وكونه دينا
Its commentaries
(وَ) الشَّرْطُ السَّادِسُ (كَوْنُهُ) أَيْ السَّلَمِ بِمَعْنَى الْمُسْلَمِ فِيهِ (دَيْنًا) فِي ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَإِلَّا كَانَ مُعَيَّنًا وَهُوَ مُؤَدٍّ لِبَيْعٍ مُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَالذِّمَّةُ قَالَ الْقَرَافِيُّ مَعْنًى شَرْعِيٌّ مُقَدَّرٌ فِي الْمُكَلَّفِ قَابِلٌ لِلِالْتِزَامِ وَاللُّزُومِ وَنَظَمَهُ ابْنُ عَاصِمٍ
بِقَوْلِهِ:
وَالشَّرْحُ لِلذِّمَّةِ وَصْفٌ قَامَا ... يَقْبَلُ الِالْتِزَامَ وَالْإِلْزَامَا أَيْ وَصْفٌ قَامَ بِالنَّفْسِ بِهِ صِحَّةُ قَبُولِ الِالْتِزَامِ كَلَكَ عِنْدِي دِينَارٌ وَأَنَا ضَامِنٌ لِكَذَا وَقَبُولُ الْإِلْزَامِ كَأَلْزَمْتُكَ دِيَةَ فُلَانٍ
Adds nothing on this mas’ala.
(قَوْلُهُ وَهُوَ مُؤَدٍّ إلَخْ) أَيْ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ عِنْدَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَ غَيْرِهِ أَدَّى لِبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لَا يُقَالُ إنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُغْنِي عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَنْ تُبَيَّنَ صِفَاتُهُ إذْ لَا تَبَيُّنَ فِي الْحَاضِرِ الْمُعَيَّنِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ التَّبْيِينَ إنَّمَا هُوَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ وَحِينَئِذٍ فَكَانَ يَنْبَغِي الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ بِمَا قَبْلَهُ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ تَبْيِينَ الصِّفَاتِ قَدْ يَكُونُ فِي غَائِبٍ مُعَيَّنٍ مَوْجُودٍ عِنْدَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَلِهَذَا اُحْتِيجَ لِهَذَا الشَّرْطِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ) أَيْ لِأَنَّهُ يَهْلَكُ قَبْلَ قَبْضِهِ فَيَتَرَدَّدُ الثَّمَنُ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ إنْ هَلَكَ وَبَيْنَ الثَّمَنِيَّةِ إنْ لَمْ يَهْلَكْ
(قَوْلُهُ مَعْنًى شَرْعِيٌّ) أَيْ وَصْفٌ اعْتِبَارِيٌّ يَحْكُمُ بِهِ الشَّرْعُ وَيُقَدِّرُ وُجُودَهُ فِي الْمَحَلِّ وَهُوَ الشَّخْصُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وُجُودٌ فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِمْ فِي الطَّهَارَةِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ وَقَوْلُهُ قَابَلَ إلَخْ الْإِسْنَادُ فِيهِ مَجَازٌ أَيْ يَقْبَلُ الْمُكَلَّفُ بِسَبَبِهِ أَنْ يُلْزَمَ بِأَرْشِ الْجِنَايَاتِ وَأُجُورِ الْإِجَارَاتِ وَأَثْمَانِ الْبِيَاعَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَيَقْبَلُ بِسَبَبِهِ أَيْضًا الِالْتِزَامَ لِلْأَشْيَاءِ فَإِذَا الْتَزَمَ شَيْئًا اخْتِيَارًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ لَزِمَهُ قَالَ الْقَرَافِيُّ بَعْدَ هَذَا التَّعْرِيفِ وَصَحَّ إنَاطَةُ الْأَحْكَامِ بِهَذَا الْوَصْفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وُجُودٌ لِارْتِبَاطِ تَقْدِيرِهِ بِأَوْصَافٍ لَهَا تَحَقُّقٌ وَهِيَ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالرُّشْدُ فَمَنْ بَلَغَ سَفِيهًا لَا ذِمَّةَ لَهُ فَمَنْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فِيهِ رَتَّبَ الشَّرْعُ عَلَيْهِ هَذَا الْمَعْنَى الْمُقَدَّرَ وَهُوَ الَّذِي تُقَدَّرُ الْأَجْنَاسُ الْمُسْلَمُ فِيهَا مُسْتَقِرَّةً فِيهِ حَتَّى يَصِحَّ مُقَابَلَتُهَا بِالْأَعْوَاضِ الْمَقْبُوضَةِ وَتُقَدَّرُ أَثْمَانُ الْمَبِيعَاتِ مُسْتَقِرَّةً فِيهِ
وَكَذَا صَدَقَاتُ الْأَنْكِحَةِ وَسَائِرُ الدُّيُونِ وَمَنْ لَا يَكُونُ هَذَا الْمَعْنَى مُقَدَّرًا فِي حَقِّهِ لَا يَنْعَقِدُ فِي حَقِّهِ سَلَمٌ وَلَا ثَمَنٌ لِأَجَلٍ وَلَا حَوَالَةٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ وَقَبُولُ الْإِلْزَامِ) أَيْ مِنْ الْغَيْرِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ حَاكِمًا
Says nothing on this mas’ala.
