيل لأن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه.

اه.

بحذف.

(قوله: في سبيل الله) أي في الجهاد - كما هو الغالب في إطلاقه.

٥٬٧٠٢

وقال ع ش: يمكن حمل سبيل الله على الطريق الموصل إليه، بأن يخلص في صومه،

٥٬٧٠٣

وإن لم يكن في جهاد.

وهذا المعنى يطلق عليه سبيل الله كثيرا وإن كان خلاف الغالب.

اه.

وفي شرح مسلم للنووي: هو - أي الصوم - في الجهاد محمول على من لا يتضرر ولا يفوت به حقا ولا يختل به قتاله ولا غيره من مهمات غزوه.

اه.

(قوله: باعد الله وجهه) أي ذاته.

(وقوله: سبعين خريفا) أي عاما، فأطلق الجزء وأراد الكل، وخص الخريف بالذكر لأنه أعدل أيام السنة.

والمراد أنه يبعد عن النار مسافة لو قدرت لبلغ زمن سيرها سبعين سنة.

(قوله: ويسن متأكدا) أي سنا متأكدا، فمتأكدا صفة لمصدر محذوف.

(قوله: صوم يوم عرفة) قال ع ش: ورد في بعض الأحاديث أن الوحوش في البادية تصومه، حتى أن بعضهم أخذ لحما وذهب به إلى البادية ورماه لنحو الوحوش، فأقبلت عليه ولم تأكل، وصارت تنظر إلى الشمس وتنظر إلى اللحم، حتى غربت الشمس أقبلت إليه من كل ناحية.

اه.

(قوله: لغير حاج) أي وغير مسافر وغير مريض، بأن يكون قويا مقيما.

٥٬٧٠٤

أما الحاج، فلا يسن له صومه، بل يسن له فطره.

٥٬٧٠٥

وإن كان قويا، للاتباع، وليقوى على الدعاء.

٥٬٧٠٦

ومن ثم يسن صومه لحاج غير مسافر، بأن كان وطنه قريبا من عرفة ونوى الحج وهو في وطنه وأخر الوقوف إلى الليل.

٥٬٧٠٧

وأما المسافر والمريض: فيسن لهما فطره، لكن إن أجهدهما الصوم - أي أتعبهما - كما في التحفة.

(قوله: لأنه) أي صوم يوم عرفة.

(وقوله: يكفر السنة إلخ) أي ذنوبه الحاصلة فيها.

(قوله: كما في خبر مسلم) لفظة: صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده.

وقوله: أحتسب: قال بعضهم: هو بلفظ المضارع، وضميره عائد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.

٥٬٧٠٨

وقال بعضهم: بلفظ الماضي، وضميره عائد إلى الصوم، وفيه بعد.

وقوله: السنة التي قبله: أي قبل يوم عرفة، والمراد بها: السنة التي تتم بفراغ شهره.

وقوله: والسنة التي بعده: أي بعد يوم عرفة، والمراد بها: السنة التي أولها المحرم الذي يلي الشهر المذكور، إذا الخطاب الشرعي محمول على عرف الشرع.

٥٬٧٠٩

وفي تكفير هذه السنة إشارة إلى أنه لا يموت فيها، في ذلك بشرى.

وقد نقل ذلك المدابغي عن ابن عباس، وعبارته:(فائدة) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - وهذه بشرى بحياة سنة مستقبلة لمن صامه، إذ هو - صلى الله عليه وسلم - بشر بكفارتها، فدل لصائمه على الحياة فيها، إذ هو - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

اه.

وورد أيضا عن ابن عمر رضي الله عنهما: من صام يوم عرفة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

(قوله: وهو) أي يوم عرفة.

(قوله: والأحوط صوم الثامن) أي لأنه ربما يكون هو التاسع في الواقع.

(قوله: مع عرفة) أي مع صوم يومها.

(قوله: والمكفر: الصغائر) قال الكردي: اعتمده الشارح في كتبه،

٥٬٧١٠

وأما الجمال الرملي فإنه ذكر كلام الإمام، ثم كلام مجلي في الرد على الإمام.

ثم كلام ابن المنذر المفيد خلاف ما قاله الإمام، وسكت عليه، فكأنه وافقه.

ولهذا قال القليوبي في حواشي المحلي: عممه ابن المنذر في الكبائر أيضا.

ومشى عليه صاحب الذخائر، وقال: التخصيص بالصغائر - تحكم.

ومال إليه شيخنا الرملي في شرحه.

اه.

والذي يظهر: أن ما صرحت به الأحاديث فيه بأن شرط التكفير اجتناب الكبائر: لا شبهة في عدم تكفيره الكبائر.

وما صرحت الأحاديث فيه بأن يكفر الكبائر: لا ينبغي التوقف فيه بأنه يكفرها بعد تصريح الشرع به.

ويبقى الكلام فيما أطلقت الأحاديث التكفير فيه.

وملت في الأصل إلى أن الإطلاق يشمل الكبائر، والفضل واسع.

اه.

ببعض حذف.

(قوله: ويتأكد صوم الثمانية قبله) أي يوم عرفة، فعليه يكون الثامن مطلوبا من جهتين: جهة الاحتياط لعرفة، وجهة دخوله في العشر غير العيد.

كما أن صوم يوم عرفة مطلوب أيضا من جهتين: كونه من عشر ذي الحجة، وكونه يوم عرفة.

(قوله: للخبر الصحيح فيها) أي الثمانية: أي صومها مع صوم يوم عرفة، وذلك لخبر هو أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر.

وورد أيضا أنه - صلى الله عليه وسلم -: كان يصوم تسع ذي الحجة.

(وقوله: المقتضى إلخ) في الكردي: الراجح أن عشر رمضان الأخير أفضل من عشر ذي الحجة، إلا يوم عرفة.

اه.

(قوله: ويوم عاشوراء) بالمد، معطوف على يوم عرفة.

أي ويسن متأكدا صوم يوم عاشوراء، لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيه: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله.

وإنما لم يجب صومه للأخبار الدالة بالأمر بصومه.

لخبر الصحيحين: إن هذا اليوم يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه،

٥٬٧١١

فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر.

وحملوا الأخبار الواردة بالأمر بصومه على تأكد الاستحباب.

٥٬٧١٢

(فائدة) الحكمة في كون صوم يوم عرفة بسنتين وعاشوراء بسنة، أن عرفة يوم محمدي - يعني أن صومه مختص بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - - وعاشوراء موسوي، ونبينا محمد أفضل الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - فكان يومه بسنتين.

اه.

مغنى.

(قوله: وهو) أي عاشوراء.

(وقوله: عاشر المحرم) أي اليوم العاشر منه.

(قوله: لأنه يكفر السنة الماضية) علة لسنية صومه.

(قوله: كما في مسلم) أي في رواية مسلم، وقد علمتها آنفا.

