وَإِنْ أَفْطَرُوا فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ
Its commentaries
(وَإِنْ أَفْطَرُوا) أَيْ الْعَدْلُ وَالْمَرْجُوُّ وَغَيْرُهُمَا الْمُنْفَرِدُونَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بِلَا رَفْعٍ لِلْحَاكِمِ (فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ) لَازِمَانِ لِكُلٍّ لِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ بِلَا نِزَاعٍ
Adds nothing on this mas’ala.
Says nothing on this mas’ala.
ص (وَإِنْ أَفْطَرُوا فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إلَّا بِتَأْوِيلٍ فَتَأْوِيلَانِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ مَرْجُوًّا أَوْ نَحْوَهُمَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَإِنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا أَوْ مُنْتَهِكًا لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَإِنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ بِرُؤْيَتِهِ مُنْفَرِدًا فَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ تَأْوِيلَانِ وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَلِذَلِكَ جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا ذَكَرَ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَإِنْ صَامَ هَذَا الرَّائِي وَحْدَهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ لَمْ يَرَ أَحَدٌ الْهِلَالَ، وَالسَّمَاءَ مُصْحِيَةٌ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ الْمَوَّازِ: هَذَا مُحَالٌ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَلِطَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ فِي ذَلِكَ عَلَى اعْتِقَادِهِ الْأَوَّلِ وَيَكْتُمَ أَمْرَهُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَالْقَوْلُ الثَّانِي بِعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ يَكْذِبَانِ، فَكَيْفَ بِالْمُنْفَرِدِ؟! وَالْعَجَبُ مِنِ اقْتِصَارِ صَاحِبِ الشَّامِلِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْمٌ يَعْمَلُ عَلَى رُؤْيَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص:(لَا بِمُنَجِّمٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْهِلَالَ لَا يُثْبِتُ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِ: إِنَّهُ يَرَى، بَلْ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَصُومَ بِقَوْلِهِ، بَلْ وَلَا يَجُوزَ لَهُ هُوَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا سَيَأْتِي عَنِ الْمُقَدِّمَاتِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَارِفُ بِهِ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ الشَّافِعِيِّ فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ وَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ، عَنْ مَالِكٍ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَى الْحِسَابِ أَنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِهِ وَلَا يُتَّبَعُ، انْتَهَى.
تَنْبِيهَاتٌ:
الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنَجِّمِ بِالْحِسَابِ الَّذِي يَحْسُبُ قَوْسَ الْهِلَالِ وَنُورَهُ، وَرَأَيْتُ فِي كَلَامِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُنَجِّمَ الَّذِي يَرَى أَنَّ أَوَّلَ الشَّهْرِ طُلُوعُ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ، وَالْحَاسِبَ الَّذِي يَحْسُبُ سَيْرَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ،
وَإِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِقَوْلِ الْحَاسِبِ فَمِنْ بَابِ أَحْرَى أَنْ لَا يَعْمَلَ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِ.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ اتِّفَاقًا،
وَإِنْ رَكَنَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ: وَإِنْ رَكَنَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ، يُشِيرُ بِهِ إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ابْنِ بَزِيزَةَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ فِي الْمَذْهَبِ، رَوَاهَا بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَحِسَابُ الْمُنَجِّمِينَ؛ لِقَوْلِ ابْنِ بَشِيرٍ: رُكُونُ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ لَهُ بَاطِلٌ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْتُ: لَا أَعْرِفُهُ لِمَالِكِيٍّ، بَلْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كُنْتُ أُنْكِرُ عَلَى الْبَاجِيِّ نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ لِتَصْرِيحِ أَئِمَّتِهِمْ بِلَغْوِهِ، حَتَّى رَأَيْتُهُ لِابْنِ سُرَيْجٍ، وَقَالَهُ بَعْضُ التَّابِعِينَ، انْتَهَى.
وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ عَلَى ابْنِ سُرَيْجٍ، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ وَأَطَالَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ: أَنَّ ابْنَ الشِّخِّيرِ يَقُولُ: يُعْتَمَدُ عَلَى حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: إِنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ فِي خَاصَّتِهِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي وَالْمِائَةِ بَيْنِ قَاعِدَةِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ: يَجُوزُ إِثْبَاتُهَا بِالْحِسَابِ وَالْآلَاتِ وَكُلِّ مَا دَلَّ عَلَيْهَا، وَقَاعِدَةِ رُؤْيَةِ الْأَهِلَّةِ فِي الرَّمَضَانَاتِ لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهَا بِالْحِسَابِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ عِنْدِنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ،
وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْحِسَابِ، قَالَ سَنَدٌ: إِنْ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى الْحِسَابَ فَأَثْبَتَ الْهِلَالَ بِهِ لَمْ يُتَّبَعْ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِهِ، مَعَ أَنَّ حِسَابَ الْأَهِلَّةِ وَالْخُسُوفَ وَالْكُسُوفَ قَطْعِيٌّ،
فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَجْرَى عَادَتَهُ بِأَنَّ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ وَانْتِقَالَاتِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ طُولَ الدَّهْرِ،
وَكَذَلِكَ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ، وَالْعَوَائِدُ إِذَا اسْتَمَرَّتْ أَفَادَتِ الْقَطْعَ، كَمَا إِذَا رَأَيْنَا شَيْخًا نَجْزِمُ بِأَنَّهُ لَمْ يُولَدْ كَذَلِكَ، بَلْ طِفْلًا لِلْعَادَةِ. وَإِلَّا فَالْعَقْلُ يُجَوِّزُ وِلَادَتَهُ كَذَلِكَ. فَالْقَطْعُ الْحَاصِلُ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْعَادَةِ،
وَإِذَا حَصَلَ الْقَطْعُ بِالْحِسَابِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ. وَالْفَرْقُ هَاهُنَا وَهُوَ عُمْدَةُ الْخَلْفِ وَالسَّلَفِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَصَبَ زَوَالَ الشَّمْسِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظَّهْرِ،
وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأَوْقَاتِ، فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا بِأَيِّ طَرِيقٍ لَزِمَهُ حُكْمُهُ، فَلِذَلِكَ اعْتُبِرَ الْحِسَابُ الْمُفِيدُ الْقَطْعَ،
وَأَمَّا الْأَهِلَّةُ فَلَمْ يَنْصِبْ خُرُوجَهَا مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ سَبَبًا لِلصَّوْمِ، بَلْ نَصَبَ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ خَارِجًا عَنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ هُوَ السَّبَبُ،
فَإِذَا لَمْ تَحْصُلِ الرُّؤْيَةُ لَمْ يَحْصُلِ السَّبَبُ الشَّرْعِيُّ وَلَا يَثْبُتِ الْحَكَمُ، وَيَدُلْ لِذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صُومُوا لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَلَمْ يَقِلْ: لِخُرُوجِهِ عَنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ،
قَالَ فِي الصَّلَاةِ:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} أَيْ مَيْلِهَا، انْتَهَى أَكْثَرُهُ بِلَفْظِهِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْقَوْلِ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ، كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ وَغَيْرُهُ، وَمَا فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَرُؤْيَةِ الْأَهِلَّةِ حَسَنٌ، وَقَدْ قَبِلَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ نَحْوُ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ،
وَقَالَ أَهْلُ الْحِسَابِ: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ قَطْعًا - فَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِ أَهَّلِ الْحِسَابِ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّهُ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْحِسَابَ أَمْرٌ قَطْعِيٌّ وَالشَّهَادَةُ ظَنِّيَّةٌ، وَالظَّنُّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعَ. وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: ذَكَرَ ابْنُ نَاجِيٍّ فِي شَرَحِ الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ ابْنَ هَارُونَ اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ بِأَنَّ مُطَرِّفًا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ، وَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ مُطَرِّفًا الْمَذْكُورَ لَيْسَ هُوَ مُطَرِّفًا الْمَالِكِيَّ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، انْتَهَى.
الْخَامِسُ: يُكْرَهُ الِاشْتِغَالُ بِمَا يُؤَدِّي إِلَى مَعْرِفَةِ نَاقِصِ الشُّهُورِ وَكَامِلِهَا. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالنُّجُومِ فِيمَا يُعْرَفُ بِهِ سَمْتُ الْقِبْلَةِ وَأَجْزَاءُ اللَّيْلِ جَائِزٌ بَلْ مُسْتَحَبٌّ -:
وَأَمَّا النَّظَرُ فِي أَمْرِهَا فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ نُقْصَانِ الشُّهُورِ مِنْ كَمَالِهَا دُونَ رُؤْيَةِ أَهِلَّتِهَا فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يَعْنِي، إِذْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُعَوِّلَ فِي صَوْمِهِ وَفِطْرِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَيَسْتَغْنِي عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْأَهِلَّةِ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ إِذَا أُغْمِيَ الْهِلَالُ، هَلْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشَّخِّيرِ: إِنَّهُ يَعْمَلُ فِي خَاصَّتِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ، وَالْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِهِ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ،
وَكَذَلِكَ مَا يُعْلَمُ بِهِ الْكُسُوفَاتُ لِأَنَّهُ لَا يَعْنِي.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ؛ وَلِأَنَّهُ يُوهِمُ الْعَوَامَّ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَيَزْجُرُ عَنْ ذَلِكَ وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
(قُلْتُ) : وَلَا يَحْرِمُ الِاشْتِغَالُ؛ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ الْحِسَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسُ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ إِثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَاقْدُرُوا لَهُ» فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي:«فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ» مُفَسِّرٌ لَهُ، وَذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّهُ نَاسِخٌ لَهُ، وَإِلَى أَنَّ مَعْنَى التَّقْدِيرِ كَانَ قَبْلَ النَّسْخِ: بِأَنْ يَنْظُرَ إِذَا غُمَّ الْهِلَالُ لَيْلَةَ الشَّكِّ إِلَى سُقُوطِ الْقَمَرِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ،
فَإِنْ سَقَطَ لِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ - وَهِيَ سِتَّةُ أَسْبَاعِ سَاعَةٍ - عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ،
وَإِنْ غَابَ لِمَنْزِلَتَيْنِ عَلِمَ أَنَّهُ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ فَقَضَوُا الْيَوْمَ، وَهَذَا قَوْلٌ خَطَأٌ؛ إِذْ لَا يَسْقَطُ الْقَمَرُ فِي أَوَّلِ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ جَمِيعِ الشَّهْرِ - كَانَ الشَّهْرُ كَامِلًا أَوْ نَاقِصًا - لِسِتَّةِ أَسْبَاعِ سَاعَةٍ، هَذَا يُعْلَمُ يَقِينًا بِمُشَاهَدَةِ بَعْضِ الْأَهِلَّةِ أَرْفَعَ وَأَبْطَأَ مَغِيبًا مِنْ بَعْضٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ،
وَمُقْتَضَاهُ فِي أَنَّ التَّقْدِيرَ إِنَّمَا أُمِرَ بِهِ ابْتِدَاءً قَبْلَ الْفَوَاتِ لِيَصُومَ أَوْ لِيُفْطِرَ، لَا فِي الِانْتِهَاءِ بَعْدَ الْفَوَاتِ لِيَقْضِيَ أَوْ لَا يَقْضِي، وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي مَعْنَى التَّقْدِيرِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْحَدِيثِ «إِذَا غُمَّ الْهِلَالُ» : أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا قَبْلَ هَذَا الَّذِي غُمَّ الْهِلَالُ عِنْدَ آخِرِهِ مِنَ الشُّهُورِ،
فَإِنْ كَانَ تَوَالَى مِنْهَا شَهْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ كَامِلَةٌ عَمِلَ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ نَاقِصٌ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ صِيَامًا،
وَإِنْ كَانَتْ تَوَالَتْ نَاقِصَةً عَمِلَ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ كَامِلٌ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ مُفْطِرِينَ؛ إِذْ لَا تَتَمَادَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ نَاقِصَةٌ وَلَا كَامِلَةٌ عَلَى مَا عُلِمَ بِمَا أَجْرَى اللَّهُ بِهِ الْعَادَةَ، وَلَا ثَلَاثَةَ أَيْضًا نَاقِصَةً وَلَا كَامِلَةً إِلَّا فِي النَّادِرِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَوَالَ قَبْلَ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي غُمَّ الْهِلَالُ فِي آخِرِهِ شَهْرَانِ فَأَكْثَرَ كَامِلَةً وَلَا نَاقِصَةً احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّهْرُ نَاقِصًا أَوْ كَامِلًا احْتِمَالًا وَاحِدًا يُوجِبُ أَنْ يُكْمِلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، فَيَكُونُ - عَلَى هَذَا - الْحَدِيثَانِ جَمِيعًا مُسْتَعْمَلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ مَوْضِعِ صَاحِبِهِ، وَهَذَا فِي الصَّوْمِ.
وَأَمَّا فِي الْفِطْرِ إِذَا غُمَّ هِلَالُ شَوَّالٍ فَلَا يُفْطِرُ بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي يَغْلِبُ فِيهِ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ رَمَضَانَ نَاقِصٌ، انْتَهَى.
وَتَفْسِيرُ مَالِكٍ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَمَا عَدَاهُ فِيهِ مَا فِيهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ: وَالصَّوَابُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ يَكُونُ بِمَعْنَى التَّمَامِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} أَيْ تَمَامًا، انْتَهَى وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
السَّابِعُ: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ابْنُ حَبِيبٍ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمُؤَذِّنِ الْعَدْلُ الْعَارِفُ،
فَإِنْ أَكَلَ فِي أَذَانٍ سَأَلَهُ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ، وَإِلَّا قَضَى.
