وإن غائبا
Its commentaries
(وَإِنْ) كَانَ الَّذِي ثَبَتَ عُسْرُهُ وَتُلُوِّمَ لَهُ (غَائِبًا) بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ مَا يُقَابِلُ النَّفَقَةَ، وَالتَّلَوُّمُ لِلْغَائِبِ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ مَوْضِعُهُ أَوْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ،
وَأَمَّا قَرِيبُ الْغَيْبَةِ فَإِنَّهُ يُعْذَرُ إلَيْهِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ غَائِبًا) أَيْ هَذَا إذَا كَانَ الَّذِي ثَبَتَ عُسْرُهُ وَتُلُوِّمَ لَهُ حَاضِرًا بَلْ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَائِبَ يُطَلَّقُ عَلَيْهِ لِلْعُسْرِ بِالنَّفَقَةِ سَوَاءٌ دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ سَوَاءٌ دُعِيَ إلَى الدُّخُولِ أَمْ لَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا فِي بَهْرَامَ حَيْثُ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِهِ أَوْ دَعْوَتِهِ لَهُ فَظَهَرَ لَك أَنَّ الدُّخُولَ وَالدَّعْوَةَ لَهُ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي إيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجِ إذَا كَانَ حَاضِرًا لَا غَائِبًا كَمَا فِي ح خِلَافًا لِبَهْرَامَ
(قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ إلَخْ) هَذَا بَيَانٌ لِثُبُوتِ عُسْرِ الْغَائِبِ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَرِيبُ الْغَيْبَةِ) أَيْ كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَعْذِرُ إلَيْهِ) أَيْ يُرْسِلُ إلَيْهِ
إمَّا أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهَا، أَوْ يُطَلَّقَ عَلَيْك
ص (وَإِنْ غَائِبًا) ش: يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ الْغَائِبِ فِي الطَّلَاقِ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ كَحُكْمِ الْحَاضِرِ،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ،
وَقَالَ الْقَابِسِيُّ لَا يُطَلِّقُ عَلَى غَائِبٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ حُجَّتَهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَا بُدَّ أَنْ تَثْبُتَ الزَّوْجِيَّةُ وَأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ بِهَا أَوْ دَعَا إلَى الدُّخُولِ، وَالْغَيْبَةُ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ أَوْ عُلِمَ وَلَمْ يُمْكِنْ الْإِعْذَارُ إلَيْهِ فِيهِ،
وَأَمَّا إنْ عُلِمَ وَأَمْكَنَ الْإِعْذَارُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يُعْذِرُ إلَيْهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَشْهَدَ لَهَا الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهَا لَا تَعْلَمُ أَنَّ الزَّوْجَ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً، وَلَا كِسْوَةً، وَلَا شَيْئًا يُعْدَى فِيهِ بِشَيْءٍ مِنْ مُؤْنَتِهَا، وَلَا أَنَّهُ بَعَثَ إلَيْهَا بِشَيْءٍ وَصَلَ إلَيْهَا فِي عِلْمِهِمْ إلَى هَذَا الْحِينِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَضْرِبُ لَهَا أَجَلًا عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ يُحَلِّفُهَا عَلَى مَا شَهِدَتْ لَهَا الْبَيِّنَةُ، وَحِينَئِذٍ إنْ دَعَتْ إلَى الطَّلَاقِ طَلَّقَهَا هُوَ أَوْ أَبَاحَ لَهَا التَّطْلِيقَ كَمَا تَقَدَّمَ اهـ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ وَنَصُّهُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ يَعْنِي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، قَالَ الْمُتَيْطِيُّ تَثْبُتُ غَيْبَتُهُ بِبَيِّنَةٍ تُعَرِّفُ غَيْبَتَهُ وَاتِّصَالَ زَوْجِيَّتِهِمَا وَغَيْبَتَهُ بَعْدَ بِنَائِهِ أَوْ قَبْلَهُ بِمَوْضِعِ كَذَا أَوْ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ مُنْذُ كَذَا، وَلَا يَعْلَمُونَ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً، وَلَا كِسْوَةً، وَلَا شَيْئًا تَعُولُ بِهِ نَفْسَهَا، وَلَا تُعْدَى فِيهِ بِشَيْءٍ مِنْ مُؤْنَتِهَا، وَلَا أَنَّهُ آبَ إلَيْهَا، وَلَا بَعَثَ بِشَيْءٍ وَرَدَّ عَلَيْهَا فِي عِلْمِهِمْ إلَى حِينِ التَّارِيخِ، ثُمَّ يُؤَجِّلُهُ الْقَاضِي فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا.
فَإِذَا انْقَضَى، وَلَا قَدِمَ، وَلَا بَعَثَ بِشَيْءٍ، وَلَا ظَهَرَ لَهُ مَالٌ وَدَعَتْ إلَى النَّظَرِ لَهَا أَمَرَ بِتَحْلِيفِهَا بِمَحْضَرِ عَدْلَيْنِ، كَمَا تَجِبُ فِي صِفَةِ الْحَلِفِ أَنَّهُ مَا رَجَعَ إلَيْهَا زَوْجُهَا الْمَذْكُورُ مِنْ مَغِيبِهِ الثَّابِتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ إلَى حِينِ حَلِفِهَا، وَلَا تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً، وَلَا كِسْوَةً، وَلَا وَضَعَتْ ذَلِكَ عَنْهُ، وَلَا وَصَلَ إلَيْهَا شَيْءٌ مِنْهُ إلَى الْآنِ،
فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي حَلِفُهَا طَلَّقَهَا عَلَيْهِ.
(قُلْتُ) وَلِابْنِ سَهْلٍ فِي بِكْرٍ قَامَ أَبُوهَا بِتَوْكِيلِهَا إيَّاهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ بِذَلِكَ أَفْتَى ابْنُ عَاتٍ أَنَّهَا تَحْلِفُ،
فَإِذَا حَلَفَتْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا، وَأَفْتَى ابْنُ الْقَطَّانِ لَا يَمِينَ عَلَيْهَا، وَلَا عَلَى أَبِيهَا وَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا، وَأَفْتَى ابْنُ رَشِيقٍ فَقِيهُ الْمِرْيَةِ بِحَلِفِهَا وَزَادَ فِيهِ إنَّ زَوْجِيَّتَهُمَا لَا تَنْقَطِعُ، ابْنُ سَهْلٍ زِيَادَةُ هَذَا فِي يَمِينِهَا لَا أَعْلَمُهُ لِغَيْرِهِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَطَّانِ لَا يَمِينَ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى أَبِيهَا لَا وَجْهَ لَهُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ أَنَّ السَّفِيهَ يَحْلِفُ فِي حَقِّهِ ابْنُ الْحَاجِبِ، حُكْمُ الْغَائِبِ وَلَا مَالَ لَهُ حَاضِرٌ حُكْمُ الْعَاجِزِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّ الْغَائِبَ الْبَعِيدَ الْغَيْبَةِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ أَوْ لَهُ، وَلَا يُمْكِنُهَا الْوُصُولُ إلَيْهِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْحَاضِرِ الْعَاجِزِ.