(قوله: وتاسوعاء) بالمد أيضا، وهو معطوف على عاشوراء، أي

٥٬٧١٣

ويسن صوم يوم تاسوعاء.

(قوله: وهو) أي تاسوعاء.

(وقوله: تاسعه) أي المحرم.

(قوله: لخبر مسلم) دليل لسنية صوم تاسوعاء.

(وقوله: إلى قابل) أي إلى عام قابل، وهو مصروف - كما هو ظاهر -.

(وقوله: فمات) أي النبي - صلى الله عليه وسلم -.

(وقوله: قبله) أي قبل مجئ تاسوعاء العام القابل.

(قوله: والحكمة) أي في صوم يوم التاسع مع العاشر مخالفة اليهود، أي فإنهم يصومون العاشر فقط، فنخالفهم ونصوم التاسع معه.

والحكمة أيضا: الاحتياط، لاحتمال الغلط في أول الشهر،

٥٬٧١٤

والاحتراز من إفراده بالصوم - كما في يوم الجمعة - شرح الروض: قال في النهاية: وظاهر ما ذكر من تشبيهه بيوم الجمعة: أنه يكره إفراده.

لكن في الأم لا بأس بإفراده.

اه.

(قوله: ومن ثم) أي ومن أجل أن الحكمة إلخ.

(قوله: لمن لم يصمه) أي التاسع.

(قوله: بل وإن صامه) أي بل يسن صيام الحادي عشر، وإن صام التاسع.

(قوله: لخبر فيه) أي لورود خبر في صيامه الحادي عشر مع ما قبله من صيام العاشر والتاسع، وهو ما رواه الإمام أحمد: صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، وصوموا قبله يوما، وبعده يوما.

ذكره في شرح الروض، وذكر فيه أيضا أن الشافعي نص في الأم والإملاء على استحباب صوم الثلاثة، ونقله عنه الشيخ أبو حامد وغيره.

اه.

(لا بأس أن يفرده) أي لا بأس أن يصوم العاشر وحده.

٥٬٧١٥

(وأما أحاديث الاكتحال إلخ) في النفحات النبوية في الفضائل العاشورية - للشيخ العدوي - ما نصه:

٥٬٧١٦

قال العلامة الأجهوري: أما حديث الكحل، فقال الحاكم إنه منكر،

٥٬٧١٧

وقال ابن حجر إنه موضوع، بل قال بعض الحنفية إن الاكتحال يوم عاشوراء، لما صار علامة لبغض آل البيت، وجب تركه.

قال: وقال العلامة صاحب جمع التعاليق: يكره الكحل يوم عاشوراء، لأن يزيد وابن زياد اكتحلا بدم الحسين هذا اليوم،

٥٬٧١٨

وقيل بالإثمد، لتقر عينهما بفعله.

قال العلامة الأجهوري: ولقد سألت بعض أئمة الحديث والفقه عن الكحل وطبخ الحبوب ولبس الجديد وإظهار السرور، فقال: لم يرد فيه حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحد من الصحابة، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين،

٥٬٧١٩

وكذا ما قيل: أنه من اكتحل يومه لم يرمد ذلك العام،

٥٬٧٢٠

ومن اغتسل يومه لم يمرض كذلك،

٥٬٧٢١

قال: وحاصله أن ما ورد من فعل عشر خصال يوم عاشوراء لم يصح فيها إلا حديث الصيام والتوسعة على العيال،

٥٬٧٢٢

وأما باقي الخصال الثمانية: فمنها ما هو ضعيف، ومنها ما هو منكر موضوع.

وقد عدها بعضهم اثنتي عشرة خصلة، وهي: الصلاة، والصوم، وصلة الرحم، والصدقة والاغتسال، والاكتحال، وزيارة عالم، وعيادة مريض، ومسح رأس اليتيم، والتوسعة على العيال، وتقليم الأظفار، وقراءة سورة الإخلاص - ألف مرة -.

ونظمها بعضهم فقال: في يوم عاشوراء عشر تتصل * * بها اثنتان ولها فضل نقل صم، صل، صل، زر عالما، عد، واكتحل * * رأس اليتيم امسح، تصدق واغتسل وسع على العيال، قلم ظفرا * * وسورة الإخلاص قل ألفا تصل

٥٬٧٢٣

(فائدة) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله عزوجل افترض على بين إسرائيل صوم يوم في السنة، وهو يوم عاشوراء، - وهو اليوم العاشر من المحرم - فصوموه ووسعوا على عيالكم فيه، فإنه من وسع فيه على عياله وأهله من ماله وسع الله عليه سائر سنته فصوموه، فإنه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم فأصبح صفيا، ورفع فيه إدريس مكانا عليا، وأخرج نوحا من السفينة ونجى إبراهيم من النار، وأنزل الله فيه التوراة على موسى، وأخرج فيه يوسف من السجن، ورد فيه على يعقوب بصره، وفيه كشف الضر عن أيوب، وفيه أخرج يونس من بطن الحوت، وفيه فلق البحر لبني إسرائيل، وفيه غفر لداود ذنبه، وفيه أعطى الله الملك لسليمان،

٥٬٧٢٤

وفي هذا اليوم غفر لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو أول يوم خلق الله فيه الدنيا.

وأول يوم نزل فيه المطر من السماء يوم عاشوراء، وأول رحمة نزلت إلى الأرض يوم عاشوراء.

٥٬٧٢٥

فمن صام يوم عاشوراء فكأنما صام الدهر كله، وهو صوم الأنبياء.

٥٬٧٢٦

ومن أحيا ليلة عاشوراء بالعبادة فكأنما عبد الله تعالى مثل عبادة أهل السموات السبع.

٥٬٧٢٧

ومن صلى فيه أربع ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد لله مرة، وقل هو الله أحد، إحدى وخمسين مرة، غفر الله له ذنوب خمسين عاما.

٥٬٧٢٨

ومن سقى في يوم عاشوراء شربة ماء سقاه الله يوم العطش الأكبر كأسا لم يظمأ بعدها أبدا، وكأنما لم يعص الله طرفة عين.

٥٬٧٢٩

ومن تصدق فيه بصدقة فكأنما لم يرد سائل قط.

٥٬٧٣٠

ومن اغتسل وتطهر يوم عاشوراء لم يمرض في سنته إلا مرض الموت.

٥٬٧٣١

ومن مسح فيه على رأس يتيم أو أحسن إليه فكأنما أحسن إلى أيتام ولد آدم كلهم.

٥٬٧٣٢

ومن عاد مريضا في يوم عاشوراء فكأنما عاد مرضى أولاد آدم كلهم.

وهو اليوم الذي خلق الله فيه العرش، واللوح، والقلم.

وهو اليوم الذي خلق الله فيه جبريل، ورفع فيه عيسى.

وهو اليوم الذي تقوم فيه الساعة.

