ومن اضطر إلى محرم "غير السم" حل له منه ما يسد رمقه
Its commentaries
(ومن اضطر إلى محرم) بأن خاف التلف إن لم يأكله (غير السم حل له) إن لم يكن في سفر محرم (منه ما يسد رمقه) أي يمسك قوته ويحفظها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} ، وله التزود إن خاف،
ويجب تقديم السؤال على أكله، ويتحرى في مذكاة اشتبهت بميتة،
فإن لم يجد إلا طعام غيره،
فإن كان ربه مضطرا، أو خائفا أن يضطر فهو أحق به، وليس له إيثاره، وإلا لزمه بذل ما يسد رمقه فقط بقيمته،
فإن أبى رب الطعام أخذه المضطر منه بالأسهل فالأسهل، ويعطيه عوضه.
له) . إن لم يكن في سفر محرم كقاطع طريق وآبق، أي: فلا يحل له أكل المحرم، كالميتة.
وقال الشيخ: ليس في الشرع ما يدل على أن العاصي في سفره لا يأكل الميتة، ولا يقصر ولا يفطر، بل نصوص الكتاب والسنة عامة، مطلقة، كما هو مذهب كثير من السلف، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، وهو الصحيح.
إن خاف . ويجب تقديم السؤال على أكله أي المحرم كميتة، نص عليه،
وقال الشيخ: لا يجب، ولا يأثم، وأنه ظاهر المذهب اهـ وهو ظاهر كلام الموفق وجماعة.
السؤال على أكله ويتحرى في مذكاة اشتبهت بميتة لأنه غاية مقدوره، حيث لم يجد غيرها، ويقدم ميتة مختلفا فيها، على مجمع عليها، وميتة وهو محرم على صيد حي،
لا إن ذبحه محرم، وطعاما يجهل مالكه، على صيد حي، بشرط ضمانه، ويقدم ميتة على طعام لا يعرف مالكه، مع إمكان رده إليه بعينه، لأن أكل الميتة منصوص على إباحته، ومال الآدمي مجتهد فيه، فكان العدول إلى المنصوص أولى،
قال الشيخ: أما إذا تعذر رده إلى مالكه، بحيث أنه يجب أن يصرف إلى الفقراء، كالغصوب، والأمانات التي لا يعرف مالكها، فإنه يقدم ذلك على الميتة.
وإلا لزمه بذل ما يسد رمقة فقط بقيمته أي وإن لم يكن رب الطعام مضطرا، ولا خائفا أن يضطر، لزمه بذل ما يسد رمق المضطر فقط، بقيمة الطعام، نص عليه ولو لم يبذله ربه إلا باكثر من قيمته، لم يلزم المضطر إلا قيمته فقط،
وقال الشيخ: وإن كان فقيرا، فلا يلزمه عوض، إذ إطعام الجائع، وكسوة العاري، فرض كفاية، ويصيران فرض عين على المعينن إذا لم يقم به غيره اهـ،
وإن بادر رب الطعام فباعه، أو وهبه قبل الطلب صح، ويستحق المضطر أخذه من المشتري أو المتهب، وبعد الطلب لا يصح البيع
قال في القواعد في الأظهر.
الطعام أخذه المضطر منه بالأسهل فالأسهل، ويعطيه عوضه أي فإن أبي رب الطعام بذله للمضطر بقيمته، أخذه المضطر من ربه بالأسهل فالأسهل كبشراء أو استرضاء،
فإن أبى أخذه المضطر قهرا، ويعطيه عوضه يوم أخذه أو مثله فإن منعه فله قتاله،
فإن قتل المضطر ضمنه رب الطعام،
بخلاف عكسه وفي الإرشاد عن أحمد: لا يقاتله فإن الله سيرزقه،
ومتى وجد مضطر من يطعمه ويسقيه، لم يبح له الامتناع، ولا العدول إلى الميتة، إلا أن يخاف أن يسم فيه، أو كان الطعام مما يضر أكله.
«ومن اضطُر» أصل اضطر في التصريف اضتر،
ولا يصح أن نقول: اضْطَرَّ؛ لأن الإنسان مُلْجَأٌ وليس مُلجِئاً، نعم إن
قلتَ: اضطَرَّ فلانٌ فلاناً أن يفعل كذا صَحَّ،
أمَّا إذا كان وصفاً لمن وقعت به الضرورة فلا يجوز أن نقول:«اضْطَرَّ» ولهذا في القرآن: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ وانتبه، فبعض الطلبة يقول:«اضْطَرَّ» وهذا خطأ، والمعنى ألجأته الضرورة، أي: أصابته ضرورة إلى فعل هذا الشيء، ويلحقه الضرر إن لم يفعله. «إلى محرم» أي: محرم من هذه الأشياء المحرمة من المأكولات. «غير السم» استثنى المؤلف السم، وسيأتي. «حلّ له منه ما يسدُّ رمقه»«يسد» أي: يكفي، «رمقه» أي: بقية حياته، ولهذا الحيوان إذا وصل إلى حال الموت يقال: هذا ما فيه رمق، أي: ما فيه بقية حياة، فيحل للمضطر أن يأكل ما يسد رمقه، يعني ما تبقى معه الحياة فقط، ولا يشبع،
والدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ إلى أن قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
إذاً، إذا اضطُر الإنسان إلى هذه المحرمات جاز له أكلها،
لكن الله عز وجل اشترط شرطين:
الأول: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ أي: مجاعة.