الْبَاجِيُّ: مَنْ يَحْضُرُ يُؤْذِّنُ مُؤَذِّنُهُ عِنْدَ الْفَجْرِ فِي وُجُوبِ كَفِّهِ بِأَذَانِهِمْ، وَهُوَ يَرَى أَنَّ الْفَجْرَ مَا طَلَعَ، وَبَعْدَ أَذَانِهِمْ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ غَرَبَتْ- رِوَايَةُ ابْنِ نَافِعٍ وَنَصَفَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيَجُوزُ لَهُ تَصْدِيقُ الْمُؤَذِّنِ الْعَدْلِ الْعَارِفِ،
فَإِنْ سَمِعَ الْأَذَانَ وَهُوَ يَأْكُلُ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِالْفَجْرِ فَلْيَكُفَّ وَلْيَسْأَلِ الْمُؤَذِّنَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَيَعْمَلَ عَلَى قَوْلِهِ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عَدْلًا وَلَا عَارِفًا فَلْيَقْضِ،
وَإِنْ كَانَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ فَلْيُقْضِ
وَيُبَاحُ لَهُ فِطْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَالتَّمَادِي،
وَإِنْ كَانَ فِي تَطَوُّعٍ أَتَمَّهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ: وَلَا عِلْمَ عِنْدِهِ بِالْفَجْرِ- يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ عَلْمٌ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ إِذَا أُمِنَ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص:(وَلَا يُفْطِرُ مُنْفَرِدٌ بِشَوَّالٍ وَلَوْ أَمِنَ الظُّهُورَ إِلَّا بِمُبِيحٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنِ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، سَوَاءٌ خَافَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ أَوْ أَمِنَ مِنَ الظُّهُورِ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَحْصُلَ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْإِفْطَارَ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سِفْرٍ أَوْ حَيْضٍ فَيَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، قَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ إِذَا كَانَ الْعُذْرُ مِمَّا يَخْفَى مَعَهُ الْفِطْرُ، وَنَصُّهُ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا أَمِنَ مِنَ الظُّهُورِ -: وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ يَخْفَى مَعَهُ الْفِطْرُ،
فَإِنْ كَانَ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَوْ كَانَ مَرَضٌ يُمْكِنُهُ مَعَهُ الصَّوْمُ بِلَا مَشَقَّةٍ فَلْيَرَ هُوَ مِنْ نَفْسِهِ الْمَشَقَّةَ وَيُفْطِرُ،
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَحْصُلُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْإِفْطَارَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ إِذَا خَافَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا،
وَأَمَّا إِذَا أَمِنَ مِنَ الظُّهُورِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا: لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا قَدْ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَذَى مَعَ تَحْصِيلِ غَرَضِ الشَّرْعِ بِالْفِطْرِ بِالنِّيَّةِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ جَائِزٌ. قَالَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، فَقَالَ: لَمْ يَجُزْ إِفْطَارُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَاعْتَرَضَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ بِقَوْلِهِ: لَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ مَسْأَلَةِ الزَّوْجَيْنِ يَشْهَدُ عَلَيْهِمَا شَاهِدَانِ بِالطَّلَاقِ ثَلَاثًا وَالزَّوْجَانِ يَعْلَمَانِ أَنَّهُمَا شَهِدَا بِزُورٍ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُصِيبَهَا خِفْيَةً، فَالْأَكْلُ مِثْلُهُ مِنْ بَابِ أُولَى؛ لِأَنَّ التَّخَفِي فِي الْأَكْلِ أَكْثَرُ مِنِ الْجِمَاعِ،
وَكَذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ يَنْقُلْهُ إِلَّا عَنِ اللَّخْمِيِّ، وَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَقِفَا عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ.
تَنْبِيهَاتٌ:
الْأَوَّلُ: هَذَا كُلُّهُ فِي الْإِفْطَارِ بِغَيْرِ النِّيَّةِ.
وَأَمَّا الْإِفْطَارُ بِالنِّيَّةِ فَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ، عَنِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَذْهَبَ وُجُوبُهُ، وَعَنِ ابْنِ حَبِيبٍ اسْتِحْبَابُهُ وَضَعَّفَهُ، وَنَصُّهُ: وَالْمُنْفَرِدُ بِشَوَّالٍ فِي اسْتِحْبَابِ فِطْرِهِ حَضَرًا بِنِيَّةٍ، وَوُجُوبُهُ نَقْلًا ابْنُ رُشْدٍ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ مُضَعِّفًا قَوْلَهُ،
وَالْمَذْهَبُ وَيَمْنَعُ بِالْأَكْلِ وَلَوْ أَمِنَ. اللَّخْمِيُّ: لَا يَمْنَعُ إِنْ أَمِنَ بِحَضَرٍ وَلَا بِسِفْرٍ مُطْلَقًا، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ،
وَنَصُّهُ: وَأَمَّا إِذَا رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ دُونَ النَّاسِ وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ إِلَّا بِاجْتِمَاعٍ مِنَ النَّاسِ، وَالْفِطْرُ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ جَائِزٌ، بَلْ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ؛ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْفِطْرِ، لَكِنَّهُ حَظَرَهُ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلتُّهْمَةِ وَالْعُقُوبَةِ، وَمِثْلُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الدَّوَاوِينِ، وَأَبَيْنُهُ سَمَاعُ أَصْبُغَ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ يَنْوِيَ الْفِطْرَ وَلَا يُظْهِرَهُ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ،
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلرِّوَايَاتِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَقِدَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَرَامٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ: وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ أَشْهَبَ: وَلْيَنْوِ الْفِطْرَ. وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْقَوْلَيْنِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلرِّوَايَاتِ، يَعْنِي لِظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ فِي قَوْلِهِمْ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الرِّوَايَاتِ مَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِمْسَاكِ بِالنِّيَّةِ، بَلْ قَالُوا: إِذَا حَصَلَ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ أَفْطَرَ بِلَا خِلَافٍ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِمْسَاكِ إِنَّمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ عِنْدَ الْغُرُوبِ فَحَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لَمْ يُنْسَبْ إِلَى الْغَلَطِ.
الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ الْبَاجِيُّ: يُفْطِرُ الْمُسَافِرُ وَحْدَهُ؛ لِاحْتِمَالِ رُؤْيَةِ غَيْرِهِ،
وَلَوْ عَلِمَ عَدَمَ رُؤْيَةِ غَيْرِهِ وَجَبَ صَوْمُهُ. ابْنُ زُرْقُونَ: هَذَا وَهْمٌ؛ لِأَنَّ لِلْمُسَافِرِ الْفِطْرَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْقَصْرَ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَعَلَّهُ تَبِعَ سَمَاعَ أَبِي زَيْدٍ: لَا يُفْطِرُ مُسَافِرٌ فِي جَمَاعَةٍ،
وَإِنْ كَانَ بِمَغَارَةٍ وَحْدَهُ أَفْطَرَ.
(قُلْتُ) : مَا ذَكَرَهُ ابْنُ زُرْقُونَ ظَاهِرٌ،
وَأَمَّا مَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى أَنَّ فِطْرَهُ لِلْعِيدِ،
وَأَمَّا إِذَا أَصْبَحَ مُفْطِرًا عَلَى أَنَّ فِطْرَهُ لِلسَّفَرِ فَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ،
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يُخْفِيهِ كَالسَّفَرِ وَنَحْوِهِ أَفْطَرَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِهِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْفِطَرِ عَلَيْهِ، وَالْمَانِعُ مِنْهُ خَشْيَةُ نِسْبَتِهِ إِلَى الْفِسْقِ،
فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ بَقِيَ الْوُجُوبُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَتَكَلَّمِ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ جِهَةِ فِطْرِهِ لِلسَّفَرِ، بَلْ تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ مَنِ انْفَرَدَ بِهِلَالِ رَمَضَانَ أَوْ شَوَّالٍ وَذَكَرَ كَلَامَهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: فُهِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ الْعُذْرُ وَجَبَ الْإِفْطَارُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
الْخَامِسُ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَإِنْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَأْكُلُ،
وَقَالَ: رَأَيْتُ الْهِلَالَ، فَقَالَ أَشْهَبُ: يُعَاقَبُ إِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ وَأَوْدَعَهُ،
وَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا لَمْ يُعَاقَبْ، وَتُقِدِّمَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَعُودَ،
فَإِنْ فَعَلَ عُوقِبَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالرِّضَا، نَقْلَهُ اللَّخْمِيُّ، انْتَهَى.
وَفِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالرِّضَا، فَلَا يُعَاقَبُ وَيُغْلَظُ عَلَيْهِ فِي الْمَوْعِظَةِ، انْتَهَى.
ص:(وَفِي تَلْفِيقِ شَاهِدٍ أَوَّلَهُ لِآخَرَ آخِرَهُ،
وَلُزُومِهِ بِحُكْمِ الْمُخَالِفِ بِشَاهِدٍ- تَرَدُّدٌ) ش: ذَكَرَ مَسْأَلَتَيْنِ تَرَدَّدَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا:
الْأُولَى: إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ فَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ الشَّهْرُ بِشَهَادَتِهِ لِانْفِرَادِهِ، وَشَهِدَ آخَرُ فِي آخِرِهِ بِرُؤْيَةِ الشَّهْرِ الَّذِي بَعْدَهُ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ تَصْدِيقَ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، فَهَلْ تُضَمُّ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ أَوْ لَا تُضَمُّ؟ وَذَلِكَ لَهُ صُورَتَانِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ الثَّانِيَ
إِمَّا أَنْ يَشْهَدَ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رُؤْيَةِ الْأَوَّلِ أَوْ بَعْدَ ثَلَاثِينَ،
فَإِنْ شَهِدَ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ رُؤْيَةِ الْأَوَّلِ فَشَهَادَتُهُ مُصَدِّقَةٌ لِشَهَادَةِ الْأَوَّلِ إِذْ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ بَعْدَ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا،
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ فَقَدِ اتَّفَقَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ فَيَلْزَمُ قَضَاؤُهُ وَلَا يُفْطِرُونَ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَوَّلِ لَا تُوجِبُ كَوْنَ هَذَا الْيَوْمِ مِنْ شَوَّالٍ؛ لِجَوَازِ كَوْنِ الشَّهْرِ كَامِلًا،
وَإِنَّ شَهِدَ الثَّانِي بَعْدَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ رُؤْيَةِ الْأَوَّلِ فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنَ الشَّهْرِ الثَّانِي فَيَجِبُ الْفِطْرُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ وَلَا يَلْزَمُ قَضَاءُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: لَا تُلَفَّقُ الشَّهَادَتَانِ بِحَالٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُلَفَّقُ الشَّهَادَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُلَفِّقُ الشَّهَادَةَ فِي الْأَفْعَالِ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُلَفَّقُ فِي الصُّورَةِ الْأَوْلَى دُونَ الثَّانِيَةِ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِعَكْسِهِ إِنَّ كَانَتْ رُؤْيَةُ الثَّانِي فِي غَيْمٍ، وَإِلَّا بَطَلَتَا.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي ضَمٍّ مُنْفَرِدٍ لِآخَرَ فِيمَا يَلِيهِ.
ثَالِثُهَا: إِنْ رَآهُ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ لِرُؤْيَةِ الْأَوَّلِ لِأَحَدٍ وَثَلَاثِينَ.
وَرَابِعُهَا: عَكْسُهُ، إِنْ كَانَتْ رُؤْيَةُ الثَّانِي فِي غَيْمٍ وَإِلَّا بَطَلَتَا، وَعَزَا الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فِي كَلَامِهِ - وَهُوَ الضَّمُّ مُطْلَقًا - لِتَخْرِيجِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى ضَمِّ الشَّهَادَتَيْنِ الْمُلَفَّقَتَيْنِ فِيمَا يُوجِبُهُ الْحَكَمُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي - وَهُوَ عَدَمُ الضَّمِّ مُطْلَقًا - لِيَحْيَى بْنِ عُمَرَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ لِنَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ لِلَّخْمِيِّ.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَنِ ابْنِ زُرْقُونَ أَنَّهُ قَالَ: وَالصَّوَابُ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ: لَا تُلَفَّقُ الشَّهَادَتَانِ بِحَالٍ،
وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَأَنَّهُمَا يَتَخَرَّجَانِ عَلَى الْقَوْلِ فِي الشَّاهِدَيْنِ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى مَا يُوجِبُهُ الْحَكَمُ وَاخْتَلَفَا فِيمَا شَهِدَا بِهِ،
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا لَا تَجُوزُ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(قُلْتُ) : إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنَّفِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ لِتَرْجِيحِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ زُرْقُونَ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا حَكَمَ الْمُخَالِفُ فِي الصَّوْمِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ كَالشَّافِعِيِّ، فَهَلْ يَلْزَمُ ذَلِكَ جَمِيعَ النَّاسِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ وَافَقَ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ، وَقَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ الْقَفَصِيُّ؟ أَوْ لَا يَلْزَمُ الْمَالِكِيَّ الصَّوْمُ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَتْوَى وَلَيْسَ بِحُكْمٍ، وَقَالَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ وَالْمِائَتَيْنِ؟
وَقَالَ سَنَدٌ: لَوْ حَكَمَ الْإِمَامُ بِالصَّوْمِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ لَمْ يَسَعِ الْعَامَّةَ مُخَالَفَتُهُ؛ لَأَنَّ حُكْمَهُ صَادَفَ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُخَالَفَ. وَفِيهِ نَظَرٌ يَرْجِعُ إِلَى تَحْقِيقِ الْحُكْمِ،
فَإِنَّ الْحَاكِمَ إِنَّمَا حَصَلَ مِنْهُ إِثْبَاتُ الشَّهَادَةِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ زَائِدٍ،
وَإِذَا قَالَ الْحَاكِمُ: شَهِدَ عِنْدِي فُلَانٌ وَحْدَهُ، وَقَدْ أَجْزْتُ شَهَادَتَهُ وَحَكَمْتُ بِالصَّوْمِ- تُنَزَّلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ فَتْوَى لَا حُكْمٍ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَمْ يَقُلِ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي هَذَا الْفَرْعِ شَيْئًا بَلْ تَرَدَّدَ فِيهِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَكَلَامُ سَنَدٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : وَانْظُرْ إِذَا قُلْنَا: يَلْزَمُ الْمَالِكِيَّ الصَّوْمُ كَمَا قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ، فَصَامَ وَأَكْمَلُوا ثَلَاثِينَ، وَلَمْ يَرَ الْهِلَالَ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ الشَّافِعِيُّ بِالْفِطْرِ عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَالِكِيِّ أَنْ يُفْطِرَ مَعَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَرَ أَحَدٌ الْهِلَالَ؟ أَوْ يُخَالِفُهُمْ فِي الْفِطْرِ وَيُصْبِحُ صَائِمًا؟
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُقَالُ - لِمَنْ قَالَ: يُصَامُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ -: أَرَأَيْتَ إِنْ أُغْمِيَ آخِرَ الشَّهْرِ كَيْفَ يَصْنَعُونَ أَيُفْطِرُونَ أَمْ يَصُومُونَ وَاحِدًا وَثَلَاثِينَ؟
فَإِنْ أَفْطَرُوا خَافُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، انْتَهَى.
وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَصُمْنَا بِحُكْمِ الْمُخَالِفِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ أَحَدَ وَثَلَاثِينَ لَمْ يَرَ النَّاسُ الْهِلَالَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، فَلَمْ يَلْتَفِتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى ذَلِكَ وَكَبَّرُوا وَصَارَ الْعَامَّةُ يَسْأَلُونَ عَنِ الْفِطْرِ مَعَ عَدَمِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَأَقُولُ لَهُمْ: قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ الْفِطْرُ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَا يَجُوزُ الْإِفْطَارُ. فَيَقُولُونَ: نَحْنُ لَا نَعْمَلُ إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، ثُمَّ لَطَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَرُؤِيَ الْهِلَالُ حِينَ حَصَلَ ابْتِدَاءُ الظَّلَامِ.
ص:(وَرُؤْيَتُهُ نَهَارًا لِلْقَابِلَةِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا رُؤِيَ الْهِلَالُ نَهَارًا فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ بِهِ لِلَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ، فَيَسْتَمِرُّ النَّاسُ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ فِطْرٍ إِنَّ وَقَعَ ذَلِكَ فِي آخِرِ شَعْبَانَ، أَوْ صَوْمٍ إِنَّ وَقَعَ فِي آخِرِ رَمَضَانَ، وَسَوَاءٌ رُؤِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ،
وَقِيلَ: إِنْ رُؤِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، فَيُمْسِكُونَ إِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ، وَيُفْطِرُونَ إِنْ وَقَعَ فِي رَمَضَانَ، وَيُصَلُّونَ الْعِيدَ. رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ،
وَقَالَ بِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ.
قَالَ: وَإِذَا رُؤِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلْآتِيَةِ، سَوَاءٌ صُلِّيْتِ الظُّهْرُ أَمْ لَمْ تُصَلَّ.
(تَنْبِيهٌ) : فَإِذَا رُؤِيَ الْهِلَالُ نَهَارًا ثُمَّ لَمْ يُرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ لِغَيْمٍ أَوْ غَيْرِهِ،
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ يَوْمِ ثَلَاثِينَ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، فَلَا يُلْتَفَتُ حِينَئِذٍ إِلَى رُؤْيَتِهِ لَيْلًا لِإِكْمَالِ الْعِدَّةِ،
وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ، فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْهِلَالَ يَثْبُتُ بِرُؤْيَتِهِ نَهَارًا، وَكَلَامُ الْقَرَافِيِّ فِي شَرَحِ الْجَلَّابِ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: كَلَامُهُمْ إِنَّمَا هُوَ إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ ثَلَاثِينَ بِدَلِيلِ اخْتِلَافِهِمْ فِي كَوْنِهِ لِلْقَابِلَةِ أَوْ لِلْمَاضِيَةِ،
وَإِذَا وَقَعَ فِي يَوْمِ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ فَلَا قَائِلَ بِأَنَّهُ لِلْمَاضِيَةِ؛ إِذْ لَا يَكُونُ الشَّهْرُ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكْفِي عَنْ رُؤْيَتِهِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِرُؤْيَتِهِ نَهَارًا. فَتَأَمَّلْهُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ لِابْنِ حَبِيبٍ: أَنَّهُ لَا يُرَى فِي يَوْمِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَنَصُّهُ: وَهُوَ يُرَى بَعْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ ثَلَاثِينَ وَيَوْمَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَا يُرَى قَبْلَ الزَّوَالِ فِي يَوْمِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لِأَنَّهُ لِلْمَاضِيَةِ، وَلَا يَكُونُ هِلَالًا قَبْلَ تَمَامِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ،
وَإِذَا رُؤِيَ بِالْعَشِيِّ يَوْمَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَإِنَّمَا أَهَلَّ سَاعَتَهُ، انْتَهَى.
وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ بِذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يُرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص:(وَإِنْ ثَبَتَ نَهَارًا أَمْسَكَ، وَإِلَّا كَفَرَ إِنِ انْتَهَكَ) ش: يَعْنِي إِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْهِلَالُ لَيْلًا وَإِنَّمَا ثَبَتَ نَهَارًا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى مَنْ أَكَلَ وَعَلَى مَنْ لَمْ يَأْكُلْ،
وَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ غَيْرَ صَحِيحٍ لِعَدَمِ النِّيَّةِ الْمُبَيَّتَةِ لِحُرْمَةِ رَمَضَانَ،
وَيَجِبُ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَإِنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ لِعَدَمِ الْجَزْمِ فَإِنْ أَكَلَ وَشَرِبَ أَوْ جَامَعَ بَعْدَ ذَلِكَ،
فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ وَانْتَهَكَ حُرْمَةَ الشَّهْرِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَحَكَى ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلًا بِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ،
وَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ. وَإِنَ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مُنْتَهِكٍ، بَلْ تَأَوَّلَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِعَدَمِ النِّيَّةِ جَازِ لَهُ الْفِطْرُ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ. فَهَذَا مِنَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ فَيُضَمُّ إِلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُ مِنَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ بَعْدَ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص:(وَإِنْ غَيَّمَتْ وَلَمْ يُرَ فَصَبِيحَةُ يَوْمِ الشَّكِّ) ش: غَيَّمَتْ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ وَلَمْ تَثْبُتْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فَصَبِيحَةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ هُوَ يَوْمُ الشَّكِّ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِهِ،
وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنِ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً فَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَوْمِ شَكٍّ،
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا أَطْبَقَ الْغَيْمُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَوْمِ شَكٍّ، وَإِنَّمَا يَوْمُ الشَّكِّ إِذَا لَمْ يُطْبِقِ الْغَيْمُ وَتَحَدَّثَ النَّاسَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَمَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إِلَى هَذَا.
ص:(وَصِيمَ عَادَةً) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ لِمَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ سَرْدَ الصَّوْمِ، أَوْ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ كَالْخَمِيسِ وَالْاثْنَيْنِ فَوَافَقَ ذَلِكَ، وَقَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص:(وَتَطَوُّعًا) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهُ وَحْدَهُ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ كَمَا
قَالَ فِي الرِّسَالَةِ، وَلِمَنْ شَاءَ صَوْمَهُ تَطَوُّعًا أَنْ يَفْعَلَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَنِ ابْنِ مَسْلَمَةَ كَرَاهَةُ ذَلِكَ، وَنَقَلَ عَنْهُ اللَّخْمِيُّ الْجَوَازَ، فَلَعَلَّ لَهُ قَوْلَيْنِ،
وَقَالَ الشَّارِحُ: إِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْكَافِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ،
وَقَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ إِثْرَ كَلَامِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ الْمُتَقَدِّمِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَسْرُدَ الصَّوْمَ أَمْ لَا، انْتَهَى.
ص:(وَقَضَاءً) ش: أَيْ كَمَنْ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ فَقَضَاهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ،
ثُمَّ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ فَقَدْ أَجْزَأَهُ،
وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ عَنِ الْقَضَاءِ وَلَا عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمِ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ وَقَضَاءُ مَا فِي ذِمَّتِهِ،
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي إِجْزَائِهِ قَضَاءً - وَإِنْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ - خِلَافٌ يَأْتِي، انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَسْأَلَةِ صَوْمِ رَمَضَانَ قَضَاءً عَنْ رَمَضَانَ آخَرَ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ،
وَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَحُكْمُ كُلِّ صَوْمٍ وَاجِبٍ كَحُكْمِ الْقَضَاءِ،
فَلَوْ نَوَاهُ لِلْكَفَّارَةِ أَوْ نَذْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَجْزَأَهُ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ وَلَا عَمَّا نَوَاهُ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمٍ عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَيَقْضِي مَا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ كَفَّارَةٍ أَوْ نُذُرٍ أَوْ فِدْيَةٍ أَوْ هَدْيٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّلْقِينِ وَغَيْرُهُ،
وَإِنْ كَانَ النَّذْرُ مُعَيَّنًا فَهِيَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ:
ص:(وَلِنُذُرٍ صَادَفَ) ش: وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ أَيْضًا لِنَذْرٍ صَادَفَهُ، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا فَوَافَقَ بَعْضَهَا، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ أَوِ الْخَمِيسِ فَيُوَافِقُ ذَلِكَ، أَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ فَقَدِمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ صَوْمُهُ وَيَجْزِيهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ،
فَإِنْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ لَا يُحْزِئُ عَنِ النَّذْرِ وَلَا عَنِ الْفَرْضِ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمٍ لِرَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِلنَّذْرِ لِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا، وَقَدْ فَاتَ. قَالَهُ فِي التَّلْقِينِ.
وَاحْتَرَزْ بِقَوْلِهِ: صَادَفَ- مِمَّا لَوْ نَذَرَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَوْمُ الشَّكِّ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ لِكَوْنِهِ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ.
(قُلْتُ) : وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ
وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ صَوْمُهُ كَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ: إِنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَلَعَلَّ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ احْتِيَاطًا حَرَامٌ، وَإِلَّا فَسَيَأْتِي أَنَّهُ إِذَا صَامَهُ لِلِاحْتِيَاطِ اخْتُلِفَ فِيهِ، هَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ؟ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَوْمُهُ لِنَذْرِهِ إِيَّاهُ كَذَلِكَ مُخْتَلَفًا فِيهِ،
وَأَمَّا عَدَمُ لُزُومِهِ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وَنَذْرُ الْمَكْرُوهَ غَيْرُ لَازِمٍ، لَكِنَّهُ لَا يَصِيرُ فِعْلُ ذَلِكَ الْمَكْرُوهِ حَرَامًا عَلَى أَنَّهُ يُشْكِلُ بِرَابِعِ النَّحْرِ، فَإِنَّهُ يَكْرَهُ صِيَامُهُ تَطَوُّعًا
وَيَلْزَمُ نَاذِرَهُ بِالتَّعْيِينِ، وَكَأَنَّهُمْ رَاعَوْا فِيهِ الْخِلَافَ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا أَيْضًا إِذَا قَصَدَ النُّذُرُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ يَوْمَ الشَّكِّ لِيَحْتَاطَ بِهِ،
فَلَوْ قَصَدَ نَذَرَهُ بِخُصُوصِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا نَقَلَ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: لَوْ نَذَرَ يَوْمَ الشَّكِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَوْمُ شَكٍّ سَقَطَ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، (قُلْتُ) : كَوْنُهُ مَعْصِيَةً يُرَدُّ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ كَرَاهَةِ صَوْمِهِ، انْتَهَى. يَعْنِي تَطَوُّعًا،
وَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ نَاجِيٍّ، لَكِنْ يُقَالُ: مُرَادُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إِذَا قَصَدَ نَذَرَهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ يَوْمَ الشَّكِّ لِيَحْتَاطَ بِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى نِيَّةِ النَّاذِرِ،
فَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ يَوْمَ الشَّكِّ احْتِيَاطًا فَلَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ
إِمَّا حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ وَكُلَاهُمَا لَا يَلْزَمُهُ نَذْرُهُ وَإِنْ نَذْرَهُ لَا مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ - أَعْنِي نَذَرَهَ لَا لِلِاحْتِيَاطِ - فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ
وَيَصِحُّ صَوْمُهُ، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَالْحُكْمُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ التَّلْقِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص:(لَا احْتِيَاطًا) ش: رَاجِعٌ إِلَى أَصْلِ صِيَامِ يَوْمِ الشَّكِّ لَا لِمَسْأَلَةِ النَّذْرِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ كَمَا بَيَّنَاهُ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ لَا يُصَامُ لِأَجْلِ الِاحْتِيَاطِ؛ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ:«مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَلَمْ يُبَيِّنِ الْمُصَنِّفُ كَابْنِ الْحَاجِبِ، حَيْثُ قَالَ: وَالْمَنْصُوصُ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِهِ احْتِيَاطًا لِلْعَمَلِ، هَلِ النَّهْيُ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوِ التَّحْرِيمِ؟
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّحْرِيمُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَسَبَهُ اللَّخْمِيُّ لِمَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَمَنَعَهُ مَالِكٌ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَنْبَغِي صِيَامُ يَوْمِ الشَّكِّ. وَحَمَلَهَا أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الْمَنْعِ.