٥٬٧٣٣

(فائدة أخرى) روي أن فقيرا كان له عيال في يوم عاشوراء، فأصبح هو وعياله صياما، ولم يكن عندهم شئ، فخرج يطوف على شئ يفطرون عليه فلم يجد شيئا، فدخل سوق الصرف، فرأى رجلا مسلما قد فرش في دكانه النطوع المثمنة، وسكب عليها أكوام الذهب والفضة، فتقدم إليه، وسلم عليه،

٥٬٧٣٤

وقال له: يا سيدي أنا فقير، لعل أن تقرضني درهما واحدا أشتري به فطورا لعيالي، وأدعو لك في هذا اليوم.

فولى بوجهه عنه، ولم يعطه شيئا، فرجع الفقير وهو مكسور القلب، وولى ودمعه يجري على خده، فرآه جار له صيرفي - وكان يهوديا - فنزل خلف الفقير وقال له أراك تكلمت مع جاري فلان، فقال قصدته في درهم واحد لأفطر به عيالي، فردني خائبا، وقلت له أدعو لك في هذا اليوم.

فقال اليهودي: وما هذا اليوم؟ فقال الفقير: هذا يوم عاشوراء - وذكر له بعض فضائله - فناوله اليهودي عشرة دراهم،

٥٬٧٣٥

وقال له: خذ هذه وأنفقها على عيالك إكراما لهذا اليوم.

فمضى الفقير، وقد انشرح لذلك، ووسع على أهله النفقة، فلما كان الليل، رأى الصيرفي - المسلم - في المنام كأن القيامة قد قامت، وقد اشتد العطش والكرب، فنظر،

٥٬٧٣٦

فإذا قصر من لؤلؤة بيضاء، أبوابه من الياقوت الأحمر، فرفع رأسه وقال: يا أهل هذا القصر اسقوني شربة ماء.

فنودي: هذا القصر كان قصرك بالأمس، فلما رددت ذلك الفقير مكسور القلب.

محي اسمك من عليه، وكتب باسم جارك اليهودي الذي جبره وأعطاه عشرة دراهم.

فأصبح الصيرفي مذعورا، يناوي على نفسه بالويل والثبور، فجاء إلى جاره اليهودي،

٥٬٧٣٧

وقال: أنت جاري، ولي عليك حق، ولي إليك حاجة.

قال: وما هي؟ قال: تبيعني ثواب العشرة دراهم - التي دفعتها بالأمس للفقير - بمائة درهم.

فقال: والله ولا بمائة ألف دينار،

٥٬٧٣٨

ولو طلبت أن تدخل من باب القصر الذي رأيته البارحة لما مكنتك من الدخول فيه.

فقال: ومن كشف لك عن هذا السر المصون؟.

قال: الذي يقول للشئ كن فيكون، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

(إخواني) كان هذا يهوديا، فأحسن الظن بيوم عاشوراء، وما كان يعرف فضله، فأعطاه الله ما أعطاه،

٥٬٧٣٩

ومن عليه بالإسلام، فكيف بمن يعرف فضله وثوابه، ويهمل العمل فيه؟ ولله در القائل: يا غاديا في غفلة ورائحا * * إلى متى تستحسن القبائحا؟ وكم - أخي - كم لا تخاف موقفا * * يستنطق الله به الجوارحا؟ واعجبا منك وأنت مبصر * * كيف تجنبت الطريق الواضحا؟ كيف تكون حين تقرأ في غد * * صحيفة قد حوت الفضائحا؟ وكيف ترضى أن تكون خاسرا * * يوم يفوز من يكون رابحا؟

فاعمل لميزانك خيرا فعسى * * يكون في يوم الحساب راجحا؟ وصم، فهذا يوم عاشوراء الذي * * ما زال بالتقوى شذاه فائحا يوم شريف، خصنا الله به * * يا فوز من قدم فيه صالحا

(قوله: وصوم ستة أيام من شوال) معطوف على صوم يوم عرفة.

أي ويسن متأكدا صوم ستة أيام من شهر شوال.

وكان المناسب للشارح أن يقدر لفظ صوم في جميع المعطوفات، أو يتركه في الجميع.

(قوله: لما في الخبر الصحيح) لفظه: من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر.

(قوله: إن صومها مع صوم رمضان) أي دائما، فلا تكون المرة من صيام رمضان وستة من شوال كصيام الدهر، بدليل رواية: صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام - أي من شوال - بشهرين.

فذلك صيام السنة.

فالحاصل أن كل مرة بسنة.

اه.

سم بزيادة.

وفي البجيرمي: وهذا يقتضي أن المراد بالدهر: العمر، وبه قال ع ش، لكن كلام الشارح الآتي يدل على أن المراد به السنة.

اه.

(قوله: كصيام الدهر) أي فرضا، وإلا لم يكن لخصوصية ست شوال معنى، إذ من صام مع رمضان ستة غيرها يحصل له ثواب الدهر، لأن الحسنة بعشرة أمثالها.

٥٬٧٤٠

(والحاصل) أن من صامها مع رمضان كل سنة، تكن كصيام الدهر فرضا بلا مضاعفة،

٥٬٧٤١

ومن صام ستة غيرها كذلك، تكون كصيامه نفلا بلا مضاعفة، كما أن صوم ثلاثة من كل شهر تحصله.

اه.

تحفة بتصرف. وفي المغني:(تنبيه) قضية إطلاق المصنف استحباب صومها لكل أحد - سواء صام رمضان أم لا - كمن أفطر لمرض، أو لصبا، أو كفر، أو غير ذلك،

٥٬٧٤٢

وهو الظاهر - كما جرى عليه بعض المتأخرين - ثم قال: ولو صام في شوال قضاء أو نذرا أو غير ذلك: هل تحصل له السنة أو لا؟ لم أر من ذكره، والظاهر الحصول.

لكن لا يحصل له هذا الثواب المذكور، خصوصا من فاته رمضان وصام عنه شوالا، لأنه لم يصدق عليه المعنى المتقدم، ولذلك قال بعضهم: يستحب له في هذه الحالة أن يصوم ستا من ذي القعدة، لأنه يستحب قضاء الصوم الراتب.

اه.

وهذا إنما يأتي إذا قلنا إن صومها لا يحصل بغيرها،

٥٬٧٤٣

أما إذا قلنا بحصوله - وهو الظاهر: كما تقدم - فلا يستحب قضاؤها.

اه.

(قوله: واتصالها بيوم العيد أفضل) أي من عدم اتصالها به، ولكن يحصل أصل السنة بصومها غير متصلة به كما يحصل بصومها غير متتابعة، بل متفرقة في جميع الشهر.

(قوله: مبادرة للعبادة) علة لأفضلية اتصالها بيوم العيد.

أي وإنما كان أفضل لأجل المبادرة في العبادة.

أي ولما في التأخير من الآفات.

(قوله: وأيام الليالي) معطوف على يوم عرفة أيضا.

أي ويسن متأكدا صوم أيام الليالي البيض، وقدر الشارح لفظ الليالي: لأنها هي التي توصف بالبيض، وبالسود، دون الأيام.

