وأن يكون حاقنا أو بحضرة طعام يشتهيه
Its commentaries
(و) يكره (أن يكون حاقنا) حال دخوله في الصلاة، والحاقن: هو المحتبس بوله،
وكذا كل ما يمنع كمالها كاحتباس غائط، أو ريح وحر وبرد وجوع وعطش مفرط؛ لأنه يمنع الخشوع وسواء خاف فوت الجماعة أو لا؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» ، رواه مسلم عن عائشة، (أو بحضرة طعام يشتهيه) فتكره صلاته إذا لما تقدم،
ولو خاف فوت الجماعة، وإن ضاق الوقت عن فعل جميعها وجبت في جميع الأحوال وحرم اشتغاله بغيرها.
ويكره أن يخص جبهته بما يسجد عليه؛ لأنه من شعائر الرافضة ومسح أثر سجوده في الصلاة ومسح لحيته وعقص شعره وكف ثوبه ونحوه ولو فعلهما لعمل قبل صلاته، ونهى الإمام رجلا كان إذا سجد جمع ثوبه بيده اليسرى، نقل ابن القاسم يكره أن يشمر ثيابه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ترب ترب»
دخوله في الصلاة . والحاقن هو المحتبس بوله كثيرًا بالنون، وحقن الرجل بوله حبسه، وجمعه، فهو حاقن.
كل ما يمنع كمالها كاحتباس غائط أو ريح وهو الحاقب والحازق مدافع الريح، فليبدأ بالخلاء، ليزيل ما يدافع من بول أو غائط أو ريح،
ولو فاتتة الجماعة، ومن أهل العلم من قال بعدم صحتها، والأكثر أنها ناقصة،
وقال الشيخ: إذا كان على وضوء وهو حاقن، يحدث ثم يتيمم، إذ الصلاة بالتيمم وهو غير حاقن أفضل من صلاه بالوضوء وهو حاقن،
وقال: صلاته مع الاحتقان مكروهة،
وفي صحتها روايتان، وصلاة المتيمم صحيحة لا كراهة فيها بالاتفاق.
ولاو هو يدافعه الأخبثان» رواه مسلم عن عائشة ولقوله «لا يصل أحدكم وهو حاقن» ،
وفي رواية «وهو حقن حتى يتخفف» رواه الحاكم والبيهقي وغيرهما، وألحق بذلك ما في معناه مما ذكر ونحوه، وليس من تقديم حق النفس على حق الرب تعالى، وإنما هو صيانة لحق الله سبحانه، ليدخل العبد في العبادة بقلب مقبل على ربه.
رواه مسلم عن عائشة (أو بحضرة طعام يشتهيه) أي بمشهد منه،
وعبارة الإقناع والمنتهى والفروع وغيرها: أو تائقا إلى طعام أو شراب قال منصور: وظاهره سواء كان الطعام بحضرته أو لا، وعبارة المقنع وغيره، أو بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، وهو ظاهر الأخبار،
وكذا إذا كان تائقا إلى شراب أو جماع، فيبدأ بما تاق إليه ولو فاتته الجماعة،
وفي صحيح البخاري وغيره: «إذا قدم العشاء فابدءوا بالعشاء قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم» ولهما: «إذا وضع العشاء وحضرت الصلاة فابدءوا به، فيكره ابتداؤها وهو تائق إلى طعام اتفاقا، قال ابن القيم: عشر يؤذي انحباسها ومدافعتها الدم إذا هاج، والمني إذا اجتمع، والبول والغائط والريح والقيء والعطاس والنوم والجوع والعطش، وكل واحد يوجب حبسه داء من الأدواء بحسبه، وظاهر عباراتهم أنه إذا لم تتق نفسه إليه أنه يبدأ بالصلاة من غير كراهة، وكذا إن لم يحضر الطعام، لأنه لا تتوق نفسه إليه كما تتوق إلى المحضر.
إذًا لما تقدم . ولو خاف فوت الجماعة للأخبار وفي الصحيح عن أبي الدرداء «من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ» ،
وفي الحديث: «ولا يعجل حتى يفرغ منه» ، وفيه دليل على أنه يأكل حاجته من الطعام بكمال، وصوبه غير واحد، ووضع الطعام بين يدي الآكل فيه زيادة تشوف، وكلما تأخر تناوله ازداد،
بخلاف باقي الأمور فلا يلحق بحكم الطعام كل أمر يكون للنفس تشوف إليه، إذ لو كان كذلك لم يبق للصلاة وقت في الغالب،
وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم يكون في مهنة أهله،
فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.
الوقت عن فعل جميعها وجبت في جميع الأحوال أي سواء كان حاقنا أو حاقبا، أو بحضرة طعام يشتهيه ونحو ذلك،
ولا يكره ابتداء الصلاة كذلك.
