وتجنب حائض وجنب له
Its commentaries
(وَ) نُدِبَ (تَجَنُّبُ حَائِضٍ) وَنُفَسَاءَ (وَجُنُبٍ لَهُ) لِأَجْلِ الْمَلَائِكَةِ
وَكَذَا كَلْبٌ وَتِمْثَالٌ وَآلَةُ لَهْوٍ وَكُلُّ شَيْءٍ تَكْرَهُهُ الْمَلَائِكَةُ وَنُدِبَ حُضُورُ طِيبٍ وَأَحْسَنِ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَكَثْرَةُ الدُّعَاءِ لَهُ وَلِلْحَاضِرِينَ إذْ هُوَ مِنْ مَوَاطِنِ الْإِجَابَةِ وَعَدَمُ بُكَا وَكَوْنُهُ طَاهِرًا وَمَا عَلَيْهِ طَاهِرًا
(قَوْلُهُ لِأَجْلِ الْمَلَائِكَةِ) أَيْ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِدَفْعِ الْتِفَاتَاتٍ
(قَوْلُهُ وَنُدِبَ حُضُورُ طِيبٍ) أَيْ عِنْدَهُ كَأَنْ يُطْلَقَ بَخُورٌ عِنْدَهُ مَثَلًا أَوْ يُرَشَّ بِمَاءِ وَرْدٍ
(قَوْلُهُ وَأَحْسَنِ أَهْلِهِ) أَيْ خَلْقًا وَخُلُقًا وَلَا يَنْبَغِي حُضُورُ الْوَارِثِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ابْنًا أَوْ زَوْجَةً أَوْ نَحْوَهُمَا
(قَوْلُهُ وَكَثْرَةُ الدُّعَاءِ لَهُ) أَيْ بِتَسْهِيلِ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ
(قَوْلُهُ إذْ هُوَ مِنْ مَوَاطِنِ الْإِجَابَةِ) أَيْ لِتَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الدُّعَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ
(قَوْلُهُ وَعَدَمُ بُكَا) بِالْقَصْرِ وَهُوَ مُجَرَّدُ إرْسَالِ الدُّمُوعِ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ وَالْمُرَادُ عَدَمُ بُكَا عِنْدَهُ لَا فِي الْبَيْتِ وَإِنَّمَا نُدِبَ عَدَمُ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّصَبُّرَ أَجْمَلُ
وَأَمَّا الْبُكَاءُ بِالْمَدِّ فَهُوَ الْعَوِيلُ وَالصُّرَاخُ وَهُوَ حَرَامٌ فَعَدَمُهُ وَاجِبٌ مُطْلَقًا عِنْدَهُ أَوْ خَارِجَ الْبَيْتِ
ص (وَتَجَنُّبُ حَائِضٍ وَجُنُبٍ لَهُ)
ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ: لَا بَأْسَ أَنْ تُغْمِضَهُ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَحْضُرَ الْحَائِضُ وَلَا الْكَافِرَةُ قَالَ وَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ وَقُرْبَهُ غَيْرُ طَاهِرٍ انْتَهَى.
وَكَذَا لَا يَحْضُرُهُ صَبِيٌّ يَعْبَثُ وَلَا يَكُفُّ إذَا نُهِيَ قَالَهُ فِي الْمَدْخَلِ وَقَالَ أَيْضًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا وَمَا عَلَيْهِ طَاهِرٌ
وَكَذَلِكَ مَنْ حَضَرَهُ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ طِيبٌ وَأَنْ يَحْضُرَهُ أَحْسَنُ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ سَمْتًا وَخُلُقًا وَخَلْقًا وَدِينًا فَلْيُلَقِّنْهُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ بِرِفْقٍ وَأَنْ يُكْثِرَ مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ وَلِلْحَاضِرِينَ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ وَهُوَ مِنْ الْمَوَاطِنِ الَّتِي يُرْجَى فِيهَا قَبُولُ الدُّعَاءِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُتْرَكَ أَحَدٌ يَبْكِي حَوْلَهُ بِرَفْعِ صَوْتٍ وَمَنْ كَانَ بَاكِيًا فَلْيَبْكِ بِمَوْضِعٍ لَا يَسْمَعُهُ فِيهِ الْمُحْتَضَرُ فَإِنْ وَقَعَ الْأَمْرُ بِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ وَيَقُولَ إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ اُؤْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَبْدَلَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا أَيْ مِنْ الْمُصِيبَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ بَعِيدَاتٍ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ وَيَنْبَغِي لِمَنْ حَضَرَ مِنْ الرِّجَالِ أَنْ لَا يُظْهِرَ الْجَزَعَ
(وَتَجَنُّبُ حَائِضٍ) ابْنُ حَبِيبٍ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَجْلِسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ إذَا اُحْتُضِرَ إلَّا أَفْضَلَ أَهْلِهِ وَأَحْسَنَهُمْ هَدْيًا وَكَلَامًا وَأَنْ يُكْثِرُوا لَهُ مِنْ الدُّعَاءِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَحْضُرُونَهُ وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَاءِ الدَّاعِينَ، وَأَكْرَهُ أَنْ تَحْضُرَهُ حَائِضٌ أَوْ كَافِرٌ أَوْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَوْ قُرْبَهُ ثَوْبٌ غَيْرَ طَاهِرٍ. (أَوْ جُنُبٍ) اللَّخْمِيِّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ الْقُرْآنُ وَيَكُونَ عِنْدَهُ طِيبٌ وَيُجَنَّبُهُ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ. الْمَازِرِيُّ: لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ أَوْ حَائِضٌ
Adds nothing on this mas’ala.