(قوله: البيض) صفة لليالي، ووصفت بذلك: لأنها تبيض بالقمر من أولها إلى آخرها.

(قوله: وهي الثالث إلخ) الاحتياط صوم الثاني عشر معها.

(وقوله: وتالياه) أي وهما الرابع عشر والخامس عشر.

(قوله: لصحة الأمر بصومها) أي في رواية أحمد والترمذي وابن حبان عن أبي ذر: إذا صمت من الشهر ثلاثا، فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة.

اه إرشاد العباد.

(قوله: لأن صوم الثلاثة الخ) علة للعلة،

٥٬٧٤٤

ولو كانت علة للمعلل: لراد الواو وأتى بالضمير بدل الاسم الظاهر،

تعليق

ولو قال - كما في التحفة - وحكمة كونها ثلاثة أن الحسنة بعشر أمثالها فصومها كصوم الشهر كله لكان أولى.

(وقوله: كصوم الشهر) في رواية عن أبي ذر أن: من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كله.

وهذه الرواية لا تنافي الحكمة المذكورة، لأن الذي في الرواية إذا كان ذلك على الدوام، بدليل قوله من كل شهر.

٥٬٧٤٥

وفي الكردي ما نصه: قوله: كصوم الشهر - كان أبو ذر رضي الله عنه يعد نفسه صائما في أيام فطره لهذا الحديث، فقد روى البيهقي عن عبد الله بن شقيق، قال: أتيت المدينة،

٥٬٧٤٦

فإذا رجل طويل أسود، فقلت: من هذا؟ قالوا: أبو ذر: فقلت: لأنظرن علي أي حال هو اليوم.

٥٬٧٤٧

قلت: صائم أنت؟ قال: نعم.

وهم ينتظرون الإذن على عمر رضي الله عنه، فدخلوا، فأتينا بقصاع فأكل، فحركته أذكره بيدي، فقال إني لم أنس ما قلت لك، إني أخبرتك إني صائم، إني أصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فأنا أبدا صائم.

ورى البيهقي في سننه عن أبي هريرة قريبا من قصة أبي ذر، وأنه قال لهم أنا مفطر في تخفيف الله صائم في تضعيف الله.

اه.

(قوله: ومن ثم) أي ومن أجل أن صوم الثلاثة كصوم الشهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها تحصل السنة بثلاثة غيرها من أيام الشهر.

٥٬٧٤٨

قال في النهاية:(والحاصل) كما أفاده السبكي وغيره: أنه يسن صوم ثلاثة من كل شهر،

٥٬٧٤٩

وأن تكون أيام البيض، فإن صامها أتى بالسنتين.

فما في شرح مسلم - من أن هذه الثلاثة هي المأمور بصيامها من كل شهر - فيه نظر.

اه.

وقوله: بالسنتين - بضم السين وفتح النون المشددتين - أي سنة صوم الثلاثة، وسنة صوم أيام البيض.

(قوله: لكنها) أي أيام البيض.

(وقوله: أفضل) أي من غيرها من بقية الشهر.

(قوله: ويبدل على الأوجه ثالث عشر ذي الحجة) أي لأن صومه حرام، لكونه من أيام التشريق.

(قوله: وقال الجلال البلقيني: لا) أي لا يبدله به.

(قوله: بل يسقط) أي صومه أي طلبه.

(قوله: أيام السود) كان عليه أن يذكر هنا الليالي - كما ذكرها فيما مر - بأن يقول أيام الليالي السود، وإنما وصفت بذلك، لسواد جميع الليل فيها، لعدم القمر.

٥٬٧٥٠

قال في المغنى: وخصت أيام البيض وأيام السود بذلك - أي بالصيام - لتعميم ليالي الأولى بالنور، والثانية بالسواد، فناسب صوم الأولى شكرا، والثانية لطلب كشف السواد، ولأن الشهر ضيف قد أشرف على الرحيل، فناسب تزويده بذلك.

اه.

(قوله: وهي الثامن والعشرون وتالياه) لكن عند نقص الشهر يتعذر الثالث، فيعوض عنه أول الشهر، لأن ليلته كلها سوداء.

وعبارة التحفة: وهي السابع أو الثامن والعشرون وتالياه،

٥٬٧٥١

فإن بدأ بالثامن ونقص الشهر صام أول تاليه، لاستغراق الظلمة لليلته أيضا، وحينئذ يقع صومه عن كونه أول الشهر أيضا، فإنه يسن صوم ثلاثة أول كل شهر.

٥٬٧٥٢

(تنبيه) من الواضح أن من قال أولها السابع: ينبغي أن يقال إذا تم الشهر: يسن صوم الآخر، خروجا من خلاف الثاني.

٥٬٧٥٣

ومن قال الثامن: يسن له صوم السابع احتياطا - فنتج سن صوم الأربعة الأخيرة إذا تم الشهر عليهما.

انتهت.

(قوله: وصوم الاثنين والخميس) معطوف على صوم يوم عرفة.

أي ويسن متأكدا صوم يوم الاثنين ويوم الخميس.

(قوله: للخبر الحسن إلخ) دليل لتأكد صومهما.

(وقوله: إنه الخ) بدل من الخبر الحسن، أو عطف بيان له.

(وقوله: يتحرى) أي يقصد.

(وقوله: وقال) أي النبي - صلى الله عليه وسلم -.

(وقوله: تعرض فيهما) أي الاثنين والخميس.

(وقوله: الأعمال) أي أعمال ما بينهما معهما، فتعرض أعمال الثلاثاء والأربعاء والخميس: في الخميس.

وأعمال الجمعة والسبت والأحد والاثنين: في الاثنين.

(وقوله: وأنا صائم) أي متلبس بالصوم حقيقة، لأن العرض قبل الغروب.

اه.

ش ق.

وفي البجيرمي: قوله: وأنا صائم، أي قريب من زمن الصوم، لأن العرض بعد الغروب.

اه.

(قوله: والمراد عرضها على الله تعالى) أي إجمالا.

وكان المناسب زيادته، لأن العرض إنما يكون على الله تعالى مطلقا - سواء كان عرض الاثنين والخميس، أو ليلة النصف من شعبان، أو ليلة القدر، فالفرق إنما هو في الإجمال والتفصيل - فعرض الإثنين والخميس، على الله تعالى إجمالي،

٥٬٧٥٤

وكذا عرض ليلة النصف من شعبان وليلة القدر.

والعرض التفصيلي هو في كل يوم وليلة - كما نص على ذلك في التحفة - وعبارتها: أي تعرض على الله تعالى،

٥٬٧٥٥

وكذا تعرض في ليلة نصف شعبان،

٥٬٧٥٦

وفي ليلة القدر، فالأول - أي عرضها يوم الاثنين والخميس - إجمالي باعتبار الأسبوع،

٥٬٧٥٧

والثاني باعتبار السنة، وكذا الثالث، وفائدة تكرير ذلك إظهار شرف العاملين بين الملائكة.