(قُلْت) قَوْلُهُ: إلَّا بَعْدَ مَشَقَّةٍ خِلَافُ ظَاهِرِ أَقْوَالِهِمْ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ لَهَا بِطَلَاقِهَا إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ بِحَالٍ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ، وَمَا تَقَدَّمَ لِابْنِ سَهْلٍ فِي فَتَاوِيهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: طَلَّقَتْ نَفْسَهَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ لِلْمُتَيْطِيِّ مِنْ قَوْلِهِ: طَلَّقَهَا الْقَاضِي عَلَيْهِ اهـ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ هَذَا أَنَّهُ يُطَلَّقُ عَلَى الْغَائِبِ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ،
وَلَوْ كَانَتْ غَيْبَةً قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَقَدْ جَلَبَ الْبُرْزُلِيُّ مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلَ فِي أَوَائِلِ مَسَائِلِ الطَّلَاقِ فَانْظُرْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل النَّفَقَاتِ فِي بَابِ الْمَفْقُودِ مَا يُقَوِّي ذَلِكَ، فَلَا يَتَمَسَّكُ بِمَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُ كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَقُمْ لِلزَّوْجَةِ بَيِّنَةٌ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَا يَحْكُمُ لَهَا الْقَاضِي،
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ خِلَافَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ مَسَائِلِ النِّكَاحِ مَا نَصُّهُ: وَسُئِلَ اللَّخْمِيّ عَمَّنْ شَهِدَ لَهَا نَحْوُ الْعِشْرِينَ أَوْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ أَنَّ زَوْجَهَا فُلَانٌ، وَقَدْ غَابَ لِنَاحِيَةِ سِجِلْمَاسَةَ وَيَخَافُ ضَيَاعَهَا وَلَيْسَ لِزَوْجِهَا مَالٌ، وَلَا يُوجَدُ مَنْ يَشْهَدُ بِنِكَاحِهِمَا إلَّا مَنْ تَقَدَّمَ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ عَدْلٌ، وَهِيَ تُحِبُّ الْفِرَاقَ، فَهَلْ يَثْبُتُ بِهِ الزَّوْجِيَّةُ
وَيَجِبُ الْفِرَاقُ.؟ وَهَلْ يَكُونُ الْحُكْمُ وَاحِدًا.؟
وَلَوْ كَانَتْ مَدِينَةٌ فِيهَا مِنْ الْعُدُولِ كَثِيرٌ أَوْ الْوَاحِدُ خَاصَّةً أَوْ لَا يَكُونُ شَيْءٌ،
وَفِي شَهَادَةِ مَنْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ،
وَفِي انْتِقَالِ أَمْلَاكِ الرِّبَاعِ وَبَيْعِهَا عَلَى مَنْ يَجِبُ بَيْعُهَا عَلَيْهِ بِمَا تَقَدَّمَ.؟ فَأَجَابَ لِلْمَرْأَةِ الْقِيَامُ بِالطَّلَاقِ بِمَنْ ذَكَرَتْهُ،
وَلَوْ عَدِمَتْ الْبَيِّنَةَ وَمَنْ يَشْهَدُ لَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ وَأَقَرَّتْ أَنَّ فُلَانًا زَوْجُهَا لَكَشَفَ الْقَاضِي عَنْهُ بِقَوْلِهَا وَسُئِلَ عَنْ هَذَا الِاسْمِ فِي الْبَلَدِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ؛
فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ حَكَمَ لَهَا بِالطَّلَاقِ بَعْدَ تَحْلِيفِهَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْهُ نَفَقَةٌ، وَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ مَتَى جَاءَ وَأَقَرَّ بِالزَّوْجِيَّةِ،
وَإِنْ أَنْكَرَ الزَّوْجِيَّةَ لَمْ يَضُرَّهُ مَا وَقَعَ وَيَكْتُبُ فِي الْحُكْمِ: رَفَعَتْ إلَيَّ فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ وَأَقَرَّتْ بِالزَّوْجِيَّةِ لِفُلَانٍ فَكَشَفْت عَنْهُ فَلَمْ أَجِدْهُ وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يَعْرِفُهُ فَحَلَّفْتُهَا وَحَكَمْت بِالطَّلَاقِ إنْ ثَبَتَ أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَوْجٌ لَهَا، وَالْمُدُنُ وَالْقُرَى فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَشَهَادَةُ مَنْ ذَكَرَتْ بِأَنَّهُ لَا وَلِيَّ لَهَا مَاضِيَةٌ وَلِلْقَاضِي تَزْوِيجُهَا، وَالْأَمْرُ فِيهِ خَفِيفٌ لِأَنَّ الْقَاضِيَ وَلِيُّهَا،
وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ غَيْرُهُ إذَا زَوَّجَ الثَّيِّبِ مَضَى، وَالْبِكْرُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ تُزَوَّجُ
وَمِثْلُهُ لَا يَخْفَى، وَأَمَّا شَهَادَةُ هَؤُلَاءِ فِي الرِّبَاعِ، فَلَا أَتَقَلَّدُ فِيهَا شَيْئًا، وَقَدْ سُئِلْتُ عَنْهَا غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ أُجِبْ بِشَيْءٍ وَالضَّرُورَةُ لَهَا حُكْمٌ، وَقَوْلُ غَيْرِ الْعُدُولِ كَلَا شَيْءٍ، وَسُئِلَ السُّيُورِيُّ عَنْ الْمَرْأَةِ تَأْتِي وَتَذْكُرُ أَنَّ لَهَا زَوْجًا أَوْ لِابْنَتِهَا، وَقَدْ غَابَ وَلَمْ يَخْلُفْ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يَعُدُّونَ فِيهِ بِالنَّفَقَةِ.
وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ قَوْلِهَا، وَتُكَلَّفُ بِالْبَيِّنَةِ فَتَعْجَزُ عَنْ إثْبَاتِهِ، وَرُبَّمَا ذَكَرَتْ غَرِيبًا أَيْ أَنَّ الزَّوْجَ غَرِيبٌ، وَرُبَّمَا أَتَتْ بِبَيِّنَةِ غَيْرِ ثِقَاتٍ مِنْ سُوقَةٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛
فَإِنْ أَفْتَيْتُ بِإِعْمَالِ هَؤُلَاءِ فَهَلْ أُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ أَوْ أَقُولُ ثَبَتَ عِنْدِي مَا أَوْجَبَ الْفِرَاقَ أَوْ قَبُولَ قَوْلِهَا، وَرُبَّمَا لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَوْكِيلِ الْأُمِّ بَيِّنَةٌ إلَّا بِقَوْلِهَا، فَأَجَابَ إنْ كَانَ الزَّوْجُ مَعْرُوفًا وَلَمْ تَعْرِفْ غَيْبَتَهُ كَلَّفَ الْقَاضِي رَجُلَيْنِ يَكْشِفَانِ عَنْهُ وَسُئِلَ جِيرَانُهُ وَمَنْ يُخَالِطُهُ أَوْ أَقَارِبُهُ عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي غَابَ إلَيْهِ؛
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ حَيْثُ تَوَجَّهَ حَلَفَتْ الزَّوْجَةُ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُفْ شَيْئًا،
وَإِنْ أَقَرَّتْ بِشَيْءٍ حَلَفَتْ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُفْ سِوَى مَا اعْتَرَفَتْ بِهِ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ قِبَلِهِ وَطَلَّقَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ سُئِلَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ صَنْعَتِهِ وَمَنْ يَعْرِفُهُ فَيُسْأَلُونَ نَحْوَ الْأَوَّلِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَنْعَةٌ، وَلَا مَنْ يُخَالِطُهُ كَشَفَ الْعَدْلَانِ عَنْ ذَلِكَ الِاسْمِ وَعَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ هَلْ هِيَ بِالْبَلَدِ،
فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ طَلَّقَ عَلَيْهِ بَعْدَ يَمِينِ الْمَرْأَةِ كَمَا مَرَّ، وَيَذْكُرُ الْقَاضِي فِيمَا يَشْهَدُ بِهِ أَنَّهُ رَفَعَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الْمَرْأَةُ، وَيَذْكُرُ أَمْرَهَا، وَذَكَرَتْ أَنَّ لَهَا زَوْجًا اسْمُهُ وَصِفَتُهُ كَذَا، وَذَكَرَتْ أَنَّهُ غَائِبٌ عَنْ الْبَلَدِ وَأَنَّهُ خَلَفَهَا عَلَى عَدَمِ النَّفَقَةِ وَطَلَّقَ عَلَيْهِ؛
فَإِنْ أَتَى الرَّجُلُ وَاعْتَرَفَ بِالزَّوْجِيَّةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ مَوْقِعَهُ،
وَإِنْ أَنْكَرَ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ، وَسُئِلَ الْمَازِرِيُّ عَنْ امْرَأَةٍ طَارِئَةٍ مِنْ الْمَغْرِبِ تَذْكُرُ أَنَّ زَوْجَهَا تَخَلَّفَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى بِجَّايَةَ وَأَرَادَتْ أَنْ تَطْلُقَ عَلَيْهِ وَتَأْتِي بِشُهُودِ صَحِبَتْهَا لَا يُعْرَفُونَ فَأَجَابَ لَا يَصِحُّ الْحُكْمُ عَلَى زَوْجِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِالْفِرَاقِ الْآنَ لِاعْتِرَافِهَا بِالزَّوْجِيَّةِ وَبَقَاءِ الْعِصْمَةِ وَادَّعَتْ غَيْبَتَهُ فَصَارَتْ مُقِرَّةً بِالْعِصْمَةِ مُدَّعِيَةً مَا يُوجِبُ زَوَالَهَا.
وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى لَا تُؤْخَذُ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّتْ، وَقَدْ زَعَمَتْ وَجْهًا يُوجِبُ الْفِرَاقَ فَوْرًا؛ لِأَنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّهُ فَارَقَهَا قَبْلَ وُصُولِهِ بِجَّايَةَ،
وَمِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا أَخَذَ طَرِيقًا آخَرَ قَادِمًا لِهَذَا الْبَلَدِ طَالِبًا لِزَوْجَتِهِ، وَقَدْ عَاقَهُ عَائِقٌ عَنْ الْوُصُولِ فَالْوَاجِبُ تَسْمِيَتُهُ وَالْبَحْثُ عَنْ اسْمِهِ الَّذِي تَذْكُرُ فِي الْمَوَاضِعِ الْقَرِيبَةِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْقُرْبِ لِيُعْذَرَ إلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْهُ فَيَنْظُرُ حِينَئِذٍ بِالْفِرَاقِ مِنْهُ بِالْوَاجِبِ، وَالشُّهُودُ غَيْرُ الْمَقْبُولِينَ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِمْ.
وَالْقَوْلُ عَلَى إقْرَارِهَا، وَفِيهِ مَا ذَكَرْنَا عَنْ الْمَذْهَبَيْنِ.
(قُلْت) الْأَصْلُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ تَبْعِيضُ الدَّعْوَى وَإِجْمَالُهَا فَابْنُ الْقَاسِمِ يُبَعِّضُ الدَّعْوَى فَيُصَيِّرُهُ مُقِرًّا مُدَّعِيًا وَأَشْهَبُ لَا يُؤَاخِذُهُ وَلَا بِجُمْلَةِ كَلَامِهِ، وَسُئِلَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْمَرْأَةِ تَقْدُمُ الْمَدِينَةَ مَعَ الْحَاجِّ وَتَقُولُ خِفْت الْعَنَتَ وَأَرَدْتُ التَّزْوِيجَ، وَلَا يُعْلَمُ هَلْ لَهَا زَوْجٌ أَمْ لَا إلَّا مِنْ قَوْلِهَا، وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْقَدْرِ وَالْأَوْلِيَاءِ هَلْ يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ أَمْ لَا.؟ فَأَجَابَ تُزَوَّجُ، وَلَا تُطْلَبُ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهَا لَا زَوْجَ لَهَا إذَا كَانَتْ غَرِيبَةً بَعِيدَةَ الْوَطَنِ، وَأُحِبُّ السُّؤَالَ لِأَهْلِ مَعْرِفَتِهَا وَبَلَدِهَا مِمَّنْ مَعَهَا فِي الرُّفْقَةِ سُؤَالًا مِنْ غَيْرِ تَكْلِيفِ شَهَادَةٍ،
فَإِنْ اسْتَرَابَ تَرَكَ تَزْوِيجَهَا وَإِلَّا زَوَّجَهَا وَلَيْسَتْ كَمَنْ مَكَانُهَا قَرِيبٌ، قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ كَلَامُ ابْنِ حَبِيبٍ أَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ لِمَا يُتَّقَى مِنْ زَوْجٍ يَكُونُ لَهَا،
فَإِذَا ظَهَرَ خِلَافُ قَوْلِهَا لَمْ يُزَوِّجْهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ: الرَّجُلُ يَأْتِي بِامْرَأَةٍ وَمَعَهُ صَدَاقٌ فَيَقُولُ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِي هَذَا الصَّدَاقِ أَنَّهُ حَقٌّ قِبَلِي لِزَوْجَتِي هَذِهِ، وَقَدْ ضَاعَ صَدَاقُهَا، فَقَالَ مَالِكٌ إنْ أَتَى بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ عَلَى أَصْلِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا فَلْيُشْهِدْ الشُّهُودَ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِمْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ كَيْ لَا يَكُونَ نِكَاحٌ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْغُرَبَاءِ، قَالَهُ مَالِكٌ فِي الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَانْظُرْ هَلْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ كِتَابِ الْقَذْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ عَنْ الْوَاضِحَةِ،
وَقَالَ فِيهَا: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمَرْأَةِ تَقُومُ مَعَ الْحَاجِّ مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى آخِرِهِ،
وَقَالَ فِي آخِرِهِ لَيْسَتْ هَذِهِ كَالْحَضَرِيَّةِ، وَلَا الَّتِي مَكَانُهَا قَرِيبٌ، انْتَهَى.
وَمِنْ الْبُرْزُلِيِّ قَالَ الْغَرْنَاطِيُّ فِي وَثَائِقِهِ فِي تَجْدِيدِ الصَّدَاقِ: يَذْكُرُ إشْهَادَ الزَّوْجِ عَلَى نَفْسِهِ إنْ زَوْجَتَهُ ذَكَرَتْ لَهُ تَلَفَ صَدَاقِهَا وَسَأَلَتْهُ تَجْدِيدَهُ وَأَجَابَتْهُ إلَى ذَلِكَ، وَإِقْرَارُهُ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ فِيهِ وَتَضْمَنُهُ مَعْرِفَةُ الزَّوْجِيَّةِ وَاتِّصَالُهَا إلَى حِينِ الْإِشْهَادِ فِي غَيْرِ الْغَرِيبِينَ، وَيَذْكُرُ إشْهَادَ الْمَرْأَةِ عَلَى نَفْسِهَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي التَّالِفِ غَيْرُ مَا ذُكِرَ.