شعار الرافضة . ومسح أثر سجوده في الصلاة أي يكره باتفاق السلف، لحديث أبي هريرة مرفوعا، «من الجفاء أن يكثر الرجل مسح جبهته، قبل الفراغ من صلاته» رواه ابن ماجه وفي البزار وغيره من حديث ابن بريدة عن أبيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من الجفاء أن يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته» في الصحيح، عن أبي سعيد أنه رأى أثر الطين على جبهته وأنفه قال الحميدي: يحتج به أن لا تمسح الجبهة في الصلاة، بل بعدها، قال الشيخ: وكره أحمد وغيره مسح الجبهة في الصلاة من التراب ونحوه الذي يعلق به في السجود، وتنازعوا في مسحه بعدها كالمنديل،
وفي الفروع: لا يكره وفاقًا.
. ومسح أثر سجوده في الصلاة ومس لحيته وفاقًا: لأنه من العبث،
وقال عليه الصلاة والسلام في العابث بلحيته: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» .
. ونقل ابن القاسم: يكره أن يشمر ثيابه أي: أن يرفعها عن ساقيه، وابن القاسم هو أحمد بن القاسم، صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام، حدث عنه، وعن الإمام أحمد كثيرا.
أن يشمر ثيابه لقوله عليه السلام: «ترب ترب» وروى نحوه الترمذي والنسائي وغيرهما، ولأحمد «ترب وجهك لله تعالى» ولها شواهد، قال الحافظ بأسانيد ضعيفة، وذكر بعضهم حكمة النهي أنها تسجد معه،
وقال بعضهم: الحكمة الشاملة أنه إذا رفع ثوبه عن مباشرة الأرض أشبه المتكبر.
«وأن يكون حاقناً» أي: يُكره أن يُصلِّي وهو حاقن، والحاقن هو المحتاج إلى البول، لأن النبيَّ ﷺ نهى عن الصَّلاةِ في حضرة طعام، ولا وهو يُدافعه الأخبثان .
والحكمة من ذلك: أن في هذا ضرراً بدنيًّا عليه،
فإن في حبس البول المستعدِّ للخروج ضرراً على المثانة، وعلى العصب التي تمسك البول، لأنه ربما مع تَضخُّمِ المثانة بما انحقن فيها مِن الماء تسترخي الأعصاب، لأنها أعصاب دقيقة، وربما تنكمش انكماشاً زائداً، وينكمش بعضُها على بعض، ويعجز الإنسان عن إخراج البول، كما يجري ذلك أحياناً.
وفيه أيضاً ضررٌ يتعلَّقُ بالصَّلاة؛ لأن الإنسان الذي يُدافع البول لا يمكن أن يُحضر قلبه لما هو فيه من الصَّلاة؛ لأنه منشغل بمدافعة هذا الخَبَث،
وإذا كان حاقباً فهو مثله، والحاقب: هو الذي حَبَسَ الغائط، فيُكره أن يُصلِّي وهو حابس للغائط يدافعه، والعِلَّة فيه ما قلنا في عِلَّة الحاقن،
وكذلك إذا كان محتبس الرِّيح فإنه يُكره أن يُصلِّي وهو يدافعها. مسألة: إذا قال قائل: رَجُلٌ على وُضُوء، وهو يدافع البول أو الرِّيح، لكن لو قضى حاجته لم يكن عنده ماء يتوضَّأ به، فهل نقول: اقْضِ حاجتك وتيمَّم للصَّلاة، أو نقول: صَلِّ وأنت مدافع للأخبثين؟
فالجواب: نقول: اقْضِ حاجتك وتيمَّم، ولا تُصَلِّ وأنت تُدافع الأخبثين، وذلك لأن الصلاة بالتيمُّم لا تُكره بالإجماع، والصَّلاةُ مع مدافعة الأخبثين منهيٌّ عنها مكروهة،
ومِن العلماء مَن حَرَّمها وقال: إن الصَّلاةَ لا تصحُّ مع مدافعة الأخبثين ، لقول الرسول ﷺ :«لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يُدافعه الأخبثان».
مسألة: لو قال قائل: إنه حاقن، ويخشى إنْ قضى حاجته أن تفوته صلاة الجماعة، فهل يُصلِّي حاقناً ليدرك الجماعة، أو يقضي حاجته ولو فاتته الجماعة؟
فالجواب: يقضي حاجته ويتوضَّأ ولو فاتته الجماعة، لأن هذا عُذر،
وإذا طرأ عليه في أثناء الصَّلاة فله أن يُفارق الإمام.
مسألة: إذا قال قائل: إنَّ الوقت قد ضاقَ، وهو الآن يُدافع أحد الأخبثين فإن قضى حاجته وتوضَّأ خرج الوقتُ،
وإن صَلَّى قبل خروج الوقت صَلَّى وهو يدافع الأخبثين، فهل يُصلِّي وهو يدافع الأخبثين، أو يقضي حاجته ويُصلِّي؛
ولو بعد الوقت؟
فالجواب: إنْ كانت الصَّلاةُ تُجمع مع ما بعدَها فليقضِ حاجته وينوي الجمع؛ لأن الجمع في هذه الحال جائز،
وإن لم تكن تُجمع مع ما بعدَها كما لو كان ذلك في صلاة الفجر، أو في صلاة العصر، أو في صلاة العشاء،
فللعلماء في هذه المسألة قولان :
القول الأول: أنه يُصلِّي ولو مع مُدافعة الأخبثين حفاظاً على الوقت، وهذا رأي الجُمهور.