٥٬٧٥٨

وأما عرضها تفصيلا، فهو رفع الملائكة لها بالليل مرة، وبالنهار مرة.

اه.

بتصرف.

فتلخص أن العرض الإجمالي في كل أسبوع مرتين،

٥٬٧٥٩

وفي كل سنة كذلك.

والتفصيلي في كل يوم مرتين.

(قوله: وأما رفع الملائكة إلخ) يفيد أن ما قبله لا ترفعه الملائكة، مع أن الرفع إنما يكون من الملائكة مطلقا، في هذا، فيما قبله.

وكان المناسب أن يقول: وأما عرضها تفصيلا: فهو رفع الملائكة إلخ.

(قوله: فإنه) أي الرفع.

(وقوله: مرة بالليل ومرة بالنهار) وذلك لأنه تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار عند صلاة العصر، ثم ترتفع ملائكة النهار وتبقى ملائكة الليل، ويجتمعان عند صلاة الصبح، فترتفع ملائكة الليل وتبقى ملائكة النهار.

وهذا هو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار.

(قوله: ورفعها في شعبان) أي الثابت بخبر أحمد أنه - صلى الله عليه وسلم -: سئل عن إكثاره الصوم في شعبان، فقال: إنه شهر ترفع فيه الأعمال، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم.

(قوله: وصوم الاثنين أفضل من صوم الخميس - لخصوصيات) هي أنه - صلى الله عليه وسلم - ولد في يوم الإثنين، وبعث فيه، وتوفي فيه،

٥٬٧٦٠

وكذا بقية أطواره - صلى الله عليه وسلم -.

روى السهيلي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال: لا يفتك صيام الاثنين، فإني ولدت فيه، وبعثت فيه، وأموت فيه أيضا.

٥٬٧٦١

وفي المغني ما نصه: وسمي ما ذكر يوم الاثنين: لأنه ثاني الأسبوع.

والخميس: لأنه خامسه.

كذا ذكره المصنف ناقلا له عن أهل اللغة.

قال الأسنوي: فيعلم منه أن أول الأسبوع الأحد.

ونقله ابن عطية عن الأكثرين، وسيأتي في باب النذر أن أوله السبت.

٥٬٧٦٢

وقال السهيلي: إنه الصواب، وقول العلماء كافة إلا ابن جرير.

اه.

وفي البجيرمي: سميا بذلك: لأنه ثاني أيام إيجاد المخلوقات - غير الأرض - والخميس خامسها، وما قيل لأنه ثاني الأسبوع مبني على مرجوح، وهو أن أوله الأحد، وإنما أوله السبت على المعتمد - كما في باب النذر -.

اه.

(قوله: وعد إلخ) مصدر مضاف إلى فاعله، وهو مبتدأ، خبره شاذ.

(وقوله: اعتياد) مفعول أول للمصدر.

(وقوله: صومهما) أي الاثنين والخميس.

(وقوله: مكروها) مفعول ثان للمصدر - يعني أن الحليمي عد المواظبة على صوم الاثنين والخميس من المكروه، وهذا غريب شاذ.

وعبارة المغني: وأغرب الحليمي فعد من المكروه اعتياد صوم يوم بعينه، كالاثنين، والخميس، لأن في ذلك تشبيها برمضان.

اه.

(تتمة) يستحب صوم يوم الأربعاء شكرا لله تعالى على عدم هلاك هذه الأمة فيه، كما أهلك فيه من قبلها.

٥٬٧٦٣

ويستحب صوم يوم المعراج، ويوم لا يجد فيه الشخص ما يأكله،

٥٬٧٦٤

ويكره صوم الدهر - غير العيدين، وأيام التشريق - لمن خاف به ضررا، أو فوت حق.

٥٬٧٦٥

ولو مندوبا، ويستحب لغيره، لإطلاق الأدلة، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا.

وعقد تسعين.

رواه البيهقي.

ومعنى ضيقت عليه: أي عنه، فلم يدخلها، أو لا يكون له فيها موضع.

٥٬٧٦٦

أما صوم العيدين وأيام التشريق: فيحرم - كما سينص عليه -

٥٬٧٦٧

ويكره أيضا إفراد الجمعة أو السبت أو الأحد بالصوم، لقوله عليه الصلاة والسلام: لا يصم أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوما قبله، أو يوما بعده.

رواه الشيخان: ولخبر: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم.

رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه على شرط الشخين، ولأن اليهود تعظم يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، ومحل الكراهة الإفراد: ما لم يوافق عادة له - كأن كان يعتاد صوم يوم وفطر يوم، فوافق صومه يوما منها، وإلا فلا كراهة - كما في صوم يوم الشك.

قوله: فرع) أي في بيان أن صوم هذه الأيام المتأكد يندرج في غيره.

(قوله: أفتى إلخ) حاصل الإفتاء المذكور أنه إذا كان عليه صوم فرض قضاء أو نذر وأوقعه في هذه الأيام المتأكد صومها: حصل له الفرض الذي عليه، وحصل له ثواب صوم الأيام المسنون، وظاهر إطلاقه أنه لا فرق في حصول الثواب بين أن ينويه مع الفرض أو لا، وهو مخالف لقول ابن حجر الآتي أنه لا يحصل له الثواب إلا إذا نواه، وإلا سقط عنه الطلب فقط.

(قوله: بحصول إلخ) متعلق بأفتى.

(وقوله: ثواب عرفة) أي صوم يومها.

(وقوله: وما بعده) ما: اسم موصول معطوف على عرفة، والظرف متعلق بمحذوف صلة ما، والضمير يعود على عرفة، والمناسب تأنيثه، لأن المرجع مؤنث: أي أفتى بحصول ثواب عرفة، وبحصول ثواب ما ذكر بعد عرفة، وهو عاشوراء وتاسوعاء وستة من شوال إلخ.

والمراد ثواب صومها كما هو ظاهر.

(قوله: بوقوع إلخ) متعلق بحصول.

(وقوله: صوم فرض) أي قضاء أو نذر.

(وقوله: فيها) متعلق بوقوع، والضمير يعود على المذكورات من عرفة وما بعده.

(قوله: فقال) أي النووي في المجموع، فالفاعل ضمير يعود عليه.

ويحتمل عوده على الأسنوي - كما صرح به هو أول الباب في مبحث النية، وصرح به أيضا في فتح الجواد - لكن ظاهر صنيعه هنا الأول، لأنه جعل الأسنوي تابعا للنووي، فيكون القول له.

(قوله: إن نواهما) أي الصوم المسنون والمفروض.

(قوله: لم يحصل له شئ منهما) أي من المسنون والمفروض - كما إذا نوى مقصودين لذاتهما، كسنة الظهر، وفرض الظهر.

(قوله: قال شيخنا) أي في فتح الجواد.