(وَكَوْنُهُ دَيْنًا) الْبَاجِيُّ: لَا خِلَافَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالذِّمَّةِ. ابْنُ بَشِيرٍ: لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالذِّمَّةِ وَكَانَتْ بَيْعَةُ نَقْدٍ فَيَكُونُ بَيْعَ مُعَيَّنٍ يُقْبَضُ إلَى أَجَلٍ إنْ كَانَ ضَمَانُهُ مِنْ بَائِعِهِ يَكُونُ قَدْ أَخَذَ لِلضَّمَانِ ثَمَنًا،
وَإِنْ كَانَ مِنْ مُشْتَرِيهِ لَا يَدْرِي هَلْ يُسْلِمُ إلَى وَقْتِ قَبْضِهِ أَمْ لَا.
(ص) وَكَوْنُهُ دَيْنًا (ش) هَذَا هُوَ الشَّرْطُ السَّادِسُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ بَيْعِ مُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ قَدْ يَهْلَكُ قَبْلَ قَبْضِهِ فَيَدُورُ الثَّمَنُ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ إنْ هَلَكَ، وَبَيْنَ الثَّمَنِيَّةِ إنْ لَمْ يَهْلَكْ وَالشَّرْحُ لِلذِّمَّةِ وَصْفٌ قَامَا يَقْبَلُ الِالْتِزَامَ وَالْإِلْزَامَا أَيْ: هِيَ وَصْفٌ مُقَدَّرٌ فِي الشَّخْصِ يَقْبَلُ الِالْتِزَامَ كَلَكِّ عِنْدِي دِينَارٌ، وَيَقْبَلُ الْإِلْزَامَ كَأَلْزَمْتُكَ دِيَةَ فُلَانٍ مَثَلًا، وَتَعْرِيفُ ابْنِ عَرَفَةَ لَهَا مُعْتَرَضٌ اُنْظُرْ الشَّرْحَ الْكَبِيرَ
Adds nothing on this mas’ala.
(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ قَدْ يَهْلَكُ) اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ عُلِّلَ كَوْنُهُ دَيْنًا بِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا، وَهُوَ عِنْدَهُ فَفِيهِ بَيْعٌ مُعَيَّنٌ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ،
وَإِذَا كَانَ عِنْدَ غَيْرِهِ فَفِيهِ بَيْعٌ مُعَيَّنٌ لَيْسَ عِنْدَهُ، وَاسْتَشْكَلَ الْمُصَنِّفُ التَّعْلِيلَ الْأَوَّلَ بِجَوَازِ بَيْعِ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ عَلَى أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ شَهْرٍ مَثَلًا، وَبِجَوَازِ كِرَاءِ دَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ تُقْبَضُ بَعْدَ شَهْرٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُورَدَتَيْنِ فِي الْبَيْعِ، وَكَلَامُنَا فِي السَّلَمِ انْتَهَى حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ حَيْثُ كَانَ ضَمَانُ الْمَبِيعِ أَصَالَةً عَلَى الْمُشْتَرِي، وَيَنْتَقِلُ إلَى الْبَائِعِ فَيَلْزَمُ الضَّمَانُ بِجُعْلٍ كَمَا فِي السَّلَمِ هُنَا دُونَ الصُّورَتَيْنِ الْمُورَدَتَيْنِ فَإِنَّ الضَّمَانَ فِيهِمَا مِنْ الْمُشْتَرِي لِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَكَوْنِهِ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ انْتَهَى أَيْ وَلَمْ يَنْتَقِلْ الضَّمَانُ فِيهِمَا إلَى الْبَائِعِ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُ الشَّارِحِ مِنْ بَيْعِ مُعَيَّنٍ الْأَوْلَى مِنْ السَّلَمِ فِي مُعَيَّنٍ، وَإِيضَاحُ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ الْمُسْلِمَ حِينَ أَسْلَمَ فِي مُعَيَّنٍ صَارَ الضَّمَانُ مِنْهُ لِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا،
وَلَمَّا شُرِطَ تَأْخِيرُهُ فَقَدْ نُقِلَ الضَّمَانُ إلَى الْبَائِعِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، وَرَأْسُ الْمَالِ حِينَئِذٍ بَعْضُهُ ثَمَنًا، وَبَعْضُهُ فِي مُقَابَلَةِ الضَّمَانِ جَعَالَةً
(قَوْلُهُ وَالشَّرْحُ) أَيْ التَّعْرِيفُ لِلذِّمَّةِ، وَهَذَا الْبَيْتُ لِلْعَاصِمِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ عب، وَلَكِنْ ذَكَرَ مُحَشِّي تت أَنَّهُ لِصَاحِبِ التُّحْفَةِ