(ص) وَتَجَنُّبُ حَائِضٍ وَجُنُبٍ لَهُ (ش) أَيْ: وَنُدِبَ تَجَنُّبُ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَالْكَلْبِ وَالتِّمْثَالِ وَكُلِّ شَيْءٍ تَكْرَهُهُ الْمَلَائِكَةُ وَالصَّبِيِّ الَّذِي يَعْبَثُ وَلَا يَكْفِ إذًا نَهْيٌ، لِلْمَيِّتِ.
وَيُنْدَبُ كَوْنُهُ طَاهِرًا وَمَا عَلَيْهِ طَاهِرٌ،
وَأَنْ يُحْضَرَ عِنْدَهُ طِيبٌ، وَحُضُورُ أَحْسَنِ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ سَمْتًا وَخُلُقًا وَدِينًا ، وَتَلْقِينُهُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ بِرِفْقٍ، وَكَثْرَةُ الدُّعَاءِ لَهُ وَلِلْحَاضِرِينَ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ وَهُوَ مِنْ مَوَاطِنِ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ،
وَأَنْ لَا يُتْرَكَ مَنْ يَبْكِي بِرَفْعِ صَوْتٍ، وَقَوْلُ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا، وَإِبْعَادُ النِّسَاءِ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ، وَإِظْهَارُ التَّجَلُّدِ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ الرِّجَالِ.
(قَوْلُهُ الْحَائِضِ) وَمِثْلُهُ النُّفَسَاءُ.
(قَوْلُهُ وَالْكَلْبِ) غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ أَوْ مُطْلَقًا عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ لِلْمَيِّتِ) كَذَا فِي نُسْخَتِهِ مُلْحَقَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِ (تَجَنُّبُ) أَيْ: تَجَنُّبُهَا لِلْمَيِّتِ لَا الْبَيْتِ وَهُوَ مُرْتَبِطٌ بِالصَّبِيِّ وَمَا أَشْبَهَهُ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ وَلَيْسَ رَاجِعًا لِمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَجَنُّبِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ لَهُ، أَنْ لَا يَكُونَا فِي الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ فِيهِ
وَكَذَا يُقَالُ فِي تَجَنُّبِ الْكَلْبِ وَالتِّمْثَالِ،
وَأَمَّا الثَّوْبُ النَّجِسُ وَالصَّبِيُّ الَّذِي يَعْبَثُ وَلَا يَكُفُّ إذَا نُهِيَ فَالْمُرَادُ بِتَجَنُّبِهِمَا بُعْدُهُمَا عَنْهُ
وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا أَشْبَهَهُمَا.
(قَوْلُهُ كَوْنُهُ طَاهِرًا) أَيْ: مِنْ الْخَبَثِ.
(قَوْلُهُ سَمْتًا) أَيْ: هَيْئَةً
(قَوْلُهُ وَخُلُقًا) كَذَا فِي نُسْخَتِهِ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ وَبَعْدُ هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِفَتْحِ الْخَاءِ وَضَمِّهَا،
وَفِي ك تَكْرَارُهَا فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالْآخَرُ بِضَمِّهَا وَكَأَنَّ السَّمْتَ يَرْجِعُ لِسُكُونِ الْجَوَارِحِ وَالرَّزَانَةِ فَيَكُونُ مُغَايِرًا لِلْخُلُقِ بِالْوَجْهَيْنِ.