ونص عبارته: وقال الأسنوي: القياس أنه إن لم ينو التطوع حصل له الفرض،

٥٬٧٦٨

وإن نواهما لم يحصل له شئ منهما.

اه.

وإنما يتم له إن ثبت أن الصوم فيها مقصود لذاته.

والذي يتجه إلى آخر ما ذكره الشارح.

ثم قال: وعليه لو نوى ليلا الفرض وقبل الزوال النفل، فهل يثاب على النفل حينئذ - لأن القصد التقرب بالصوم عن الجهتين وقد حصل - أولا - لأن صحة نية الصائم صوما آخر بعيدة -؟ كل محتمل.

اه.

(قوله: وجود صوم فيها) أي في هذه الأيام عرفة وما بعده.

(قوله: فهي) أي هذه الأيام.

أي صومها.

ولا بد من تقدير هذا المضاف ليصح التشبيه بالتحية.

(وقوله: كالتحية) أي فإنها تحصل بفرض أو نفل غيرها.

لأن القصد شغل البقعة بالطاعة، وقد وجدت.

(قوله: فإن نوى التطوع أيضا) أي كما أنه نوى الفرض.

(وقوله: حصلا) أي التطوع والفرض، أي ثوابهما.

(قوله: وإلا) أي وإن لم ينو التطوع، بل نوى الفرض فقط.

(وقوله: سقط عنه الطلب) أي بالتطوع، لاندراجه في الفرض.

٥٬٧٦٩

(تنبيه) اعلم أنه قد يوجد للصوم سببان: كوقوع عرفة أو عاشوراء يوم اثنين أو خميس، أو وقوع اثنين أو خميس في ستة شوال، فيزداد تأكده رعاية لوجود السببين،

٥٬٧٧٠

فإن نواهما: حصلا - كالصدقة على القريب، صدقة وصلة -

٥٬٧٧١

وكذا لو نوى أحدهما - فيما يظهر -.

(وقوله: أفضل الشهور إلخ) قد نظم ذلك بعضهم بقوله:

وأفضل الشهور بالإطلاق: * * شهر الصيام، فهو ذو السباق فشهر ربنا هو المحرم * * فرجب، فالحجة المعظم فقعدة، فبعده شعبان * * وكل ذا جاء به البيان

(قوله: الأشهر الحرم) هي أربعة: ثلاثة منها سرد، وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وواحد منها فرد وهو رجب.

وإنما كان الصوم فيها أفضل، لخبر أبي داود وغيره: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك.

وإنما أمر المخاطب بالترك لأنه كان يشق عليه إكثار الصوم، كما جاء التصريح به في الخبر.

٥٬٧٧٢

أما من لا يشق عليه، فصوم جميعها له فضيلة.

اه.

شرح الروض.

وإنما سميت حرما: لأن العرب كانت تتحرمها وتعظمها، وتحرم فيها القتال، حتى أن أحدهم لو لقي قاتل أبيه أو ابنه أو أخيه في هذه الأشهر لم يزعجه، وكان القتال فيها محرما في صدر الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: * (فاقتلوهم حيث وجدتموهم) * .

(قوله: وأفضلها) أي الأشهر الحرم المحرم - لخبر مسلم: أفضل الصوم بعد رمضان شهر الله المحرم وإنما سمي محرما: لتحريم الجنة فيه على إبليس.

(قوله: ثم رجب) هو مشتق من الترجيب، وهو التعظيم، لأن العرب كانت تعظمه زيادة على غيره.

ويسمى الأصب: لانصاب الخير فيه.

والأصم: لعدم سماع قعقعة السلاح فيه.

ويسمى رجم - بالميم - لرجم الأعداء والشياطين فيه حتى لا يؤذوا الأولياء والصالحين.

(قوله: ثم الحجة ثم القعدة) بعضهم قدم القعدة على الحجة، لكن المعتمد تقديم الحجة، فهو أفضل، لوقوع الحج فيه، ولاشتماله على يوم عرفة.

والأفصح: فتح قاف القعدة، وكسر حاء الحجة.

وقد نظم ذلك بعضهم فقال: وفتح قاف قعدة قد صححوا * * وكسر حاء حجة قد رجحوا وسميا بذلك: لوقوع الحج في الأول، وللقعود عن القتال في الثاني.

(قوله: ثم شهر شعبان) أي ثم بعد الأشهر الحرم شهر شعبان، لخبر الصحيحين: عن عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان.

(واعلم) أن الأفصح ترك إضافة لفظ شهر إلى شعبان،

٥٬٧٧٣

وكذا بقية الأشهر ما عدا ثلاثة: رمضان، وربيع أول، وربيع ثان.

وقد أشار إلى ذلك بعضهم في قوله: ولا تضف شهرا إلى اسم شهر * * إلا لما أوله الرا - فادر - واستثن من ذا راجبا فيمتنع * * لأنه فيما رووه ما سمع

(قوله: وصوم تسع ذي الحجة) أي التسع من أول الشهر، وهذا التعبير أولى من تعبير بعضهم بعشر ذي الحجة، لأنه يدخل فيه يوم العيد، مع أنه لا ينعقد.

(وقوله: أفضل من صوم عشر المحرم) للخبر الصحيح المار الذي قال الشارح فيه إنه يقتضي أنه أفضل من صيام عشر رمضان الأخير، وقد علمت أن الراجح خلافه.

(واعلم) أنه كان المناسب أن يذكر أولا تأكد صوم عشر المحرم بالخصوص، ثم يذكر تفضيل غيره عليه - كما صنع غيره.

(قوله: اللذين يندب إلخ) اسم الموصول نعت لتسع ذي الحجة ولعشر المحرم، ولا حاجة إليه، لأنه معلوم، إذ الأول قد صرح به فيما مر،

٥٬٧٧٤

والثاني يندرج في صيام المحرم.

(قوله: من تلبس بصوم تطوع أو صلاته) أي ونحوهما من كل عبادة متطوع بها، كاعتكاف، وطواف، ووضوء.

(قوله: فله قطعهما) أي لخبر: الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام،

٥٬٧٧٥

وإن شاء أفطر.

رواه الترمذي.

ويقاس بالصوم: الصلاة ونحوها.

ولكن يكره القطع، إن لم يكن بعذر، وإلا كأن قطعه ليساعد الضيف في الأكل إذا شق عليه امتناع مضيفه منه، فلا كراهة.

ويترتب على الكراهة عدم الثواب على الماضي، ويترتب على عدمها وجود الثواب.

٥٬٧٧٦

ويستحب قضاؤه إن قطعه، ولا يجب، لأن أم هانئ كانت صائمة صوم تطوع فخيرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن تفطر بلا قضاء وبين أن تتم صومها.

رواه أبو داود.

وقيس بالصوم غيره.

(قوله: لا نسك تطوع) أما هو: فيحرم قطعه، لمخالفته غيره في لزوم الإتمام، والكفارة بإفساده بجماع.