وَفِي الْجَلَّابِ: يُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ،
وَقَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ: الْكَافَّةُ مُجْمِعُونَ عَلَى كَرَاهَةِ صَوْمِهِ احْتِيَاطًا، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي ابْنِ فَرْحُونَ، وَزَادَ: وَأَجَازَتْ صَوْمَهُ احْتِيَاطًا عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ، وَأَجَازَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ حَنْبَلٍ فِي الْغَيْمِ دُونَ الصَّحْوِ،
وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: يُكْرَهُ أَنْ يُؤْمَرَ النَّاسُ بِفِطْرِهِ؛ لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِطْرٌ قَبْلَ الصَّوْمِ كَمَا وَجَبَ بَعْدَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ لِقَوْلِهِ:«عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» ، انْتَهَى.
وَزَادَ أَبُو الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ يُونُسَ مِنَ الْوَاضِحَةِ: وَمَنْ صَامَهُ حَوْطَةً ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَلْيُفْطِرْ مَتَى مَا عَلِمَ، انْتَهَى.
وَنَقْلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنِ الشَّيْخِ بِلَفْظِ: آخِرَ النَّهَارِ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَحَمَلَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى الْمَنْعِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ فِي الْحِيَاطَةِ مِنْ رَمَضَانَ مَكْرُوهٌ،
وَلَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا. وَقَالَ بَعْدَهُ: فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ- يُرِيدُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: يُصَامُ احْتِيَاطًا. وَلَا أَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ، انْتَهَى.
وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ وُجُوبَ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ مَسْأَلَةِ الشَّاكِّ فِي الْفَجْرِ وَمِنَ الْحَائِضِ إِذَا جَاوَزَتْ عَادَتَهَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ابْنُ بَشِيرٍ وَغَيْرُهُ، وَبَحَثَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ فَلْيَنْظُرْهُ مَنْ أَرَادَهُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: اتَّفَقُوا إِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً عَلَى كَرَاهَةِ صَوْمِهِ احْتِيَاطًا؛ إِذْ لَا وَجْهَ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الصَّحْوِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ إِذَا كَانَ الْغَيْمُ، انْتَهَى.
ص:(وَنُدِبَ إِمْسَاكُهُ لِيَتَحَقَّقَ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْإِفْطَارِ فِي يَوْمِ الشَّكِّ إِلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ الْأَمْرُ، بِأَنْ يَأْتِيَ الْمُسَافِرُونَ مِنْ نَوَاحِي الْبَلَدِ، وَيَنْتَشِرَ النَّاسُ، وَتُسْمَعَ الْأَخْبَارُ،
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فَإِنِ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، وَلَمْ يَظْهَرْ مُوجِبُ الصِّيَامِ، أَفْطَرَ النَّاسُ. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ مَا ظَاهَرُهُ الْكَفُّ جَمِيعَ النَّهَارِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ إِذْ ذَاكَ فِي صُورَةِ صِيَامِ يَوْمِ الشَّكِّ احْتِيَاطًا بِأَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: الرِّوَايَةُ ظَاهِرُهَا الْكَفُّ جَمِيعَ النَّهَارِ- لَا أَعْرِفُهُ، انْتَهَى.
قُلْتُ: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: يُسْتَحَبُّ إِمْسَاكُ جَمِيعِ النَّهَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ..
ص:(لَا لِتَزْكِيَةِ شَاهِدَيْنِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ شَاهِدَانِ، وَاحْتَاجَ الْحَالُ إِلَى تَزْكِيَتِهِمَا، فَلَا يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ لِذَلِكَ، وَهَذَا الْفَرْعُ نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ،
وَلَفْظُهُ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَاحْتَاجَ الْقَاضِي إِلَى الْكَشْفِ عَنْهُمَا وَذَلِكَ يَتَأَخَّرُ، فَلَيْسَ عَلَى النَّاسِ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ،
فَإِنْ زَكَّوْا بَعْدَ ذَلِكَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْقَضَاءِ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْفِطْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِيمَا صَامُوا، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : تَأْمَّلْ هَذَا الْكَلَامَ،
فَإِنَّ الَّذِي يَتَبَادَرُ مِنْهُ عِنْدِي أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي عَدْلَانِ فِي اللَّيْلِ وَاحْتَاجَ الْحَالُ إِلَى تَزْكِيَتِهِمَا وَكَانَ ذَلِكَ يَتَأَخَّرُ إِلَى النَّهَارِ، فَلَيْسَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُبَيِّتُوا الصِّيَامَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ نَهَارًا، فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمَنْفِيَّ وُجُوبُ الصِّيَامِ لَا اسْتِحْبَابُ الْإِمْسَاكِ، وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، فَقُيِّدَ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ بِأَنْ يَتَأَخَّرَ ذَلِكَ، وَالَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى طُولٍ،
وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عِنْدَ الْقَاضِي بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ نَهَارًا فَطَلَبَ الْقَاضِي تَزْكِيَتَهُمَا وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا قَرِيبًا، فَاسْتِحْبَابُ الْإِمْسَاكِ مُتَعَيِّنٌ، بَلْ هُوَ أَوْكَدُ مِنَ الْإِمْسَاكِ فِي الْفَرْعِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَأْتِيَ مَنْ يَشْهَدُ بِالْهِلَالِ،
فَمِنْ بَابِ أَحْرَى إِذَا شَهِدَ بِهِ وَتَوَقَّفَ الْحَالُ عَلَى تَزْكِيَةِ الشَّاهِدَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا قَرِيبًا قَدْرَ مَا يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ إِلَى أَنْ يَرْتَفِعَ النَّهَارُ وَيَأْتِيَ النَّاسُ، وَعَلَى هَذَا فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ فِي تَزْكِيَتِهِمَا طُولٌ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ، فَقَالَ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْإِطْلَاقُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ بِمَا إِذَا كَانَ أَمْرُ الشَّاهِدَيْنِ فِي التَّزْكِيَةِ يَتَأَخَّرُ لِيُوَافِقَ الْمَنْقُولَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص:(أَوْ زَوَالِ عُذْرٍ مُبِيحٍ لَهُ الْفِطْرَ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ فَأَصْبَحَ مُفْطِرًا لِذَلِكَ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ، كَالْحَائِضِ تَطْهُرُ، وَالْمُسَافِرِ إِذَا قَدِمَ مُفْطِرًا، وَالْمَجْنُونِ إِذَا أَفَاقَ، وَالصَّبِيِّ إِذَا احْتَلَمَ وَكَانَ مُفْطِرًا فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُمُ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمْ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقُ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُمْسِكُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُمْسِكُهُ؛
لِأَنَّهُ صَوْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، هَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ) :
الْأَوَّلُ: إِذَا أَصْبَحَ الصَّبِيُّ صَائِمًا ثُمَّ احْتَلَمَ، فَإِنَّهُ يَتَمَادَى عَلَى صَوْمِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدِ انْعَقَدَ نَافِلَةً، قَالَهُ فِي الطِّرَازِ.
الثَّانِي: يَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِفْطَارِ، وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ يُونُسَ وَصَاحِبُ النَّوَادِرِ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفُّ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ.
ص:(كَمُضْطَرٍّ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، ثُمَّ حَصَلَتْ لَهُ ضَرُورَةٌ اقْتَضَتْ فِطْرَهُ مِنْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَ الْفِطْرَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَلَوْ بِالْجِمَاعِ؟ أَجَازَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ،
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُزِيلُ ضَرُورَتَهُ فَقَطْ. قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ لِوَجْهٍ مُبَاحٍ، قِيَاسًا عَلَى الْمُسْتَعْطِشِ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُوَفِّي بِصِيَامِهِ إِلَّا أَنْ يَشْرَبَ فِي نَهَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً،
فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُبَيِّتَ الْفِطْرَ وَيَأْكُلَ وَيُصِيبَ أَهْلَهُ.
وَلَوْ كَانَ بِرَجُلٍ مَرَضٌ يَحْتَاجُ مِنَ الدَّوَاءِ فِي نَهَارِهِ إِلَى الشَّيْءِ الْيَسِيرِ يَشْرَبُهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالصِّيَامِ وَلَا بِالْكَفِّ عَمَّا سِوَى مَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ، انْتَهَى.
وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُضْطَرِّ لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ إِنْ قُلْنَا لَهُ: أَنْ يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ - جَازَ لَهُ التَّمَادِي - يَعْنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ -، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ: إِنَّهُ إِنَّمَا يَأْكُلُ قَدْرَ سَدِّ رَمَقِهِ- يُرِيدُ هُنَا ضَرُورَتَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبَرْزَلِيُّ: وَالْمَشْهُورُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشْبَعُ وَيَتَزَوَّدُ،
وَكَذَا هُنَا يَشْرَبُ حَتَّى يَشْبَعَ وَيَأْكُلَ وَيُجَامِعَ إِنْ شَاءَ، انْتَهَى.
ذَكَرَ ذَلِكَ إِثْرَ سُؤَالٍ سُئِلَ عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَنَصُّهُ: سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ يُصِيبُهُ الْعَطَشُ الشَّدِيدُ فَيَشْرَبُ، هَلْ يَأْكُلُ بَعْدَهُ وَيُجَامِعُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: اخْتُلِفَ فِيهِ،
وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ إِلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ وَيَرَى جَوَازَهُ.
قَالَ الْبَرْزَلِيُّ: قُلْتُ: مَا اخْتَارَهُ هُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ فِيهِ،
وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ خَاصَّةً،
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشْبَعُ وَيَتَزَوَّدُ،
وَكَذَا هُنَا يَشْرَبُ حَتَّى يَشْبَعَ وَيَأْكُلَ وَيُجَامِعَ إِنْ شَاءَ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إِذَا احْتَاجَ لِرُكُوبِ الْهَدِيَّةِ رَكِبَهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَ إِذَا اسْتَرَاحَ،
وَكَذَا إِذَا أُبِيحَ لَهُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ بِالشَّرْطَيْنِ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ صَارَ أَهْلًا لِتَزْوِيجِهَا،
وَكَذَا مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُ إِلَى سِنِينَ يُدْرِكُهَا ثُمَّ خَافَ الْعَنَتَ، فَإِنَّهُ إِذَا أُبِيحَ لَهُ مَرَّةً فَقَدْ سَقَطَتْ يَمِينُهُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ لَهُ أَنْ يُجَامِعَ، فَلْيُشْتَرَطْ أَنْ يَكُونَ الَّتِي يُجَامِعُهَا كِتَابِيَّةً، أَوْ طَهُرَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، أَوْ صَغِيرَةً وَلَمْ تَكُنْ صَائِمَةً، وَهَذَا ظَاهِرٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص:(فَلِقَادِمٍ وَطْءُ زَوْجَةٍ طَهُرَتْ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْقَادِمَ مِنْ سَفَرِ قَصْرٍ نَهَارًا إِذَا بَيَّتَ الْإِفْطَارَ وَوَجَدَ زَوْجَتَهُ قَدْ طَهُرَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ حَيْضِهَا، فَلَهُ وَطْؤُهَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَالَ عُذْرُهُ الْمُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ صَغِيرَةً وَلَمْ تَصُمْ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ اللَّخْمِيُّ، وَانْظُرْ إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً وَبَيَّتَتِ الصَّوْمَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ إِبْطَالُ صَوْمَتِهَا؟
وَإِذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ كَبِيرَةً جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ كَانَتْ طَاهِرَةً قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ طَهُرَتْ يَوْمَ قُدُومِهِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاخْتُلِفَ إِذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ نَصْرَانِيَّةً، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَائِمَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: لَا يَجُوزُ وَإِنْ وَجَدَهَا بِإِثْرِ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ بِتَرْكِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: يَجُوزُ أَنْ يَطَأَهَا إِذَا كَانَتْ كَمَا طَهُرَتْ كَمَا لَوْ كَانَتْ مَسْلِمَةً، وَلَا يَطَؤُهَا إِذَا كَانَتْ طَاهِرًا قَبْلَ قُدُومِهِ.
قَالَ فِي الْكَبِيرِ: وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُنَاقَشَةٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: زَوْجَتُهُ- الْمُسْلِمَةُ، فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهَا بِالْحُكْمِ؛ لِمَا عَلِمْتَ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ التَّسَاوِي بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ،
وَإِنْ أَرَادَ الْإِطْلَاقَ فَلَا يَسْتَقِيمُ التَّقْيِيدُ بِالطُّهْرِ حِينَ قُدُومِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ جَوَازُ وَطْئِهَا،
وَإِنْ أَرَادَ التَّخْصِيصَ فِي قَوْلِهِ: طَهُرَتْ- دُونَ مَا قَبْلَهُ فَبَعِيدٌ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ، انْتَهَى.