(قَوْلُهُ وَأَنْ لَا يُتْرَكَ مَنْ يَبْكِي) أَيْ: يُبْعِدَهُمَا عَنْهُ لَا عَنْ الْبَيْتِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ عِبَارَةِ ك.
(قَوْلُهُ بِرَفْعِ صَوْتٍ) أَيْ: وَأَمَّا إذَا كَانَ يَبْكِي لَا بِرَفْعِ صَوْتٍ فَإِنَّهُ لَا يُبْعَدُ.
(قَوْلُهُ اللَّهُمَّ أَجِرْنِي. . . إلَخْ)
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ مِنْ بَابَيْ ضَرَبَ وَقَتَلَ، وَآجَرَهُ بِالْمَدِّ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ إذَا أَثَابَهُ.
(قَوْلُهُ وَأَعْقِبْنِي) مِنْ أَعْقَبَ فَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ
(وَ) نُدِبَ (تَجَنُّبُ حَائِضٌ) وَنُفَسَاءَ (وَ) شَخْصٍ (جُنُبٍ) بِجِمَاعٍ أَوْ إخْرَاجِ مَنِيٍّ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ أَوْ احْتِلَامٍ (لَهُ) أَيْ الْمُحْتَضَرِ،
وَكَذَا سَائِرُ مَا تَكْرَهُهُ الْمَلَائِكَةُ كَكَلْبٍ وَتِمْثَالٍ وَآلَةِ لَهْوٍ فَلَا يُتْرَكُ شَيْءٌ مِنْهَا فِي الْمَحَلِّ الَّذِي فِيهِ،
وَيُنْدَبُ تَبْخِيرُهُ بِمَا لَهُ رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ كَالْعُودِ وَرَشُّهُ بِنَحْوِ مَاءِ وَرْدٍ لِلْمَلَائِكَةِ الْحَاضِرِينَ لِلْقَبْضِ، وَطَرْدِ الشَّيَاطِينِ الْفَائِتِينَ وَحُضُورُ أَحَبِّ أَهْلِهِ إلَيْهِ، وَكَثْرَةُ الدُّعَاءِ لَهُ وَلِلْحَاضِرِينَ لِرَجَاءِ إجَابَتِهِ بِتَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ الْحَاضِرِينَ، وَإِبْعَادُ مَنْ لَا صَبْرَ لَهُ، وَطَهَارَتُهُ وَطَهَارَةُ كُلِّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ وَتَرْكُ الْبُكَاءِ بِمُجَرَّدِ إسَالَةِ الدُّمُوعِ.
وتجنب حائض؛ يعني أنه يندب تجنب الحائض له إذا احتضر كما نص عليه غير واحد؛ أي بعدها عن البيت الذي هو فيه. ابن حبيب: يستحب أن لا تحضر الحائض ولا الكافرة. وجنب؛ يعني أنه يندب تجنب أي بعد الجنب أيضًا عن البيت الذي هو فيه، فقوله: له، متعلق بقوله: "تجنب" ، فهو راجع للحائض والجنب، وقد مر أن الضمير في قوله: "ظنه" ، عائد على الميت،
وكذا ما بعده، أما بعد الموت فظاهر،
وأما قبله فباعتبار المئال. والعلة في طلب تجنب الحائض والجنب له أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب أو حائض، قال الشيخ عبد الباقي: والظاهر أن النفساء كالحائض،
وكذا يندب أن يجنب البيت كلباً غير مأذون في اتخاذه، أو مطلقاً على الخلاف في ذلك، وتمثالا وآلة لهو، وكل شيء تكرهه الملائكة،
وكذا يندب تجنب نجس له أي بعده عنه فقط لا عن البيت،
وكذا تجنب صبي يعبث ولا يكف إذا نهي، وكونه طاهرا وما عليه طاهرا، وحضور طيب عنده، وأحسن أهله وأصحابه سمتا وخَلْقا وخُلُقا ودينا.
ابن حبيب: ويستحب أن لا يجلس عنده إلا أفضل أهله وأحسنهم فعلاً وقولا،
وقال الشيخ الأمير عاطفا على الندب: وبعد من لا يصبر، والنساء، وجنب، وتمثال، وكل ما تكرهه الملائكة من كلب ورائحة خبيثة. انتهى. وندب كثرة الدعاء له وللحاضرين؛ لأن الملائكة يحضرون ويؤمنون؟؛ وهو من مواطن الإجابة،
وأن لا يُبْكَى أو يسترجع عنده بحيث يعلم به،
فمن كان باكياً فليبك بموضع لا يسمعه.