وَسُئِلَ أَبُو عِمْرَانَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَقْدُمُ بَلَدًا، وَلَا يُدْرَى مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ قَدِمَتْ، وَلَا مَنْ هِيَ، وَتَطْلُبُ التَّزْوِيجَ فَهَلْ يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ بِغَيْرِ إثْبَاتٍ مُوجِبٍ.؟
وَكَذَا لَوْ زَعَمَتْ أَنَّهُ كَانَ لَهَا زَوْجٌ مَاتَ عَنْهَا أَوْ طَلَّقَهَا.؟ فَأَجَابَ إنْ كَانَ الْبَلَدُ قَرِيبًا كَتَبَ إلَيْهِ،
وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا يَتَعَذَّرُ وُصُولُ الْجَوَابِ أَوْ يَكُونُ بَعْدَ أَزْمِنَةٍ طَوِيلَةٍ خَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا تُرِيدُهُ إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُهَا، وَسُئِلَ الصَّائِغُ عَنْ طَارِئَةٍ عَلَى بَلَدٍ تَأْتِي لِقَاضِيهِ فَتَذْكُرُ أَنَّ لَهَا زَوْجًا غَابَ عَنْهَا فِي بَلَدِهَا غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً وَأَخْرَجَتْ صَدَاقَهَا مَجْهُولَ الشُّهُودِ وَاسْمَ زَوْجٍ مَجْهُولٍ، وَلَا يَعْرِفُ صِدْقَهَا مِنْ كَذِبِهَا، وَقَدْ شَكَتْ الضَّيْعَةَ وَأَنَّهَا إنْ بَقِيَتْ خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَحَالُهَا الْفَقْرُ فَهَلْ تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِمَا تَقَدَّمَ.؟ جَوَابُهَا لِلْمَازِرِيِّ كَذَا فِي هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي اخْتَصَرْت مِنْهُ قَالَ: يَنْظُرُ فِي حَالِهَا وَيَتَثَبَّتُ فِيهِ وَيَتَلَوَّمُ حَتَّى يُؤْنِسَ مَعْرِفَةَ صِدْقِهَا أَوْ كَذِبِهَا مِنْ حَالِ الزَّوْجِ وَمَكَانِهِ وَلَا مَالَ لَهُ، أَوْ يَثْبُتُ كَوْنُهَا طَارِئَةً مِنْ مَكَان بَعِيدٍ يَتَعَذَّرُ كَشْفُ حَالِ زَوْجِهَا فَتَحْلِفُ الْيَمِينَ الْوَاجِبَةَ فِي هَذَا، وَعَلَى صِدْقِهَا مِمَّا ذَكَرَتْ وَيُوقِعُ الطَّلَاقَ بِشَرْطِ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذُكِرَ لِي، انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الرُّكْنِ السَّادِسِ فِي الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَرْطِ صِدْقِ الْمُدَّعِي مَا نَصُّهُ: مَسْأَلَةٌ فِي الْحَاوِي فِي الْفَتَاوَى لِابْنِ عَبْدِ النُّورِ، قَالَ: سُئِلَ الْمَازِرِيُّ عَنْ امْرَأَةٍ مَجْهُولَةٍ طَارِئَةٍ عَلَى بَلَدٍ قَامَتْ عَلَى قَاضِيهِ فَذَكَرَتْ أَنَّ زَوْجَهَا غَابَ عَنْهَا فِي بَلَدِهَا غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً، وَلَا يَعْلَمُ صِدْقَهَا مِنْ كَذِبِهَا، وَشَكَتْ الضَّيْعَةَ فَمَا تَرَى فِي أَمْرِهَا هَلْ تَطْلُقُ وَتُزَوَّجُ أَمْ لَا.؟
فَأَجَابَ تَثَبَّتَ فِي أَمْرِهَا حَتَّى يُؤَيِّسَ مِنْ الْعُثُورِ عَلَى صِدْقِهَا مِنْ كَذِبِهَا أَوْ تُثْبِتَ كَوْنَهَا طَارِئَةً مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْكَشْفُ عَنْ حَالِ الزَّوْجِ فَتُسْتَحْلَفُ حِينَئِذٍ الْيَمِينَ الْوَاجِبَةَ فِي مِثْلِ هَذَا وَأَنَّهَا صَادِقَةٌ فِيمَا ذَكَرَتْ، وَيُوقِعُ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا وَيَكْتُبُ لَهَا الْحَاكِمُ أَنَّهُ أَوْقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَتْ اهـ. فَانْظُرْ هَذَا كُلَّهُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ إذَا تَعَذَّرَتْ،
وَأَنَّ الْقَاضِيَ يُطَلِّقُ عَلَى الْغَائِبِ،
وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ طَارِئَةً وَأَنَّ سَفَرَهَا بَعْدَ زَوْجِهَا حِينَ لَمْ يَتْرُكْ لَهَا نَفَقَةً لَا يَكُونُ نُشُوزًا،
وَأَمَّا لَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَكَانَ نُشُوزًا،
وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَبَهَا بِالسَّفَرِ مَعَهُ وَكَانَ صَالِحَ الْحَالِ مَعَهَا فَامْتَنَعَتْ مِنْ السَّفَرِ مَعَهُ؛
فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ نُشُوزًا، قَالَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ فِي كَلَامِهِ عَلَى النَّفَقَةِ وَغَيْرُهُ وَانْظُرْ الشَّيْخَ أَبَا الْحَسَنِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي وَالْجُزُولِيُّ عِنْدَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ، وَلَا نَفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا أَوْ يُدْعَى إلَى الدُّخُولِ، وَتَقَدَّمَ عَنْ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ النِّكَاحِ فِي تَعَدُّدِ الْأَوْلِيَاءِ فَحَاكِمٌ فَانْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ الْمَرْأَةِ يَغِيبُ عَنْهَا زَوْجُهَا فَتُثْبِتُ عِنْدَ الْعُدُولِ مَا تُثْبِتُ عِنْدَ الْقَاضِي] (فَرْعٌ) فَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ؛ فَإِنَّهَا تَرْفَعُ لِلْعُدُولِ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصُّلْحِ فِي خُرُوجِ أَحَدِ الْغَرِيمَيْنِ لِاقْتِضَاءِ دَيْنٍ لَهُمَا وَأُعْذِرَ إلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ وَأَشْهَدَ أَنَّهُ يَكْفِي الْإِشْهَادُ مَا نَصَّهُ جَعَلَ هُنَا جَمَاعَةَ الْعُدُولِ تَقُومُ مَقَامَ السُّلْطَانِ،
وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ سُلْطَانٌ، وَمِثْلُهُ فِي أَوَاخِرِ النُّذُورِ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَقْضِينَ إلَى أَجَلِ كَذَا،
وَمِثْلُهُ فِي الرَّوَاحِلِ فِي هُرُوبِ الْجِمَالِ،
وَمِثْلُهُ لِابْنِ مُغِيثٍ فِي الْمَرْأَةِ يَغِيبُ عَنْهَا زَوْجُهَا أَنَّهَا تُثْبِتُ عِنْدَ الْعُدُولِ مَا تُثْبِتُ عِنْدَ الْقَاضِي فَتُطَلِّقُ نَفْسَهَا، وَذَكَرَ أَبُو عِمْرَانَ وَابْنُ مُغِيثٍ تَعَذُّرَ تَنَاوُلِ السُّلْطَانِ الْمَشَذَّالِيِّ هَكَذَا وَقَعَ هَذَا كَمَا رَأَيْت، وَاَلَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ هُوَ إنْ قَالَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ مُغِيثٍ فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو عِمْرَانَ مِنْ أَنَّ جَمَاعَةَ الْعُدُولِ تَقُومُ مَقَامَ الْإِمَامِ فِي الْمُحَارِبِ وَفِي الْقِصَاصِ إنَّمَا ذَلِكَ حَيْثُ يَتَعَذَّرُ تَنَاوُلُ السُّلْطَانِ الْمَشَذَّالِيِّ، وَهُوَ كَلَامٌ وَاضِحٌ يُوَضِّحُ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ، انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ فَسْخُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ اُنْظُرْ شَرْحَ ابْنِ جَمَاعَةَ وَكَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ وَنَصُّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا بَعَثَ لِسَيِّدِهِ بِكِتَابَتِهِ فَلَمْ يَقْبَلْهَا لَا يَخْرُجُ مِنْ الرِّقِّ حَتَّى يَقْضِيَ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِبَلَدٍ لَا حُكْمَ فِيهِ فَلْيَشْهَدْ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ الشَّيْخُ.