الثاني: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ يعني غير مائل إلى الإثم، أي: ما ألجأه إلا الضرورة وما قصد الإثم.
في الآية الثانية: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قيل: إن الباغي هو الخارج على الإمام، والعادي الطالب للمحرَّم المعتدي.
وعلى هذا؛ فإذا كان السفر محرماً، واضطر إلى أكل الميتة قلنا: لا تأكل؛ لأنك باغٍ وعادٍ، والصواب أن الباغي والعادي وصفان للتناول، أي: غير باغٍ في تناوله، أي: لا يريد بذلك أن يتناول المحرم، ولا عادٍ أي: متجاوزٍ قدرَ الضرورة؛ لتُفسَّر الآية التي في سورة «البقرة» بالآية التي في سورة «المائدة». وقوله:«حل له منه ما يسد رمقه» فهل له أن يشبع؟
الجواب: على كلام المؤلف ليس له أن يشبع؛ لأن هذا الأكل أكل ضرورة، فيتقيد بقدر الضرورة، لكن لو جاع مرة ثانية أكل ولا مانع.
وقيل: له أن يشبع إن خاف أن يجوع في المستقبل، ولكن الصواب: أنه ليس له أن يشبع،
وأن هذا الأكل ضرورة، فيتقيد بقدرها،
وإذا خاف أن يجوع قبل أن يصل إلى بلده مثلاً، فله أن يتزود من هذا اللحم بحمله معه،
وإذا تزوَّد وحمل معه فليس عليه خطر، لكن إذا شبع من هذا اللحم الخبيث، فربَّما يكون عليه تخمة، ونتن في بطنه فيتضرر، فالصواب هنا ما ذكره المؤلف أنه لا يحل له إلا ما يسد رمقه، ويرد عليه قوَّته.
وقوله:«غير السم» استثنى السم، و «السم» مثلثة السين، فيصح أن تقول:«سَم» و «سُم» و «سِم» فالإنسان لا يغلط فيها، فالسم لو اضطر إليه الإنسان لا يأكل منه، لماذا؟
الجواب: لأنه إذا أكل من السم أسرع إلى نفسه القتل، وهذا أمر معلوم،
وإذا لم يأكل ربما سهَّل الله له شيئاً يأكله، لكن إذا أكل السم فقد قتل نفسه فالسم لا يحل بأي حال من الأحوال.
مسائل:
الأولى: لو اضطُر إلى شرب لبن الأتان ـ أي: الحمارة ـ هل يحل؟
الجواب: يحل له ذلك، وكل المحرمات التي لا تضر بذاتها إذا اضطُرَّ إليها الإنسان أكل منها وشرب. وقد اشتهر عند العامة أن نوعاً من السعال (الكَحَّة) يُداوى بلبن الأتان، ويقولون: إذا حلّت الضرورة حلت المحرمات.
«حلت» الأولى بمعنى نزلت، و «حلت» الثانية بمعنى أُبيحت، ففيه جناس تام، وهذا غير صحيح وليس له أصل،
لأمرين:
الأول: أن الله لم يجعل شفاءنا فيما حرم علينا.
الثاني: أن الضرورة التي تبيح المحرم يشترط لها شرطان:
الأول: أن يتعين دفع ضرورته بهذا الشيء لا بغيره.
الثاني: أن تندفع ضرورته به.
فهل الدواء ينطبق على هذا أو لا؟
الجواب: لا ينطبق، أولاً: لأن الإنسان قد يُشفى بدون تناول الدواء، وهذا شيء كثير، وكم شفينا ـ والحمد لله ـ من أمراض كثيرة بدون أن نتناول دواءً، وغالب الناس مر عليه هذا، إذاً لسنا في ضرورة لتناول الدواء.
ثانياً: ربما يكون هناك دواء غير هذا يغني عنه، فلسنا في ضرورة إلى هذا الدواء.
وقولنا:«أن تندفع ضرورته به» فهل الدواء تندفع به الضرورة؟
الجواب: قد تندفع وقد لا تندفع، يعني قد يُفيد، وقد لا يفيد، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن الرسول عليه الصلاة والسلام:«الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام»، يعني الموت،
فإذا لم يرد الله عز وجل أن يشفي هذا المريض لم يُشفَ ولو بالدواء.
وإذا جاء الأمر بعد النهي فهو للإباحة،
وإذا جاء الحل بعد التحريم فإنه يقصد به انتفاء التحريم، ولا ينفي أن يكون الشيء واجباً، فقول المؤلف:«حل له» أي: ارتفع التحريم؛ لأنه في هذه الحال إذا اضطر إلى أكل المحرم لا نقول: هو حلال، إن شئت فَكُل،
وإن شئت فلا تأكل، بل يجب أن يأكل؛ لإنقاذ نفسه، وعليه فيكون التعبير هنا بالحل في مقابل التحريم، فلا ينافي الوجوب.
المسألة الثانية: لو اضطر إلى شرب ماء محرمٍ هل يشرب؟
الجواب: نعم يشرب، ولو اضطر إلى شرب الخمر فلا يشرب، يقول العلماء: إن الخمر لا يغني من العطش، بل يزيد العطش، ومع ذلك إذا اضطر إليه بحيث تندفع ضرورته بتناوله حل له الخمر، ومثَّلوا لذلك برجل غصَّ بلقمةٍ ولم يكن عنده إلا كأس خمر، فله أن يتناول ما يدفع اللقمة فقط ثم يمسك؛ لأنه هنا تندفع به الضرورة،
أما غيرها فلا تندفع به الضرورة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.