(قَوْلُهُ يُقْبَلُ) أَيْ يُقْبَلُ الشَّخْصُ بِسَبَبِهِ أَيْ يَصِحُّ مِنْ الشَّخْصِ بِسَبَبِهِ الِالْتِزَامُ وَالْإِلْزَامُ أَيْ إلْزَامُ الْغَيْرِ لَهُ فَالْإِلْزَامُ لَيْسَ مِنْهُ بَلْ مِنْ غَيْرِهِ هَذَا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ، وَلَا تَعْدِلُ عَنْ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ وَهِيَ، وَصْفٌ مُقَدَّرٌ فِي الشَّخْصِ) زَادَ عب فَقَالَ مَعْنًى شَرْعِيٌّ مُقَدَّرٌ فِي الْمُكَلَّفِ انْتَهَى لَكِنْ قَالَ الْقَرَافِيُّ، وَهَذَا الْمَعْنَى جَعَلَهُ الشَّرْعُ سَبَبًا عَنْ أَشْيَاءَ خَاصَّةٍ مِنْهَا الْبُلُوغُ، وَمِنْهَا الرُّشْدُ فَمَنْ بَلَغَ سَفِيهًا لَا ذِمَّةَ لَهُ، وَمِنْهَا تَرْكُ الْحَجْرِ كَمَا فِي الْمُفْلِسِ فَمَنْ اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ رَتَّبَ الشَّارِعُ عَلَيْهَا تَقْرِيرَ مَعْنًى يَقْبَلُ إلْزَامَهُ أَرْشَ الْجِنَايَاتِ، وَأَجْرَ الْإِجَارَاتِ، وَأَثْمَانَ الْمُعَامَلَاتِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ، وَيَقْبَلُ الْتِزَامُهُ إذَا الْتَزَمَ شَيْئًا اخْتِيَارًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ لَزِمَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى الْمُقَدَّرُ هُوَ الَّذِي تُقَدَّرُ فِيهِ الْأَجْنَاسُ الْمُسْلَمُ فِيهَا، وَأَطَالَ الْقَرَافِيُّ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ الذِّمَّةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْبُلُوغُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ أَعْلَمُهُ انْتَهَى فَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ، وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَنَّ الذِّمَّةَ قَبُولُ الْإِنْسَانِ شَرْعًا لِلُزُومِ الْحُقُوقِ دُونَ الْتِزَامِهَا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِلصَّبِيِّ ذِمَّةٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَرْشُ الْجِنَايَاتِ، وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا ذِمَّةَ لِلصَّبِيِّ نَقُولُ الذِّمَّةُ قَبُولُ الْإِنْسَانِ شَرْعًا لِلُزُومِ الْحُقُوقِ، وَالْتِزَامِهَا
(قَوْلُهُ وَتَعْرِيفُ ابْنِ عَرَفَةَ مُعْتَرَضٌ) فَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ مِلْكٌ مُتَمَوَّلٌ كُلِّيٌّ حَاصِلٌ أَوْ مُقَدَّرٌ، وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّ الَّذِي يَتَّصِفُ بِالْمِلْكِ إنَّمَا هُوَ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا الذِّمَّةُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ لِلشَّيْءِ بِخَاصَّتِهِ فَهُوَ رَسْمٌ، وَقَوْلُهُ مُتَمَوَّلٌ أَخْرَجَ بِهِ الْأُمُورَ التَّمْلِيكِيَّةَ الْغَيْرَ الْمُتَمَوَّلَةِ مِنْ الْحُقُوقِ غَيْرِ الْمَالِيَّةِ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ، وَوُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَالْوِلَايَةِ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ فِي الْإِعْطَاءِ وَالْجَبْرِ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ غَيْرُ مَالِيَّةٍ، وَقَوْلُهُ حَاصِلٌ أَوْ مُقَدَّرٌ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُتَمَوَّلَ الْكُلِّيَّ
إمَّا حَاصِلٌ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْإِمْكَانِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ ذِمَّةً.