اُنْظُرْ جَعْلَ أَبِي عِمْرَانَ هَذَا الْإِشْهَادَ مَقَامَ الْحُكْمِ
وَكَذَلِكَ فِي الْمُحَارِبِ وَكَذَلِكَ فِي الدِّيَاتِ،
وَإِذَا تَرَكَ بِنْتًا وَعَصَبَةً فَاخْتَلَفَا، وَلَا إمَامَ، وَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ الْحَمَّالَةِ أَنَّ جَمَاعَةَ الْعُدُولِ تَقُومُ مَقَامَ الْإِمَامِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَثْنَاءِ مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ: سُئِلَ السُّيُورِيُّ عَمَّنْ غَابَ إلَى مِصْرٍ وَلَهُ زَوْجَةٌ لَمْ يَخْلُفْ لَهَا نَفَقَةً إلَّا مَا لَا يَفِي بِصَدَاقِهَا وَلَيْسَ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ أَمِيرٌ مِنْ قِبَلِهِ فَحَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ فِيهِ، وَلَا يَنْظُرُ فِي طَلَاقٍ، وَرُبَّمَا كَانَ بَيْنَ الْبَلَدِ وَالْأَمِيرِ نَحْوُ ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ وَالْخَوْفُ بَيْنَهُمْ عَامٌّ، وَرُبَّمَا انْجَلَى الْخَوْفُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَهَلْ تَقُومُ الْجَمَاعَةُ مَقَامَ الْقَاضِي فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ وَغَيْرِهَا أَوْ يَجِبُ عَلَى أَمِينِهِ أَنْ يُحْنِثَ نَفْسَهُ وَيَحْكُمُ أَمْ لَا.؟
جَوَابُهَا إذَا تَحَرَّجَ النَّاسُ لِعَدَمِ الْقُضَاةِ أَوْ لِكَوْنِهِمْ غَيْرَ عُدُولٍ فَجَمَاعَتُهُمْ كَافِيَةٌ فِي الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْته،
وَفِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ الدِّينِ وَالْفَضْلِ فَيَقُومُونَ مَقَامَ الْقَاضِي فِي ضَرْبِ الْآجَالِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ
قُلْت: تَقَدَّمَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْقَاضِي مَعَ فَقْدِهِ إلَّا فِي مَسَائِلَ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْهَا، انْتَهَى. وَانْظُرْ مَسَائِلَ السَّلَمِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ وَالْجِهَادِ مِنْ الْمَشَذَّالِيِّ، وَقَدْ ذُكِرَ بَعْضُ كَلَامِهِ فِي الْوَصَايَا.
وَفِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ قَامَتْ الْمَرْأَةُ بِالطَّلَاقِ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ فِي غَيْبَةِ الزَّوْجِ فَتَطَوَّعَ بِهَا مُتَطَوِّعٌ] (مَسْأَلَةٌ) إذَا قَامَتْ الْمَرْأَةُ بِالطَّلَاقِ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ فِي غَيْبَةِ الزَّوْجِ فَتَطَوَّعَ بِهَا مُتَطَوِّعٌ فَذَكَرَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ،
وَلَوْ تَطَوَّعَ رَجُلٌ بِأَدَائِهَا لَمْ يُفْسَخْ.
(قُلْت) وَيُؤْخَذُ مِنْ هُنَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي مَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَ فِيهَا مَعَ ابْنِ الْكَاتِبِ رَأَيْنَا هُنَا فِي حَاشِيَةِ نُسْخَةٍ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَنَصُّهَا: سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ غَابَ عَنْ زَوْجَتِهِ فَقَامَتْ الْمَرْأَةُ وَادَّعَتْ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ لَهَا زَوْجُهَا شَيْئًا وَرَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى السُّلْطَانِ وَأَرَادَتْ الْفِرَاقَ إذَا لَمْ يَتْرُكْ لَهَا زَوْجُهَا نَفَقَةً
ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنْ أَقَارِبِ الزَّوْجِ أَوْ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ قَالَ لَهَا: أَنَا أُؤَدِّي عَنْهُ النَّفَقَةَ، وَلَا سَبِيلَ لَكِ إلَى فِرَاقِهِ، فَقَالَ ابْنُ الْكَاتِبِ: لَهَا أَنْ تُفَارِقَ؛ لِأَنَّ الْفِرَاقَ قَدْ وَجَبَ لَهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا مَقَالَ لَهَا؛ لِأَنَّ عَدَمَ النَّفَقَةِ الَّذِي أَوْجَبَ لَهَا الْقِيَامَ قَدْ انْتَفَى.
