ولا تكره إعادة جماعة في غير مسجدي مكة والمدينة.
Its commentaries
(ولا تكره إعادة جماعة في غير مسجدي مكة والمدينة) ، ولا فيهما لعذر وتكره فيهما لغير عذر لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الإمام الراتب.
«وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» ، رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا، وكان عمر يضرب على الصلاة بعد الإقامة فلا تنعقد النافلة بعد إقامة الفريضة التي يريد أن يفعلها مع ذلك الإمام الذي أقيمت له
ويصح قضاء الفائتة بل تجب مع سعة الوقت، ولا يسقط الترتيب بخشية فوت الجماعة،
غير مسجدي مكة والمدينة) . ولا فيهما لعذر كنوم ونحوه عن الجماعة، فلا يكره إذا لمن فاتته إعادتها بالمسجدين لقوله: «من يتصدق على هذا؟» ولأن إقامتها إذًا أحق من تركها، ولظاهر خبر أبي سعيد وأبي أمامة.
. ولا فيهما لعذر وتكره فيهما لغير عذر إذا أمكنهم الصلاة في جماعة أخرى.
. وكان عمر يضرب على الصلاة بعد الإقامة وصح عن ابنه أنه كان يحصب من يشتغل في المسجد بعد الشروع في الإقامة، قال النووي: والحكمة أن يتفرغ للفريضة من أولها، فيشرع فيها عقب شروع الإمام، والمحافظة على مكملات الفريضة، أولى من التشاغل بالنافلة، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف على الأئمة، ولحصول تكبيرة الإحرام، ولا تحصل فضيلتها المنصوصة إلا بشهود تحريم الإمام.
أن يفعلها مع ذلك الإمام الذي أقيمت له ولو جهل الإقامة، كما لو جهل وقت النهي، حيث كان الإحرام بعدها وإلا فالأصل الإباحة، فتنعقد،
وإن لم يرد أن يفعلها مع ذلك الإمام انعقدت كما لو أقيمت بمسجد لا يريد الصلاة فيه، وتقدم النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر، فالإقامة أولى.
«ولا تكره إعادة الجماعة».
يعني: لو صَلَّى الإمامُ الراتبُ في الجماعة، ثم أتتْ جماعةٌ أُخرى لتُصلِّي في نفسِ المسجدِ، فهل تُكرهُ إعادةُ الجماعةِ هذه أو لا تُكره؟ الجواب: صَرَّحَ المؤلِّفُ بأنها لا تُكره، ونَفْيُ الكراهةِ يدلُّ ظاهُره على أنَّ المسألةَ مباحةٌ فقط، وأنَّها ليست بمشروعةٍ، ولكن الظَّاهرُ أنَّه غيرُ مرادٍ؛
وأن مرادَه بنفي الكراهة دَفْعُ قولِ مَن يقول بالكراهة، وعلى هذا؛ فلا ينافي القول بالاستحباب، بل بالوجوب؛ لأنَّ صلاةَ الجماعةِ واجبةٌ، وقد نبَّه كثيرٌ مِن المتأخِّرين على أنَّ هذا مرادُ المؤلِّفِ وغيرِه ممن قال: لا تُكره. فيكون المعنى: أننا لا نقولُ بهذا القول،
وإذا لم نقل به رجعنا إلى الأصل. والأصل: أنَّ صلاةَ الجماعةِ واجبةٌ.
وعلى هذا؛ فتكون إعادةُ الجماعةِ إذا فاتت مع الإمامِ الرَّاتبِ واجبةٌ؛ لأنَّ الجماعةَ واجبةٌ وفواتُها مع الإمام الرَّاتب لا يُسقط الوجوبَ.
وقال بعضُ أهل العِلمِ: إنها مستحبَّةٌ وليست بواجبةٍ؛ لأنَّ الصلاةَ الأُولى هي التي يجب على المكلَّفِ حضورها، وهي التي يحصُلُ بها الفضلُ العظيمُ الذي رتَّبه النَّبيُّ ﷺ.
وهذه المسألة لها ثلاثُ صور:
الصورةُ الأُولى: أن يكون إعادةُ الجماعةِ أمراً راتباً.
الصورة الثانية: أن يكون أمراً عارضاً.
الصورة الثالثة: أن يكون المسجدُ مسجدَ سوقٍ، أو مسجدَ طريقِ سياراتٍ، أو ما أشبه ذلك،
فإذا كان مسجدَ سُوقٍ يتردَّدُ أهلُ السُّوقِ إليه فيأتي الرَّجُلان والثلاثةُ والعشرةُ يصلُّون ثم يخرجون، كما يوجد في المساجد التي في بعض الأسواق، فلا تُكره إعادةُ الجماعة فيه، قال بعضُ العلماء: قولاً واحداً، ولا خِلافَ في ذلك؛ لأنَّ هذا المسجدَ مِن أصلِهِ معدٌّ لجماعاتٍ متفرِّقةٍ؛ ليس له إمامٌ راتبٌ يجتمعُ الناسُ عليه.
فأما الصُّورة الأوُلى، بأن يكون في المسجدِ جماعتان دائماً، الجماعة الأُولى والجماعةُ الثانيةُ، فهذا لا شَكَّ أنَّه مكروهٌ إنْ لم نقل: إنه محرَّمٌ؛ لأنَّه بدعةٌ؛ لم يكن معروفاً في عهدِ النَّبيِّ ﷺ وأصحابه.