وَقَالَ شَارِحُ ابْنِ عَرَفَةَ مِنْ لَازِمِ الذِّمَّةِ أَنَّ الْمُقَدَّرَ فِيهَا كُلِّيٌّ لَا جُزْئِيٌّ لِأَنَّ الْجُزْئِيَّ هُوَ الْمُعَيَّنُ، وَهُوَ لَا يَقْبَلُ الذِّمَّةَ
(وَ) الشَّرْطُ السَّادِسُ (كَوْنُهُ) أَيْ الْمُسْلَمِ فِيهِ (دَيْنًا) أَيْ شَيْئًا مَوْصُوفًا مُتَعَلِّقًا بِذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا عِنْدَهُ لَزِمَ بَيْعُ مُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ،
وَإِنْ كَانَ عِنْدَ غَيْرِهِ لَزِمَ بَيْعُ مُعَيَّنٍ لَيْسَ عِنْدَهُ، وَنَصَّ التَّوْضِيحِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ فَغَرَرُهُ ظَاهِرٌ،
وَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ فَبَقَاؤُهُ بِصِفَتِهِ إلَى أَجَلِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ بِجُعْلٍ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَزِيدُ فِي الثَّمَنِ لِيَضْمَنَهُ لَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ وَلِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ اخْتَلَّ شَرْطُ السَّلَمِ وَإِنْ نَقَدَهُ دَارَ بَيْنَ الثَّمَنِ إنْ لَمْ يَهْلَكْ وَالسَّلَفِ إنْ هَلَكَ.
فَإِنْ قِيلَ مِنْ الْبِيَاعَاتِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ شَهْرٍ فَلِمَ لَا أُجِيزَ هُنَا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] كَذَلِكَ، قِيلَ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ، وَكَلَامُنَا فِي السَّلَمِ.
فَإِنْ قِيلَ قَدْ أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ كِرَاءَ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ تُقْبَضُ بَعْدَ شَهْرٍ، وَيَلْزَمُهُ جَوَازُ السَّلَمِ فِي مُعَيَّنٍ إلَى أَجَلٍ. قِيلَ الْفَرْقُ أَنَّ الدَّابَّةَ الْمُعَيَّنَةَ ضَمَانُهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ بِالْعَقْدِ أَوْ التَّمْكِينِ،
فَإِذَا اشْتَرَطَ تَأْخِيرَهَا كَانَ ضَمَانُهَا مِنْ الْبَائِعِ، فَيَلْزَمُ ضَمَانٌ بِجُعْلٍ،
بِخِلَافِ مَنَافِعِ الْمُعَيَّنِ، فَإِنَّ ضَمَانَهَا مِنْ رَبِّهَا فَلَمْ يُشْتَرَطْ إلَّا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ.
صر حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَنْعَ حَيْثُ يَكُونُ ضَمَانُ الْمَبِيعِ أَصَالَةً عَلَى الْمُشْتَرِي، وَيَنْتَقِلُ إلَى الْبَائِعِ فَيَلْزَمُ الضَّمَانُ بِجُعْلٍ كَمَا فِي السَّلَمِ دُونَ الصُّورَتَيْنِ الْوَارِدَتَيْنِ،
فَإِنَّ الضَّمَانَ فِيهِمَا فِي صُورَةِ الْبَيْعِ بَاقٍ مِنْ الْمُشْتَرِي لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْبَائِعِ،
وَفِي صُورَةِ الْكِرَاءِ الضَّمَانُ مِنْ الْبَائِعِ أَيْ الْمُكْرِي أَصَالَةً فَلَمْ يُشْتَرَطْ إلَّا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ قَوْلَ الْمُوَضِّحِ فِي الْجَوَابِ الْأَوَّلِ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْبَيْعِ إلَخْ، يُقَالُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَنْعَ فِي السَّلَمِ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ يَئُولُ إلَى بَيْعِ مُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ، فَفِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا نَظَرٌ. وَيُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الضَّمَانَ فِي الْبَيْعِ مِنْ الْمُشْتَرِي فَلَيْسَ فِيهِ ضَمَانٌ بِجُعْلٍ
بِخِلَافِ السَّلَمِ.