(قُلْت) وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ الْمُنَاصَفِ إلَى هَذَا فَقَالَ مَا حَاصِلُهُ: قِيَامُ الزَّوْجَةِ فِي غَيْبَةِ زَوْجِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِتَرْجِعَ بِمَا تُنْفِقُ عَلَيْهِ وَفَائِدَتُهُ قَبُولُ قَوْلِهَا مِنْ حِينِ الدَّفْعِ. الْوَجْهُ الثَّانِي لِتُطَلِّقَ نَفْسَهَا لِعَدَمِ الْإِنْفَاقِ،
فَإِذَا أَثْبَتَتْ الزَّوْجِيَّةَ وَالْمَغِيبَ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا شَيْئًا وَلَمْ يَخْلُفْ مَا يُعَدَّى فِيهِ وَلَمْ يَتَطَوَّعْ بِالنَّفَقَةِ عَنْهُ وَدَعَتْ إلَى الطَّلَاقِ إلَى آخِرِهِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّطَوُّعَ بِإِجْرَاءِ النَّفَقَةِ يُسْقِطُ مَقَالَهَا كَقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْمُدَوَّنَةُ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي فِي قَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ الزَّوْجُ بِالنَّفَقَةِ، انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي أَوَّلِ الْقَضَاءِ فِي مَسَائِلِ الْغَائِبِ مَا نَصُّهُ: مَمْلُوكَةٌ غَابَ سَيِّدُهَا وَأَثْبَتَتْ عَدَمَهُ فِي مِلْكِهِ لَهَا وَأَنَّهُ لَمْ يَخْلُفْ عِنْدَهَا شَيْئًا، وَلَا بَعَثَهُ إلَيْهَا، وَلَا مَالَ لَهَا تُنْفِقُهُ، وَلَا لَهُ مَالٌ تَعَدَّى فِيهِ فِي عِلْمِ مَنْ شَهِدَ بِذَلِكَ فَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ وَابْنُ الْقَطَّانِ بِأَمْرِ الْقَاضِي بِبَيْعِهَا وَيُقْبَضُ ثَمَنُهَا لِلْغَائِبِ وَيُوقِفُهُ عِنْدَ ثِقَةٍ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى أُمُورٍ تَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهَا عَلَى إثْبَاتِ فُصُولٍ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: وَلَا لَهَا مَالٌ تُنْفِقُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهَا خَرَاجٌ عَلَيْهَا الْأَكْلُ مِنْهُ؛ فَإِنَّهَا لَا تُبَاعُ وَتَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهَا،
وَقَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ إثْرَ كَلَامِ ابْنِ سَهْلٍ الْمُتَقَدِّمِ مَا نَصُّهُ: تَنْبِيهٌ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُكَلِّفَهَا أَنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنْ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ مِثْلُهَا لِتُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا،
وَقَالَ ابْن عَتَّابٍ مِثْلَهُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ الَّتِي غَابَ عَنْهَا سَيِّدُهَا، وَالْمَمْلُوكَةُ أَحْرَى، انْتَهَى، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ.
[فَرْعٌ أُمَّ وَلَدٍ غَابَ عَنْهَا سَيِّدُهَا وَأَثْبَتَتْ مَغِيبَهُ] فَرْعٌ: وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أُمَّ وَلَدٍ غَابَ عَنْهَا سَيِّدُهَا وَأَثْبَتَتْ مَغِيبَهُ؛
فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَتَلَوَّمُ لِسَيِّدِهَا الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ ثُمَّ يُنْجِزُ عِتْقَهَا عَلَى الْغَائِبِ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ وَالْقُرَشِيُّ، وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ زِيَادٍ،
وَقَالَ ابْنُ الشَّقَّاقِ وَابْنُ الْعَطَّارِ لَا تُعْتَقُ وَتَسْعَى فِي مَعَاشِهَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ قَالَ: وَتَبْقَى حَتَّى يَصِحَّ مَوْتُ سَيِّدِهَا أَوْ يَنْقَضِيَ تَعْمِيرُهُ ابْنُ سَهْلٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِقَوْلِ أَشْهَبَ إذَا عَجَزَ الرَّجُلُ عَنْ نَفَقَاتِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ أَهُنَّ بِمَنْزِلَةِ أَزْوَاجِهِ إذَا لَمْ يَقُمْ بِأَمْرِهِنَّ فَيُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ شَهْرٌ وَنَحْوُهُ؛
فَإِنْ وَجَدَ لَهُنَّ أَدْنَى مَا يَكْفِي وَإِلَّا أُعْتِقْنَ عَلَيْهِ ابْنُ سَهْلٍ، قُلْتُ لِابْنِ عَتَّابٍ هَلْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ إذَا حُكِمَ بِعِتْقِهَا، قَالَ: تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ،
قُلْت: وَهَلْ عَلَيْهَا يَمِينٌ أَنَّ سَيِّدَهَا لَمْ يَخْلُفْ عِنْدَهَا شَيْئًا، وَلَا أَرْسَلَ إلَيْهَا شَيْئًا كَمَا يَلْزَمُ زَوْجَةُ الْغَائِبِ، قَالَ لَا يَمِينَ عَلَيْهَا، وَبِذَلِكَ أَفْتَيْتُ لِطُولِ أَمَدِ الْمَغِيبِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَمَنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ أُمِّ وَلَدِهِ فَقِيلَ تُزَوَّجُ وَلَا تُعْتَقُ،
وَقِيلَ: تُعْتَقُ، وَكَذَا إنْ غَابَ سَيِّدُهَا وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا نَفَقَةً وَانْظُرْ تَمَامَهُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ الصَّقَلِّيُّ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ: إنْ لَمْ يَكُنْ فِي خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ مَا يَكْفِيهِ فِي نَفَقَةٍ أَوْ أَعْسَرَ السَّيِّدُ بِهَا عَتَقَ عَلَيْهِ، انْتَهَى. وَانْظُرْ مَا حُكْمُ الْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِثْلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) وَإِنْ غَائِبًا (ش) أَيْ وَإِنْ كَانَ الَّذِي ثَبَتَ عُسْرُهُ وَتَلَوَّمَ لَهُ غَائِبًا وَمَعْنَى ثُبُوتِ الْعُسْرِ فِي الْغَائِبِ عَدَمُ وُجُودِ مَا يُقَابِلُ النَّفَقَةَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَالتَّلَوُّمُ لِلْغَائِبِ مَحَلُّهُ حَيْثُ لَمْ تُعْلَمْ غَيْبَتُهُ أَوْ كَانَتْ بَعِيدَةً كَعَشْرَةِ أَيَّامٍ
وَأَمَّا إنْ قَرُبَتْ كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يُعْذَرُ إلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَسَائِلِهِ وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ الْعُدُولُ يَقُومُونَ مَقَامَ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ وَفِي كُلِّ أَمْرٍ يَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَى الْحَاكِمِ أَوْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ عَدْلٍ
(قَوْلُهُ وَإِنْ غَائِبًا) ذَكَرَ بَهْرَامُ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ شُرُوطِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ أَوْ يُدْعَى تَبَعًا لِلتَّوْضِيحِ وَرَدَّهُ الْحَطَّابُ وَالتَّتَّائِيُّ بِأَنَّ شَرْطَ الدُّخُولِ أَوْ الدُّعَاءِ خَاصٌّ بِالْحَاضِرِ وَلَا عِبْرَةَ بِمَنْ رَدَّ عَلَى الْحَطَّابِ وتت.
(قَوْلُهُ يُعْذَرُ إلَيْهِ) أَيْ يُرْسِلُ إلَيْهِ .
Adds nothing on this mas’ala.
(وَإِنْ) كَانَ (غَائِبًا) وَمَعْنَى ثُبُوتِ عُسْرِ الْغَائِبِ عَدَمُ وُجُودِ مَا يُقَابِلُ النَّفَقَةَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ حُكْمُ الْغَائِبِ وَلَا مَالَ لَهُ حَاضِرٌ حُكْمُ الْعَاجِزِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّ الْغَائِبَ الْبَعِيدَ الْغَيْبَةِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ أَوْ لَهُ مَالٌ لَا يُمْكِنُهَا الْوُصُولُ إلَيْهِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَاجِزِ الْحَاضِرِ. ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُهُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ خِلَافُ ظَاهِرِ أَقْوَالِهِمْ إنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِطَلَاقِهَا إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ بِحَالٍ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ.