ص:(وَكَفُّ لِسَانٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يَكُفَّ لِسَانَهُ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ، وَالْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ،
وَأَمَّا كَفُّ اللِّسَانِ عَنِ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْكَلَامِ الْفَاحِشِ فَوَاجِبٌ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ، وَيَتَأَكَّدُ وُجُوبُهُ فِي الصَّوْمِ وَلَكِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهِ الصَّوْمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: لَا يُقَالُ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّوْمِ؛ إِذْ يَصِحُّ الصَّوْمُ بِدُونِهِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ كَامِلٍ، أَوْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَبِالْكَفِّ يَحْصُلُ كَمَالُ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: صِحَّةُ الصَّوْمِ مَعَ عَدَمِ الْكَفِّ لَا تَصِيرُهُ مُسْتَحَبًّا، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى وُجُوبِهِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ وَغَيْرُهُ فِي شَرَحِ الرِّسَالَةِ: يَنْبَغِي هُنَا لِلْوُجُوبِ قَالَ: وَإِنَّمَا خَصَّ رَمَضَانَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ كَذَلِكَ؛
لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَغْلُظُ بِحَسْبِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ فَتَأَمَّلْهُ. وَنَصُّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ
قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ وَجَوَارِحَهُ يَنْبَغِي عَلَى بَابِهِ؛ لِأَنَّ كَفَّ اللِّسَانِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي فَسَادِ الصَّوْمِ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
الثَّانِي: رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«خَمْسٌ يُفَطِّرْنَ الصَّائِمَ: الْكَذِبُ، وَالْغِيبَةُ، وَالنَّمِيمَةُ، وَالْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ، وَالنَّظَرُ بِشَهْوَةٍ» . ذَكَرُهُ فِي الْإِحْيَاءِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِهِ: رَوَاهُ الْأَزْدِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ.
وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: قَالَ سُفْيَانُ: الْغِيبَةُ تُفْسِدُ الصَّوْمَ. وعن مجاهد خصلتان يفسدان الصوم الغيبة والكذب انْتَهَى.
قَالَ الْقَسْطَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ وَالْغِيبَةَ وَالنَّمِيمَةَ لَا تُفْسِدُ الصَّوْمَ،
ثُمَّ ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ عَنْ سُفْيَانَ وَمُجَاهِدٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مُجَاهِدٍ: خَصْلَتَانِ مَنْ حَفِظَهُمَا سَلِمَ لَهُ صَوْمُهُ: الْغِيبَةُ، وَالْكَذِبُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. ثُمَّ نَقَلَ عَنِ السُّبْكِيِّ أَنَّ مُلَابَسَةَ الْمَعَاصِي تَمْنَعُ ثَوَابَ الصَّوْمِ إِجْمَاعًا، قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ. نَعَمْ إِنْ كَثُرَ تَوَجَّهَتِ الْمُقَالَةُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : يَشْهَدُ لِمَا حَكَاهُ السُّبْكِيُّ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ: «مَنْ لَمْ يَدَعِ الْخَنَا وَالْكَذِبَ فَلَا حَاجَةَ لِلَّهِ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيِّ:«رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ،
وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ أَيْضًا.
الثَّالِثُ: وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، قَالَ:«إِذَا كَانَ صَوْمُ يَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنَّ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ» هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَالرَّفَثُ يُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ، وَالْفُحْشُ مِنَ الْقَوْلِ، وَخِطَابُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ،
قَالَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ: وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْفُحْشُ وَرَدِيءُ الْكَلَامِ، انْتَهَى.
وَالصَّخَبُ: الصِّيَاحُ، وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فليقل إني صائم» فَقِيلَ: إِنَّهُ يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ وَيُسْمِعُ ذَلِكَ لِلَّذِي شَاتَمَهُ لَعَلَّهُ يَنْزَجِرُ.
وَقِيلَ: يَقُولُهُ بِقَلْبِهِ لِيَنْكَفَّ بِهِ عَنِ الْمُشَاتَمَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ:«فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَعْنِي أَنَّ الصِّيَامَ يَحْجِزُنِي عَنِ الرَّدِّ عَلَيْكَ، انْتَهَى.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَى شَاتَمَهُ أَظْهَرَ شَتْمَهُ مُتَعَرِّضًا لِمُشَاتَمَتِهِ.
وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنْ جَهِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ جَاهِلٌ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ يُصَرِّحُ بِذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي التَّطَوُّعِ،
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُصَرِّحُ بِهِ وَلْيَقُلْ لِنَفْسِهِ: إِنِّي صَائِمٌ فَكَيْفَ أَقُولُ الرَّفَثُ؟ انْتَهَى.
وَانْظُرْ حَاشِيَةَ الْمُوَطَّأِ لِلْجَلَالِ السَّيُوطِيِّ،
وَقَالَ فِي جَامِعِ الْأُمَّهَاتِ لِلسَّنُوسِيِّ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي بَكَرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنِّي قُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَصَمْتُهُ كُلَّهُ» فَلَا أَدْرِي أَكْرَهَ التَّزْكِيَةِ، أَوْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ نَوْمَةٍ أَوْ رَقْدَةٍ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: إِنِّي صَائِمٌ مُعْتَذِرًا، وَلَا يَقُولُهُ مُتَحَدِّثًا وَلَا مُتَزَيِّنًا، انْتَهَى.
ص:(وَتَعْجِيلُ فِطْرٍ وَتَأْخِيرُ سُحُورٍ) ش: قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: السَّحُورُ وَالْفَطُورُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا: اسْمٌ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ وَيُفْطَرُ عَلَيْهِ كَالسَّعُوطِ وَالْوَقُودِ، وَبِالضَّمِّ لِلْفِعْلِ، قَالَ ابْنُ الدَّفْعِ: وَأَجَازَ بَعْضُهُمُ الْفَتْحَ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: السَّحُورُ فِي سِينِهِ الْفَتْحُ وَالضَّمُّ.
وَقَالَ الْأَبِيُّ: بِالْفَتْحِ اسْمٌ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَبِالضَّمِّ الْمَصْدَرُ وَالْفِعْلُ، وَالصَّوَابُ: الْفَتْحُ؛ لِأَنَّ الْبَرَكَةَ فِي الْفِعْلِ لَا فِي الطَّعَامِ، يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَسْحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يُعَجِّلَ الْفِطْرَ وَأَنْ يُؤَخِّرَ السُّحُورَ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنَ الِاسْتِحْبَابِ صَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ، وَجَعَلَ ذَلِكَ فِي الرِّسَالَةِ سَنَةً،
فَقَالَ: وَمِنَ السُّنَّةِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ: قَالَ الْحَفِيدُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِ الصَّوْمِ تَأْخِيرَ السُّحُورِ وَتَعْجِيلَ الْفِطْرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ: تَعْجِيلُ الْفِطْرِ سَنَةٌ وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ مُسْتَحَبٌّ. وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: «مِنْ عَمَلِ النُّبُوَّةِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَالِاسْتِينَاءُ بِالسُّحُورِ» .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ:«أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِ مِنْ سُحُورِهِ وَدُخُولِهِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ قَدْرُ قِرَاءَةِ خَمْسِينَ آيَةً» ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» وَالْمُرَادُ بِتَعْجِيلِ الْفِطْرِ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْغُرُوبِ وَعَدَمِ الشَّكِّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا شَكَّ فِي الْغُرُوبِ حَرُمَ عَلَيْهِ الْفِطْرُ اتِّفَاقًا،
وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: وَإِذَا غَشِيَتْهُمُ الظُّلْمَةُ فَلَا يُفْطِرُوا حَتَّى يُوقِنُوا بِالْغُرُوبِ، انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ السُّحُورِ مَا لَمْ يَدْخُلْ إِلَى الشَّكِّ فِي الْفَجْرِ، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: هَلِ الْمَطْلُوبُ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَوْ بَعْدَهَا؟ قَالَ الْبَاجِّيُّ فِي الْمُنْتَقَى لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ فِي شَرْحِ قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْمَغْرِبُ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ - لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ تَعْجِيلَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهَا تَصَادُفُ النَّاسِ مُتَهَيِّئِينَ لَهَا وَرِفْقًا بِالصَّائِمِ الَّذِي شُرِعَ لَهُ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ بَعْدَ أَدَاءِ صِلَاتِهِ، انْتَهَى.
وَفِي كِتَابِ الصِّيَامِ مِنَ الْمُوَطَّأِ، مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَا يُصَلِّيَانِ الْمَغْرِبَ حِينَ يَنْظُرَانِ إِلَى اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَا ثُمَّ يُفْطِرَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، انْتَهَى.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: وَلَا يَنْبَغِي تَأْخِيرُ الْفِطْرِ حَتَّى يَرَى النُّجُومَ، وَلَا بَأْسَ لِمَنْ رَأَى سَوَادَ اللَّيْلِ أَنْ يُفْطِرَ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ وَيُصَلَّى إِذَا رَأَى سَوَادَ اللَّيْلِ قَدْ طَلَعَ مِنْ مَوْضِعٍ يَطْلُعُ مِنْهُ الْفَجْرُ، تَنْبَعِثُ مِنْهُ الظُّلْمَةُ، انْتَهَى.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رُطَبَاتٍ فَتَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمَرَاتٍ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» فَهَذَا الْحَدِيثُ يُخَالِفُ كَلَامَ الْبَاجِّيِّ وَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْمُوَطَّأِ، إِلَّا أَنَّ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى الْفِطْرِ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ، وَكَلَامُ الْبَاجِّيِّ وَمَا فِي الْمُوَطَّأِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعِشَاءُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَدْ
قَالَ فِي الْعَارِضَةِ:«كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى شَيْءٍ يَسِيرٍ لَا يَشْغَلُهُ عَنِ الصَّلَاةِ» وَقَالَ الْجَزُولِيُّ: إِنَّهُ يُفْطِرُ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَيُصَلِّي وَحِينَئِذٍ يَأْكُلُ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَوْ بِالْمَاءِ، انْتَهَى.
وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ، «عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي حَتَّى يُفْطِرَ، وَلَوْ عَلَى شَرْبَةِ مَاءٍ» ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْخَامِسِ لعبد الرحمن بن حرملة هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْفِطْرُ عَلَى رُطَبَاتٍ أَوْ تَمَرَاتٍ أَوْ حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَعَدَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالشَّبِيبِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الصَّوْمِ: ابْتِدَاءُ الْفِطْرِ عَلَى التَّمْرِ أَوِ الْمَاءِ،
وَقَالَ فِي الْقُرْطُبِيَّةِ:
مِنْ سُنَنِ الصَّوْمِ وَقْتُ الْفِطْرِ ... تَعْجِيلُهُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالتَّمْرِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِهَا: مِنْ سُنَنِ الصَّوْمِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ رِفْقًا بِالضُّعَفَاءِ وَاسْتِحْبَابًا لِلنَّفْسِ وَمُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ، وَكَوْنُهُ بِالتَّمْرِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْحَلَاوَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ لِلْبَصَرِ مَا زَاغَ مِنْهُ بِالصَّوْمِ كَمَا حَدَّثَ بِهِ وَهْبٌّ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْمَاءُ لِأَنَّهُ طَهُورٌ، انْتَهَى.
فَتَقْدِيمُ الْمَاءِ عَلَى التَّمْرِ فِي قَوْلِ النَّاظِمِ: تَعْجِيلُهُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالتَّمْرِ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْوَزْنِ،
وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثِ تَمَرَاتٍ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَنَقَلَهُ عِزُّ الدِّينِ، وَنَقَلَهُ عَنِ الشَّيْخِ مُحِبِّ الدِّينِ الطَّبَرَيِّ، الْقَصْدُ أَنْ لَا يُدْخِلَ جَوْفَهُ شَيْئًا قَبْلَهُ،
قَالَ: وَمَنْ بِمَكَّةَ اسْتَحَبَّ لَهُ الْفِطْرُ عَلَى مَاءِ زَمْزَمَ لِبَرَكَتِهِ،
فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّمْرِ فَحَسَنٌ، قَالَ: والحكمة في التمر أَنَّ الصَّوْمَ يُفَرِّقُ الْبَصَرَ وَالتَّمْرَ يَجْمَعُهُ،
وَلِهَذَا قَالَ الرُّوْيَانِيُّ: فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ فَعَلَى حَلَاوَةٍ أُخْرَى،
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى الْمَاءِ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: وَالْأَوْلَى فِي زَمَانِنَا أَنْ يُفْطِرَ عَلَى مَاءٍ يَأْخُذُهُ بِكَفِّهِ مِنَ النَّهْرِ؛ لِأَنَّ الشُّبُهَاتِ قَدْ كَثُرَتْ فِي أَيْدِي النَّاسِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَا قَالَهُ الرُّوْيَانِيُّ وَالْقَاضِي شَاذٌّ، وَالصَّوَابُ: التَّمْرُ ثُمَّ الْمَاءُ، قَالَ الْحَلِيمِيُّ: الْأَوْلَى أَنْ لَا يُفْطِرَ عَلَى شَيْءٍ مَسَّتْهُ النَّارُ وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثًا، انْتَهَى.
كَلَامُ الدَّمِيرِيِّ: وَقَالَ الْجَزُولِيُّ: إِنْ كَانَ عِنْدَهُ حَلَالٌ وَمُتَشَابَهٌ أَفْطَرَ بِالْحَلَالِ وَلَا يُفْطِرُ بِالْمُتَشَابَهِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:«إِنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ سَبْعَمِائَةِ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ، إِلَّا مَنِ اغْتَابَ مُسَلِّمًا، أَوْ آذَاهُ، أَوْ شَرِبَ خَمْرًا، أَوْ أَفْطَرَ عَلَى حَرَامٍ» ، انْتَهَى.