وَحَاصِلُ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ضَيْح وَصَرَّحَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ السَّلَمِ وَبَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أَنَّ مَحَلَّ الْمَنْعِ حَيْثُ يَكُونُ ضَمَانُ الْمَبِيعِ مِنْ الْمُشْتَرِي أَصَالَةً وَيُنْقَلُ إلَى الْبَائِعِ، وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي الصُّورَتَيْنِ لِكَوْنِ الضَّمَانِ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ بَاقِيًا مِنْ الْمُشْتَرِي لَمْ يَنْتَقِلْ،
وَفِي صُورَةِ الْكِرَاءِ الضَّمَانُ مِنْ الْبَائِعِ أَيْ الْمُكْرِي أَصَالَةً، فَلَمْ يُشْتَرَطْ إلَّا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: الْقَرَافِيُّ الْعِبَارَةُ الْكَاشِفَةُ عَنْ الذِّمَّةِ أَنَّهَا مَعْنًى شَرْعِيٌّ مُقَدَّرٌ فِي الْمُكَلَّفِ قَابِلُ الِالْتِزَامِ وَاللُّزُومِ، وَجَعَلَهُ الشَّارِعُ مُسَبَّبًا عَنْ أَشْيَاءَ خَاصَّةٍ، مِنْهَا الْبُلُوغُ وَالرُّشْدُ،
فَمَنْ بَلَغَ سَفِيهًا فَلَا ذِمَّةَ لَهُ. وَمِنْهَا عَدَمُ الْحَجْرِ فَلَا ذِمَّةَ لِلْمُفْلِسِ،
فَمَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ رَتَّبَ الشَّارِعُ عَلَيْهَا تَقْدِيرَ مَعْنًى يُقْبَلُ إلْزَامُهُ أُرُوشُ الْجِنَايَاتِ وَأَجْرُ الْإِجَارَاتِ وَأَثْمَانُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] الْمُعَامَلَاتِ وَنَحْوُهَا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ، وَيُقْبَلُ الْتِزَامُهُ شَيْئًا اخْتِيَارًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَيَلْزَمُهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى الْمُقَدَّرُ هُوَ الَّذِي تُقَرَّرُ فِيهِ الْأَجْنَاسُ الْمُسْلَمُ فِيهَا مُسْتَقِرَّةً حَتَّى تَصِحَّ مُقَابِلَتُهَا بِالْأَعْوَاضِ الْمَقْبُوضَةِ، وَفِيهِ تُقَدَّرُ أَثْمَانُ الْمَبِيعَاتِ وَصَدَقَاتُ الْأَنْكِحَةِ وَسَائِرُ الدُّيُونِ وَمَنْ لَا يَكُونُ هَذَا الْمَعْنَى مُقَدَّرًا فِيهِ لَا يَنْعَقِدُ فِي حَقِّهِ سَلَمٌ وَلَا ثَمَنٌ إلَى أَجَلٍ وَلَا حَوَالَةٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَطَالَ فِي هَذَا ثُمَّ قَالَ شَرْطُهَا الْبُلُوغُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ أَعْلَمُهُ.
ابْنُ الشَّاطِّ الْأَوْلَى عِنْدِي أَنَّهَا قَبُولُ الْإِنْسَانِ لِلُزُومِ الْحُقُوقِ دُونَ الْتِزَامِهَا، فَعَلَى هَذَا لِلصَّبِيِّ ذِمَّةٌ لِأَنَّهُ تَلْزَمُهُ أُرُوشُ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا ذِمَّةَ لَهُ نَقُولُ هِيَ قَبُولُ الْإِنْسَانِ شَرْعًا لِلُزُومِ الْحُقُوقِ وَالْتِزَامِهَا. الْبُنَانِيُّ وَلِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لِلْقَرَافِيِّ أَنَّ الْقَبُولَ الْمَذْكُورَ نَاشِئٌ، وَمُسَبَّبٌ عَنْ الذِّمَّةِ عَلَى مَا لِلْقَرَافِيِّ، وَعَلَى مَا لِابْنِ الشَّاطِّ عَيَّنَهَا وَاخْتَارَهُ لِسَلَامَتِهِ مِمَّا يَقْتَضِيهِ تَعْرِيفُ الْقَرَافِيُّ مِنْ كَوْنِهَا مِنْ التَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ.
الشَّيْخُ الْمِسْنَاوِيُّ إثْبَاتُ الذِّمَّةِ لِلصَّبِيِّ لِلدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ صَحِيحٌ فِي الْجُمْلَةِ لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ وَفِيهَا مَنْ أَوْدَعْته حِنْطَةً فَخَلَطَهَا صَبِيٌّ أَجْنَبِيٌّ بِشَعِيرٍ لِلْمُودَعِ ضَمِنَ الصَّبِيُّ ذَلِكَ فِي مَالِهِ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَفِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ حُكْمَ جِنَايَةِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ. الصِّقِلِّيُّ وَالصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ يَضْمَنُ الْمَالَ فِي ذِمَّتِهِ وَالدِّمَاءَ عَلَى حُكْمِ الْخَطَأِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ وضيح، وَكُلُّهُ صَرِيحٌ فِي إثْبَاتِ ذِمَّةِ الصَّبِيِّ وَهُوَ اتِّفَاقٌ فِي الْمُمَيِّزِ، وَعَلَى الرَّاجِحِ فِي غَيْرِهِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ، فَلَا يُشْتَرَطُ: فِيهَا التَّمْيِيزُ فَضْلًا عَنْ الْبُلُوغِ، اُنْظُرْ صَرْفَ الْهِمَّةِ إلَى تَحْقِيقِ مَعْنَى الذِّمَّةِ لِلْمِسْنَاوِيِّ.