ابْنُ رُشْدٍ لَا يَخْلُو الزَّوْجُ فِي مَغِيبِهِ مِنْ كَوْنِهِ مَعْرُوفَ الْمَلَاءِ أَوْ مَعْرُوفَ الْعَدَمِ أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفَ الْمَلَاءِ فَالنَّفَقَةُ لَهَا عَلَيْهِ عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ مَلَائِهِ، ثُمَّ قَالَ وَلَا خِيَارَ لَهَا فِي فِرَاقِهِ كَمَا يَكُونُ لَهَا ذَلِكَ فِي الْمَجْهُولِ الْحَالِ إذَا كَانَ لَهَا مَالٌ تُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا وَلَمْ تَطُلْ غَيْبَتُهُ عَنْهَا
وَمِثْلُهُ لِابْنِ سَلَمُونٍ وَنَصُّ ابْنِ فَتْحُونٍ فَإِنْ كَانَ غَائِبًا مَعْلُومَ الْمَحَلِّ أَوْ أَسِيرًا أَوْ فَقِيدًا فَإِنَّهَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ إذَا ثَبَتَ عَدَمُهُ أَوْ جَهِلَتْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ حَاضِرًا، وَكَانَ لَهُ مَالٌ وَتَعَسَّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ وَثَبَتَ ذَلِكَ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَلَا يُعْتَبَرُ حَالُ الزَّوْجِ فِي مَلَائِهِ أَوْ عَدَمِهِ.
وقال الحطاب عند قوله: وإن غائبا؛ يعني أن حكم الغائب في الطلاق بعدم النفقة كحكم الحاضر.
قال في التوضيح: وهو المشهور،
وقال القابسي: لا يطلق على غائب لأنه لم يستوف حجته، وعلى الأول فلا بد من أن تثبت الزوجية والغيبة بحيث لا يعلم موضعه أو علم ولم يمكن الإعذار إليه،
وأما إن علم وأمكن الإعذار إليه فإنه يعذر إليه، ولا بد أن تشهد لها البينة بأنها لا تعلم أن الزوج ترك لها نفقة ولا كسوة ولا شيئا يعدى فيه بشيء من مؤنتها، ولا أنه بعث إليها بشيء وصل لها في علمهم إلى هذا الحين، ثم بعد ذلك يضرب لها أجل على حسب ما يراه كما تقدم، ثم يحلفها على ما شهدت عليه البينة، وحينئذ إن دعت إلى الطلاق طلقها أوأباح لها التطليق ونقل ابن عرفة نحو ما تقدم عن المتيطي ونصه: وعلى الأول يعني القول الأول، قال المتيطي: تثبت غيبته ببينة تعرف غيبته واتصال زوجيتهما وغيبته بعد بنائه أو قبله بموضع كذا، وبحيث لا يعلمون منذ كذا، ولا يعلمونه ترك لها نفقة ولا كسوة ولا شيئا تعول به نفسها ولا تعدى فيه بشيء من مؤنتها، ولا أنه آب إليها ولا بعث بشيء ورد عليها في علمهم إلى حين التاريخ، ثم يؤجل القاضي في الإنفاق عليها شهرا أو شهرين أو خمسة أو أربعين يوما،
فإذا انقضى ولا قدم ولا بعث بشيء ولا ظهر له مال، ودعت إلى النظر لها أمر بتحليفها بمحضر عدلين، كعا يجب في صفة الحلف أنه ما رجع إليها زوجها المذكور من مغيبه الثابت عند الحاكم إلى حين حلفها، ولا ترك لها نفقة ولا كسوة ولا وضعت ذلك عنه ولا وصل إليها شيء منه إلى الآن،
فإذا ثبت عند القاضي حلفها طلقها عليه.
قلت: ولابن سهل في بكر قام أبوها بتوكيلها إياه قبل البناء بذلك، أفتى ابن عتاب: أنها تحلف،
فإذا حلفت طلقت نفسها، وأفتى ابن القطان: لا يمين عليها ولا على أبيها ولها أن تطلق نفسها، وأفتى ابن رشيق فقيه المرية بحلفها، وزاد فيه أن زوجيتهما لا تنقطع. ابن سهل: زيادة هذا في يمينها لا أعرفها لغيره. وقول ابن القطان: لا يمين عليها ولا على أبيها لا وجه له. وسئل السيوري عن المرأة تأتي وتذكر أن لها زوجا أو لابنتها، وقد غاب عنها ولم يخف شيئا، ولم يكن له شيء يعدى فيه بالنفقة، ولا يعرف ذلك إلا من قولها، وتكلف بالبينة فتعجز عن إثباته، وربما ذكرت غريبا أي زوجا غريبا، وربما أتت ببينة من سوقه أو غيره ولا تقدر على أكثر من ذلك،
فإن أفتيت بإعمال هؤلاء فهل أسميهم بأسمائهم؟ أوأقول: . ثبت عندي ما أوجب الفراق، أو قبول قولها، وربما لم يوجد على توكيل الأم بينة إلا بقولها؟ فأجاب: إن كان الزوج معروفا ولم تعرف غيبته كلف القاضي رجلين يكشفان عنه، ويسئل جيرانه ومن يخالطه أو أقاربه عن الموضع الذي غاب إليه،
فإن لم يكن أو لم يعلم حيث توجه، حلفت الزوجة أنه لم يخلف شيئا،
وإن أقرت بشيء حلفت أنه لم يخلف سوى ما اعترفت به، ولم يصل إليها شيء من قِبَله وطلق عليه،
ولو كان غير معروف سئلت المرأة عن صنعته ومن يعرفه، فيسئلون نحو الأول،
وإن لم تكن له صنعة ولا من يخالطه كشف العدلان عن ذلك الاسم وعن تلك الصفة، هل هي بالبلد؟
فإن لم يوجد طلق عليه بعد يمين المرأة كما مر. ويذكر القاضي فيما يشهد به أنه رفعت إليه تلك المرأة، ويذكر أمرها وذكرت أن لها زوجا اسمه وصفته كذا، وذكرت أنه غائب عن البلد وأنه خلفها بلا نفقة وطلق عليه،
فإن أتى الرجل واعترف بالزوجية وقع الطلاق موقعه،
وإن أنكر لم يضر ذلك. وسئل المازوري عن امرأة طارئة من المغرب ادعت أن زوجها تخلف في الطريق قبل وصوله إلى بجاية: وأرادت أن تطلق عليه وتأتي بشهود؟ فأجاب: لا يصح الحكم على زوج هذه المرأة بالفراق الآن لاعترافها بالزوجية وبقاء العصمة، وادعت غيبته فصارت مقرة بالعصمة مدعية ما يوجب زوالها، وعلى الطريقة الأخرى لا تؤخذ بأكثر مما أقرت، وقد زعمت وجها يوجب الفراق فورا؛ لأنها ذكرت أنه فارقها قبل وصوله بجاية،
ومن المكن أن يكون زوجها أخذ طريقا آخر قادما لهذا البلد طالبا لزوجته وعاقه عائق عن الوصول، فالواجب تسميته والبحث عن اسمه الذي تذكر في المواضع القريبة حتى يعلم أنه ليس بالقريب ليعذر إليه، وأنه لا شيء له ينفق عليها منه فينظر حينئذ بالفراق منه بالواجب، والشهود غير المقبولين لا يعول عليهم، والقول على إقرارها، وفيه ما ذكرنا عن المذهبين؛