ومِن ذلك ما كان معروفاً في المسجدِ الحرامِ سابقاً قبل أن تتولَّى الحكومةُ السعوديةُ عليه، كان فيه أربعُ جماعاتٍ، كلُّ جماعة لها إمامٌ: إمامُ الحنابلةِ يصلِّي بالحنابلة، وإمامُ الشافعيةِ يصلِّي بالشافعيةِ، وإمامُ المالكيةِ يصلِّي بالمالكيةِ، وإمامُ الأحنافِ يصلِّي بالأحنافِ.
ويسمُّونه: هذا مقامُ الشَّافعي، وهذا مقامُ المالكي، وهذا مقامُ الحنفي، وهذا مقامُ الحنبلي، لكن الملك عبد العزيز جزاه اللهُ خيراً لمَّا دخل مكَّة، قال: هذا تفريقٌ للأمَّةِ، أي: أنَّ الأمةَ الإسلاميةَ متفرِّقة في مسجدٍ واحدٍ، وهذا لا يجوز، فجمعهم على إمامٍ واحدٍ، وهذه مِن مناقبه وفضائله رحمه الله تعالى.
فهذا الذي أشار إليه أحدُ المحاذير، وهو تفريقُ الأمة.
وأيضاً: أنه دعوةٌ للكسلِ؛ لأنَّ الناسَ يقولون: ما دامَ فيه جماعةٌ ثانية ننتظر حتى تأتي الجماعةُ الثانيةُ، فيتوانى النَّاسُ عن حضور الجماعةِ مع الإمامِ الرَّاتبِ الأولِ.
وأما الصُّورة الثانيةُ، أن يكونَ عارضاً، أي: أنَّ الإمامَ الرَّاتبَ هو الذي يصلِّي بجماعةِ المسجدِ، لكن أحياناً يتخلَّفُ رَجُلان أو ثلاثةٌ أو أكثرُ لعذرٍ، فهذا هو محلُّ الخِلافِ.
فمِن العلماءِ مَن قال: لا تعادُ الجماعةُ، بل يصلُّون فُرادى.
ومِنهم مَن قال: بل تُعادُ، وهذا القول هو الصَّحيحُ، وهو مذهبُ الحنابلةِ،
ودليل ذلك:
أولاً: حديث أُبيّ بن كعب أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «صلاةُ الرَّجُلِ مع الرَّجُلِ أزكى مِن صلاتِهِ وحدَهُ، وصلاتُه مع الرَّجُلين أزكى مِن صلاتِهِ مع الرَّجُلِ، وما كان أكثرُ فهو أحبُّ إلى اللهِ»، وهذا نصٌّ صريحٌ بأنَّ صلاةَ الرَّجُلِ مع الرَّجُلِ أفضلُ مِن صلاتِهِ وحدَه،
ولو قلنا: لا تُقامُ الجماعةُ لزم أَنْ نجعلَ المفضولَ فاضلاً، وهذا خِلافُ النَّصِّ.
ثانياً: أن الرسولَ ﷺ كان جالساً ذاتَ يومٍ مع أصحابه، فَدَخَلَ رَجُلٌ بعدَ أن انتهتِ الصَّلاةُ، فقال:«مَنْ يَتصدَّقُ على هذا فَيصلِّيَ معه؟»، فقامَ أَحَدُ القومِ فَصلَّى مع الرَّجُلِ . وهذا نَصٌّ صريحٌ في إعادةِ الجماعةِ بعدَ الجماعةِ الراتبةِ حيث نَدَبَ النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام مَن يصلّي مع هذا الرَّجُلِ، وقولُ مَن قال: إنَّ هذه صدقةٌ،
وإذا صَلَّى اثنان في المسجدِ وقد فاتتهما الصَّلاةُ فصلاةُ كلِّ واحدٍ منهما واجبٌة؟ فيقال: إذا كان يُؤمرُ بالصَّدقةِ، ويُؤمرُ مَن كان صَلَّى أنْ يصلِّيَ مع هذا الرَّجُلِ، فكيف لا يُؤمرُ مَن لم يُصلِّ أنْ يُصلِّيَ مع هذا الرَّجُلِ؟ «في غير مسجدي مكة والمدينة» أي: في غيرِ المسجدِ الحرامِ ومسجدِ النَّبيِّ ﷺ فَتُكرَهُ إعادةُ الجماعةِ فيهما، قالوا: لئلا يتوانى الناسُ عن حضورِ الصَّلاةِ مع الإمامِ الراتبِ.
ولكن هذا التعليل لو أخذنا به لا انطبقَ على المسجدين وغيرِهما، وهذا هو القولُ الأولُ في هذه المسألةِ.
القول الثاني: أن إعادةَ الجماعةِ لا تُكره في المسجدين،
وأنَّ المسجدَ الحرامَ والمسجدَ النبويَّ كغيرِهما في حُكمِ إعادةِ الجماعةِ، وعلى هذا؛
فإذا دخلتَ المسجدَ الحرامَ، وقد فاتتكَ الصَّلاةُ مع الإمامِ الرَّاتبِ أنت وصاحبُك، فصلِّيا جماعةً ولا حرجَ، هذا هو الصَّحيح إذا لم يكن عادة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.