الثَّانِي: عَرَّفَهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهَا أَمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ فَلَيْسَ ذَاتًا وَلَا صِفَةً لَهَا فَيُقَدَّرُ الْمَبِيعُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْأَثْمَانِ، كَأَنَّهُ فِي وِعَاءٍ عِنْدَ مَنْ هُوَ مَطْلُوبٌ بِهِ فَهِيَ الْأَمْرُ التَّقْدِيرِيُّ الَّذِي يَحْوِي ذَلِكَ الْمَبِيعَ أَوْ عِوَضَهُ. اهـ. وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ إنْ قَامَ زَيْدٌ وَنَحْوَهُ ذِمَّةٌ وَسَلَّمَهُ الْأَبِيُّ وَالرَّصَّاعُ وَالْمَشَذَّالِيُّ وَالْحَطّ، وَرَدَّهُ السَّنُوسِيُّ فِي حَاشِيَةِ مُسْلِمٍ قَائِلًا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْقِيَامَ الْمُقَدَّرَ بَعْدَ إنْ الشَّرْطِيَّةِ يَصِحُّ كَوْنُهُ صِفَةً لِلذَّاتِ وَلَيْسَ مُرَادُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ وَلَا صِفَةً لَهَا مَا هُوَ صِفَةٌ فِي الْحَالِ فَقَطْ، بَلْ الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ كَوْنُهُ صِفَةً لَهَا مُطْلَقًا، .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] وَذَكَرَهُ الْيَزْنَاسِيُّ فِي شَرْحِ التُّحْفَةِ. الْمِسْنَاوِيُّ قَدْ يُقَالُ جَوَابًا عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ آخِرُ كَلَامِهِ يُخَرِّجُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ فَالذِّمَّةُ هُوَ الْأَمْرُ التَّقْدِيرِيُّ إلَخْ لِأَنَّ حَاصِلَ كَلَامِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا أَنَّهَا أَمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ يَفْرِضُهُ الذِّهْنُ لَيْسَ بِذَاتٍ وَلَا صِفَةٍ لَهَا يَحْوِي الْمَبِيعَ أَوْ عِوَضَهُ، وَبِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ يَنْدَفِعُ مَا أُورِدَ عَلَيْهِ وَهُوَ مِمَّا لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَى مَنْ دُونَ ابْنِ عَرَفَةَ فَضْلًا عَمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ،
وَنَظَّمَ الشَّيْخُ مَيَّارَةُ نَحْوَ مَا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَالَ:
وَالشَّرْحُ لِلذِّمَّةِ ظَرْفٌ قُدِّرَا ... عِنْدَ الْمَدِينِ فِيهِ مَا قَدْ أُنْظِرَا الثَّالِثُ: عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهَا مِلْكٌ مُتَمَوَّلٌ كُلِّيٌّ حَاصِلٌ أَوْ مُقَدَّرٌ، قَالَ فَيَخْرُجُ عَنْهُ مَا أَمْكَنَ حُصُولُهُ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ وِلَايَةٍ أَوْ وُجُوبِ حَقٍّ فِي قِصَاصٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ مُتَمَوَّلًا، إذْ لَا يُسَمَّى ذَلِكَ فِي الْعُرْفِ ذِمَّةً وَاعْتَرَضَهُ الرَّصَّاعُ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْمِلْكِ الشَّيْءَ الْمُتَمَلَّكَ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ الذِّمَّةَ مُتَمَلَّكَةٌ، وَإِنَّمَا الْمُتَمَلَّكُ مَا فِيهَا وَإِنْ أَرَادَ اسْتِحْقَاقَ التَّصَرُّفِ فِي الْمُتَمَلَّكِ وَهُوَ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ فَكَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ هِيَ الِاسْتِحْقَاقُ.
طفي اعْتِرَاضُهُ صَحِيحٌ وَأَجَابَ الْمِسْنَاوِيُّ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ عَرَفَةَ بِالْمِلْكِ الْعِنْدِيَّةُ الْمَعْنَوِيَّةُ وَالظَّرْفِيَّةُ التَّقْدِيرِيَّةُ الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ فِي وِعَاءٍ إلَخْ، عَبَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهَا بِالْمِلْكِ مَجَازًا لِلْمُشَابَهَةِ بَيْنَهُمَا اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَهِيَ عَدَمُ صَلَاحِيَّةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لَهُ هُنَا. وَبَحَثَ السَّنُوسِيُّ فِي تَقْيِيدِهِ بِمُتَمَوَّلٍ بِإِطْلَاقِهِمْ الذِّمَّةَ فِي الْعِبَادَاتِ فَقَالُوا تَرَتَّبَتْ الصَّلَاةُ أَوْ الصَّوْمُ فِي ذِمَّتِهِ فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. الْمِسْنَاوِيُّ قَدْ يُجَابُ بِادِّعَاءِ الْمَجَازِ الْعُرْفِيِّ فِي قَوْلِهِمْ الْمَذْكُورِ بِتَشْبِيهِ الْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُكَلَّفِ بِالْمُتَمَوَّلِ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ بِجَامِعِ مَطْلُوبِيَّتِهِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّعْرِيفِ إنَّمَا هُوَ ذِمَّةُ الْمُعَامَلَةِ لَا مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ ذِمَّةٌ فِي لِسَانِ أَهْلِ الشَّرْعِ مُطْلَقًا.