الثَّالِثُ: فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ:«اللَّهُمَّ لَكَ صَمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ» ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:«ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» .
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: وَيَقُولُ عِنْدَ الْفِطْرِ: اللَّهُمَّ لَكَ صَمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ،
فَإِنَّ لِلصَّائِمِ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً، قِيلَ: بَيْنَ رَفْعِ اللُّقْمَةِ وَوَضْعِهَا فِي فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(قُلْتُ) : وَلَمْ أَقِفْ عَلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ زَرُّوقٌ، أَعْنِي قَوْلَهُ: فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ،
قَالَ فِي الْأَذْكَارِ: وَالظَّمَأُ مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ وَهُوَ الْعَطَشُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا - وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا - لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ فَتَوَهَّمَهُ مَمْدُودًا، قَالَ: وَرُوِّينَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدٍ وَابْنِ السُّنِّيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ، قَالَ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَانَنِي فَصَمْتُ وَرَزَقَنِي فَأَفْطَرْتُ» . قَالَ: وَرُوِّينَا فِي كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنَا، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْنَا فَتَقْبَلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» .
وَأَمَّا حَدِيثُ:«لِلصَّائِمِ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ» ، فَقَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِّينَا فِي كِتَابَيِ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ السُّنِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَفْطَرَ يَقُولُ:«إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لِدَعْوَةً مَا تُرَدُّ» ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إِذَا أَفْطَرَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَغْفِرَ لِي» ، انْتَهَى.
زَادَ فِي التَّرْغِيبِ فِي رِوَايَةٍ:«أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي» .
وَقَالَ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. قَالَ فِي الْأَذْكَارِ: وَرُوِّينَا فِي كِتَابَيِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتَهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الرِّوَايَةُ حَتَّى بِالْمُثَنَّاةِ فَوْقُ.
(قُلْتُ) : ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ، وَذَكَرَ فِيهِ رِوَايَةَ حِينَ بِالْمُثَنَّاةِ وَالنُّونِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: قَالَ فِي الْعَارِضَةِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» الْفَرْحَةُ عِنْدَ إِفْطَارِهِ بِلَذَّةِ الْغِذَاءِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَبِخُلُوصِ الصَّوْمِ مِنَ الرَّفَثِ وَاللَّغْوِ عِنْدَ الْفُقَرَاءِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ بِمَا يَرَى مِنَ الثَّوَابِ، وَلَيْسَ هَذَا لِمَنْ أَدَّى الْفَرْضَ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ أَكْثَرَ مِنَ التَّطَوُّعِ، انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ مِنَ التَّخْصِيصِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَلَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسُ: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: قَالَ الْبَاجِّيُّ: تَعْجِيلُ الْفِطْرِ هُوَ أَنْ لَا يُؤَخَّرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ عَلَى وَجْهِ التَّشْدِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَاعْتِقَادٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ عِنْدَ الْغُرُوبِ عَلَى حَسَبِ مَا يَفْعَلُهُ الْيَهُودُ،
وَأَمَّا مَنْ أَخَّرَهُ لِأَمْرٍ عَارِضٍ، أَوِ اخْتِيَارًا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ عِنْدَ الْغُرُوبِ عَلَى حَسَبِ مَا يَفْعَلُهُ الْيَهُودُ،
وَأَمَّا مَنْ أَخَّرَهُ لِأَمْرٍ آخَرَ اخْتِيَارًا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ صَوْمَهُ قَدْ كَمُلَ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ أَشْهَبُ: وَوَاسِعُ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ، وَتَأْخِيرِهِ لِلْحَاجَةِ تَنُوبُ،
وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ تَنَطُّعًا يَتَّقِي أَنْ لَا يُجْزِئَهُ، وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي أَنْ لَا يُؤَخَّرَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْفِطْرِ اسْتِنَانًا وَتَدَيُّنًا،
فَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا، كَذَلِكَ قَالَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ، انْتَهَى.
السَّادِسُ: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: اخْتُلِفَ فِي التَّأْخِيرِ إِذَا أَرَادَ الْوِصَالَ، فَقِيلَ: جَائِزٌ،
وَقِيل: لَا، وَكِلَاهُمَا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ، وَاخْتَارَ جَوَازُهُ إِلَى التَّسْحِيرِ، وَكَرَاهِيَّتُهُ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَكَرِهَ مَالِكٌ الْوِصَالَ وَلَوْ إِلَى السَّحَرِ، اللَّخْمِيُّ: هُوَ إِلَيْهِ مُبَاحٌ، لِلْحَدِيثِ:«مَنْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السُّحُورِ» ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْإِمْسَاكُ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ كَالْإِمْسَاكِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ جَائِزٌ وَلَهُ أَجْرُ الصَّائِمِ، وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ فِي أَحَادِيثِ الْوِصَالِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ،
ثُمَّ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ إِجَازَتُهُ، وَعَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتُهُ،
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: اخْتُلِفَ فِي الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْغُرُوبِ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ، فَقِيلَ: غَيْرُ جَائِزٍ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمْسَاكِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ،
وَقِيلَ: ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَهُ أَجْرُ الصَّائِمِ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ يَقُولُ: إِنِ الْإِمْسَاكَ حَرَامٌ فَيَكُونُ مُخَالِفًا لِقَوْلِ مَالِكٍ بِأَنَّ الْوِصَالَ مَكْرُوهٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعُ: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ عِيَاضٌ: اخْتُلِفَ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَالطَّعَامُ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى تَقْدِيمِ الطَّعَامِ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ خَفِيفًا.
(قُلْتُ) : الْأَقْرَبُ رَدُّهُمَا إِلَى وِفَاقٍ، وَهُوَ الْبُدَاءَةُ بِالصَّلَاةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ يَتَشَوَّقُ لِلطَّعَامِ، فَيَكُونُ الْخِلَافُ خِلَافًا فِي حَالٍ، وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ كَانَ شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ يُفْتِي، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : مَا ذَكَرَهُ عَنْ عِيَاضٍ ذَكَرَهُ فِي الْإِكْمَالِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ» ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا قَرُبَ الْعَشَاءُ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ» . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَوَقَعَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ تُفَسِّرُ الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا» ، وَأَلْزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ مُسْلِمًا إِخْرَاجَهُ، قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَبْلُغْ مُسْلِمًا، وَمَا ذَكَرَهُ الْأَبِيُّ عَنْ شَيْخِهِ ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ نَحْوَهُ، فَقَالَ - لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ -: مَعْنَاهُ أَنَّ بِهِ مِنَ الشَّهْوَةِ إِلَى الطَّعَامِ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ فَصَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحَقْنِ الَّذِي أُمِرَ بِإِزَالَتِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ بِالْحَقْنِ: وَمَنْ بَلَغَ بِهِ الْجُوعُ ثُمَّ حَضَرَ الطَّعَامُ وَالصَّلَاةُ، فَلْيَبْدَأْ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ مِنَ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ يَتَفَرَّغُ بِذَلِكَ لِلصَّلَاةِ،
فَإِنْ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ بَالُهُ مَشْغُولًا، بِحَيْثُ لَا يَدْرِي مَا صَلَّى يُعِيدُ ذَلِكَ أَبَدًا،
وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنْ يُقْلِقُهُ وَيُعَجِّلُهُ فَحسْنُ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ،
وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا تُتَوَّقُ نَفْسُهُ إِلَى الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْغَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
وَقَالَ الْجَزُولِيُّ: إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَالصَّلَاةُ فَإِنْ كَانَ يَخَافُ أَنْ يَشْغَلَهُ قَدَّمَ الطَّعَامَ،
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَشْغَلُهُ أَفْطَرَ مِنْهُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ وَصَلَّى؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْفِطْرُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَوْ بِالْمَاءِ، انْتَهَى.
الثَّامِنُ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ تَعْجِيلِ السُّحُورِ، وَلَمْ يُذْكُرْ حُكْمَ السُّحُورِ، وَقَدْ عَدَّهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ فِي سُنَنِ الصَّوْمِ،
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السُّحُورَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: السُّحُورُ الْأَكْلُ عِنْدَ السَّحَرِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ السُّحُورَ وَاجِبٌ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» ،
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ:«فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أُكْلَةُ السَّحَرِ» .
التَّاسِعُ: قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: قَوْلُهُ «فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» أَصْلُ الْبَرَكَةِ الزِّيَادَةُ، وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الْبَرَكَةُ الْقُوَّةَ عَلَى الصِّيَامِ، وَقَدْ جَاءَ كَذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ الْآثَارِ، وَقَدْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي الْأَكْلِ عَلَى الْإِفْطَارِ، وَهُوَ مِمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ فِي صَوْمِهَا، وَقَدْ تَكُونُ الْبَرَكَةُ فِي زِيَادَةِ الْأَوْقَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْفَضْلِ وَهَذَا مِنْهَا لِأَنَّهُ فِي السَّحَرِ، وَقَدْ جَاءَ فِي فَضْلٍ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَبُولِ الدُّعَاءِ وَالْعَمَلِ فِيهِ وَتَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ مَا جَاءَ، وَقَدْ تَكُونُ الْبَرَكَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّحَرِ مِنْ ذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وَاسْتِغْفَارٍ وَغَيْرِهِ مِنْ زِيَادَاتِ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَوْلَا الْقِيَامُ لِلسُّحُورِ لَكَانَ الْإِنْسَانُ نَائِمًا عَنْهَا وَتَارِكًا لَهَا.
وَتَجْدِيدُ النِّيَّةِ لِلصَّوْمِ لِيَخْرُجَ مِنِ الْخِلَافِ، وَالسُّحُورُ نَفْسُهُ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ، وَامْتِثَالُ النَّدْبِ طَاعَةٌ وَزِيَادَةٌ فِي الْعَمَلِ، انْتَهَى.
الْعَاشِرُ: قَالَ فِي الْإِكْمَالِ أَيْضًا: وَقَوْلُهُ «فَصْلٌ مَا بَيْنَ صَوْمِنَا وَصَوْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ أُكْلَةُ السَّحَرِ» صَوَابُهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَالرِّوَايَةُ فِيهِ بِضَمِّهَا، وَبِالضَّمِّ إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى: اللُّقْمَةِ الْوَاحِدَةِ، وَبِالْفَتْحِ: الْأَكْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهُوَ الْأَشْبَهُ هُنَا، وَالْفَصْلُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ: قَالَ التَّاذِلِيُّ: فِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ وَالْأَشْبَهُ مَا فِي الرِّوَايَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى قِلَّةِ الْأَكْلِ بِاللُّقْمَةِ الْوَاحِدَةِ
بِخِلَافِ الْأَكْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا الطَّعَامُ الْكَثِيرُ وَالشَّبَعُ الْمَذْمُومُ، انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطَهُ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي رِوَايَةِ بِلَادِنَا،
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إِنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ بِالضَّمِّ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ فِي رِوَايَةِ بِلَادِهِمْ، انْتَهَى.
الْحَادِي عَشَرَ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السُّحُورَ الْأَكْلُ وَقْتَ السَّحَرِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ: وَوَقْتُهُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ السُّحُورِ مَا لَمْ يُؤَخِّرْ إِلَى الشَّكِّ فِي الْفَجْرِ،
وَمِنْ عَجَّلَهُ فَوَاسِعٌ يُرْجَى لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مَا يُرْجَى لِمَنْ أَخَّرَهُ إِلَى آخِرِ أَوْقَاتِهِ، انْتَهَى.
وَيَحْصُلُ السُّحُورُ بِقَلِيلِ الْأَكْلِ وَكَثِيرِهِ وَلَوْ بِالْمَاءِ، لِمَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجُرْعَةٍ مِنْ مَاءِ» ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَقَعَتْ نَازِلَةٌ بِبَغْدَادَ فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَهُوَ صَائِمٌ أَنْ لَا يُفْطِرَ عَلَى حَارٍّ وَلَا بَارِدٍ، فَأَفْتَى ابْنُ الصَّبَّاغِ إِمَامُ الشَّافِعِيَّةِ بِحِنْثِهِ، إِذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَأَفْتَى الشِّيرَازِيُّ بِعَدَمِ حِنْثِهِ قَائِلًا: إِنَّهُ يُفْطِرُ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَهُوَ حُصُولُ اللَّيْلِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هاَهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» وَفَتْوَى ابْنُ الصَّبَّاغِ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْمَقَاصِدَ، وَفَتْوَى الشِّيرَازِيُّ صَرِيحُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، انْتَهَى.
ص:(وَصَوْمٌ بِسَفَرٍ وَإِنْ عَلِمَ دُخُولَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ) ش: يَعْنِي أَنْ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الْإِفْطَارُ أَفْضَلُ مِنِ الْإِفْطَارِ، يُرِيدُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} وَلِأَنَّ الصَّوْمَ فِي رَمَضَانَ أَكْثَرُ أَجْرًا لِأَنَّهُ أَشَدُّ حُرْمَةً، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنَّ مَالِكًا يَسْتَحِبُّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ
وَيَكْرَهُ الْإِفْطَارَ، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ دُخُولَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ، يَعْنِي بِهِ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَإِنَّ عَلِمَ أَنَّهُ يَدْخُلُ إِلَى بَلَدِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّوْمِ.
