وأكل اللحم خاصة من الجزور.
Its commentaries
(و) السابع (أكل اللحم خاصة من الجزور) أي الإبل فلا ينقض بقية أجزائها كالكبد وشرب لبنها ومرق لحمها سواء كان نيئا أو مطبوخا، قال أحمد: فيه حديثان صحيحان حديث البراء وجابر بن سمرة.
Adds nothing on this mas’ala.
Says nothing on this mas’ala.
«وأكل اللَّحم خاصَّة من الجَزُورِ»، يعني وينقض أكلُ اللَّحم خاصَّة من الجزور، وهذا هو النَّاقضُ السابعُ من نواقض الوُضُوء، وهو من مفردات مذهب أحمد رحمه الله. وقوله:«وأكل اللحم» يشمل النِّيء والمطبوخ؛ لأنَّه كلَّه يُسمَّى لحماً. وخرج بقوله:«أكلُ» ما لو مضغه ولم يبلعه، فإِنه لا ينتقض وضوءُه؛ لأنه لا يُقال لمن مضغ شيئاً ثم لفظه: إنه أكله.
وقوله:«خاصَّة» يعود إلى اللَّحم لا إلى الجزور؛ لأن قوله «الجزور» يُغني عن «خاصَّة».
وخرج بكلمة «خاصَّة» ما عدا اللحم كالكِرْش، والكبد، والشَّحم، والكلية، والأمعاء، وما أشبه ذلك.
والدَّليل على ذلك:
١ - أن هذه الأشياء لا تدخل تحت اسم اللَّحم، بدليل أنك لو أمرت أحداً أن يشتريَ لك لحماً، واشترى كرشاً؛ لأنكرت عليه، فيكون النقضُ خاصًّا باللَّحم الذي هو «الهَبْرُ».
٢ - أنَّ الأصل بقاءُ الطَّهارة، ودخولُ غير «الهَبْر» دخولٌ احتماليٌّ، واليقينُ لا يزول بالاحتمال.
٣ - أنَّ النَّقْضَ بلحم الإِبل أمرٌ تعبُّديٌّ لا تُعرف حكمته،
وإِذا كان كذلك، فإِنه لا يمكن قياس غير الهَبْرِ على الهَبْر؛ لأن من شرط القياس أن يكون الأصل معلَّلاً، إِذ القياس إِلحاق
فرع بأصل في حُكم لِعلَّةٍ جامعة، والأمور التعبُّدية غير معلومة العِلّة وهذا هو المشهور من المذهب.
والصَّحيح: أنه لا فرق بين الهَبْرِ وبقيَّة الأجزاء، والدَّليل على ذلك: .... ١ - أنَّ اللَّحم في لُغَة الشَّرع يشمل جميعَ الأجزاء، بدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ، فلحم الخنزير يشمل كلَّ ما في جلده، بل حتى الجلد،
وإِذا جعلنا التَّحريمَ في لحم الخنزير ـ وهو مَنْعٌ ـ شاملاً جميع الأجزاء فكذلك نجعل الوُضُوء من لحم الجزور ـ وهو أَمْرٌ ـ شاملاً جميع الأجزاء، بمعنى أنك إِذا أكلت أي جزء من الإِبل، فإِنه ينتقض وضوءُك.
٢ - أنَّ في الإِبل أجزاءً كثيرة قد تُقارب الهَبْر،
ولو كانت غير داخلة لبيَّن ذلك الرَّسول ﷺ لعِلْمِهِ أنَّ النَّاس يأكلون الهَبْر وغيره.
٣ - أنَّه ليس في شريعة محمَّد ﷺ حيوانٌ تتبعَّضُ أجزاؤه حلًّا وحُرمةً، وطَهارةً ونجاسةً، وسلباً وإيجاباً،
وإِذا كان كذلك فلتكن أجزاء الإِبل كلُّها واحدة.
٤ - أنَّ النَّصَّ يتناول بقيَّة الأجزاء بالعموم المعنوي، على فرض أنه لا يتناولها بالعُموم اللَّفظي؛ إِذْ لا فرق بين الهَبْر وهذه الأجزاء، لأنَّ الكُلَّ يتغذَّى بدمٍ واحد، وطعام واحد، وشراب واحد.
٥ - أنَّه إِذا قلنا بوجوب الوُضُوء وتوضَّأنا وصلَّينا، فالصَّلاة صحيحةٌ قولاً واحداً،
وإِن قلنا بعدم الوجوب وصلَّينا بعد أكل شيء من هذه الأجزاء بلا وُضُوء، فالصَّلاة فيها خلاف؛
فمن العلماء من قال بالبطلان، ومنهم من قال بالصِّحة، ففيها شُبهة، وقد قال النبيُّ ﷺ : «من اتَّقى الشُّبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه» .