الرَّابِعُ: الرَّصَّاعُ مِنْ لَازِمِ الذِّمَّةِ أَنَّ الْمُقَدَّرَ فِيهَا كُلِّيٌّ لَا جُزْئِيٌّ أَيْ لِأَنَّ الْجُزْئِيَّ هُوَ الْمُعَيَّنُ وَالذِّمَّةُ لَا تَقْبَلُهُ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ كُلِّيٌّ.
الْخَامِسُ " د " قِيلَ هَذَا الشَّرْطُ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ وَأَنْ تُبَيَّنَ صِفَاتُهُ وَلَا تَبْيِينَ فِي الْحَاضِرِ وَوُجُودُهُ عِنْدَ: حُلُولِهِ وَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَهُ:
[منح الجليل] الْمُعَيَّنِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ التَّبْيِينَ إنَّمَا هُوَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ فَيَنْبَغِي الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ بِمَا قَبْلَهُ، وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّبْيِينَ قَدْ يَكُونُ فِي مُعَيَّنٍ غَائِبٍ مَوْجُودٍ عِنْدَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَلِذَا اُحْتِيجَ لِهَذَا الشَّرْطِ.
(وَكَوْنُهُ دَيْنًا) هذا هو الشرط السادس من شروط السلم؛ يعني أنه يشترط في المسلم فيه أن يكون دينا في الذمة أي يشترط أن يكون المسلم فيه لا يشار إليه بعينه، بل يكون موصوفا في ذمة المسلم إليه؛ لأنه إذا كان معينا في غير ملك البائع فالغرر ظاهر،
وإن كان في ملكه فبقاؤه على تلك الصفة غير معلوم، ولأنه يلزم منه الضمان بجعل لأن المسلم يزيد في الثمن ليضمن له المسلم إليه، ولأنه إن لم ينقد الثمن اختل شرط السلم وإن نقده كان دائرا بين الثمن إن لم يهلك والسلف إن هلك،
فَإِنْ قِيلَ: من البياعات ما يجوز بيعه على أن يقبضه بعد شهر فلم لا أجيز هنا كذلك؟ قِيلَ: هذا إنما هو في المبيع وكلامنا في المسلم،
فَإِنْ قِيلَ قد أجاز ابن القاسم كراء الدابة المعينة تقبض بعد شهرين
ويلزم عليه جواز السلم في معين إلى أجل، قِيلَ الفرق أن الدابة المعينة ضمانها من المبتاع بالعقد،
فإن اشترط تأخيرها كان ضمانها من البائع فيلزم ضمان بجعل،
بخلاف منافع العين فإن ضمانها من ربها فلم يشترط إلا ما وجب عليه. انتهى. نقله بناني عن التوضيح. لكن قول التوضيح في الجواب الأول هذا إنما هو في البيع لخ يقال عليه إن المنع في السلم إنما هو لكونه يئول إلى بيع معين يتأخر قبضه، ففي التفريق بينهما نظر. ويُجَابُ واللَّه أعلم بأن مراده أن الضمان في البيع من المشتري فليس فيه ضمان بجعل،
بخلاف السلم. وَحَاصِلُ ما يفيده كلام التوضيح والناصر اللقاني في الفرق بين السلم وبين الصورتين أن محل المنع حيث يكون ضمان المبيع من المشتري أصالة وينقل إلى البائع، وهذا مفقود في الصورتين لكون الضمان في صورة (البيع) باقيا من المشتري لم ينتقل،
وفي صورة الكراء الضمان من البائع أي المكري أصالة فلم يشترط إلا ما وجب عليه. واللَّه أعلم. قاله بناني. قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: إياك أيها الناظر لهذا المحل أن تأخذ منه أنه يجوز بيع معين يتأخر قبضه حيث اشترط الضمان على مشتريه فإنه سيأتي قول المص: "وبيعها واستثناء ركوبها" الثلاث لا جععة وكره المتوسط فإن الضمان من المشتري في المدة الجائزة والمكروهة،
ومن البائع في الجمعة لفسادها فهذا يفيد أنه لا تجوز الجمعة ولو اشترطوا الضمان من المبتاع فإنه لا ينتقل عن البائع. واللَّه سبحانه أعلم.