واعترض كونه تطوعا: بأن الشروع فيه شروع في فرض الكفاية، فهو من فروض الكفايات، لا من النوافل.

ويمكن أن يقال: يتصور ذلك بما إذا كان الفاعل صبيا، وأذن له وليه.

أو عبدا وأذن له سيده.

قال ع ش: وعليه - فالوجوب - أي وجوب إتمامه - بالنسبة للصبي متعلق بالولي.

اه.

(قوله: ومن تلبس بقضاء واجب)

٥٬٧٧٧

ومثله الأداء.

ولو قال: ومن تلبس بواجب أداء أو قضاء - لكان أولى.

والمراد بالواجب: العيني.

قال في شرح المنهج: وخرج بالعيني فرض الكفاية، فالأصح - وفاقا للغزالي وغيره - أنه لا يحرم قطعه إلا الجهاد، وصلاة الجنازة، والحج، والعمرة.

٥٬٧٧٨

وقيل لا يحرم: كالعيني.

اه.

(قوله: ولو موسعا) أي ولو كان قضاؤه على التراخي، بأن لم يتعد بترك الصوم أو الصلاة.

(قوله: ويحرم على الزوجة إلخ) هذا حيث جاز التمتع بها، وإلا كأن قام بالزوج مانع من الوطئ - كإحرام، أو اعتكاف - فلا حرمة، وحيث لم يقع بها مانع - كالرتق والقرن - وإلا فلا حرمة أيضا.

ومحل التحريم في الصوم المتكرر في السنة - كالاثنين والخميس -

٥٬٧٧٩

بخلاف صوم يوم عرفة وعاشوراء، لأنهما نادران في السنة.

ومع الحرمة: ينعقد صومها - كالصلاة في دار مغصوبة - ولزوجها وطؤها، والإثم عليها.

(قوله: وزوجها حاضر) أي في البلد.

قال ع ش: ولو جرت عادته أن يغيب عنها من أول النهار إلى آخره، لاحتمال أن يطرأ له قضاء وطره في بعض الأوقات على خلاف عادته.

اه.

وخرج بكونه حاضرا في البلد: ما إذا كان غائبا عنها، فلا يحرم عليها ذلك، بلا خلاف.

٥٬٧٨٠

قال في المغنى:(فإن قيل) هلا جاز صومها مع حضوره،

٥٬٧٨١

وإذا أراد التمتع بها تمتع وفسد صومها؟ (أجيب) بأن صومها يمنعه التمتع عادة، لأنه يهاب انتهاك حرمة الصوم بالإفساد، ولا يلحق بالصوم صلاة النفل المطلق لقصر زمنه.

اه.

(قوله: إلا بإذنه) أي الزوج.

وذلك لخبر الصحيحين: لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد - أي حاضر - إلا بإذنه.

قال ابن حجر: وكالزوج: السيد - إن حلت له - وإلا حرم بغير إذنه، إن حصل لها به ضرر ينقص الخدمة، والعبد كمن لا تحل فيما ذكر اه.

وكتب الكردي: قوله: كمن لا تحل: أي فيحرم صومه بغير إذن سيده، إن حصل له به ضرر ينقص الخدمة.

اه.

(قوله: يحرم الصوم الخ) أي ولا ينعقد.

(قوله: في أيام التشريق) وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر،

٥٬٧٨٢

ويحرم صومها، ولو لتمتع عادم للهدي، لعموم النهي عنه.

٥٬٧٨٣

وفي القديم: له صيامها عن الثلاثة الواجبة في الحج.

وقوله: والعيدين: أي عيد الفطر، وعيد الأضحى.

والأصل في حرمة صومهما: الإجماع المستند إلى نهي الشارع - صلى الله عليه وسلم - في خبر الصحيحين.

(قوله: وكذا يوم الشك) أي

٥٬٧٨٤

وكذلك يحرم صيام يوم الشك، لقول عمار بن ياسر: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -.

رواه الترمذي وغيره، وصححوه.

قيل: والمعنى فيه القوة على صوم رمضان.

وضعفه السبكي بعدم كراهة صوم شعبان.

ويرد بأن إدمان الصوم يقوي النفس عليه، وليس في صوم شعبان إضعاف، بل تقوية،

٥٬٧٨٥

بخلاف صوم يوم ونحوه، فإنه يضعف النفس عما بعده، فيكون فيه افتتاح للعبادة مع كسل وضعف.

اه.

نهاية.

وما ذكر من تحريم صوم يوم الشك، هو المعتمد في المذهب.

٥٬٧٨٦

وقيل يكره كراهة تنزيه.

قال الأسنوي: وهو المعروف المنصوص الذي عليه الأكثرون.

٥٬٧٨٧

وفي البجيرمي ما نصه:(إن قلت) ما

٥٬٧٨٨

فائدة تنصيصهم على كراهة صوم يوم الشك أو حرمته مع أنه من جملة النصف الثاني من شعبان وهو محرم؟ (أجيب) بأن فائدته معرفة حقيقة يوم الشك حتى يرجع إليه لو علق به طلاقا أو عتقا.

وبيان أن صومه مكروه أو حرام، لشيئين: كونه يوم الشك وكونه بعد النصف، فيكون النهي فيه أعظم منه فيما قبله.

اه.

(قوله: لغير ورد) أي عادة، وتثبت بمرة.

٥٬٧٨٩

فإن صامه لذلك، كأن كان يعتاد صوم الدهر أو صوم يوم وفطر يوم، أو صوم يوم معين - كالاثنين - فصادف يوم الشك فلا يحرم.

ومثل الورد: ما لو صامه عن نذر مستقر في ذمته أو عن قضاء لنفل أو فرض أو كفارة، فلا يحرم.

(قوله: وهو يوم الخ) بيان لضابط يوم الشك.

(قوله: وقد شاع الخبر بين الناس برؤية الهلال)

٥٬٧٩٠

أما إذا لم يشع بين الناس: فليس اليوم يوم الشك بل هو من شعبان، وإن أطبق الغيم.

(وقوله: ولم يثبت) - أي الهلال - عند الحاكم لكونه لم يشهد بالرؤية أحد، أو شهد بها صبيان أو نساء، أو عبيد، أو فسقة.

(قوله: وكذا بعد نصف شعبان) أي

٥٬٧٩١

وكذلك يحرم الصوم بعد نصف شعبان لما صح من قوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا.

(قوله: ما لم يصله بما قبله) أي محل الحرمة ما لم يصل صوم ما بعد النصف بما قبله،

٥٬٧٩٢

فإن وصله به ولو بيوم النصف، بأن صام خامس عشره وتالييه واستمر إلى آخر الشهر، فلا حرمة.

(قوله: أو لم يوافق عادته) أي ومحل الحرمة أيضا ما لم يوافق صومه عادة له في الصوم،

٥٬٧٩٣

فإن وافقها - كأن كان يعتاد صوم يوم معين كالاثنين والخميس - فلا حرمة.