القول الثاني: يقضي حاجته ويُصلِّي ولو خرج الوقت.
وهذا القول أقرب إلى قواعد الشريعة؛ لأن هذا بلا شَكٍّ من اليُسر، والإنسان إذا كان يُدافع الأخبثين يَخشى على نفسِه الضَّرر مع انشغاله عن الصَّلاة.
وهذا في المدافعة القريبة.
أما المدافعة الشديدة التي لا يدري ما يقول فيها، ويكاد يتقطَّع من شدة الحصر، أو يخشى أن يغلبه الحَدَث فيخرج منه بلا اختيار، فهذا لا شَكَّ أنه يقضي حاجته ثم يُصلِّي، وينبغي ألا يكون في هذا خلاف. «أو بحضرة طعام يشتهيه»
أي: يكره أن يُصلِّي بحضرة طعام تتوقُ نفسُه إليه فاشترط المؤلِّف شرطين وهما:
١ ـ أن يكون الطَّعام حاضراً.
٢ ـ أن تكون نفسه تَتُوقُ إليه.
وينبغي أن يُزاد شرطٌ ثالث وهو: أن يكون قادراً على تناوله حِسًّا وشرعاً.
فإنْ لم يحضر الطَّعام ولكنه جائع، فلا يؤخِّر الصَّلاة؛ لأننا لو قلنا بهذا؛ لزم أن لا يُصلِّي الفقير أبداً؛ لأن الفقير قد يكون دائماً في جوع، ونفسه تتوقُ إلى الطعام.
ولو كان الطَّعام حاضراً ولكنه شبعان لا يهتمُّ به فليصلِّ، ولا كراهة في حَقِّهِ.
وكذلك لو حضر الطَّعامُ، لكنه ممنوع منه شرعاً أو حِسًّا.
فالشرعي: كالصَّائم إذا حَضَرَ طعامُ الفطور عند صلاة العصر، والرَّجُل جائعٌ جدًّا، فلا نقول: لا تُصَلِّ العصر حتى تأكله بعد غروب الشمس. لأنه ممنوع من تناوله شرعاً، فلا
فائدة في الانتظار.
وكذلك لو أُحضر إليه طعامٌ للغير تتوق نفسُه إليه، فإنه لا يُكره أن يُصلِّي حينئذٍ؛ لأنه ممنوع منه شرعاً.
والمانعُ الحسِّي: كما لو قُدِّمَ له طعام حارٌّ لا يستطيع أن يتناوله فهل يُصلِّي، أو يصبر حتى يبرد؛ ثم يأكل؛ ثم يُصلِّي؟
الجواب: يُصلِّي، ولا تُكره صلاتُه؛ لأن انتظاره لا
فائدة منه.
كذلك لو أُحضر إليه طعام هو مِلْكه، لكن عنده ظالم يمنعه من أكله، فهنا لا يُكره له أن يُصلِّي؛ لأنه لا يستفيد مِن عدم الصَّلاةِ؛ لمنعه مِن طعامه حسًّا.
وخلاصة المسألة: أنها تحتاج إلى ثلاثة قيود:
١ ـ حضور الطَّعام. ٢ ـ توقان النفس إليه.
٣ ـ القُدْرة على تناوله شرعاً وحِسًّا.
ودليل ذلك قول النبيِّ ﷺ :«لا صلاةَ بحضرة طعامٍ، ولا وهو يُدافعه الأخبثان».
وكلام المؤلِّف يدلُّ على أن الصَّلاة في هذه الحال مكروهة؛ لأن الرسول ﷺ قال:«لا صلاة … »، وهل هذا النفي نفي كمال، أو نفي صحة؟
الجواب: جمهور أهل العِلم على أنه نفيُ كمال، وأنه يُكره أن يُصلِّي في هذه الحال،
ولو صَلَّى فصلاتُه صحيحة .
وقال بعض العلماء: بل النفيُ نفيٌ للصِّحَّة ،
فلو صَلَّى وهو يُدافع الأخبثين بحيث لا يدري ما يقول فصلاتُه غيرُ صحيحة، لأن الأصل في نفي الشَّرع أن يكون لنفي الصِّحَّة، وعلى هذا تكون صلاتُه في هذه الحال محرَّمة؛ لأن كلَّ عبادة باطلة فتلبُّسه بها حرام؛ لأنه يشبه أن يكون مستهزئاً؛ حيث تَلَبَّسَ بعبادة يعلم أنها محرَّمة.
وكلٌّ مِن القولين قويٌّ جدًّا.
وَتِكْرَارُ الْفَاتِحَةِ، .........
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.