(تَنْبِيهٌ) : لَا فَرْقَ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ بَلَدَهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ فِي آخِرِهِ،
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي آخِرِ النَّهَارِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّتَ الصَّوْمَ، وَلَا يُنْدَبُ إِلَى ذَلِكَ، كَمَا يُنْدَبُ إِلَيْهِ الْأَوَّلُ، قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَقَالَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَأَشْهَبُ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ نَافِعٍ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَهَذَا يَأْتِي عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ الَّذِي يُسْتَحَبُّ الْإِفْطَارُ فِي السَّفَرِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُ صَاحِبِ الطِّرَازِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ، كَمَا يُنْدَبُ إِلَيْهِ الْأَوَّلُ، فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الَّذِي يَدْخُلُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ يُنْدَبُ لَهُ الصَّوْمُ حَتَّى عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَتَأَمَّلْهُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ السَّفَرِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الْإِفْطَارُ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الْفِطْرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وَلِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ: «وَلَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» ، وَلِحَدِيثِ:«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ» ، وَلِمَالِكٍ فِي الْمُخْتَصَرِ: ذَلِكَ وَاسِعٌ صَامَ أَوْ أَفْطَرَ، وَعَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: يُسْتَحَبُّ الْإِفْطَارُ إِلَّا فِي سَفَرِ الْجِهَادِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
فَتَحْصُلُ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ الْإِفْطَارِ وَالْقَصْرِ أَنَّ الْقَصْرَ تَبْرَأُ مَعَهُ ذِمَّةُ الْمُكَلَّفِ،
بِخِلَافِ الْفِطْرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ صَوْمَهُ مَعَ النَّاسِ أَسْهَلُ مِنَ الِانْفِرَادِ فِي صَوْمِهِ غَالِبًا،
وَأَمَّا الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ فَمَحْمُولَانِ عَلَى مَنْ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الصَّوْمِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُظَلَّلُ عَلَيْهِ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَلِكَ.
(فَائِدَةٌ) : رُوِيَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ بِإِبْدَالِ لَامِ التَّعْرِيفِ فِي قَوْلِ الْبِرِّ وَالصِّيَامِ وَالسَّفَرِ مِيمًا وَهِيَ لُغَةُ حِمْيَرَ.
ص:(وَصَوْمُ عَرَفَةَ إِنْ لَمْ يَحُجَّ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَوْمُ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبِلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» ، رَوَاهُ مُسْلِمُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
وَأَمَّا إِنْ حَجَّ فَيُكْرَهُ لَهُ صَوْمُهُ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ:«نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ صِيَامِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ» ؛ وَلِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ فِيهِ مُفْطِرًا،
قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَةِ: وَيُكْرَهُ لِلْحَاجِّ أَنْ يَصُومَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ مُتَطَوِّعًا، وَهُوَ حَسَنٌ لِغَيْرِ الْحَاجِّ؛ لِأَنَّ بِالْحَاجِّ حَاجَةً شَدِيدَةً إِلَى تَقْوِيَةِ جِسْمِهِ لِصُعُوبَةِ الْعَمَلِ وَكَثْرَتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ، وَرُبَّمَا ضَعُفَ بِالصَّوْمِ فَقَصَّرَ عَنْ بَعْضِهِ، فَلِذَلِكَ كَرِهَ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فِي الْمُتَيْطِيَةِ بِمِنًى يَعْنِي فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، يُسَمَّى عِنْدَ الْمَغَارِبَةِ يَوْمَ مِنًى، وَصَوْمُهُ مُسْتَحَبٌّ كَمَا قَالَهُ فِي الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ: وَرَدَ أَنَّهُ كَصِيَامِ سَنَةٍ، وَنَحْوَهُ فِي الْمُقْدِمَاتِ قَالَ: وَصِيَامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَمِنًى وَعَرَفَةَ مُرَغَّبٌ فِيهِ، وَرُوِيَ أَنَّ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ كَصِيَامِ سَنَتَيْنِ،
وَأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ مِنًى كَصَوْمِ سَنَةٍ،
وَأَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ سَائِرِ أَيَّامِ الْعَشْرِ كَصِيَامِ شَهْرٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: رَوَىَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ، عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ:«صَوْمُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ كَصَوْمِ سَنَةٍ» وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ،
وَأَمَّا غَيْرُ التَّرْوِيَةِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى فَالْمَطْلُوعُ فِيهِ الْإِفْطَارُ كَمَا سَيَأْتِي.
ص:(وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صِيَامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهَا كَصِيَامٍ شَهْرٍ، هَكَذَا
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: رُوِيَ أَنَّ صِيَامَ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا يَعْدِلُ سَنَةً،
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} أَنَّهَا عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ،
وَأَنَّ الشَّفْعَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَأَنَّ الْوِتْرَ يَوْمُ عَرَفَةَ.
وَفِي قَوْلِهِ:{وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} أَنَّ الشَّاهِدَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالْمُرَادُ بِعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ التِّسْعَةُ الْأَيَّامِ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، إِذْ لَا يُصَامُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَعَطْفُهُ عَلَى يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ عَطْفِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ، عَكْسُ مَا فَعَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ، فَإِنَّهُ
قَالَ فِي الصِّيَامِ الْمُسْتَحَبِّ وَالْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ: قَالَ الْقَبَّابُ: هُوَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ آخِرُهَا وَهُوَ آخَرُ مَا يُصَامُ مِنْهَا، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: صَوْمُ يَوْمِ الْعَشْرِ: التِّسْعُ خَاصَّةً، وَهُوَ مُعْظَمُ الْعَشْرِ،
وَيَجُوزُ إِطْلَاقُ الْكُلِّ، وَالْمُرَادُ الْبَعْضُ، انْتَهَى.
وَهَذَا لِغَيْرِ الْحَاجِّ، وَأَمَّا الْحَاجُّ فَيَصُومُ سَبْعَةً فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ الصَّوْمُ بِعَرَفَةَ وَمِنًى لِلْحَاجِّ،
وَأَنَّ الْمُرَادَ بِمِنًى يَوْمُ التَّرْوِيَةِ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ: عَنْ هِبَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ امْرَأَتِهِ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَتْ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَهَذَا يُوهِمُ كَرَاهَةَ صَوْمِ الْعَشْرِ وَلَيْسَ فِيهَا كَرَاهَةٌ، بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ اسْتِحْبَابًا شَدِيدًا لَا سِيَّمَا التَّاسِعُ مِنْهَا وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَدْ ثَبُتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي هَذِهِ» يَعْنِي الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ ثَبُتَتِ الْفَضِيلَةُ لِأَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَتَظْهَرُ فَضِيلَةُ ذَلِكَ فِيمَنْ نَذَرَ الصِّيَامَ أَوْ عَمَلًا مِنَ الْأَعْمَالِ بِأَفْضَلِ الْأَيَّامِ،
فَلَوْ أَفْرَدَ يَوْمًا مِنْهَا تَعَيَّنَ يَوْمُ عَرَفَةَ لِأَنَّهُ عَلَى الصَّحِيحِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَشْرِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ إِمْكَانُ اجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ، وَهِيَ: الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا،
وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ النَّقَّاشِ،
فَإِنْ قُلْتَ: أَيُّمَا أَفْضَلُ، عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أَوِ الْعَشْرُ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَيَّامَ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْيَوْمِ الَّذِي مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ فِي يَوْمٍ غَيْرَ يَوْمِ بَدْرٍ أَدْحَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِيهِ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلِكَوْنِهِ يُكَفَّرُ بِصِيَامِهِ سَنَتَيْنِ، وَلِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَعْظَمِ الْأَيَّامِ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَلَيَالِي عَشْرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ أَفْضَلُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مَنْ أَلْفِ شَهْرٍ،
وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا الْجَوَابَ وَجَدَهُ شَافِيًا كَافِيًا، أَشَارَ إِلَيْهِ الْفَاضِلُ الْمُفَضَّلُ بِقَوْلِهِ: مَا مِنْ أَيَّامٍ، دُونَ أَنْ يَقُولَ مَا مِنْ عَشْرٍ، وَنَحْوَهُ،
وَمَنْ أَجَابَ بِغَيْرِ هَذَا لَمْ يَدُلَّ بِحُجَّةٍ صَحِيحَةٍ صَرِيحَةٍ، انْتَهَى. (قُلْتُ) : وَلَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ لَيَالِيَ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لَا فَضِيلَةَ فِيهَا،
فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلَيَالٍ عَشْرٍ} الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِقْسَامَ بِهَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهَا بِمَزِيدِ فَضْلٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص:(وَعَاشُورَاءُ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صِيَامُ عَاشُورَاءَ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُقَالُ: فِيهِ تِيبَ عَلَى آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَاسْتَوَتِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ، وَفُلِقَ الْبَحْرُ لِمُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأُغْرِقَ فِرْعَوْنُ، وَوَلَدُ عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَخَرَجَ يُونُسُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ جَوْفِ الْحُوتِ، وَخَرَجَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنَ الْجُبِّ، وَتَابَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ عَلَى قَوْمِ يُونُسَ، وَفِيهِ تُكْسَى الْكَعْبَةُ كُلَّ عَامٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَهُوَ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّاسِعُ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ إِظْمَاءِ الْإِبِلِ، وَعَادَتُهُمْ يُسَمُّونَ الثَّالِثَ رُبْعًا وَالرَّابِعَ خَمْسًا.
(قُلْتُ) : ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصُّهُ: وَاخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: الْعَاشِرُ،
وَقِيلَ: التَّاسِعُ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَحَرَّى صَامَهُمَا، انْتَهَى.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَاصْبَحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا، فَقِيلَ لَهُ: أَهَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ؟ قَالَ: نَعَمْ. لَكِنْ يُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ:«لَئِنْ بَقِيتَ إِلَى قَابِلٍ لِأَصُومَنَّ التَّاسِعَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ»
قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: قِيلَ فِي عَاشُورَاءَ: إِنَّهُ التَّاسِعُ،
وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَكْثَرُ: هُوَ الْعَاشِرُ، وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا، وَقَوْلُهُ:«لَئِنْ بَقِيتَ لِأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ الْعَاشِرَ، وَهَذَا لَمْ يَصُمْهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: التَّاسِعُ،
وَقِيل: الْعَاشِرُ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ غَرِيبٌ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ التَّاسِعِ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَذَلِكَ الْحَادِي عَشَرَ احْتِيَاطًا لَعَلَّهُ نَقَصَ الشَّهْرُ،
وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: قِيلَ: سُمِّيَ عَاشُورَاءُ؛ لِأَنَّ عَشْرَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ فِيهِ بِعَشْرِ كَرَامَاتٍ.
الثَّانِي: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: أَفْضَلُ الْأَيَّامِ لِلصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَقَدْ كَانَ هُوَ الْفَرْضَ قَبْلَ رَمَضَانَ. قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: انْظُرْ تَفْضِيلَهُ عَاشُورَاءَ عَلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عَرَفَةَ تُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي قَبِلَهُ وَالَّتِي بَعْدَهُ،
وَأَنَّ عَاشُورَاءَ تَكْفُرُ الَّتِي قَبِلَهُ، وَالتَّكْفِيرُ مَنُوطٌ بِالْأَفْضَلِيَّةِ،
فَمَنِ ادَّعَى خِلَافَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : فَفِي كَلَامِهِ مَيْلٌ إِلَى تَفْضِيلِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
الثَّالِثُ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنَّمَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سُنَّتَيْنِ وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً؛ لِأَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمٌ مُحَمَّدِيٌّ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مُوسَوِيٌّ.
الرَّابِعُ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَالِ،
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: الْمَوْسِمُ الثَّالِثُ مِنَ الْمَوَاسِمِ الشَّرْعِيَّةِ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَالتَّوْسِعَةُ فِيهِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْأَقَارِبِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ وَالصَّدَقَةِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، بِحَيْثُ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ. لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّكَلُّفِ،
وَأَنْ لَا يَصِيرَ ذَلِكَ سُنَّةً يُسْتَنُّ بِهَا لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا،
فَإِنْ وَصْلَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ لَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَهَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ مَضَى فِيهِ طَعَامٌ مَعْلُومٌ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ، وَكَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَتْرُكُونَ النَّفَقَةَ فِيهِ قَصْدًا لِيُنَبِّهُوا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ،
وَأَمَّا مَا يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ مِنْ أَنَّ عَاشُورَاءَ يَخْتَصُّ بِذَبْحِ الدَّجَاجِ وَغَيْرِهَا وَطَبْخِ الْحُبُوبِ وَغَيْرِهِ، فَلَمْ يَكُنِ السَّلَفُ يَتَعَرَّضُونَ فِي هَذِهِ الْمَوَاسِمِ وَلَا يَعْرِفُونَ تَعْظِيمَهَا إِلَّا بِكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْخَيْرِ لَا فِي الْمَأْكُولِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ فِيهِ مِنِ الْبِدَعِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ، وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمَعْلُومِ بِدْعَةٌ مُطْلَقًا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ،
وَمِنِ الْبِدَعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا النِّسَاءُ فِيهِ دُخُولُ الْجَامِعِ الْعَتِيقِ بِمِصْرَ، وَاسْتِعْمَالُهُنَّ الْحِنَّاءَ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ،
فَمَنْ لَمْ تَفْعَلْهَا فَكَأَنَّهَا مَا قَامَتْ بِحَقِّ عَاشُورَاءَ،
وَمِنْ ذَلِكَ مَحْرُهُنَّ الْكَتَّانَ فِيهِ وَتَسْرِيحُهُ وَغَزْلُهُ وَتَبْيِيضُهُ وَيَشُلَّنَّهُ لِيَخِطْنَ بِهِ الْكَفَنَ وَيَزْعُمْنَ أَنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا لَا يَأْتِيَانِ مَنْ كَفَنُهُ مَخِيطٌ بِذَلِكَ الْغَزَلِ، وَهَذَا فِيهِ مِنَ الِافْتِرَاءِ وَالتَّحَكُّمِ فِي دِينِ اللَّهِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَمِمَّا أَحْدَثُوا فِيهِ مِنِ الْبِدَعِ الْبَخُورُ فَمَنْ لَمْ يَشْتَرِهِ مِنْهُنَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيَتَبَخَّرُ بِهِ فَكَأَنَّهُ ارْتَكَبَ أَمْرًا عَظِيمًا، وَكَوْنُهُ سُنَّةً عِنْدَهُمْ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا، وَادِّخَارُهُنَّ لَهُ طُولَ السَّنَةِ يَتَبَخَّرْنَ بِهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ عَاشُورَاءُ الثَّانِي، وَيَزْعُمْنَ أَنَّهُ إِذَا تَبَخَّرَ بِهِ الْمَسْجُونُ خَرَجَ مَنْ سِجْنِهِ، وَأَنَّهُ يُبْرِئُ مِنَ الْعَيْنِ وَالنَّظْرَةِ، وَالْمُصَابِ وَالْمَوْعُوكِ، وَهَذَا أَمْرٌ خَطِرٌ؛
لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيفٍ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهُ أَمْرٌ بَاطِلٌ فَعَلْنَهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِنَّ.