وقال ﷺ :«دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ».
٦ - أنَّه روى أحمد في «مسنده» بسندٍ حسن عن أُسيد بن حُضير أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «تَوضَّؤوا من ألبان الإِبل» .....
وإِذا دلَّت السُّنَّة على الوُضُوء من ألبان الإِبل،
فإِن هذه الأجزاء التي لا تنفصل عن الحيوان من باب أَوْلَى. وعلى هذا يكون الصَّحيحُ أنّ أكل لحم الإِبل ناقضٌ للوُضُوء مطلقاً، سواءٌ كان هَبْراً أم غيره.
وقوله:«من الجزور» أي: البعير، وخرج به اللحم من غير الجزور،
وإِن شارك الجزور في الحكم كالبقرة، فإِنها تُسمَّى بدنة وتجزئ عنها في الهدي والأضاحي، ومع ذلك فإِنَّ لحمها لا يَنْقُضُ الوُضُوء،
وكذلك اللحم المحرَّم لا ينقض الوضوء، كما لو اضطر إِنسانٌ إِلى أكلِ لحم حمار أو ميتة فإِنه لا ينقض الوُضُوء،
وكذا لو أكل اللحم المحرَّم لغير ضرورة، فإِنه لا ينقض وضوءه، لأن الأصل بقاء الطهارة.
وقوله:«من الجزور» ظاهره أنه لا فرق بين القليل والكثير، والمطبوخ والنِّيء، وسواء كانت الجزور كبيرة أم صغيرة لا تجزئ في الأضحية لعموم الحديث. ولا يُقال: إِنَّ لحم الصَّغير يُترفَّه به كلحم الضأن، فلا يوجب الوُضُوء؛ لأن هذه علَّة مظنونة، والعموم أقوى منها، فنأخذ به.
وهذا النَّاقض من نواقض الوُضُوء هو من مفردات مذهب أحمد رحمه الله واستدلُّوا على ذلك بما يلي: ١ - حديث جابر بن سَمُرَة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبيَّ ﷺ : أنتوضَّأ من لحوم الإِبل؟ قال:«نعم، فتوضَّأ من لحوم الإِبل»، قال: أنتوضَّأ من لحوم الغنم؟ قال:«إن شئت فتوضَّأ، وإِن شئت فلا تتوضَّأ».
وجه الدَّلالة: أنَّ النبيَّ ﷺ علَّق الوُضُوء بالمشيئة في لحم الغَنَم، فدلَّ هذا على أنَّ لحم الإِبل لا مشيئة فيه ولا اختيار،
وأن الوُضُوء منه واجب.
٢ - حديث البراء، وفيه:«توضَّؤوا من لحوم الإبل». والأصل في الأمر الوجوب، قال الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه: فيه حديثان صحيحان عن النبيِّ ﷺ: حديث البراء، وحديث جابر بن سَمُرة .
القول الثاني: أنه لا ينقض الوُضُوء ، واستدلُّوا على ذلك بما يلي: .... ١ - حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما :«كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ تركُ الوُضُوء مما مسَّت النار»، رواه أهل السُّنن .
ووجه الدلالة أن قوله:«مما مسَّت» عام يشمل الإِبل وغيرها، وقد صرَّح بقوله:«كان آخرُ الأمرين»،
وإِذا كان آخر الأمرين، فالواجب أن نأخذ بالآخر من الشَّريعة؛ لأن الآخر يكون ناسخاً للأول.
٢ - حديث ابن عباس، أن النبيَّ ﷺ قال:«الوُضُوء ممَّا خَرَج، لا ممَّا دخل».
وأجيب عن هذين الدَّليلين بما يلي:
أما حديث جابر:«كان آخر الأمرين ترك الوُضُوء مما مسَّت النار»، فلا يعارض حديث الوُضُوء من لحم الإِبل، فضلاً عن أن يكون ناسخاً له؛ لأنه عام، والعام يُحمل على الخاصِّ، باتِّفاق أهل العلم، فيخرج منه الصُّور التي قام عليها دليل التَّخصيص، ولا يُقال بالنسخ مع إِمكان الجمع؛ لأن النَّسخ مع إمكان الجمع إبطال لأحد الدَّليلين، مع أنه ليس بباطل.