تنبيه: قد مر أنه يشترط في المسلم فيه أن يكون دينا أي في الذمة فاحتيج إلى بيان معنى الذمة، وعرفها القرافي بقوله: هي معنى شرعي مقدر في الكلف قابل للالتزام واللزوم أي الإلزام. قوله معنى شرعي أي يستفاد من الشرع فهو أمر اعتباري حكم به الشرع وقدر وجوده في المحل، وقوله: قابل لخ الإسناد فيه مجازي أي يقبل المكلف بسببه أن يلزم بأروش الجنايات وأجور الإجارات وأثمان البياعات ونحو ذلك، ويقبل أيضا بسببه الالتزام للأشياء،
فإذا التزم شيئا اختيارا من قبل نفسه لزمه. فقوله: واللزوم وهو مصدر ثلاثي لكنه هنا بمعنى مصدر الرباعي كما مر، قال القرافي بعد هذا التعريف: وهذا المعنى جعله الشرع مسببا عن أشياء البلوغ والرشد،
فمن بلغ سفيها لا ذمة له وترك الحجر كما في الفلس،
فمن اجتمعت له هذه الشروط رتب الشرع عليه هذا المعنى المقدر وهو الذي تقدر فيه الأجناس المسلم فيها مستقرة حتى يصح مقابلتها بالأعواض المقبوضة، وفيه تقدر أثمان المبيعات وصدُقات الأنكحة وسائر الديون،
ومن لا يكون هذا المعنى مقدرا في حقه لا ينعقد في حقه سلم ولا ثمن إلى أجل ولا حوالة ولا حمالة ولا شيء من ذلك. انتهى باختصار.
وقال ابن الشاط في حاشية الفروق: الأولى عندي أن يقال إن الذمة قبول الإنسان شرعا للزوم الحقوق دون التزامها، وعلى هذا يكون للصبي ذمة لأنه تلزمه أروش الجنايات وقيم المتلفات، أو يقال [الذمة] قبول الإنسان شرعا للزوم الحقوق والتزامها فعلى هذا يكون للصبي ذمة. انتهى. فقوله في الأول دون التزامها أي دون اشتراط قبول الالتزام: أي فليس هو عنده شرطا. والفرق بينه وبين ما للقرافي أن القبول المذكور على ما للقرافي ناشئ عن الذمة ومسبب عنها، وعلى ما لابن الشاط هو عينها واختار ذلك لعدم ارتضائه ما يقتضيه التعريف الأول من التقادير الشرعية.
قال الشيخ المُسناوي: واثبات الذمة للصبي لما ذكره من الدليل صحيح في الجملة لقول ابن عرفة في باب الغصب ما نصه: وفيها من أودعته حنطة فخلطها صبي أجنبي بشعير للمودع ضمن الصبي ذلك في ماله،
فإن لم يكن له مال ففي ذمته، ثم قال بعد أن ذكر عن ابن رشد حكم جناية غير المميز من صبي ومجنون ما نصه: الصقلي: والصبي المميز ضامن للمال في ذمته والدماء على حكم الخطإ والكبير المولى عليه في جنايته كالمالك أمر نفسه. انتهى كلام ابن عرفة. ونحوه لابن الحاجب والتوضيح في الدماء، وذلك صريح في إثبات الذمة للصبي أي وصريح فيما قاله ابن الشاط وهو اتفاق في المميز وعلى الراجح في غيره كما قاله ابن عبد السلام والتوضيح، وعليه فلا يشترط في الذمة التمييز فضلا عن التكليف.
انظر تأليف العلامة أبي عبد اللَّه المسناوي المسمى: صرف الهمة إلى تحقيق معنى الذمة. انظر حاشية الشيخ محمد بن الحسن. ونظم ابن عاصم تعريف القرافي فقال: والشرح للذمة وصف قاما … يقبل الالتزام والإلزاما وعرف ابن عبد السلام الذمة بأنها: أمر تقديري يفرضه الذهن وليس ذاتا ولا صفة لها، قال: فيقدر المبيع وما في معناه من الأثمان كأنه (في) وعاء عند من هو مطلوب به، فالذمة هي الأمر التقديري الذي يحوي ذلك المبيع أو عوضه.
انتهى. ومن تأمل علم أن ما أورد عليه ابن عرفة غير وارد عليه واللَّه سبحانه أعلم. ونظم الشيخ ميارة نحو ما لابن عبد السلام، فقال: والشرح للذمة ظرف قدرا … عند المدين فيه ما قد أنظرا وعرفها ابن عرفة واعترض الرصاع تعريفه، واعتراضه عليه ظاهر بين. واللَّه سبحانه أعلم. وقوله: وكونه دينا، قال الباجي: لا خلاف أن من شرط السلم أن يكون متعلقا بالذمة. قاله المواق.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.