(قُلْتُ) : وَقَدْ سُئِلَ الْحَافِظُ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ الشَّافِعِيُّ عَنْ أَكْلِ الدَّجَاجِ وَالْحُبُوبِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، أَهُوَ مُبَاحٌ أَوْ مُحَرَّمٌ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُبَاحَاتِ،
فَإِنِ اقْتَرَنَتْ بِهِ نِيَّةٌ صَالِحَةٌ فَهُوَ مِنَ الطَّاعَاتِ، قَالَ: وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعَصْرِ أَفْتَى بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرَ الصَّوْمِ، قَالَ: فَسَأَلَتْ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ فَتَاوَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَّةَ فَنَظَرْتُ بَعْضَ فَتَاوَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ سُئِلَ عَنْ أَشْيَاءَ تَتَعَلَّقُ بِيَوْمِ عَاشُورَاءَ،
وَمِنَ الْمَسْؤُولِ عَنْهُ ذَبْحُ الدَّجَاجِ وَطَبْخُ الْحُبُوبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَأَجَابَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ سُنَّةً فِي هَذَا الْيَوْمِ بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يُشَرِّعْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا فَعَلَهَا هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ،
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِصِيَامِهِ وَالتَّوْسِعَةِ فِيهِ عَلَى الْعِيَالِ وَإِحْيَاءِ لَيْلَتِهِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ،
وَأَنَّ مَنِ اغْتَسَلَ فِيهِ لَمْ يَمْرَضْ إِلَّا مَرَضَ الْمَوْتِ،
وَمَنِ اكْتَحَلَ فِيهِ لَمْ تَرْمُدْ عَيْنُهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِبَّ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا رَوَى أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ مَا فِيهِ اسْتِحْبَابُ الِاغْتِسَالِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَلَا الْكُحْلَ وَالْخِضَابَ، وَتَوْسِيعَ النَّفَقَةِ، وَلَا الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ، وَلَا إِحْيَاءَ لَيْلَةِ عَاشُورَاءَ، وَلَا أَمْثَالَ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَدِيثُ، وَلَا ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ سُنَّةً عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَعْلَى مَا بَلَغَنِي فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ أَنَّهُ مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سُنَّتِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْتَشِرِ، جَرَّبْنَاهُ سِتِّينَ سَنَةً فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا، ثُمَّ اعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الْمُنْتَشِرِ فِيمَا ذَكَرَهُ، ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَلَقَدْ تَعَجَّبْتُ مِنْ وُقُوعِ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ هَذَا الْإِمَامِ الَّذِي تَقُولُ أَصْحَابُهُ: إِنَّهُ أَحَاطَ بِالسُّنَّةِ عِلْمًا، وَخِبْرَةَ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يَسْتَحِبَّ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ تَوْسِيعَ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَشِرِ، وَابْنُهُ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ، وَشُعْبَةُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ،
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَا رَوَى أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ مَا فِيهِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي كُتُبِهِمُ الْمَشْهُورَةِ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ،
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَا ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ سُنَّةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ،
ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:«مَنْ وَسَّعَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سُنَّتِهِ» ، قَالَ: جَابِرُ: جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وَقَالَ شُعْبَةُ مَثَّلَهُ، رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ،
ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثٍ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ،
وَقَالَ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ،
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ بِزِيَادَةٍ فِيهِ، وَهِيَ:«أَنَا الضَّامِنُ لَهُ كُلُّ دِرْهَمٍ يُنْفِقُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يُرِيدُ بِهِ مَا عِنْدَ اللَّهِ حُسِبَ بِسَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ أَكْثَرَ ثَوَابًا مِمَّنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِنْ تَصَدَّقَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه وَسَلَامُهُ» قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّوْسِعَةِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، فَلَا يُغْتَرُّ بِذِكْرِ ابْنِ الْأَثِيرِ لَهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ،
فَإِنَّ ذَلِكَ وَهْمٌ عَجِيبٌ، قَالَ: وَهَذَا الْكِتَابُ كَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّرٍ،
فَإِنَّ فِيهِ عِدَّةَ أَوْهَامٍ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَخَاهُ ذَكَرَ فِي اخْتِصَارِهِ لِجَامِعِ الْأُصُولِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَعَلَّمَ عَلَيْهِ عَلَامَةَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ مِنْهُمَا، وَالْحَدِيثُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ الْبَتَّةَ،
ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمِ،
وَقَالَ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ،
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ،
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي وَضْعِهِ،
وَأَنْ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنَّ يُقَالَ هَذَا مُؤْمِنٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَالْحَقُّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنْ أَنَّهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ،
ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَا وَقَعَ لَنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ جَابِرٍ مِنَ الطَّرِيقِ الْأُولَى.
ثُمَّ رُوِيَ بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَوْقُوفًا:«مِنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ السَّنَةِ» ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: جَرَّبْنَا ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا، قَالَ: وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ جُزْءٍ لِلْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ نَحْوَ الْكُرَّاسِ. وَذَكَرَ السَّخَاوِيُّ عَنِ العراقي في أماليه أَنَّهُ
قَالَ فِي طَرِيقِ جَابِرٍ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الِاسْتِذْكَارِ: إِنَّهَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى شَيْءٍ فِي الْخِصَالِ الَّتِي يَذْكُرُ أَنَّهَا تُفْعَلُ فِي يَوْمِ الصَّوْمِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَالِ.
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا:«مَنِ اكْتَحَلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ بِالْإِثْمَدِ لَمْ تَرْمَدْ عَيْنُهُ أَبَدًا» ، قَالَ الْحَاكِمُ: إِنَّهُ مُنْكِرٌ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ مَوْضُوعٌ، أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ. قَالَ الْحَاكِمُ: وَالِاكْتِحَالُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ أَثَرٌ، وَهُوَ بِدْعَةٌ ابْتَدَعَهَا قَتَلَةُ الْحُسَيْنِ، ذَكَرَ ذَلِكَ السَّخَاوِيُّ فِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ،
وَفِي الْأَثَرِ الَّذِي ذَكَرَهُ عُمَرُ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْأَهْلِ فِي لَيْلَةِ عَاشُورَاءَ،
وَفِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْأَهْلِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى الْأَهْلِ فِيهِمَا،
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: فَيُوَسِّعُ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مُرَآةٍ وَلَا مُمَارَاةٍ، وَقَدْ جَرَّبَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَصَحَّ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي بَابِ جُمَلٍ مِنَ الْفَرَائِضِ: وَيُسْتَحَبُّ التَّوْسِعَةُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ لَيْلَةُ الْعَاشِرِ أَوْ لَيْلَةُ الْحَادِي عَشَرَ؟ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَقَدْ ذَكَرُوا فِيمَا يُفْعَلُ يَوْمُ عَاشُورَاءَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ خِصْلَةً: وَهِيَ الصَّلَاةُ، وَالصَّوْمُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالِاغْتِسَالُ، وَالِاكْتِحَالُ، وَزِيَارَةُ عَالَمٍ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَمَسْحُ رَأْسِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَالِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَقِرَاءَةُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ أَلْفَ مَرَّةٍ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ.
وَقَدْ نَظَّمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ عَشْرٌ يَتَّصِلْ ... بِهَا اثْنَانِ لَهَا فَضْلٌ نُقِلْ صُمْ صِلْ زُرْ عَالَمًا عَدْ وَاكْتَحَلْ ... رَأْسَ الْيَتِيمِ امْسَحْ تَصَدَّقْ وَاغْتَسِلْ وَسِّعْ عَلَى الْعِيَالِ قَلِّمْ ظُفْرَا ... وَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ أَلْفًا تُقْرَا الْخَامِسُ:
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَقَدْ خَصَّ عَاشُورَاءَ - لِفَضْلِهِ - بِمَا لَمْ يَخُصْ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ أَنْ يَصُومَهُ مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ صِيَامَهُ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى أَكَلَ وَشَرِبَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ حِينَ كَانَ صَوْمُهُ فَرْضًا، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ مَا قَالَهُ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ،
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ عَاشُورَاءَ كَغَيْرِهِ،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ فِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَالشَّاذُّ لِابْنِ حَبِيبٍ: صِحَّةُ صَوْمِهِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ عَاشُورَاءَ كَغَيْرِهِ. الْبَاجِّيُّ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: خَصَّ بِصِحَّتِهِ مَنْ لَمْ يُبَيِّتْهُ أَوْ أَتَمَّهُ بَعْدَ أَكْلٍ، انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى صَوْمِهِ قَضَاءً أَوْ تَطَوُّعًا لِمَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنَّفِ: وَتَطَوُّعٌ قَبْلَ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) : قَالَ الْقَبَّابُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ فِي الْمَشَارِقِ: عَاشُورَاءُ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ لَا يُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، انْتَهَى.
وَلَفْظُ الْمَشَارِقِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مَمْدُودٌ، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: سُمِّيَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُعْرَفْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ فَاعُولَاءُ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: أَنَّهُ سَمَّى خَابُورَاءَ، وَلَمْ يُثْبِتْهُ ابْنُ دُرَيْدٍ وَلَا عَرِفَهُ، وَحَكَى أَبُو عُمَرَ وَالشَّيْبَانِيُّ فِي عَاشُورَاءَ الْقَصْرَ، انْتَهَى.
(ص) وَإِنْ أَفْطَرُوا فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إلَّا بِتَأْوِيلٍ فَتَأْوِيلَانِ
(ش) أَيْ: وَإِنْ أَفْطَرَ الْعَدْلُ وَالْمَرْجُوُّ وَغَيْرُهُمَا الْمُنْفَرِدُونَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ،
وَلَوْ مُتَأَوِّلِينَ؛ لِأَنَّ تَأْوِيلَهُمْ بَعِيدٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ عِنْدَ عَدِّهِ لِأَصْحَابِ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ حَيْثُ قَالَ: كِرَاءٍ وَلَمْ يُقْبَلْ، فَذِكْرُهُ هُنَا التَّأْوِيلُ بِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ مَعَ التَّأْوِيلِ ضَعِيفٌ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى هَذَا غَيْرُ مَا يَأْتِي؛ لِأَنَّ ذَاكَ رَفْعٌ وَلَمْ يُقْبَلْ، وَرَدَّهُ الْحَاكِمُ وَهُوَ مُوجِبٌ؛ لَأَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ بَعِيدًا وَهَذَا لَمْ يُرْفَعْ فَلِذَلِكَ جَرَى فِيهِ قَوْلٌ بِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ .
(قَوْلُهُ أَيْ: وَإِنْ أَفْطَرَ الْعَدْلُ إلَخْ)
أَيْ: وَأَمَّا إنْ أَفْطَرَ أَهْلُ الْمُنْفَرِدِ وَمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأَمْرِهِ فَعَلَيْهِمْ الْكَفَّارَةُ وَلَوْ تَأَوَّلُوا؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ عَدْلَيْنِ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَاكَ فِي رَفْعٍ وَلَمْ يُقْبَلْ) أَيْ: وَمَا رُفِعَ إلَّا لِكَوْنِهِ عِنْدَهُ شِدَّةُ جَزْمٍ.
(قَوْلُهُ: فَلِذَلِكَ جَرَى فِيهِ قَوْلٌ)
أَيْ: وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا.
(وَإِنْ أَفْطَرُوا) أَيْ: الْعَدْلُ وَالْمَرْجُوُّ وَالْمَكْشُوفُ الْمُنْفَرِدُونَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بِلَا رَفْعٍ لِلْحَاكِمِ (فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ) وَاجِبَانِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ لِوُجُوبِ الصِّيَامِ عَلَيْهِمْ اتِّفَاقًا فِي كُلِّ حَالٍ
Adds nothing on this mas’ala.
وإن أفطروا فالقضاء والكفارة؛ يعني أن الشخص إذا رأى هلال رمضان، سواء كان عدلا أو مرجوا أو غيرهما، فإنه يجب عليه الصوم،
فإن أفطر متعمدا فعليه القضاء والكفارة لوجوب الصوم عليه بلا نزاع،
فالضمير في قوله: "وإن أفطروا" ، عائد على العدل والمرجو وغيرهما المنفردين برؤية الشهر.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.