قلت: الأصل الذي أشار إليه هو تبعيض الدعوى وإجمالها. فابن القاسم يبعض الدعوى فيصيره مقرا مدعيا، وأشهب لا يؤاخذه إلا بجملة كلامه. وسئل ابن حبيب عن المرأة تقدم المدينة مع الحاج، وتقول: خفت العنت وأرادت التزويج ولا يعلم هل لها زوج أم لا إلا من قولها وهي من ذوات القدر والأولياء، هل يزوجها السلطان أم لا؟ فأجاب: تزوج ولا تطلب ببينة بأنه لا زوج لها إذا كانت غريبة بعيدة الوطن، وأحب سؤال أهل معرفتها وبلدها ممن معها في الرفقة سؤالا من غير تكليف شهادة،
فإن استَبْرأَت تركت تزويجها وإلا زوجها، وليس كمن مكانها قريب )، قال ابن وصول : كلام ابن حبيب أصل مذهب مالك لما يتقى من زوج يكون لها،
فإذا ظهر خلاف قولها لم يزوجها، وبيان ذلك أن الرجل يأتي بامرأة ومعه صداق فيقول: اشهدوا علي بما في هذا الصداق أنه حق قبلي لزوجتي هذه وقد ضاع صداقها. فقال مالك: إن [أتى] بشاهدين عدلين على أصل الزوجية بينهما فليشهد الشهود الذين أشهدهم على نفسه،
وإن لم يأت [بهما] لم يقبل منه ليلا يكون نكاح بغير ولي، وهذا في حق الغرباء. قاله مالك في الديات من المدونة. وسئل أبو عمران عن المرأة تقدم بلدا ولا يدرى من أي موضع قدمت، ولا من هي، وتطلب التزويج، فهل يزوجها السلطان من غير إثبات موجب،
وكذا لو زعمت أنه كان لها زوج ومات عنها أو طلقها، فأجاب: إن كان البلد قريبا يكتب إليه،
وإن كان بعيدا يتعذر وصول الجواب أو يكون بعد أزمنة طويلة خُلِّيَ بينها وبين ما تريده إذا لم يتبين كذبها. وسئل المازري عن امرأة مجهولة طارئة على بلد فأتت إلى قاضيه فذكرت أن زوجها غاب عنها في بلدها غيبة منقطعة ولا يعلم صدقها من كذبها وشكت الضيعة، فما ترى في أمرها هل تطلق وتزوج أم لا؟ فأجاب: أنه يثبت في أمرها حتى ييئس من العثور على صدقها أو كذبها أو تثبت كونها طارئةمن بلد بعيد يتعذر معه الكشف عن حال الزوج، فتستحلف حينئذ اليمين الواجبة في مثل هذا، وأنها صادقة فيما ذكرت ويوقع الطلاق عليها، ويكتب لها الحاكم أنه أوقع عليها الطلاق بشرط أن يكون الأمر كما ذكرته.
نقله الحطاب. وقال بعد جلب نقول كثيرة: فانظر هذا كله فإنه يقتضي أنه لا يحتاج إلى البينة إذا تعذرت،
وأن القاضي يطلق على الغائب ولو كانت المرأة طارئة،
وأن سفرها بعد زوجها حين لم يترك لها النفقة لا يكون نشوزا قاله ابن [الجلاب] في كلامه على النفقة وغيره. انتهى.
فرع: قال الحطاب فإن لم يكن حاكم فإنها ترفع إلى العدول قال المشدالي في أول كتاب الصلح في خروج أحد الغريمين لاقتضاء دين لهما وأعذر إليه في الخروج وأشهد أنه يكفي الإشهاد ما نصه: جعل هنا جماعة العدول تقوم مقام السلطان ولو كان هناك سلطان،
ومثله في أواخر النذور فيمن حلف ليقضين إلى أجل كذا،
ومثله لابن مغيث في المرأة يغيب عنها زوجها أنها تثبت عند العدول ما تثبت عند القاضي فتطلق نفسها.
وفي الحطاب عن السيوري في جواب عن سؤال إذا تحرج الناس لعدم القضاة أو لكونهم غير عدول فجماعتهم كافية في الحكم في جميع ما وصفته وفي جميع الأشياء، فيجتمع أهل الدين والفضل فيقومون مقام القاضي في ضرب الآجال والطلاق وغير ذلك انتهى. مسألة: قال الحطاب: إذا قامت المرأة بالطلاق لعدم النفقة في غيبة الزوج فتطوع بها متطوع فذكر المشدالي في حاشيته على المدونة في كتاب الإجارة في ذلك قولين: قال ابن الكاتب: لها أن تفارق لأن الفراق قد وجب لها،
وقال ابن عبد الرحمن لا مقال لها لأن عدم النفقة الذي أوجب لها القيام قد انتفى، وقول ابن عبد الرحمن هو الذي تقتضيه المدونة في النكاح الثاني،
وفي أحكام ابن سهل: مملوكة غاب سيدها وأثبتت عدمه وملكه لها وأنه لم يخلف عندها ولا بعث لها ولا لها مال تنفقه ولا له مال يعدى فيه في علم من شهد بذلك، وأفتى ابن عات وابن القطان بأمر القاضي ببيعها، ويقبض ثمنها للغائب ويوقفه عند ثقة. انتهى. وقوله: ولا لها ما تنفقه، يدل على أنه إذا كان لها خراج يمكنها الأكل منه فإنها لا تباع وتأكل من خراجها،
وقال في معين الحكام في كتاب الأقضية إثر كلام ابن سهل المتقدم.
تنبيه: ينبغي للحاكم أن يكلفها أنها عاجزة عن استعمالها فيما يستعمل فيه مثلها لتنفق على نفسها،
وقال ابن عات: مثله في أم الولد التي غاب عنها سيدها والمملوكة أحرى. انتهى.
وفي التوضيح. فرع: ولو كانت هذه المرأة أم ولد غاب عنها سيدها وأثبتت مغيبه فإن الحاكم يتلوم لسيدها الشهر ونحوه ثم ينجز عتقها على الغانب هكذا قال ابن عات والقرشي، وروي ذلك عن ابن زياد،
وقال ابن الشقاق وابن العطار: لا تعتق وتسعى في معاشها، وبه قال ابن القطان، وتبقى حتى يصح موت سيدها وينقضي تعميره. ابن رشد: والأول هو الصواب،
وقال ابن عرفة: ومن أعسر بنفقة أم ولده فقيل: تزوج ولا تعتق،
وقيل: تعتق، وكذلك إن غاب سيدها ولم يترك لها نفقة. انتهى.
ابن عات: وإذا حكم بعتق أم الولد فإنها تعتد بحيضة. انتهى.
وقال ابن عرفة: قال الصقلي عن بعض القرويين: إن لم يكن في خدمة المدبر ما يكفيه في نفقته وأعسر السيد بها عتق عليه، وانظر ما حكم المعتق لأجل؟ والظاهر أنه مثله. والله أعلم. انتهى. أو وجد ما يمسك الحياة، عطف على المبالغة أي، وإن كان غائبا
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.