وقوله: "وتجنب حائض وجنب له" ، هو كقول الرسالة: ويستحب أن لا تقربه حائض ولا جنب.
وفي المختصر: لا بأس أن تغمضه الحائض أو الجنب.
وفي الخرشي: المراد بتجنب الحائض والجنب له أن لا يكونا في البيت الذي هو فيه،
وكذا يقال في تجنب الكلب والتمثال له،
وأما الثوب النجس والصبي الذي يعبث ولا يكف إذا نهي، فالمراد بتجنبهما: بعدهما عنه،
وكذا يقال فيما أشبههما. انتهى.
ويندب أيضًا قول: (إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اجرني في مصيبتي وأعقبني خيرا منها (١) )، لخبر: من قال ذلك أبدله الله خيرا منها،
وفي الحديث: (من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه، وجعل له خلفًا صالحا يرضاه (٢) )، نقله الشيخ إبراهيم.
ويندب أيضًا إبعاد النساء لقلة صبرهن. وإظهار التجلد لمن حضر من الرجال،
وفي كتاب الشيخ الأمير: أنه تندب طهارة ملابسه كفراشه وحضور الصالحين. انتهى.
وفي الحطاب: ينبغي أن لا يترك أحد يبكي حوله برفع صوت، وينبغي لمن حضر من الرجال أن لا يظهر الجزع. انتهى. تنبيهات: الأول: روى ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (تحضر الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا: اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان، فلا يزال يقال له ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيفتح لها، فيقال: من هذا؟
فيقولون: فلان بن فلان، فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان، ورب راض غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة،
وإذا كان رجل سوء، قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال، فلان، فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنها لا تفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر (١) ). وهذا حديث صحيح، قاله الثعالبي.
وروى ابن ماجه عن البراء رضي الله عنه، قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فجلس على شفير قبر، فبكى وأبكى حتى بل الثرا، ثم قال: يا إخواني لمثل هذا فأعدوا (٢) ). ولله در القائل: لاه بدنياه والأيام تنعاه … والقبر غايته واللحد مأواه يلهو
فلو كان يدري ما أعد له … إذا لأحزنه ما كان ألهاه وما جنت يده لوقد تعرفه … ويلاه مما جنت يداه ويلاه الثاني: روى مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري أيوما أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً؟ الشك من الراوي، قال: فيبعث الله عيسى ابن مريم عليه السلام كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله عز وجل ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه، قال: فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستحيون؟
فيقولون ما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا، قال: فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصغي ويصعق الناس، ثم يرسل الله، أو قال: ينزل مطرا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (١) ). قوله: أصغى؛ أي أمال، ليتا؛ يعني صفحة العنق؛ يلوط: يطين ويصلح. القرطبي: وقد جاء أن بين النفختين أربعين عاماً،
وفي صحيح مسلم: (ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدًا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة (٢) ). قال عبد الحق: فبينما روحك مع الأرواح إذ أمر الله عز وجل بها أن تجمع فتقبل أرواح المؤمنين تتلألأ نورا وأرواح الكافرين تسود ظلمة فيقبضها جميعًا فيجعلها في الصور، ثم ينفخ إسرافيل فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، وعجب الذنب، قيل: يا رسول الله وما هو؟
قال: (مثل حبة خردل منه تنبتون (٣) )، قيل: وهو آخر فقرات الظهر، والصور: قرن من نور،
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: والذي نفسي بيده إن عظم دارة فيه لكعرض السماء والأرض، قال العلماء: والنفخة الأولى للفناء؛ وهي نفخة الصعق،
ويكون معها نقر لقوله تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} ؛ أي في الصور لتكون الصيحة أعظم، والنفخة الثانية للبعث من غير نقر؛ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها، لا تنفيرها من أجسادها،
وفي حديث علي بن معبد الطويل عن أبي هريرة: (فينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين (١) )؛ يعني نفخة البعث. الثالث: أعلم أن الناس يبعثون على ما ماتوا عليه، روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يبعث كل عبد على ما مات عليه (٢) )، وروى البخاري عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إذا أراد الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم يبعثون على نياتهم (٣) )، وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر، أنه قال: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: يا عبد الله إن قتلت صابرا محتسبا بعثت صابرا محتسبا،
وإن قتلت مرائيا مكاثرا بعثت مكاثرا، على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله بتلك الحال ). نقله الثعالبي. قال: والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. الرابع: قال الغزالي: إن المعاني في الآخرة تستتبع الصور ولا تتبعها. انتهى. فلكل صاحب ذنب علامة يعرف بها، فالغادر ينصب له لواء عند استه يوم القيامة يشتهر بها على جميع العوالم هناك، وشاهد الزور يبعث مدلعا لسانه بالنار، وآكل الرِّبا يتخبط مثل صاحب الجنون في الدنيا، والذي يطلب وليس بذي حاجة ليس في وجهه مزعة لحم، والنائحة لها سربالان سربال من جرب والثاني من قطران، وحابس الزكاة إن كانت إبلا بطح لها بقاع قرقر فجاءت أوفر ما كانت تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها وإن كانت غنماً مثل ذلك، إلا أنه قال: تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها،
وإن كان ماله ذهباً أو فضة مثل له شجاع أقرع، والمتكبرون يبعثون مثل الذر، وآكل أموال اليتامى ألسنة النار تخرج من منافس جسده، وشارب الخمر الكوز معلق في عنقه، والكذاب يشق شدقه، قال تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} ، أعاذنا الله من الذنوب والفضيحة،
ولو لم يكن فيها إلا هذا المقدار لكان كافياً في الردع والازدجار.