والغرض من حديث جابر: بيان أن الوُضُوءَ مما مسَّت النَّار ليس بواجب؛
فإِن النبيَّ ﷺ كان قد أمر بالوُضُوء مما مَسَّت النارُ، وصحَّ عنه الأمر بذلك، فقال جابر:«كان آخُر الأمرين تركَ الوُضُوء مما مسَّت النار».
والنبيُّ ﷺ إِذا أمر بأمرٍ وفعل خلافه، دَلَّ على أن الأمر ليس للوجوب.
وأصَّلَ بعضُ أهل العلم أصلاً ليس بأصيل، ومالَ إِليه الشَّوكاني ، وهو أن النبيَّ ﷺ إِذا أمرَ بأمرٍ، وفعل خلافه، صار الفعلُ خاصًّا به، وبقي الأمر بالنسبة للأمة على مدلوله للوجوب.
وهذا ضعيف؛ لأنَّ سُنَّة الرَّسول ﷺ تشمل قوله ﷺ وفعله،
فإِذا عارض قولُه فعلَه، فإِن أمكن الجمع فلا خصوصية؛ لأننا مأمورون بالاقتداء به قولاً وفعلاً،
ولا يجوز أن نحمله على .... الخصوصية مع إِمكان الجمع، لأن مقتضى ذلك ترك العمل بشطر السُّنَّة، وهو السُّنَّة الفعلية.
وأما حديث ابن عباس فضعيف،
وإِن صَحَّ موقوفاً ، فقد خُولف.
فظهر بذلك ضعفُ دليل من قال: إِن لحمَ الإِبل لا ينقضُ الوضوءَ، ويبقى حديثُ الوُضُوءِ من لحمِ الإِبل سالماً من المعارض المقاوم،
وإِذا كان كذلك، وجب الأخذ به، والقول بمقتضاه.
وأما الوُضُوء من ألبان الإِبل؛ فالصَّحيح أنَّه مستحبٌّ وليس بواجب؛
لوجهين:
الأول: أنَّ الأحاديث الكثيرة الصَّحيحة واردة في الوُضُوء من لحوم الإِبل، والحديث في الوضوء من ألبانها إِسناده حسن وبعضهم ضعَّفه .
الثَّاني: ما رواه أنس في قصة العُرنيين أن النبيَّ ﷺ أمرهم أن يلحقوا بإِبل الصَّدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها … ولم يأمرْهم أن يتوضؤوا من ألبانها، مع أن الحاجة داعية إلى ذلك، فدلَّ ذلك على أن الوُضُوء منها مستحبٌّ. مسألة: الوُضُوء من مرقِ لحم الإِبل.
المذهب: أنه غير واجب، ولو ظهر طعمُ اللَّحم؛ لأنه لم يأكل لحماً.
وفيه وجه للأصحاب: أنه يجب الوُضُوء ؛ لوجود الطعم في المرق، كما لو طبخنا لحم خنزير،
فإِن مرقه حرام. وهذا تعليل قويٌّ جداً. فالأحوط أن يتوضَّأ،
أما إِذا كان المرق في الطَّعام، ولم يظهر فيه أثره فإِنه لا يضرُّ.
فإن قيل: ما الحكمة من وجوب الوُضُوء من أكل لحم الإبل؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن الحكمة أمرُ النبيِّ ﷺ، وكل ما أتى به النبيُّ ﷺ من الأحكام فهو حكمة .....
وقالت عائشة لما سُئلت: ما بال الحائضِ تقضي الصَّوم، ولا تقضي الصَّلاة؟ قالت:«كان يُصيبُنا ذلك على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصَّوم، ولا نؤمر بقضاء الصَّلاة».
ولأننا نؤمن ـ ولله الحمد ـ أن الله لا يأمر بشيء إِلا والحكمة تقتضي فعلَه، ولا ينهى عن شيء إلا والحكمة تقتضي تركَه.
الثاني: أن بعض العلماء التمس حكمةً فقال: إِن لحم الإِبل شديدُ التَّأثير على الأعصاب، فيُهَيِّجها ؛ ولهذا كان الطبُّ الحديث ينهى الإِنسان العصبي من الإِكثار من لحم الإِبل، والوُضُوء يسكِّن الأعصاب ويبرِّدها، كما أمر النبيُّ ﷺ بالوُضُوء عند الغضب ؛ لأجل تسكينه.
وسواء كانت هذه هي الحكمة أم لا؛
فإِن الحكمة هي أمر النبيِّ ﷺ، لكن إِن علمنا الحكمة فهذا فَضْلٌ من الله وزيادة علم،
وإن لم نعلم فعلينا التَّسليم والانقياد.
وكُلُّ ما أَوْجَبَ غُسْلاً، أَوْجَبَ وُضُوءاً، .............
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.