(قوله: أو لم يكن عن نذر الخ) أي: ومحل الحرمة أيضا: ما لم يكن صومه عن نذر مستقر في ذمته، أو قضاء،

٥٬٧٩٤

ولو كان القضاء لنفل، أو كفارة،

٥٬٧٩٥

فإن كان كذلك، فلا حرمة، وذلك لخبر الصحيحين: لا تقدموا - أي لا تتقدموا - رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم يوما ويفطر يوما فليصمه.

وقيس بما في الحديث من العادة: النذر، والقضاء، والكفارة - بجامع السبب -.

والله سبحانه وتعالى أعلم. [باب الحج] هو آخر أركان الإسلام، وأخره عن الصوم نظرا للقول بأن الصوم أفضل منه، واقتداء بخبر: بني الإسلام الخ.

واعلم أن فضائله لا تحصى.

منها خبر: من جاء حاجا يريد وجه الله تعالى، فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويشفع فيمن دعا له.

ومنها خبر: من قضى نسكه، وسلم الناس من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

وروى ابن حبان عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الحاج حين يخرج من بيته لم يخط خطوة إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة،

٥٬٧٩٦

فإذا وقفوا بعرفات: باهى الله بهم ملائكته، يقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا، أشهدكم أني غفرت لهم ذنوبهم وإن كانت عدد قطر السماء ورمل عالج.

٥٬٧٩٧

وإذا رمى الجمار: لم يدر أحد ما له حتى يتوفاه الله تعالى يوم القيامة،

٥٬٧٩٨

وإذا حلق شعره فله بكل شعرة سقطت من رأسه نور يوم القيامة.

٥٬٧٩٩

فإذا قضى آخر طوافه بالبيت خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

٥٬٨٠٠

وقال ابن العماد في كشف الأسرار: وحكمة تركب الحج من الحاء والجيم: الإشارة إلى أن الحاء من الحلم، والجيم من الجرم - فكأن العبد يقول: يا رب جئتك بجرمي - أي ذنبي - لتغفره بحلمك اه.

وأعمال الحج كلها تعبدية، وقد ذكر لهما بعض حكم،

٥٬٨٠١

فمن ذلك ما ذكره في (الروض الفائق في المواعظ والرقائق) أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن الحكمة في أفعال الحج، وما في المناسك الشريفة من المعاني اللطيفة، فقال: ليس من أفعال الحج ولوازمه شئ إلا وفيه حكمة بالغة، ونعمة سابغة، ونبأ وشأن وسر يقصر عن وصفه كل لسان.

٥٬٨٠٢

فأما الحكمة في التجرد عند الإحرام: فإن من عادة الناس إذا قصدوا أبواب المخلوقين، لبسوا أفخر ثيابهم من اللباس، فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول: القصد إلى بابي خلاف القصد إلى أبوابهم، لأضاعف لهم أجرهم وثوابهم.

وفيه أيضا أن يتذكر العبد بالتجرد عند الإحرام: التجرد عن الدنيا عند نزول الحمام - كما كان أولا - لما خرج من بطن أمه مجردا عن الثياب، وفيه شبه أيضا بحضور الموقف يوم الحساب - كما قال تعالى: * (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) * .

* (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة) * .

اه.

وأما الاغتسال عند الإحرام: فلحكمة ظاهرة الإحكام، وهو أن الله تعالى يريد أن يعرض الحجاج على الملائكة ليباهي بهم الأنام، فلا يعرضون على الملائكة الكرام إلا وهم مطهرون من الأدناس والآثام.

وفيه أيضا حكمة أخرى: وهي أن الحجاج يضعون أقدامهم على مواضع أقدام الأنبياء الأبرار، فيكونون قبل ذلك قد اغتسلوا لينالوا بركتهم في تلك الآثار، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين: * (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) *.

٥٬٨٠٣

وأما الحكمة في التلبية: فإن الإنسان إذا ناداه إنسان جليل القدر أجابه بالتلبية وحسن الكلام، فكيف بمن ناداه مولاه الملك العلام، ودعاه إلى جنابة ليكفر عنه الذنوب والآثام؟

٥٬٨٠٤

وإن العبد إذا قال: لبيك، يقول الله تعالى: ها أنا دان إليك، ومتجل عليك.

فسل ما تريد، فأنا أقرب إليك من حبل الوريد.

٥٬٨٠٥

وأما الحكمة في الوقوف بعرفة وأخذ الجمار من المزدلفة: فإن فيه أسرار لذوي العلم والمعرفة، فمعناه: كأن العبد يقول - سيدي: حملت جمرات الذنوب والأوزار، وقد رميتها في طاعتك بالإقرار، إنك أنت الكريم الغفار.

٥٬٨٠٦

وأما الحكمة في الذكر عند المشعر الحرام، وما فيه من الأجور العظام: فكأن الحق تعالى يقول: اذكروني أذكركم، من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي،

٥٬٨٠٧

ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه،

٥٬٨٠٨

فإذا ذكرتموني عند المشعر الحرام ذكرتكم بين ملائكتي الكرام، وكتبت لكم توقيع الأمان من حلول الانتقام.

٥٬٨٠٩

وأما الحكمة في حلق الرأس بمنى، ففيه حكمة يبلغ بها العبد جميع المنى، وذلك أن فيه يقظة وتذكيرا لا يفهمهما إلا من كان عالما نحريرا، لأن الحاج إذا وقف بعرفة، وذكر الله عند المشعر الحرام، وضحى بمنى، وحلق رأسه، وطهر بدنه من الأدناس والآثام: كتب الله عزوجل له ثوابا، وضاعف له أجورا، ووقاه جحيما وسعيرا، وجعل له بكل شعرة يوم القيامة نورا، وأعطى توقيع الأمان - كما قال تعالى في كتابه المكنون: * (محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون) * .

٥٬٨١٠

وأما الحكمة في الطواف، وما فيه من المعاني والألطاف: فإن الطائف بالبيت يقول بلسان حاله عند دعائه وابتهاله: سيدي، أنت المقصود، وأنت الرب المعبود، أتيت إليك مع جملة الوفود، وطفت ببيتك المشهود، وقمت ببابك أرجو الكرم والجود، وقد سبق خطابك لخليلك الأمين في محكم كتابك المبين: * (وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) * .

٥٬٨١١

وأما الحكمة في الوقوف بعرفات وما فيه من المعاني البديعة الصفات،

٥٬٨١٢

فإن فيه تنبيها وتذكيرا بالوقوف بين يدي الحق سبحانه وتعالى يوم القيامة حفاة عراة مكشوفي الرؤوس، واقفين على أقدام الحسرة والندامة، يضجون بالبكاء والعويل، ويدعون مولاهم دعاء عبد ذليل، فلله در أقوام دعاهم مولاهم إلى البيت العتيق، فأجابوا داعي الوجد والتشويق، وساروا إليه مشاة على قدم التصديق، * (وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) * .

اه.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.