وكذلك يعرف أهل الخير والطاعة بسيماهم، كالشهيد يبعث وكلمه يدمى؛ اللون لون دم، والريح ريم مسك، وكالمحرم يبعث ملبياً،
وفي رواية ملبدا، ومن هذا المعنى أن هذه الأمة يبعثون غرا محجلين من أثر الوضوء يعرفهم من رآهم أنهم من أمة النبي صلى الله عليه وسلم. وأعلم أن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد طيب ريحك وأحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا اركبني اليوم، قال تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا،} وأن الكافر يستقبله في أقبح صورة وأنتن ريح، فيقول: هل تعرفني؟
فيقول لا إلا أن الله تعالى قبح صورتك، ونتَّن ريحك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا عملك السيء، طالما ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك، قال تعالى: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} . الخامس: قال الله سبحانه: {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} ؛ يعني أنه ينادي على صخرة بيت المقدس؛ وهي أقرب موضع من الأرض إلى السماء، يقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
واعلم أن الحشر على أربعة أوجه: اثنان في الدنيا، واثنان في الآخرة،
أما الأول من الذيْنِ في الدنيا فهو المشار إليه في الدنيا بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} ، كان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام. قاله الزهري وغيره.
والثاني منهما: ما رواه مسلم والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يحشر الناس على ثلاثة طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا (١) ؛ وهذا الحشر في الدنيا وهو آخر أشراط الساعة كما في الحديث، (وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن تطرد الناس )،
وفي حديث آخر: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز (٢) ).
وأما اللذان في الآخرة، فأولهما حشرهم إلى الموقف كما قال تعالى: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا، والثاني منهما: حشرهم إلى الجنة والنار، قال تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} ، والوفد ركبان النجب، وقيل على الأعمال -كما مر- ومعنى وردا عطاش، ويساقون كما تساق الإبل وغيرها من الأنعام تسوقهم الملائكة بسياط النار إلى النار نجانا الله من عذابه. السادس: روى القرطبي عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (تحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا قد ميزهم الله من جماعات المسلمين وبدل صورهم، فمنهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسين أرجلهم فوق رؤوسهم ويسحبون على وجوههم، وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبين على جذوع من النار، وبعضهم أشد نتنا من الجيفة، وبعضهم يلبس جلابيب سابغة من قطران، فأمَّا الذين على صورة القرد فالقتات من الناس؛ يعني النمام، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت والحرام والمكس، وأما المنكسون رؤوسهم ووجوههم فأكلة الرِّبا، وأما العمي فمن يجور في الحكم، والصم البكم هم الذين يعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم فعلهم، والمقطعة أيديهم وأرجلهم فالذين يؤذون الجيران، والمصلبون على جذوع من النار فالسعاة بالنَّاس إلى السلطان، والذين أشد نتنا من الجيفة الذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله من أموالهم، والذين يلبسون الجلابيب فأهل الكبر والفخر والخيلاء (٣) )، وسيأتي ذكر شيء من هذا المعنى آخر الفصل إن شاء الله تعالى. يا أخي تفكر فيما تصير إليه واستعد له، فالموت أمر كُبارٌ؛ قد أنجد وأغار، وكأس يدار، فيمن أقام وسار، وباب تسوق إليه يد الأقدار. قاله الثعالبي.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.